لا يعزُُب عن الـــدارسين والمـــؤرخين للعلوم وتاريخها، ولـلـظـواهـر وجــذورهــا ومـصـادرهـا أن الإمــســاك بتلابيبها والـــغـــوص فــي أصـلـهـا مــن المــهــام الــكــبــار الــتــي أخــــذت وقــتا طويلا حتى تصل إلى النضج التي باتت عليه في مجالات البحوث والأكاديميات بالعالم. مــع كــل مــوجــة نـضـوب بحثيّّة أو انــهــيــارات تحليلية تنبري بعض العقول اللامعة لوضع خ ُُط ّّاطات بحثيّّة تتبع كـل مفهوم مـن جـــذره بـحـثا عـن وثائقه وتـاريـخـه، ومــن ثم إدماجه في مجال التحليل ليأخذ دورته التنقيبية الشاملة قـبـل أن يـصـل المـهـتـم إلـــى «المــعــيــار» الملائــــم الـــذي عـلـى أثــره ينسب هـــذا المــوضــوع إلـــى مــجــالات تـاريـخـيّّــة أو فـكـريّّــة أو اجتماعيّّة أو نفسية. حـــدث هـــذا فــي مــجــالات عــديــدة اقتنصها المختص ّّون لإدراك «الـــكُُـــنْْـــه» الــــذي تنبجس مــنــه، ولــئــن اســتــعــزّّت هـذه الـبـحـوث فـي الــقــرون السابقة تـحـديـدا مـن الــســادس عشر، فإنها في القرن العشرين ستأخذ صياغة علميّّة تحليلية أركيولوجية محكمة، ومـن ذلـك على سبيل المثال ما فعله مـيـشـيـل فـــوكـــو بــأبــحــاثــه الـتـوثـيـقـيـة لــلــجــنــون والــســجــون والمصح ّّات وسواها. يهمنا فـي هــذه المـسـاحـة ضــرب المـثـال بنظريّّته حول ُُــكــم ََــه، «ولادة الـــعـــيـــادة» لأنــــه أعـــــاد لمـــوضـــوع «المـــعـــيـــار» ح فالصح ّّة هـي معيار تشخيص المـــرض وهــكــذا، ومــن جهة أخرى لأن الكتاب تشع ّّب في النواحي البيئية والعدوى التي مــردّّهــا تـحـو ّّل الأســـرة إلــى جــزء مـن «حـالـة الطبيعة» التي يترعرع فيها المرض، بالإضافة إلى ثيمات أخرى يستعين بها فوكو مثل معاني تنظيم الطب وتط ّوّره لصالح الأنوار والــحــريّّــة، فكما أن ثـمـة مـــرضا تـاريـخـيا مــــردّّه إلـــى الـواقـع والقانون، فإن ثمة أمراضا أخرى فلسفية وفكريّّة وخرافية مردّّها «الوباء التكويني». ثم يسرد علينا فوكو كيف أن التدريب الط ّبّي ما ح ُُلّّت مشكلته إلا بتنظيم التعليم، وآية ذلك أن المرض والوفاة قد ّّما المزيد من «الدروس» في المستشفيات، فالإصلاح التعليمي ساهم في تمتين «أشكال من التجربة» في المعالجة، ضمن معرفة المرض بالذات وإنما «أشد أصوليّّة»، وبحسب فوكو فــ«فـي الـقـرن الثامن عشر أصـبـح نـظـام التربية والتعليم، بصفته منظومة لمعايير التأهيل متمفصلا بشكل مباشر مع نظرية تمث ّّل الأفكار وترابطها. لقد كانت طفولة الأشياء والناس وشبابهما مشحونين بسلط ٍة غامضة، ألا وهي أن تنطلق بـولادة الحقيقة وتقرّّبها، وعليه صار الطفل سيّّد الـكـهـل مـــن بـــاب أن الــتــدريــب الـحـقـيـقـي يـتـمـاهـى مـــع نـشـأة الحقيقي ذاته». من هذه الزاوية لدى فوكو يمكننا استثمار منهجيّّته بغية فهم أشد دقة ورصانة لمفهوم مر ََضي هو الآخر وأعني به «الإرهاب». إذ المرض بوصف فوكو «ليس سوى تجميع .)138: للأعراض». (ولادة العيادة-ص لقد ظلّّت الـكُُــراسـات والأفــكــار والـحـمـولات التحليلية تــجــتــهــد مـــن أجــــل تـنـفـيـذ حـــصـــاريْْـــن أســــاســــيين؛ أولــهــمــا: الحصار في الـواقـع عبر الضرب الأمني ووضــع سياسات تــــربــــويّّــــة حــــاذقــــة لـــصـــيـــاغـــة اســـتـــراتـــيـــجـــيـــة نـــحـــو مـجـتـمـع رشـيـد، ويندغم مـن استراتيجيا الأمــن المـوضـوع التعلمي والتربوي، وقد تفو ّّقت حكومات عديدة من أجل تطوير هذا المعنى والوصول إلى الهدف الأساسي وهو نبذ الإرهـاب، لكن الأحـــداث تثبت أن للإرهـــاب حيله وطـرقـه ومخاتلاته. ثـانـيـهـمـا وهــــو الأكـــثـــر وعــــــورة وهــــو الــبــحــث عـــن «الـــجـــذر» للإرهــاب. هناك اخـتلاف في ادعـاء القبض على جذره على سبيل المـثـال وهــو خلاف محتدم بين بعض المتخصصين الـــتـــقـــلـــيـــديين المُُــــرشــــديــــن، وبين الأكــــاديــــمــــيين والـــفلاســـفـــة ن الـتـفـاسـيـر والمــفــكّّــريــن، ثـــم يـنـقـسـم الــفلاســفــة أنـفـسـهـم بي ْن الجزئية الأخـرى التي تتعلق بالجغرافيا والتاريخ وليس انتهاء بالقناعات والتفسيرات. غير أن وضع «معيار» لضبط الإنسان الإرهابي وغيره العادي المنضوي ضمن مجتمعه وقانونه ودولته لم يحسم بعد، وهذا مؤشر خطير على مستوى «الهشاشة النظريّّة» التي تورّّط بها من يُُنتظر منهم مقاربات أكثر دقة وفعالية لئلا تبقى الظاهرة منفلتة تهدد المجتمع وتجدد من طرقها في سبيل التحايل على المجال العام. الـخلاصـة؛ أن الإرهـــاب، أمـا وقـد تفوقت العديد من الــدول في ضربه أمنيا وحصاره تربويا وإرشـــادياً، فإن الكرة الآن بملعب الباحثين... أن يحاصروا الإرهاب نظريا فمن دون هـذا الـطـو ْْر مـن الـجـرأة فـإن الإرهـابـي سيعاود ويكرر جرمه كلما وجد فرصته مواتية. فالإرهابي طوال الــوقــت يخطط لإيــجــاد درْْب لتنفيذ الـجـريـمـة، وحين لا تكون ضربتنا الفكرية للإرهاب عنيفة وشاملة وساحقة، فإنهم بكل عدوانهم سوف يختالون بأنصاف العمليّّات الناجحة لديهم معتبرين أن الدروب كلها ساحات متاحة لاستهداف البشر. تتزايد الدعوات إلى الحوار السوداني - السوداني، ويحظى مبدأ الحوار، في أوساط شعبية وسـيـاسـيـة ومجتمعية، فـــضلا عن أطـــــراف إقـلـيـمـيـة ودولـــيـــة، بـتـرحـيـب واســـع، كما تتلقى جهود اللجنة المعنية بالتهيئة لـــه تــأيــيــدا يـعـكـس إدراكا مــتــنــامــيا لـحـاجـة البلاد إلى مخرج من أزمتها. فالحوار، مهما تعقدت الظروف وتباينت المواقف، يظل أحد أهـم السبل المتاحة لمعالجة الأزمـــة الراهنة، ومعالجة الاخــتلالات التي ظلت تعوق بناء الدولة السودانية منذ الاستقلال. لا يـــعـــنـــي ذلـــــــك غـــــيـــــاب الـــــــرافـــــــضين أو المـــــعـــــرقـــــلين، فـــالـــتـــبـــايـــن فـــــي المــــــواقــــــف جــــزء مـــــن طـــبـــيـــعـــة الــــســــيــــاســــة، كــــمــــا أن تـــشـــابـــك المصالح الداخلية والـخـارجـيـة يـزيـد الأزمــة تـعـقـيـداً. لـكـن الـــرهـــان الأســـاســـي يـبـقـى على الـــســـودانـــيين أنـفـسـهـم، وعــلــى قــدرتــهــم على تـقـديـم المـصـلـحـة الـوطـنـيـة عـلـى الـحـسـابـات الحزبية والشخصية، والاتـفـاق على أسس تعالج أسـبـاب الأزمــــات والـــحـــروب، بـــدلا من الاكتفاء بتسويات مؤقتة تعيد إنتاجها في المستقبل. إن فرصة سانحة للحوار متاحة اليوم، وإهدارها قد يجعل الوصول إلى الحل أكثر صعوبة وكلفة. فكلما تأخرنا في الحل، زادت الأزمة تعقيداً، خصوصا مع استمرار الحرب وتـــســـارع المــتــغــيــرات والــــتــــدخلات الإقليمية والدولية. فلماذا إغلاق نافذة يمكن أن تفتح طريقا نحو السلام والاستقرار؟ لا يمكن لعاقل، أو حادب على مصلحة الـــوطـــن والمـــواطـــن أن يــرفــض الـــحـــوار، أو أن يضع حساباته أو طموحاته فـوق مصلحة الـــــوطـــــن. المــــعــــارضــــة ســـهـــلـــة، لـــكـــن بـــــــدلا مـن الرفض، قدموا الحلول والأفكار، كي توضع عــلــى طـــاولـــة الــبــحــث مـــع الــجــمــيــع، فلا أحــد يستطيع احتكار الـحـل، ومــصــادرة أصــوات بقية مكونات المجتمع. الـحـوار ضــرورة لا تـرف سياسي. تنبع أهـمـيـتـه أولا مـــن كـــونـــه تـعـبـيـرا عـــن الإرادة الوطنية، يتيح للسودانيين صياغة رؤيتهم لمــســتــقــبــل بلادهـــــــــم بـــأنـــفـــســـهـــم، بـــعـــيـــدا عـن الإملاءات والتجاذبات التي قد تقدم مصالح الآخرين على احتياجات السودان. وثـــانـــياً، يــوفــر الـــحـــوار فــرصــة لمعالجة جــــذور الأزمـــــة، لا مـظـاهـرهـا وحـــدهـــا. فمنذ ، تـعـثـر الــــســــودان في 1956 الاســــتــــقلال عــــام بناء مشروع وطني جامع يستوعب تنوعه، ويحدد طبيعة الدولة ونظام الحكم، ويحقق التنمية المتوازنة. وثــــــــالــــــــثاً، يــــمــــكــــن لـــــلـــــحـــــوار أن يــكــســر الاستقطاب السياسي والاجتماعي، وينقل الــقــوى المتنافسة مــن تــبــادل الاتــهــامــات إلـى البحث عن أرضية مشتركة. ويتطلب ذلك ألا يقتصر على النخب والأحـزاب، بل أن يشمل الـقـوى المدنية المتنوعة، والإدارات الأهلية، والمـــكـــونـــات الــديــنــيــة، والـــشـــبـــاب، والــنــســاء، والنازحين واللاجئين، والمغتربين، وضحايا الحرب، وممثلي الأقاليم والمجتمعات التي عـانـت الـتـهـمـيـش. فكلما اتـسـعـت المـشـاركـة، زادت فـــرص أن يـعـبـر الاتـــفـــاق عـــن تطلعات السودانيين، لا عن موازين القوى بين أطراف الصراع وحدها، عسكرية أو سياسية كانت. لماذا تعثر السودان؟ لا يمكن فهم الأزمــة السودانية الراهنة بمعزل عن تاريخ طويل من إخفاقات الحكم. فـقـد تـعـاقـبـت الأنـظـمـة المـدنـيـة والـعـسـكـريـة، وتـــــكـــــررت الانــــــقلابــــــات والــــــحــــــروب، دون أن تـنـجـح الــنــخــب فـــي إرســــــاء قـــواعـــد مـسـتـقـرة لــتــداول السلطة أو بـنـاء مـؤسـسـات وطنية قوية ومستقلة. وغلبت في محطات كثيرة حـسـابـات الـبـقـاء فــي الـحـكـم عـلـى متطلبات بــــنــــاء الــــــدولــــــة، كـــمـــا أضـــعـــفـــت المــحــســوبــيــة والــفــســاد وســــوء الإدارة ثـقـة المـــواطـــنين في مؤسساتهم. وفـي الـوقـت نفسه، أسهمت السياسات المركزية فـي تعميق شعور قطاعات واسعة مـــــن الـــــنـــــاس بـــالـــتـــهـــمـــيـــش، بـــيـــنـــمـــا أخـــفـــقـــت الحكومات المتعاقبة في إدارة التنوع الثقافي والإثني والديني باعتباره مصدر قوة، وفي بناء هوية وطنية تتسع للجميع على أساس المواطنة المتساوية. وزادت الأزمـــــات الاقــتــصــاديــة، وضـعـف الاســتــثــمــار فـــي الـتـعـلـيـم والـبـنـيـة الـتـحـتـيـة، والاعتماد على موارد محدودة، من هشاشة الــــدولــــة. كــمــا تـــداخـــلـــت المـــصـــالـــح الإقـلـيـمـيـة والدولية مع الصراعات الداخلية، الأمر الذي جعل تسوية الأزمـــة أكثر تعقيداً. ومـع ذلـك، فــــإن إرجـــــاع تـعـثـر الــــســــودان إلــــى الـــتـــدخلات الــــخــــارجــــيــــة وحـــــدهـــــا يـــتـــجـــاهـــل مـــســـؤولـــيـــة الـــداخـــل، مـثـلـمـا أن تـحـمـيـل الـنـخـب وحـدهـا المسؤولية لا يفسر جميع العوامل التاريخية والاقتصادية والاجتماعية التي أسهمت في الأزمة. إن الاعــــتــــراف بــأخــطــاء الماضـــــي ينبغي ألا يـــتـــحـــول إلـــــى مــحــاكــمــة مــفــتــوحــة تـعـطـل المــســتــقــبــل، بـــل إلــــى نــقــطــة انــــــطلاق لإصلاح حـقـيـقـي. ويـقـتـضـي ذلـــك أن يـفـضـي الــحــوار إلـــى خـريـطـة طـريـق واضــحــة تهيئ الـظـروف لانـتـقـال يـقـود إلــى انـتـخـابـات حــرة ونـزيـهـة، وتساهم في تحقيق وقـف الحرب، وترسيخ سيادة القانون، وتحقيق العدالة والمساءلة، وإطلاق عملية وطنية لمعالجة المظالم وجبر الضرر. ولـــن يـكـتـمـل هـــذا المـــســـار مـــن دون رؤيـــة اقتصادية واجتماعية تعيد بناء ما دمرته الــحــرب، وتـوفـر فــرص الـعـمـل، وتستثمر في التعليم والتنمية المتوازنة، وتضمن توزيعا عادلا للموارد والفرص. فالسلام ليس مجرد توقف للقتال، بل هو أيضا شعور المواطنين بــالإنــصــاف والأمـــــان، وثقتهم فــي أن الـدولـة ملك لهم جميعاً. إن الحوار ليس ضمانة تلقائية للنجاح، فنجاحه مرهون بجدية المـشـاركين، وشمول العملية، والالتزام بتنفيذ مخرجاتها. أمــــام الـــســـودان فــرصــة يـنـبـغـي ألا تضيع. فــهــل تـسـتـطـيـع قـــــواه الــســيــاســيــة والمـجـتـمـعـيـة أن تـتـجـاوز أي حــســابــات، بـاسـتـثـنـاء مصلحة الوطن؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد، إلى حد بعيد، ما إذا كان الحوار مدخلا إلى تأسيس دولة جديدة على المواطنة والعدالة والسلام، أم حلقة أخرى في سلسلة الفرص المهدرة. كـــان يُُــنـظـر إلـــى الــذكـــاء الاصـطـنـاعـي عـلـى أنـه تـكـنـولـوجـيـا مستقبلية مــن نـسـج روايـــــات وأفلام الـخـيـال الـعـلـمـي، لكنه أصـبـح حقيقة واقـــعـــة، ولـه الــقــدرة عـلـى الـتـأثـيـر عـلـى جميع مــجــالات حياتنا الــيــومــيــة فـــي عــلــم الـــوظـــائـــف والـــرعـــايـــة الـصـحـيـة والأنـشـطـة الـبـشـريـة... وذلـــك بفضل التكنولوجيا الحديثة. ويُُعتقد أن الـذكـاء الاصطناعي سيكون قــادرا على أداء جميع المهام التي يقوم بها البشر بـــكـــفـــاءة عـــالـــيـــة جــــــدا تــــفــــوق الـــبـــشـــر، وســـيـــتـــفـــو ّّق عـلـى مـجـمـوع ذكــــاء الـبـشـريـة جـمـعـاء بـحـلـول عـام )، كـمـا صــــرّّح إيــلــون مــاســك لمجلة 2031 أو 2030( «الإيكونوميست»، وحذّّر من أن البشر قد يفقدون الــســيــطــرة تـــمـــاما عــلــى هــــذه الــتــكــنــولــوجــيــا خلال السنوات العشر المقبلة. هـــــكـــــذا أضـــــحـــــى الــــــذكــــــاء الاصــــطــــنــــاعــــي أحــــد الـعـوامـل المــؤثــرة فــي الاقـتـصـاد الـعـالمـي ومــســارات نـمـوه، ولــم يعد مـجـرّّد تقنيّّة متقدّّمة تنتمي إلى عالم التكنولوجيا. وأخـذ يتعاظم دوره اليوم في توجيه وصناعة القرار والإنتاج وإدارة المؤسسات والأسواق وفي طبيعة النشاط الاقتصادي العالمي نفسه، بحيث يمر الاقتصاد العالمي اليوم بمنعطف جـــذري جــديــد؛ إذ لــم تََــعُُــد فـيـه الــوفــرة الرأسمالية والمـوارد الطبيعية والقوى العاملة وحدها المحرك الأساسي للنمو، بل دخلنا حقبة جديدة تتصدّّر فيها الـقـدرة على امــتلاك البيانات والتكنولوجيا واستثمارها والسيطرة عليها لتوليد ثروات وقيم اقتصادية مبتكرة. لـــم يـــع ُُـــد الــــذكــــاء الاصــطــنــاعــي مـــجـــرّّد مـفـهـوم علمي يقتصر على أفلام الخيال العلمي، بل تحو ّّل بسرعة ليصبح المـحـرّّك الأسـاسـي لنمو الاقتصاد الحديث والركيزة الأولى في إعادة تشكيل مفاهيم الإنتاجية والكفاءة في سوق العمل العالمي. مـــن خلال قــدرتـــه الـفـائـقـة عـلـى أتـمـتـه كميات هائلة من العمليات المعقّّدة وتحليل البيانات بدقة متناهية، يفتح الـذكـاء الاصطناعي آفـــاقا جديدة للشركات والدول لتعزيز تنافسيتها. يـــتـــجـــلّّـــى الــــــذكــــــاء الاصــــطــــنــــاعــــي فـــــي أدواره الإيـجـابـيـة فــي وقـــت يـبـحـث فـيـه الـعـالـم عــن آلـيـات جديدة لدفع عجلة النمو؛ ليبرز الذكاء الاصطناعي كـــقـــو ّّة دافـــعـــة تــعــيــد تـشـكـيـل المــشــهــد الاقـــتـــصـــادي بـالـكـامـل. لـم يـعُُــد الأمـــر طـفـرة تكنولوجية عـابـرة، بـل أصـبـح تــحــوّّلا جـــذريا فـي بيئات العمل يسهم مـــبـــاشـــرة فــــي رفـــــع مـــــعـــــد ّّلات الإنـــتـــاجـــيـــة وخــفــض التكاليف التشغيليّّة للمؤسسات بمستويات غير مسبوقة. تـكـمـن الـــقـــوة الـحـقـيـقـيـة لـــهـــذه الــتــقــنــيّّــات في قــدرتــهــا الــعــالــيــة عــلــى مــحــاكــاة الــــقــــدرات الـذهـنـيـة البشرية، وتعويضها جـزئـيا أو كـلـيا فـي وظائف معقّّدة. ومن خلال تولّّيه المهام الروتينية والمكرّّرة مثل معالجة البيانات الضخمة، وإجراء العمليات الحسابية بالغة التعقيد. نجح الذكاء الاصطناعي في تحرير رأس المال البشري للتركيز على الابتكار والتخطيط الاستراتيجي، منجزا تلك المهام بسرعة فائقة ودقة متناهية. علاوة على ذلــك، أحـدثـت خـوارزمـيـات التنبّّؤ ثورة، حيث باتت المؤسسات اليوم قادرة على توقّّع توج ّّهات المستهلك المستقبلية في علاقة الشركات بـــأســـواقـــهـــا. هـــــذا الـــتـــحـــو ّّل الـــرقـــمـــي أســـهـــم بـشـكـل ملموس في تقليص هامش الخطأ البشري، ومنح الشركات قدرة استباقية تضمن لها كفاءة الإنتاج وتجنّّب الهدر المالي. ومـع ذلــك، فـإن الـوجـه المـشـرق للتقنية يوازيه جــانــب مـظـلـم يـثـيـر مــخــاوف الــخــبــراء والمـــشـــرّّعين. وتتبلور هذه المخاوف في مسألة «الاعتماد المفرط» على الـخـوارزمـيـات فـي اتـخـاذ الـــقـــرارات الحيوية. فــالانــدفــاع نـحـو تـفـويـض الآلــــة بـالـكـامـل فــي رسـم السياسات الاقتصادية والمالـيـة يضع المجتمعات أمام تحدّّيات قانونية شائكة؛ لعل أبرزها معضلة «المسؤولية الجنائية والمدنية»: فمن يتحمّّل وزر الـخـطـأ عـنـدمـا تـتـسـبّّــب هـــذه الأنـظـمـة فــي خسائر فادحة أو أزمات معيشية؟ إن الأزمة الحقيقية تكمن في أن قرارات الذكاء الاصطناعي تـصـدر مــجــرّّدة مـن أي بُُــعـد إنساني؛ مـا يجعلها عـاجـزة عـن استيعاب «الاسـتـثـنـاءات» التي يفرضها الواقع البشري في حال مراعاة ظرف استثنائي تحقيقا للعدالة الاجتماعية والإنسانية، حـيـث تـفـتـقـر الآلــــة تـــمـــاما لــهــذا «الــضــمــيــر»؛ مـــا قد يــــؤدي إلـــى اتــخــاذ قـــــرارات «مـمـنـهـجـة» غـيـر عـادلـة ومجحفة بحق الأفراد والمؤسسات. تتصاعد المــخــاوف والـتـحـذيـرات الـدولـيـة من التداعيات العميقة والمخاطر غير المحسوبة للذكاء الاقـــتـــصـــادي عــلــى الاقـــتـــصـــاد الـــعـــالمـــي، حــيــث يــرى خـبـراء المال والأعـمــال أن الطفرة التكنولوجية قد تــكــون «هــــزّّة ارتــــداديــــة» تـعـيـد رســـم خـريـطـة سـوق العمل بالكامل. وتتمحور أبرز المحاذير حول تفاقم أزمة البطالة الهيكلية نتيجة الأتمتة السريعة التي تهد ّّد ملايين الوظائف - ليس فقط التقليدية منها، بل والمهنية المتقدمة أيضا -؛ ما قد يؤدي إلى اتساع فجوة عدم المساواة الاقتصادية وتعميق الفوارق الطبقية بين الـدول المتقدمة تكنولوجيا والنامية. علاوة على ذلك، يحذ ّّر المحلّّلون من مخاطر احتكار الشركات الكبرى لتقنيات الذكاء الاصطناعي؛ ما يــقــو ّّض المـنـافـسـة الــعــادلــة، فــــضلا عــن الـتـهـديـدات المـرتـبـطـة بــالأمــن الـسـيـبـرانـي، والـتـزيـيـف العميق الممنهج الـــذي يمكن أن يــزعــزع اسـتـقـرار الأســـواق المالــيــة مــن خلال بــث معلومات مضلّّلة؛ مـا يضع صــنّّــاع الــقــرار أمـــام تـحـد مـصـيـري يــــوازن بين دعـم الابتكار وفرض ضوابط صارمة لحماية الاستقرار الاقتصادي. لا يمكن النظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة تـكـنـولـوجـيـة عـــابـــرة، بـــل هـــو مـــحـــرّّك أسـاسـي لصياغة ملامـــح الاقـتـصـاد الـعـالمـي الـجـديـد. ومـع ذلـــك، فــإن نـجـاح هــذا الـتـحـو ّّل الاقـتـصـادي مرهون بمدى قـدرة الحكومات والمؤسسات على مواجهة تـحـدّّيـاتـه، لا سيما فيما يتعلق بــأمــان الـوظـائـف وفـــجـــوة الـــتـــوزيـــع الـــعـــادل لـــلـــثـــروات. إن المستقبل الاقـــتـــصـــادي لـــن يـــكـــون لمـــن يـمـتـلـك الـتـكـنـولـوجـيـا فـحـسـب، بــل لمــن يتقن توجيهها لـخـدمـة البشرية وضمان نمو شامل ومستدام. هــــل يــبــتــلــع تـــســـونـــامـــي الــــذكــــاء الاصــطــنــاعــي الاقتصاد العالمي أم يعيد تشكيله؟ Issue 17488 - العدد Thursday - 2026/10/15 الخميس هل تستطيع قوى السودان السياسية والمجتمعية أن تتجاوز أي حسابات باستثناء مصلحة الوطن؟ الكرة الآن بملعب الباحثين... أن يحاصروا الإرهاب نظريا لأن الإرهابي سيكرر جرمه كلما وجد فرصته مواتية فهد سليمان الشقيران عثمان ميرغني سعاد كريم OPINION الرأي 14 السودان: فرصة الحوار الذكاء الاصطناعي يقود قاتلة الاقتصاد العالمي المستقبل الاقتصادي لن يكون لمن يمتلك التكنولوجيا فحسب... بل لمن يتقن توجيهها لخدمة البشرية دروب الإرهاب وأسئلة «الجذر» و«المعيار»
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky