issue17485

تطرح عملية «فجر اليمن»، التي أطلقتها القوات الــحــكــومــيــة الــيــمــنــيــة فـــي الأســــبــــوع الماضـــــــي، بــإســنــاد جوي من التحالف بقيادة السعودية، بهدف استعادة مـــؤســـســـات الــــدولــــة وإنــــهــــاء ســـيـــطـــرة الـــحـــوثـــيين عـلـى صـــنـــعـــاء، ســـــــؤالا يـــتـــجـــاوز المـــواجـــهـــة الــعــســكــريــة إلـــى مـــدى قــــدرة دولـــيـــة وعــربــيــة عـلـى بــنــاء مــوقــف مشترك مـن التهديد الـــذي تمثله الجماعة ومــن خلفها إيـــران؛ فالاعتداءات الحوثية على السعودية والملاحة في «باب المندب» تكشف مأزقا يطول العالم كله: جماعة مسلحة انــــقلابــــيــــة، مــرتــبــطــة بــــ«الــــحــــرس الـــــثـــــوري»، تـسـتـطـيـع الضغط على أمــن جــوارهــا ومـصـالـح تـجـاريـة واسـعـة، فـيـمـا تـتـبـايـن المــقــاربــات لمـواجـهـتـهـا. وبين مــن يعطي الأولـــويـــة لــلــردع المـبـاشـر، ومـــن يــراهــن عـلـى الـوسـاطـة، ومــن يسعى إلــى تحييد مصالحه، يـبـرز ســـؤال كيفية منع تحوّّل هذه التباينات إلى مدخل لتوسيع النفوذ الإيراني؛ فالمشكلة تتََّصل بالتشتت في تحديد مصدر التهديد وشـروط التعامل معه، بقدر اتصالها بأدوات الحماية. ولا يعني التشتت غياب التحرك، كما لا يفترض الـعـمـل المــشــتــرك تـطـابـق مـصـالـح الــــــدول؛ فـالـجـغـرافـيـا والـقـدرات والـعلاقـات الخارجية تجعل تكلفة المواجهة مختلفة، وتفسر تنوع الـخـيـارات. لكن خصوصية كل دولــة لا ينبغي أن تمنع الاتـفـاق على قـاعـدة سياسية مـبـدئـيـة: لا يـحـق لجماعة مسلحة اسـتـخـدام الساحل اليمني لتهديد جيرانها، أو فرض شروط على الملاحة. ويمكن الاختلاف على وسائل تطبيق هذه القاعدة، من دون التساهل في أصلها، أو التعامل مع قدرة الحوثيين على الإضرار باعتبارها مصدرا لسلطة مشروعة. وتستفيد الجماعة من تباين المقاربات حين تتعامل مع الدول؛ كل على حدة، أو تمنح بعضها تهدئة وتبقي الضغط على أخرى. وليس كل تفاهم منفرد ضاراً؛ فقد يخفف التصعيد ويـفـتـح طــريــقا لتسوية أوســــع، لكن قيمته تُُختبر بأثره على الأمــن المشترك وبمدى منعه نقل التهديد إلى الجيران؛ فإذا أصبحت حماية المصالح الوطنية الغاية الوحيدة، فقد تتراجع دوافع التعاون، وتبقى قدرة الحوثيين على التحكم في إيقاع التصعيد قــائــمــة، بـمـا يـسـمـح لـهـا بـتـوسـيـع نــفــوذهــا واسـتـثـمـار الخلافات. وتحتل السعودية موقعا محوريا في تجاوز هذا المأزق، وهي تواجه هجمات حوثية مباشرة على أمنها ومنشآتها؛ فثقلها السياسي والاقتصادي وعلاقاتها العربية والدولية يتيحان لها الدفع نحو توافق يربط حـمـايـة الملاحـــــة بــأمــن الـــــدول والـــســـيـــادة الـيـمـنـيـة. لكن نجاح هذا الـدور يحتاج إلى تحويل مواجهة التهديد مـــن عــــبء تـتـحـمـلـه المــمــلــكــة إلــــى مــســؤولــيــة مـشـتـركـة؛ فــاســتــهــداف الــســعــوديــة يـمـس أيــــضا اســتــقــرار الـطـاقـة والاستثمار والتجارة، ولا يمكن اختزاله في مواجهة تخص ُُّها وحدها. ويـقـتـضـي ذلـــك مـــبـــادرة ســعــوديــة لـلـتـشـاور حـول أهـــداف مـحـددة لعلها بـــدأت، تقابلها استجابة عربية تــشــارك فــي صـيـاغـة الأولـــويـــات وتـقـاسـم المـسـؤولـيـات. ولا يتطلب العمل المشترك انخراط الجميع في عمليات عسكرية، بـل يتطلب تـوزيـعا للأدوار يـربـط الوساطة بـالـضـغـط الــدبــلــومــاســي والــحــمــايــة ودعــــم المـؤسـسـات اليمنية. ويمكن لـلـدول الـتـي تحتفظ بـقـنـوات اتصال مع الحوثيين أو إيــران، توظيفها لخدمة أهـداف متفق عـلـيـهـا. أمــــا إذا تــحــولــت هــــذه الـــقـــنـــوات إلــــى تـرتـيـبـات منفصلة عن مصالح الشركاء، فإن تعدد الأدوار يصبح عاملا لإضعاف الموقف العربي بدل تقويته. وهنا تبرز أهمية تحديد العلاقة بإيران؛ فالانفتاح الــدبــلــومــاســي وخــفــض الــتــوتــر لا يـمـنـعـان مطالبتها بوقف الدعم العسكري والمالي المستخدم في الهجمات التي تنفذها جماعات مرتبطة بها، ولا يـبـرران فصل الـــــعلاقـــــات الــثــنــائــيــة مــــع طــــهــــران عــــن أثـــــر سـيـاسـاتـهـا الإقـلـيـمـيـة. المـطـلـوب مـوقـف يجعل احـــتـــرام أمـــن الـــدول عنصرا في تقييم العلاقة بطهران، لأن التعاون العربي لا يستقيم إذا تحملت دولة تبعات التهديد وحدها. ويــــجــــعــــل اضـــــــطـــــــراب الملاحــــــــــــة مــــــــــــوارد الـــتـــنـــمـــيـــة واقــتــصــادات المـنـطـقـة رهـيـنـة قـــــرارات جـمـاعـة مسلحة، بما يستدعي تعاونا لحماية الممرات البحرية يتجاوز المنافسة التجارية والاستثمارية؛ إذ لا تكفي الموانئ الــبــديــلــة والمــــمــــرات الـــبـــريـــة لإزالــــــة الــتــهــديــد أو ضـمـان أمـنـهـا. ولا ينفصل أمـــن المـــمـــرات عــن مستقبل اليمن؛ فدعم الـدولـة اليمنية والـتـوصـل إلــى تسوية سياسية تحفظ حقوق مواطنيها يعززان سيادتها، ويحدان من توظيف أراضيها لخدمة صراعات ومصالح خارجية. ولا يـعـنـي ذلـــك تـحـمـيـل الـيـمـنـيين مـسـؤولـيـة خــيــارات الحوثيين، أو اختزال تسوية بلدهم في أمن الجوار؛ بل يعني رفض منح الجماعة حق احتكار القرار العسكري، وربط الاستقرار بسلطة شرعية ومؤسسات قادرة على حماية السكان والساحل والموانئ. ليس المطلوب هو إلغاء الخصوصيات أو طمسها؛ بـــل بـمـنـع تـحـولـهـا إلــــى تـــعـــارض يـــقـــو ّّض أمــــن الـجـمـيـع. والسعودية قـــادرة على قـيـادة هـذا المـسـار، لكن فاعليته تـــتـــوقـــف عـــلـــى اســـتـــعـــداد شـــركـــائـــهـــا لــتــحــويــل المــصــالــح المترابطة إلـى الـتـزامـات متبادلة، وعلى شـراكـات دولية وبــخــاصــة أمــيــركــيــة، تــدعــم الأولــــويــــات الــعــربــيــة وتــعــزز القدرة على حماية الملاحة؛ فحين تتكامل أدوات الحماية والـوسـاطـة والضغط ضمن رؤيــة استراتيجية وموقف سياسي واضــح، تتراجع قـدرة الجماعات المسلحة على استثمار الاختلافات. أما بقاء المواجهة موزعة بين ردود منفردة، فيتيح لهذه الجماعات استثمار غياب البوصلة لفرض شروطها على أمـن المنطقة ومصالح دولـهـا؛ بل على دول العالم بأسره. مـنـطـقـة الـــشـــرق الأوســـــط مـــن أكــثــر مــنــاطــق الـعـالـم تـقـلـبـات واضـــطـــرابـــات ٍٍ، ســيــاســيا واجـــتـــمـــاعـــياً؛ ثـقـافـيا وإعلامـــياً، ومـن أغزرها في تضارب المصالح وتناقض ِِّــــل إلــــى عـكـسـهـا، الـــتـــحـــالـــفـــات، فـــالأفـــكـــار هــنــا قـــد تُُــــوص والتوجهات قد ترتد إلى الجهة المقابلة... هكذا كانت، وهكذا هي الآن، والرجاء ألا تبقى كذلك طويلا ًً. سادت بشكل غريب وعجيب في السنوات الأخيرة الأحـــــاديـــــث عـــن نـــهـــايـــات بــعــض المــــشــــكلات المـــزمـــنـــة في منطقتنا؛ فحديث عـن «نهاية الـصـحـوة»، وثـــان بشأن «نـــهـــايـــة الـــعـــنـــف»، وثــــالــــث حــــول «نـــهـــايـــة الإرهـــــــــاب»... ونـــهـــايـــات لــكــل المــــشــــكلات مـــن كـــل شـــكـــل ولـــــــون ٍٍ، كـأن ََّــمـا نـريـد أن نـتـجـاوز مـشـكلاتِِــنـا القديمة وعُُــقََــدََنـا العميقة عبر تجاهلها ونسيانها كأنها لم تكن. وهـذا، كما هو معروف في التراث العربي، حديث «النعامة» التي تدفن رأس ََها في الرمال لتجاوز المخاطر. مروّّجو وداعمو أحاديث النهايات هذه معروفون، ومــــعــــروفــــة أهــــدافــــهــــم، فـــهـــم إمــــــا تـــعـــبـــوا مــــن مـــواجـــهـــة الحقائق، وإمـا عجزوا عن تحقيق الغايات، فأصبحوا يستعيضون عــن الــوعــي الـصـلـب والـحـقـائـق الناصعة بالأحلام والأوهام، خصوصا أن مفاهيم نهاية الأزمان، ونهاية العالم، ونهاية الكون، وجـدت لها في كثير من الأديـــــان والـفـلـسـفـات تـنـظـيـرات شـتـى ومـــتـــعـــددةًً؛ فيها العلمي الواقعي، وفيها كثير من الخرافي الوهمي. الــــذيــــن لا يـــعـــرفـــون يـــخـــدعـــهـــم الــــعــــارفــــون حين لا يــبــصــرونــهــم بـــالـــتـــاريـــخ والـــــواقـــــع؛ بـــالآيـــديـــولـــوجـــيـــات والـصـراعـات، بتناقض السياسات وتـعـارض العقائد، ويـخـدعـهـم الـــوضـــع الــعــام عـبـر مـنـع المـعـلـومـة، وطمس الــتــاريــخ واســتــحــقــاره والـتـقـلـيـل مــن شــأنــه ومـــن مكانة حــكــمــتــه ومـــنـــطـــقـــه فــــي قــــــــراءة الــــحــــاضــــر واســــتــــشــــراف المستقبل. الإرهابيون المعاصرون فئة حديثة من فئات جماعة «الـــخـــوارج» المـعـروفـة فـي صــدر الإسلام، مـع اخــتلافــات وتمايزات يمكن رصدها وبيانها، فـ«الخوارج القدماء» و«الـــــخـــــوارج المـــحـــدثـــون» مــتــفــقــون عــلــى الـــخـــطـــاب وإن اختلفوا في التنفيذ، فخطاب الخوارج القديم معروف في صـدر الإسلام، وقـد جـاءت فيهم الأحـاديـث النبوية والآثار والقصص والروايات، فهم «يمرقون من الإسلام كــمــا يـــمـــرق الــســهــم مـــن الـــرمـــيـــة»، وهــــم «يــقــاتــلــون أهــل الإسلام ويتركون أهل الأوثــان»، وهم مرتكبو «الش ََّنََعِِ» كما هو تعبير ابن حزم في كتابه الشهير «الفِِص ََل في الملل والأهـــواء والـنـحـل»، وهـم مـن بـقـروا بطون النساء الحوامل، واغتالوا علي بن أبـي طالب رضـي الله عنه، وحاولوا اغتيال معاوية بن أبي سفيان وفشلوا، وكذلك عــمــرو بـــن الـــعـــاص الــــذي نــجــا مـــن الاغـــتـــيـــال حين كََــلََّــف الصحابي خارجة بن حذافة إمـامـة الناس في الـصلاة نيابة عنه، فقال الخارجي الذي قتله: «أردت ع ََم ْْرا وأراد الله خارجة» فصار القول مثلا ًً. وكـــمـــا تــخــبــرنــا الـــتـــواريـــخ المــــتــــواتــــرة، فــقــد انـقـسـم الـــخـــوارج قــديــما فـــرقا وجــمــاعــات يـكـفّّــر بعضها بعضا ويـــلـــعـــن بــعــضــهــا بــــعــــضاً، وقـــــد تلاشــــــت عـــبـــر الـــتـــاريـــخ الإسلامي، ولم تبق منها سوى فرقة. هذا في القديم. أما حديثاً؛ فالخوارج هم «جماعات الـــعـــنـــف الــــديــــنــــي» المـــتـــفـــرعـــة عـــــن «جــــمــــاعــــات الإسلام السياسي»، حيث نبعت بتنظير كامل وتنظيم مدروس مـن جماعة «الإخـــوان المسلمين» والتنظيمات المتفرعة عــنـــهـــا. ومـــــن نــمــاذجـــهـــا الأوضـــــــح تـنـظـيـمـا «الـــقـــاعـــدة» و«داعش»... وغيرهما كثيرٌٌ؛ من قبل ومن بعد. حادثة طائرة «فلاي دبي» تطرح أسئلة مستحقة، مـع كـل التأني والعناية والتمحيص والتدقيق فـي أي إجـابـة تُُــطـرح، وكـل حـل يُُقترح؛ لأن هـذه الأسئلة وتلك الإجابات والتفتيش الملح عن الحلول، لا يمكن أخذها بـارتـيـاح مــريــب ٍٍ، بـل هـي خـطـر حقيقي مــحــدق ٌٌ، ويمكن لـ«الصحوة» أن تعود جذعة لا قد ّّر الله، ويمكن للإرهاب أن يـشـتـعـل تــحــت هــــذا الاســـــم أو ذاك؛ وبـــواســـطـــة هــذه الحادثة أو غيرها، ولا يأمن مكر الأيـام والليالي ومكر التاريخ إلا من لا يدرك قوة التاريخ ولا يفهم منطقه. أخيراً، فلئن كـان التاريخ قد علََّمنا شيئاً؛ فهو أن «الأفــكــار لا تــمــوت»، وهــي قــــادرة دائـــما على الانتعاش وإعـــــادة الـــك ََـــرّّة مـــا لـــم تـتـغـيـر الـــظـــروف الـزمـكـانـيـة الـتـي تـــدعـــمـــهـــا وتــــــــؤدي إلـــيـــهـــا. وكـــــم هــــــدأت مــــن تــنــظــيــمــات وجماعات واختبأت تحت الأرض حتى أتى وقت ظهرت فيه من جديد ٍٍ، والشواهد كثيرةٌٌ. قـضـيـت أعـــــواما طـويـلـة فـــي الــغــرب، طالبا ومحاضرا في العلوم السياسية، ولــــفــــت نــــظــــري، بـــعـــد كــــل هــــــذه الــــســــنين، أمـــر يـحـتـاج إلـــى تفسير أولاًً، ومـواجـهـة ثانياً، من جانب شباب الباحثين العرب والمسلمين ممن يكتبون بالإنجليزية. ومـلـخـص هـــذه الملاحـــظـــة، فــي حالة الــــصــــراع الـفـلـسـطـيـنـي الإســـرائـــيـــلـــي، أن تفسير العنف الإسرائيلي، بما فـي ذلك الإبــــــادة الـجـمـاعـيـة فـــي غــــزة، يــجــري من خلال فــهــم دوافــــــع إســـرائـــيـــل الـسـيـاسـيـة ََّــص في ومـخـاوفـهـا الأمــنــيــة، الــتــي تـتـلـخ حــــق إســــرائــــيــــل فــــي الـــــدفـــــاع عــــن أمـــنـــهـــا، بوصفها دولــة محاطة ببحر مـن العرب والمـــســـلـــمين الــــغــــاضــــبين، كـــمـــا أن تـــاريـــخ الــيــهــود فـــي أوروبـــــا يــبــرر هــاجــس الأمـــن المفرط. أم ََّا في حالة العنف الفلسطيني، فلا تفسير له سوى الإسلام، أو العقيدة، أو الجهاد، وكلها تعبر عن متغير واحد هو الدين. الفلسطينيون شديدون بحكم ديانتهم. ـــــــــــرح فـــــــي قــــاعــــة ط � هـــــــــذا الأمـــــــــــــر، لـــــــو مـــحـــاضـــرات جــــــادة كـتـفـسـيـر مــــن طـــالـــب، ولـــــيـــــس مــــــن مــــــــــؤرخ بــــحــــجــــم صــــامــــويــــل هنتنغتون أو بـنـي مــوريــس، لـكـان مثار سخرية واستهجان. ومـع ذلـك، لا تتردد مطابع الـجـامـعـات فـي نشر كتب تتبنََّى هـــذا الــنــوع مــن التفسير، دون أن يرمش لها جفن. خذ مثلا كتاب صامويل هنتنغتون «صـدام الحضارات»، الـذي نقل الدين من كـــونـــه أحــــد المــتــغــيــرات المـــفـــســـرة لـلـسـلـوك السياسي، إلى ما يشبه القدر التاريخي الــــذي يـحـكـم علاقـــــات الــشــعــوب. أو تـأمـل »، الذي يمنح 1948« كتاب بيني موريس البعد الديني والجهاد مكانة مركزية في تفسير الحرب من الجانب العربي، بينما يحضر الخوف والأمن والبقاء والظروف الـــتـــاريـــخـــيـــة بـــقـــوة فــــي تــفــســيــر الــســلــوك الإســرائــيــلــي. وهـنـا لا تكمن المـشـكـلـة في مـنـاقـشـة الـــديـــن، بـــل فـــي اخـــــتلاف أدوات التفسير باختلاف هوية الفاعل. فــــي الـــحـــالـــة الأولـــــــى لـــديـــنـــا مـجـتـمـع وتــاريــخ ومـؤسـسـات ومــخــاوف وقــــرارات عــــقلانــــيــــة، وفـــــي الـــثـــانـــيـــة لـــديـــنـــا عــقــيــدة ونــــصــــوص ديـــنـــيـــة ومـــؤمـــنـــون تـحـركـهـم دوافع غامضة. الإسرائيلي كائن سياسي يمكن فهمه، والفلسطيني كائن عقائدي لا يحتاج إلى تفسير خارج النص الديني. وللأسف، ونتيجة للهيمنة الثقافية الغربية، نجد بعض أبناء جلدتنا يتبن ّّون التحليل نفسه فـي كتاباتهم بالعربية، فيفسرون الفعل الفلسطيني بالتفسير الديني وحـده، وكـأن الاحــتلال والحصار والتهجير وقتل الأقـــارب وإهـانـة الكرامة الإنــــســــانــــيــــة لا تــــدخــــل جـــمـــيـــعـــهـــا ضــمــن المـتـغـيـرات الــتــي يـدرسـهـا عـلـم الاجـتـمـاع السياسي. وهـــنـــا يـظـهـر الــــســــؤال الـــــذي ينبغي أن يـطـرحـه أي بـاحـث جـــاد: مـــاذا لــو كـان الــفــلــســطــيــنــيــون بــــــــوذيين أو كـــاثـــولـــيـــكا أو مــــلــــحــــديــــن؟ هــــــل كــــــانــــــوا ســـيـــقـــبـــلـــون الاحـــــتلال وفـــقـــدان الأرض وقـتـل أبنائهم دون مـــقـــاومـــة؟ وهــــل الـــثـــأر لـــلـــدم شـعـور إسلامــــــي خـــالـــص، أم أنــــه ســـلـــوك بـشـري عرفته المجتمعات على اخـــتلاف أديانها وثقافاتها؟ لدينا بالطبع استثناءات مهمة في الـكـتـابـة الأكــاديــمــيــة الــغــربــيــة. فـقـد أعـــاد إدوارد سعيد، فـي كتابه «الاسـتـشـراق»، النظر في الطريقة التي يصنع بها الغرب مــوضــوعــه الـــشـــرقـــي، لا بــوصــفــه إنـــســـانا يــعــيــش ظـــــــروفا تـــاريـــخـــيـــة واجــتــمــاعــيــة، وإنـــــمـــــا بـــوصـــفـــه حـــــــــاملا لـــثـــقـــافـــة تـفـسـر سـلـوكـه مــســبــقاً. ثـــم جـــاء كـتـابـه «مـسـألـة فلسطين» ليعيد الفلسطيني إلى التاريخ والـسـيـاسـة بــــدلا مــن اخــتــزالــه فــي صــورة المتطرف الغاضب. وفـــــي كـــتـــاب «حــــــرب المـــئـــة عـــــام عـلـى فلسطين»، يقدم رشيد الخالدي تاريخا لــلــصــراع بــوصــفــه مــواجــهــة اسـتـعـمـاريـة ممتدة، لا مجرد انفجار متكرر للكراهية الدينية. أمــا أريـــيلا عائشة أزولاي، ففي كــتــابــهــا «مـــــن فـــلـــســـطين إلـــــى إســـرائـــيـــل»، فــتــســتــخــدم الــــصــــور والأرشـــــيـــــف لإعـــــادة بـنـاء عمليات الاقــــتلاع وتشكيل الـدولـة، وفـــــــي عـــمـــلـــهـــا مـــــع عـــــــدي أوفـــــيـــــر «حــــالــــة الـدولـة الــواحــدة» تفحص بنية السيطرة السياسية والقانونية بدلا من رد الصراع إلى العقائد. هـــــــــذه الأعــــــــمــــــــال لا تــــطــــلــــب إعـــــفـــــاء الفلسطيني مـــن المــســؤولــيــة عـــن أفـعـالـه، بــل تـطـالـب بـإخـضـاع الـجـمـيـع للمعايير الـــتـــفـــســـيـــريـــة نـــفـــســـهـــا. فــالــتــفــســيــر لـيـس تـــبـــريـــراً، وفـــهـــم أســـبـــاب الــعــنــف لا يعني قبوله. وإذا كــان قتل المـدنـيين يستوجب الإدانــة، فإن هذه الإدانــة يجب ألا تمنعنا مــــــن الــــبــــحــــث عــــــن أســـــبـــــابـــــه الـــســـيـــاســـيـــة والاجـتـمـاعـيـة، بــصــرف الـنـظـر عــن هوية مرتكبيه. ما المطلوب إذن من الباحث العربي والمسلم الذي يكتب بالإنجليزية؟ المـطـلـوب لـيـس كـتـابـة تــاريــخ مضاد تــمــجــيــدي، يـسـتـبـدل انـــحـــيـــازا بـانـحـيـاز، وإنـــمـــا مـــواجـــهـــة هــــذا الــخــلــل فـــي المـنـهـج نـفـسـه. المــطــلــوب دراســـــات مــقــارنــة تـسـأل لماذا تُُـــســـتـــدعـــى المـــتـــغـــيـــرات الــســيــاســيــة والأمنية والنفسية لتفسير عنف طرف، فيما يُُستدعى الدين وحده لتفسير عنف الــطــرف الآخــــر. والمـطـلـوب أيـــضا إخـضـاع الكتب الأكاديمية المؤثرة للنقد المنهجي، وكشف الافتراضات التي تختبئ وراء ما يبدو لغة علمية محايدة. نــحــتــاج إلــــى بـــاحـــثين يــدخــلــون هــذا النقاش من أبـواب علم الاجتماع المقارن، وعــــلــــم الــــنــــفــــس الــــســــيــــاســــي، ودراســــــــــات الاسـتـعـمـار والــعــنــف، لا مــن بـــاب الــدفــاع الاعتذاري عن الإسلام أو الفلسطينيين. فــــالمــــســــألــــة فــــــي الــــنــــهــــايــــة أكـــــبـــــر مــن فلسطين. إنََّها تتعلق بحق الإنسان غير ََّــر سـلـوكـه بـــــالأدوات الــغــربــي فـــي أن يُُــفــس ََّــر بـهـا سلوك العلمية نفسها الــتــي يُُــفـس الإنسان الغربي. ولعل أخطر أشكال الهيمنة الفكرية لـــيـــس أن يــكــتــب الآخــــــر تـــاريـــخـــك، بــــل أن يفرض عليك أدوات تفسيره، ثـم تقبلها أنت باعتبارها علما لا يقبل النقاش. OPINION الرأي 12 Issue 17485 - العدد Monday - 2026/10/12 الاثنين فشل أحاديث «النهايات» أين البوصلة في أمن الممرات؟ العنف بين تفسيرين وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com مأمون فندي سام منسى عبد الله بن بجاد العتيبي [email protected]

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky