لـــــم يـــعـــد الـــــجـــــدل الأكـــــثـــــر إثـــــــــارة فـي مــــوضــــوع الــــذكــــاء الاصـــطـــنـــاعـــي مـتـعـلـقا بــــمــــدى قــــــــدرة الآلــــــــة عـــلـــى الـــكـــتـــابـــة مـثـل الإنـــســـان؛ إذ تـــجـــاوزت الــنــمــاذج الـلـغـويّّــة الحديثة جانبا مهما من اختبار المحاكاة، وأصـــبـــحـــت تُُــنــتــج نـــصـــوصا مـتـمـاسـكـة، وتُُترجم وتُُلخص وتُُــحـاور، بل وتُُحاكي أنـــــمـــــاطا أدبـــــيّّـــــة وفــــكــــريّّــــة بـــــدرجـــــة تـثـيـر الـدهـشـة. إن الــســؤال الـــذي يـفـرض نفسه اليوم يبدو أكثر عمقاً، وأهمي ّّة ًً: ماذا يبقى مــن المـعـنـى عـنـدمـا تنفصل الـكـلـمـات عن التجربة الإنسانية الحيّّة التي أنجبتها؟ من ربقة هذا التساؤل ينطلق كتاب «أصـــــوات بلا ذاكـــــرة: عــن اغـــتـــراب المعنى ) لـلـدكـتـور غسان 2026( » فــي ذكــــاء الآلــــة مراد، الذي يستكشف الذكاء الاصطناعي من منطقة تتقاطع فيها الفلسفة واللغة والـــتـــكـــنـــولـــوجـــيـــا والــــعــــلــــوم الإنـــســـانـــيـــة. ويلخص العنوان مفارقته المركزية: نحن أمـــــام أصـــــوات تـسـتـطـيـع الـــــكلام بـــطلاقـــة، لـــكـــنـــهـــا تـــفـــتـــقـــر إلــــــى الــــــذاكــــــرة بــمــعــنــاهــا الإنـــســـانـــي، ذاكــــــرة الألـــــم والــــفــــرح والـفـقـد والـــخـــوف، وتـــراكـــم الـــعلاقـــات والــتــجــارب والــقــراءات والـزمـن، أي ذلـك التراكم الـذي يـجـعـل الـكـلـمـة الـبـشـريـة جــــزءا مــن سيرة صــاحــبــهــا، ولـــيـــس مـــجـــرد علامـــــة لـغـويّّــة تؤدي وظيفة داخل جملة. حين يكتب الإنسان عن المنفى، على سبيل المثال، تحمل الكلمة شيئا من وطن تـركـه أو فـقـده، وحين يستدعي الـحـب أو الموت تتداخل في لغته طبقات من التجربة والـــذاكـــرة. أمـــا الـنـمـوذج الـلـغـوي، فيصل إلـــى الـكـلـمـات عـبـر الـــعلاقـــات الإحـصـائـيّّــة والأنـــــمـــــاط الـــريـــاضـــيّّـــة المــســتــخــلــصــة مـن كـمـيـات هـائـلـة مــن الــنــصــوص. يستطيع بـنـاء خـطـاب بليغ عـن الـحـزن مـن غير أن يـخـتـبـر مــــرارتــــه، وعــــن الـــخـــوف مـــن غير أن يرتجف، وعــن المـــوت مـن غير أن يفقه معنى الفناء الذاتي. وهنا يتضح التمييز بين المعلومة القابلة للتخزين والمعالجة والاسترجاع، والمعرفة التي تتشكل داخل ذوات حيّّة تعيش في الزمن، وتتغير بما تختبره. غــــيــــر أن هــــــــذه المــــــفــــــارقــــــة تــــتــــجــــاوز التفلسف المـجـرد؛ فـالآلـة التي تفتقر إلى ذاكــــرة ذاتـــيّّـــة تـتـغـذ ّّى بـالمـبـدأ عـلـى ذاكـــرة بشرية منتقاة وغير متوازنة. وما نسميه بيانات هو حصيلة ما دو ّّنته المجتمعات ورقـــمـــنـــتـــه وحـــفـــظـــتـــه وأتــــاحــــتــــه، حـــــاملا معه تحيزاتها ومــوازيــن قـواهـا وطرائق تـــصـــنـــيـــفـــهـــا للأشـــــــيـــــــاء. وهـــــكـــــذا تــنــتــقــل التحيزات المعرفيّّة إلى قلب الخوارزميّّة؛ مـا يـفـرض طــرح أسئلة تتعلق بالتاريخ الــــــــذي تــتــعــلــمــه الآلـــــــــة، والمــــــصــــــادر الـــتـــي تمنحها الأولويّّة، والثقافات التي تمتلك حضورا رقميا يسمح لها بالمشاركة في تشكيل الإجابات. وبـــالـــنـــســـبـــة إلـــيـــنـــا فـــــي هــــــذا الـــجـــزء مــن الـعـالـم، تحتل الـلّّــغـة الـعـربـيّّــة مـوقـعا حساسا عند هذا المفصل التاريخي، فهي تـحـمـل تــــراثا نــصــيّّا هــــائلا يـمـتـد قــــروناً، في حين يبقى جانب معتبر من ذاكرتها خـــارج البنى الـرقـمـيّّــة القابلة للمعالجة الــــحــــديــــثــــة. وتـــــتـــــجـــــاوز المــــشــــكــــلــــة قــــــدرة النموذج على إنتاج نص عربي سليم إلى طبيعة العربيّّة التي يتعلمها، وحضور الـــفـــصـــحـــى والــــلــــهــــجــــات، والمــصــطــلــحــات والمراجع التي تشكل خرائطه المفاهيمية. فقد يتقن النظام العربيّّة لغوياً، في حين يستمد جــانــبا مــن تـصـوراتـه مــن معرفة تشكلت بلغات وثقافات أخرى. ومن هنا تـصـبـح رقــمــنــة الــــتــــراث وبـــنـــاء المـــدونـــات الــــلــــغــــويّّــــة وتــــطــــويــــر المــــحــــتــــوى الــعــلــمــي والفلسفي المـعـاصـر قضايا تتصل على نحو وثيق بالسيادة المعرفيّّة. يــضــع الـــكـــتـــاب هــــذه الــلــحــظــة ضمن تاريخ الثورات التي أعادت تشكيل علاقة الإنسان بالمعرفة. فقد دش ّّنت اللغة الثورة المــعــرفــيّّــة الأولــــــى، حين مـنـحـت الإنـــســـان الــقــدرة على تحويل التجربة إلــى معنى مشترك وتــداولــه مـع الآخــريــن، ثـم جـاءت الكتابة لتمنح هذا المعنى ذاكرة تتجاوز حـــدود الــفــرد والـــزمـــن، وأتــاحــت الطباعة انتشار المعرفة على نطاق واسـع، قبل أن يجعل الإنترنت المعلومات قابلة للبحث والتداول الفوري. أما الذكاء الاصطناعي الــــتــــولــــيــــدي، فـــيـــمـــثـــل نـــقـــلـــة مــــغــــايــــرة؛ إذ أصـــبـــحـــت الآلـــــــة تـــعـــيـــد تـــركـــيـــب المـــعـــرفـــة وتــلــخــيــصــهــا وتــرجــمــتــهــا وصــيــاغــتــهــا، فــي انـتـقـال نــوعــي مــن امــــتلاك المعلومات إلـى امـــتلاك الأنظمة التي تعيد إنتاجها وتقديمها للبشر. ومن هذا الانتقال يفتح «أصوات بلا ذاكـــرة» نـافـذة على صــراع الـقـوة العالمي. ففي التصورات المرتبطة بحروب الجيل الـــســـادس، تـتـداخـل الــقــوة الـعـسـكـريّّــة مع الـفـضـاء الـسـيـبـرانـي وحــــروب المعلومات والأنــظــمــة الــذاتــيّّــة وتـقـنـيـات الـتـأثـيـر في الإدراك. وتــــدخــــل الـــلـــغـــة نــفــســهــا ســاحــة الـصـراع؛ إذ تستطيع الأنظمة التوليديّّة إنـــتـــاج الـــرســـائـــل والــــصــــور والـــســـرديّّـــات ونشرها على نطاق هائل، لتصبح القدرة عــلــى تـشـكـيـل المـــجـــال المــعــلــومــاتــي جـــزءا أصيلا من القوة الاستراتيجية للدول. وتـــتـــفـــرع مــــن هـــــذا الـــــصـــــراع مــعــركــة أخلاقية تتنافس فيها الدول الكبرى على الــتــفــوق الــتــكــنــولــوجــي وصــيــاغــة قــواعــد تنظيمه في آن، في حين تمتلك الشركات الــــعــــملاقــــة الـــجـــانـــب الأهـــــــم مــــن الـــنـــمـــاذج والـبـنـيّّــة الـحـاسـوبـيّّــة والـخـبـرة التقنيّّة. فـمـن يــحــدد حــــدود المــقــبــول؟ ومـــن يـعـرّّف الضرر والتحيز؟ ومن يتحمل المسؤوليّّة عـنـدمـا تــدخــل الـــخـــوارزمـــيّّـــة فـــي التعليم والإعلام والعمل واتـخـاذ الــقــرارات؟ إنها أسئلة تنقل الأخلاق (والفلسفة) إلى مركز الصراع على مستقبل التكنولوجيا. وهذا يأخذنا إلى ما يسميه الدكتور مراد بالعلوم الإنساني ّّة الرقمي ّّة، بوصفها مـــســـاحـــة يــلــتــقــي فــيــهــا الأدب والـــتـــاريـــخ والــفــلــســفــة والـــلـــســـانـــيـــات مــــع الــحــوســبــة وتحليل البيانات. إذ يستطيع الباحثون الــــيــــوم بـــمـــســـاعـــدة الـــــذكـــــاء الاصـــطـــنـــاعـــي فـحـص ملايين الـنـصـوص وتـتـبـع تحول المـــفـــاهـــيـــم واكــــتــــشــــاف أنــــمــــاط وعلاقـــــــات يصعب رصدها بالقراءات التقليديّّة، في حين يــظــل تفسير تـلـك الأنـــمـــاط مـرتـبـطا بالسياق التاريخي والخبرة الإنسانية. وهـكـذا، تتسع أدوات البحث مـن دون أن يفقد التأويل موقعه في إنتاج المعرفة. يــفــتــح الـــكـــتـــاب الـــنـــقـــاش المـــهـــم حــول الــصــفــحــة الـــتـــالـــيّّـــة مـــن مـسـتـقـبـل الـــذكـــاء الاصــطــنــاعــي، بــالانــتــقــال مـــن المـعـالـجـات الإلـكـتـرونـيّّــة إلــى الحوسبة البيولوجيّّة والذكاء العضوي، حيث يجري استكشاف إمــــكــــان تـــوظـــيـــف الـــجـــزيـــئـــات والــــخلايــــا والأنظمة الحيّّة في معالجة المعلومات. ويعرض في هذا الإطار الأبحاث المتعلقة بـالـحـواسـيـب الـجـزيـئـيّّــة الــتــي تستخدم الـــحـــمـــض الــــنــــووي والـــبـــروتـــيـــنـــات، ومـــا تتيحه من احتمالات مختلفة للحوسبة والتخزين، إلى جانب التحديات العلميّّة الـتـي لا تـــزال تفصل الـتـجـارب المختبريّّة عن التطبيقات الواسعة. تـــــوقُُـــــظ الـــفـــضـــول فــــي هـــــذا الــســيــاق فكرة بالغة الإثارة تكاد تكون مُُستلّّة من أدب الـخـيـال العلمي، تتعلق باستخدام ) وسيطا لأرشفة DNA( الحمض النووي المـعـلـومـات الـرقـمـيّّــة. فــــالمادة الـتـي تحمل الشيفرة الوراثيّّة للكائنات الحيّّة تمتلك كـــثـــافـــة تــخــزيــنــيّّــة خــــارقــــة، وقـــــد أظـــهـــرت التجارب إمكان ترميز البيانات الرقميّّة داخـــــل تـــســـلـــسلات مـــن الــحــمــض الـــنـــووي الاصـطـنـاعـي ثــم اسـتـعـادتـهـا بـقـراءتـهـا. ويفتح ذلك تصورا جديدا للذاكرة، تنتقل فيه المعلومات مـن الشرائح الإلكترونيّّة إلى وسيط جزيئي مستمد من المادة التي تحمل تعليمات الحياة نفسها. أمــــا الاحـــتـــمـــال الأبـــعـــد، فـيـتـمـثـل في الـــتـــهـــجين الـــرقـــمـــي والـــبـــيـــولـــوجـــي، حين تتداخل الأنظمة الحاسوبيّّة مع المكونات الـــعـــضـــويّّـــة، وصـــــــولا إلـــــى تــــصــــورات عـن ذكاء يجمع خصائص العالمين. ويتناول الـــكـــتـــاب إمـــكـــان تــطــويــر أنــظــمــة تستفيد مــن الـجـزيـئـات الـبـيـولـوجـيّّــة، وأخــــرى قد تــتــفــاعــل مــــع جـــســـم الإنــــســــان ووظـــائـــفـــه، بـحـيـث تــتــشــوش الـــحـــدود الــفــاصــلــة بين الـــطـــبـــيـــعـــي والمــــصــــطــــنــــع، والـــبـــيـــولـــوجـــي والــــرقــــمــــي، والإنـــــســـــان ومـــــا يــضــيــفــه إلـــى قدراته من أدوات وتقنيات. ويـتـجـاوز مفهوم الـتـهـجين الجانب الــــعــــضــــوي لـــيـــشـــمـــل الـــــهـــــويّّـــــة والـــثـــقـــافـــة والــــــــعلاقــــــــات الاجــــتــــمــــاعــــيّّــــة. فــــالإنــــســــان المـــعـــاصـــر يــعــيــش بــالــفــعــل داخـــــل بـيـئـات هـــجـــيـــنـــة يـــــتـــــداخـــــل فــــيــــهــــا الــــحــــضــــوري والافـتـراضـي، ومـع ازديـــاد تشابك الذكاء الاصطناعي في الحياة اليوميّّة، تصبح التكنولوجيا شريكا متزايد التأثير في تشكيل التجربة الـذاتـيّّــة، وتظهر أسئلة جــــديــــدة حــــــول الــــهــــويّّــــة والـــخـــصـــوصـــيّّـــة والاخـــــتلاف وحــــدود الـتـدخـل التقني في الحياة الإنسانيّّة. ومــــــن الـــطـــبـــيـــعـــي أن تـــنـــعـــكـــس هـــذه التحولات على التربيّّة والتعليم. فحين تــتــولــى الأنــظــمــة الـــذكـــيّّـــة جـــانـــبا مــتــزايــدا مــــن الـــبـــحـــث والـــكـــتـــابـــة والــتــحــلــيــل وحــــل المــــشــــكلات، تـتـغـيـر الــــعلاقــــة بين المـتـعـلـم والمــــعــــرفــــة. ويـــصـــبـــح الـــتـــحـــدي الـــتـــربـــوي الــحــقــيــقــي مــتــعــلــقا بـتـنـمـيـة الــــقــــدرة على الــتــفــكــيــر الـــنـــقـــدي والـــتـــمـــيـــيـــز والــتــحــقــق والاستدلال، إلى جانب اكتساب المهارات الـتـقـنـيـة. كــمــا تـتـغـيـر وظــيــفــة المــعــلــم من نقل المعلومات إلـى توجيه التعلم وبناء الأســئــلــة ومــســاعــدة المـتـعـلـمين عـلـى فهم حـدود الإجـابـات التي تقدمها الآلــة. وفي المقابل، يثير الاعتماد المفرط على الأنظمة التوليديّّة مخاوف تتعلق بضمور بعض مهارات التفكير والبحث والإبداع المستقل عند المتعلمين. يـتـجـاوز «أصــــوات بلا ذاكــــرة» كونه قـــراءة فـي تكنولوجيا مستجدّّة، ليضع الإنــســان نفسه أمـــام اسـتـحـقـاقـات ثـوريّّــة تتعلق بطبيعة (ومعنى) المعرفة والذاكرة والــــوعــــي والأصــــالــــة والإبــــــــداع والـــهـــويـــة. فالآلة التي تعلمت لغتنا ببراعة دفعتنا إلـــــى إعـــــــادة الـــنـــظـــر فــــي مــفــاهــيــم اعــتــدنــا الـتـعـامـل مـعـهـا بـوصـفـهـا مــســلّّــمــات، في حين تـفـتـح احـــتـــمـــالات الـــذكـــاء الـعـضـوي والــــــتــــــهــــــجين المـــــعـــــرفـــــي والــــبــــيــــولــــوجــــي أفــــــقا تــتــغــيــر فـــيـــه الــــعلاقــــة بين الإنـــســـان والـــتـــكـــنـــولـــوجـــيـــا عـــلـــى نـــحـــو قـــــد يـــطـــول تكوينه الجسدي وقدراته الذهنيّّة. وإذا كـانـت الآلـــة تستطيع الــيــوم أن تـــقـــول الـكـثـيـر مـــن دون أن تـعـيـش حــيــاة واحــــدة، فــإن الــســؤال الـــذي يتركه الكتاب مُُــشــرعا أمـامـنـا يـتـجـاوز مـصـدر الكلمات إلــــى مـسـتـقـبـل الـــــذات الإنـــســـانـــيـــة: مـــن أي ذاكـــــــرة سـتـتـكـلـم هـــــذه الآلـــــــة؟ وبــــــأي قـــيّّـــم سـتـتـعـلـم؟ وأي مــســاحــة سـيـحـتـفـظ بها الإنسان لاستقلاله وحريته حين تصبح الـخـوارزمـيـات شـريـكا متزايد النفوذ في إنتاج المعرفة وصياغة المعنى؟ م ََن يتحم ََّل المسؤولي ّّة عندما تدخل الخوارزمي ّّة في التعليم والإعلام والعمل واتخاذ القرارات؟ Issue 17488 - العدد Thursday - 2026/10/15 الخميس كتب BOOKS 17 ما نسميه بيانات هو حصيلة ما دو ّّنته المجتمعات ورقمنته وحفظته «أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية ندى حطيط «طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء صـدرت حديثا للكاتبة والإعلامية الـــلـــبـــنـــانـــيـــة ثــــنــــاء عـــــطـــــوي، «نـــــوفـــــيلا» جــديــدة بـعـنـوان «طــيــران عـلـى مستوى مـــنـــخـــفـــض»، عــــن «مـــحـــتـــرف أوكـــســـجين للنشر». تستند قصة الكتاب إلى شخصيات حقيقية، وأحـــــداث واقـعـيـة جـــرت أثـنـاء الحرب الأخيرة على غزة ولبنان، وهي واحــــدة مــن بين آلاف الـقـصـص الـتـي لم تجد من يرويها. تـــســـتـــهـــل الـــكـــاتـــبـــة هــــــذه الـــنـــوفـــيلا بعبارة شديدة الوقع: «نحن أبناء البلاد القديمة، نخرج مـن الـصـورة مثل وطـن صــغــيــر أضـــــاع الــبــوصــلــة، فيستقبلنا عالم يتحد ّّث لغة لا نجيد ُُها» ثــم يطفو ســـؤال مـلـح إلـــى السطح: بـــأي لـغـة نخاطب الـعـالـم؟ لعلّّها اللغة الـــتـــي نــســعــى مــــن خلالــــهــــا إلـــــى تـرمـيـم الــذاكــرة ومـواجـهـة الحقائق التي تمنع محو آثـار الجريمة متعدّّدة الأبعاد. أو ربما هي تلك اللغة المنسية كأصحابها، لغة الذات وهي تحاور أطيافََها وتمنح الفرد المجهول حضورا وهوية، حتى لا يـكـون مـجـرّّد رقـــم فـي الـوجـع الجماعي والخراب العميم. ومـــــنـــــذ ســـــــــؤال الــــســــطــــر الأول مــن الكتاب «لماذا أنت هنا؟» تتوالى الأسئلة الحرجة، التي ليس لها إجـابـات: «إلـى أيـــــن تــمــضــي قـــصـــص الــــحــــرب وفـــــي أي اتجاه تسير؟ هل يمتص ّّها الغيم مخزن أسرار الأرض، أم تخترق السماء، سقف العالم وغطاء ََه؟» والــكــثــيــر مـــن علامــــــات الاســتــفــهــام والمشاعر المتناقضة بين بطلي النوفيلا: «وبـــيـــنـــمـــا يــــخــــوض ألــــيــــعــــازر الـــفـــضـــاء وعـــيـــنـــاه نـــحـــو الأرض، يـــتـــســـاءل عـلـي مـــــــوزارت: أي ســـلّّـــم بـــمـــقـــدوره الـصـعـود بــــي إلـــــى الــــســــمــــاء؟» مــــن هـــــذا المــنــطــلــق تــبــدأ كـلـمـة الــــغلاف بــســؤال أيــــضاً: «أي طـيّّــار إسرائيلي هــذا وهــو ينقض على هـدفـه ولا يقصفه؟ مـن هـو هــذا المقاتل الفلسطيني الرابض تحت الأرض وهي تُُــــزلــــزل مـــن فـــوقـــه؟ هـــل لـلـمـوسـيـقـى أن تجمعهما؟ وهـل للرسائل المـدوّّنـة على الصواريخ أن تتحو ّّل إلى أغان ٍٍ؟ أســـئـــلـــة تــضــعــنــا حــيــالــهــا الــكــاتــبــة والمــــراســــلــــة الـــحـــربـــيـــة الـــلـــبـــنـــانـــيـــة ثــنــاء عـــطـــوي، مـــازجـــة المـتـخـيـل بـالـتـوثـيـقـي، والــــوقــــائــــع بــالــقــصــص والأفــــــكــــــار، وقـــد أصبح القتل أرقاما على شاشة، والناس عـــلـــى الأرض يــتــتــبــعــون الـــنـــجـــاة عـلـى خــرائــط «غـــوغـــل»، ومــحــظــوظ مــن وجـد مدوِِّنا لحكايته». ويــتــضــم ّّــن الــكــتــاب أعـــمـــالا لـلـفـنـان الـــبـــريـــطـــانـــي تـــــوم يــــونــــغ، الــــــذي يـعـيـش متنّّقلا بين لندن وبيروت، ويعمل على مــنــشــآت فــنــيــة فـــي أمـــاكـــن مـــهـــجـــورة أو متضرّّرة كسبيل إلى بث الروح فيها. في أعمال يونغ لا ت ََنسى البلدان من دمّّــرهـا، ولا أسماء أعدائها، ولا الوجع الــــذي أصــابــهــا. لــوحــات للمشهد ذاتـــه، لـلـحـرب الـتـي تـتـكـرّّر بـأسـمـاء مختلفة، لأوطـان غطى الغبار وجهها، وتحوّّلت ببطء إلى أشجار معم ّّرة. فــــي كــتــابــهــا هــــــذا، تــــقــــد ّّم لـــنـــا ثــنــاء عطوي نص ّّا يجمع بين الأدب والتوثيق الصحافي، والفن التشكيلي والموسيقى، التي يلجأ إليها بطلا العمل في أوقات الــهــدنــة، لـيـجـدا نفسيهما بـعـد الـحـرب وقــــد جـمـعـتـهـمـا ظـــــروف غــيــر مـتـوقّّــعـة في مكان محايد، بعد عـودة كل منهما مــن صـخـب الــحــرب والمــــعــــارك.. يتحدث كـل منهما لطبيبه النفسي عـن دوافعه ومخاوفه، وعن ذكرياته المؤلمة بطريقة مختلفة. مــــن الـــفـــصـــل الـــتـــاســـع «مـــتـــســـاوون بالموسيقى» نقرأ: «يـــــقـــــول لــــصــــديــــقــــه: نــــــــؤدي المــــهــــام نــفــســهــا مـــنـــذ أشــــهــــر، ألا وهــــــي سـحـق المــــدن والمــــدنــــيين، والــقــضــاء عـلـى حـيـاة جـــديـــدة كـــل يـــــوم، واســـتـــهـــداف الأطـــفـــال بـــأعـــداد كــبــيــرة. لا أعــــرف كـيـف سنغفل عنهم عندما نرى وجوههم في الصور، ونتذكر أنفاسهم الأخيرة، وما تلفّّظوا به وهم يستغيثون في لحظات الفزع». يـــســـرح عــلــي فـــي عََـــلََـــم بلاده الـــذي رسمه أحد المقاتلين على جدران النفق. يقول لصديقه إبـراهـيـم: «عندما نعود بالأكفان مـن هـذه الـحـرب، سيعيدوننا إلــى نفق آخـــر، ويمنحوننا أوسـمـة، ثم ينثرون الورد فوقنا. ستُُغطى أجسادنا برايات ملوّّنة، تمنح موتنا قيمة عليا. لكن لـدي أمنية واحـــدة، ليتهم يتركون القبور مفتوحة». «طـــيـــران عـلـى مـسـتـوى منخفض» صـــفـــحـــة، تـــأخـــذنـــا مـن 80 نــــوفــــيلا مــــن خلالـــــهـــــا الــــكــــاتــــبــــة فـــــي رحــــلــــة ســــرديــــة توثيقية بـصـريـة تتناغم فيها ثماني لوحات للفنان البريطاني توم يونغ، مع فصول الكتاب الستة عشر، في محاولة لــتــفــكــيــك شــــيــــفــــرات الـــــحـــــرب، وتــغــلــيــب الإنـــســـانـــي عـــلـــى مـــشـــاهـــد الـــعـــنـــف الــتــي أصــبــحــت المــشــهــد الأول فـــي يـومـيـاتـنـا العربية. وكــــان الـــــغلاف مـــن تـصـمـيـم إيـهـاب فياض. ثــــنــــاء عــــطــــوي كـــاتـــبـــة وإعلامــــــيــــــة، عملت مراسلة حربية على خطوط النار لسنوات، ونشرت تقارير محلية وعربية عـن الــحــرب. مـن إصــداراتــهــا: «تـحـو ّّلات المثقفين اللبنانيين منذ ستينيات القرن الـعـشـريـن»، و«وســــواس» سـيـرة روائـيـة وهــــــواجــــــس حــــــرب صــــــــدرت بـــالـــعـــربـــيـــة والــفــرنــســيــة، ودراســــــة بـحـثـيـة بـعـنـوان «الأسرى المحررون من أوهام الواقع». لندن: «الشرق الأوسط» «عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصن ّّع عــــــن «مـــــؤســـــســـــة شــــمــــس لــلــنــشــر والإعلام»، بــــالــــقــــاهــــرة؛ صــــــدر كــتــاب «عـــصـــر الــــتــــزيــــيــــف... هـــنـــدســـة الـــوعـــي وإعــــــــــــادة بـــــنـــــاء الــــحــــقــــيــــقــــة»، لـــلـــكـــاتـــب والمـــفـــكـــر الـــعـــراقـــي «عــــبــــاس الــــنــــوري»، الــــذي يـسـعـى فـــي كــتــابــه لمــحــاولــة فهم الــــتــــحــــولات الــعــمــيــقــة الــــتــــي يــشــهــدهــا الوعي الإنساني في زمـن تتداخل فيه الحقيقة بالوهم، والمعرفة بالضجيج، والاختيار بالتوجيه الخفي. الــــكــــتــــاب يُُـــــعـــــد مــــــشــــــروعا فــــكــــريا يسعى إلـــى قــــراءة الـتـحـولات العميقة التي يشهدها العالم في مجال الوعي والإدراك وصناعة الـسـرديـات، ويفتح بــــابا مــهــما لـلـتـأمـل فـــي آلـــيـــات تشكيل الـــــوعـــــي، بـــوســـفـــه ضــــــــرورة بــــقــــاء، فـي زمــــن تــتــســارع فــيــه مـــحـــاولات الـتـأثـيـر عـلـى الـعـقـول وإعــــادة تشكيل الإدراك، وباعتبار أن الإنسان ليس مجرد وعاء تُُلقى فيه الأفــكــار، بـل كـائـن قـــادر على مراجعة قناعاته واستعادة استقلاله الفكري. يـــنـــطـــلـــق «عــــصــــر الــــتــــزيــــيــــف» مـن ســـؤال جــوهــري: لماذا أصـبـح الإنـسـان، رغـــــم وفــــــرة المـــعـــلـــومـــات، أكـــثـــر ع ُُـــرضـــة للالتباس وصناعة القناعات الموجهة؟ وهــــل الــتــزيــيــف يـقـتـصـر عــلــى الأخــبــار الكاذبة والمعلومات المضللة، أم يمتد إلــــى تــوجــيــه الـــوعـــي والإدراك والــقِِــيــم والحقائق؟ ويقدم إطارا فكريا لتحليل آلـــيـــات الــتــأثــيــر فـــي الــــوعــــي، وتـنـاقــش دور الإعلام، والـخـوارزمـيـات، واللغة، والخوف، والتكرار، في تشكيل الإدراك الإنـــســـانـــي. ولا يـكـتـفـي بالتشخيص، بــــل يـــطـــرح رؤيــــــة عــمــلــيــة لـــبـــنـــاء وعـــي نقدي يعزز قدرة الإنسان على التمييز بين الحقيقة والـــوهـــم. كـمـا يـلـفـت إلـى أن أخـــطـــر أشــــكــــال الـــتـــزيـــيـــف هــــو ذلـــك الــــذي يـتـخـفـى خـلـف شـــعـــارات الـحـريـة والاختيار. ويـشـيـر الــكــتــاب إلـــى أن الـتـزيـيـف الـــيـــوم «لــــم يــعــد حـــــدثا عـــابـــرا أو حـالـة اسـتـثـنـائـيـة، بـــل أصــبــح بـنـيـة عميقة، يــــعــــاد مـــــن خلالـــــهـــــا صـــيـــاغـــة الــــوعــــي، وتشكيل إدراك الإنسان للعالم، ومن ثم يمثل الكتاب محاولة فكرية لفهم هذا العصر، وتحليل آليات إنتاج (الوعي المـــصـــنّّـــع)، وبـــيـــان كـيـف تــــدار الحقيقة وتــــعــــاد هـــنـــدســـتـــهـــا، مــــع الـــســـعـــي إلـــى حماية الإنـسـان من الانـخـداع بالوهم، ليحافظ على إنسانيته وقــدرتــه على التفكير الحر». القاهرة: «الشرق الأوسط»
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky