نــــادرا مــا تلعب الـبـاصـات دورا فــي السياسة الـخـارجـيـة، لكنََّها كـانـت وسيلة النقل الـعـام التي استقلها أندي بيرنهام إلى «داونينغ ستريت». فرئيس الـوزراء البريطاني أعاد بناء صورته الـــســـيـــاســـيـــة عـــــمـــــدة لمانــــشــــســــتــــر، وارتـــــبـــــط اســـمـــه بــأتــوبــيــســات الــنــقــل الـــعـــام، والـــســـكـــن، والــخــدمــات المحلية، والسعي لنقل مزيد من السلطة والمال من لندن إلى الأقاليم. هـذا الأسبوع سافر، بالطائرة هـذه المــرة، إلى برلين للتشاور حول الأمن الأوروبــي، والتهديدات الــــروســــيــــة، والـــهـــجـــمـــات الـــســـيـــبـــرانـــيـــة، والـــتـــعـــاون الصناعي، والعسكري. رحلة طويلة بتذكرة باص بجنيهين، إلى ملفات الأمن الأوروبي. فــــزيــــارة ألمانــــيــــا أول اخـــتـــبـــار حـقـيـقــي لــــه فـي السياسة الخارجية منذ تقلده رئـاسـة الحكومة. فــالــرجــل الــــذي اعـــتـــاد، بـصـفـتـه عـــمـــدة لمانـشـسـتـر، التعامل مع الخدمات المحلية، واجه في برلين واقعا مختلفاً: تـهـديـدات روسـيـة، وهجمات إلكترونية، وأعمال تخريب وحرب سرية، في وقت لم يعد فيه الاعتماد على المظلة الأميركية أمرا مسلّّما به. وبــــحــــث مــــع المـــســـتـــشـــار فــــريــــدريــــش مــيــرتــس تـوسـيـع الـتـعـاون الأمــنــي والــدفــاعــي بين البلدين، وإمـــــكـــــان مـــشـــاركـــة ألمانـــــيـــــا فــــي مــــشــــروع المــقــاتــلــة المستقبلية الذي تتعاون فيه بريطانيا مع إيطاليا والـــيـــابـــان. وربــمــا بـــدأ بـيـرنـهـام يــــدرك أن الانـتـقـال إلــى «داونـيـنـغ سـتـريـت» يـتـجـاوز إدارة الاقتصاد والخدمات إلى الأمن القومي. وألمانيا مهمة لبيرنهام في رغبته نقل السلطة والمال إلـــى الأقــالــيــم، فـقـد يــقــدم الـنـظـام الـفـيـدرالـي الألماني نموذجا لدولة تتمتع مقاطعاتها بسلطات سياسية واقتصادية واسعة. ولا يـــعـــنـــي ذلــــــــك أن بــــريــــطــــانــــيــــا تــســتــطــيــع استنساخ النموذج الألمانــي، لاخـتلاف أوضـاع أمم المملكة الأربع: إنجلترا واسكوتلندا وويلز وآيرلندا الشمالية. لكن بيرنهام، الـذي يتحدث بالفعل عن تـغـيـيـرات دســتــوريــة، لا بــد أنـــه وجـــد فــي بـــرلين ما يستحق التأمل. واجـتـمـع بـيـرنـهـام ومـيـرتـس أيـــضا مــع رجــال أعمال بريطانيين وألمان؛ لبحث الاستثمار والنمو خـــــارج الـــعـــاصـــمـــتين، وهــــو مـــوضـــوع يـــكـــاد يـكـون مـفـصلا على مـقـاس سياسة بـيـرنـهـام. لكن أخطر ملفات برلين سياسيا كان أوروبا. فـبـعـد أن قـــال فـــي مـؤتـمـر حـــزب «الـــعـــمـــال» إن «بريكست» أضر ببريطانيا، انتقل في برلين خطوة أخــــرى نــحــو علاقــــة أوثــــق مـــع الاتـــحـــاد الأوروبــــــي. أمـــا مـيـرتـس فـقـال إن ألمانــيــا ستعمل عـلـى تقريب بريطانيا أكثر من أوروبا. وهنا تتحول المسألة من الكلام عن «بريكست» إلـــى الـتـعـامـل مــع نـتـائـجـه. فـكـل كلمة يـتـقـارب بها بــيــرنــهــام مـــع أوروبــــــا تـصـبـح حــجــرا فـــي يـــد زعـيـم «ريفورم» الشعبوي نايجل فاراج يقذفه على نافذة «داونـــيـــنـــغ ســتــريــت». وجـــــاءت انــتــخــابــات فـرعـيـة، الخميس، اختبارا مزدوجا لبيرنهام. فبينما كان في برلين، احتفظ حزب «العمال» فـــي لـــنـــدن بـمـقـعـد دائــــــرة كــيــر ســـتـــارمـــر الــســابــقــة. وفـازت مرشحة الحزب، ساغال عبدي والـي، وهي في المائة، 45.2 مسلمة من أصل صومالي، بنسبة في المائــة لزعيم حـزب «الخضر»، زاك 32.8 مقابل بولانسكي. ولــــعــــل أهــــمــــيــــة الـــنـــتـــيـــجـــة أكــــبــــر مـــــن مـــجـــرد الاحتفاظ بمقعد عمالي. فالدائرة تضم عددا من الـجـامـعـات والـكـلـيـات، ونسبة كبيرة مـن الطلبة والشباب والناخبين المتعلمين. فهي، اجتماعيا وســــيــــاســــياً، أقــــــرب إلـــــى خـــطـــابـــة وآيـــديـــولـــوجـــيـــة حزب «الخضر»، خصوصا مع مواقفه اليسارية وتأييده القوي للقضية الفلسطينية. بل إن كثيرا مــن نـاخـبـيـهـا، عـلـى الـــــورق، أقــــرب إلـــى سـيـاسـات «الخضر» الحالية من حـزب «العمال»، ومـع ذلك اختاروا «العمال». وربــمــا لــم يـكـن الـتـصـويـت رفـــضا لــ«الـخـضـر» بقدر مـا كـان قـــرارا بإعطاء رئيس الـــوزراء الجديد فــــرصــــة. وهـــنـــا قــــد يــظــهــر الــــفــــارق بين الاحــتـــجـــاج والسلطة. فـــالـــنـــاخـــب قــــد يــــؤيــــد حـــــــزبا احـــتـــجـــاجـــيا فـي استطلاع للرأي أو انتخابات محلية، لكن تسليمه مـقـعـدا بــــرلمانــــياً، خـــصـــوصا عـنـدمـا يــكــون المـرشـح زعيم الحزب نفسه، قرار آخر. ولا تكفي دائــرة واحــدة لإعلان عــودة الناخب البريطاني إلـى الـوسـط، أو تراجع الأحـــزاب الأكثر تطرفاً. لكن النتيجة تقول شيئا يستحق المراقبة: فــــي دائـــــــرة كـــــان يـــفـــتـــرض أن تـــكـــون مــنــاســبــة جـــدا لـ«الخضر»، فض ّّل الناخبون البقاء مـع «العمال» وتجربة القيادة الجديدة. وفــــــي الـــــيـــــوم نـــفـــســـه كــــــان بـــيـــرنـــهـــام يــخـــوض تجربته الجديدة خــارج بريطانيا. فـي بــرلين كان يتعلم كيف يتحول من عمدة ناجح إلى رجل دولة. وفي لندن كان الناخبون يقررون، مبدئيا على الأقل، أن يمنحوه الوقت ليتعلم. Issue 17484 - العدد Sunday - 2026/10/11 الأحد المــســتــشــار عـقـيـلـة صـــالـــح الـــــذي تـــرب ََّـــع على كـــرســـي رئـــاســـة مـجـلـس الــــنــــواب الــلــيــبــي اثـنـتـي )، أُُزيــــح عـنـه فــي أقـل 2026 - 2014( عـشـرة سـنـة من أربــع وعشرين ساعة. جــاءت الإزاحـــة فجأة، وبدََفعة واحـدة من أغلبية النواب، الذين صوّّت نـــائـــبا لــصــالــح تــعــديــل اللائـــحـــة 98 مـنـهـم نــحــو الداخلية للمجلس، بحيث تُُحد َّّد ولاية الرئاسة بعام واحد وتُُجرى انتخابات فورية. لــكــن ســيــنــاريــو الــســقــوط أو الــخــلــع لـــم يكن ولـيـد قـاعـة الـــبـــرلمان وحــدهــا. فخلف التصويت، كما يـبـدو، صـعـود تــوازنــات ميدانية وعسكرية جديدة في الشرق الليبي، تتقدمها قيادة القوات المسلحة وأبناء المشير خليفة حفتر الذين تسلّّموا زمـام المـبـادرة الدبلوماسية والسياسية. يُُضاف إليها، حسب ما اتضح، تفاهم مع قوى في الغرب ومـع البعثة الأممية الراغبة في حسم الانـسـداد، وبمباركة من المبعوث الأميركي مسعد بولس. وفي جلسة عُُقدت في اليوم التالي، جاءوا (الــــنــــواب ومــــن يــقــفــون وراء الــكــوالــيــس) بـنـائـب آخــر ومــن القبيلة نفسها، قبيلة العبيدات، هو الـنـائـب الـصـالـحين عـبـد الـنـبـي. وأجـلـسـوه على الكرسي نفسه، وسريعا طووا صفحة المستشار عقيلة وفتحوا أخـــرى. لا أحــد بـمـقـدوره التكهن هـل ستكون الصفحة الجديدة مثل السابقة أو مختلفة. قد يرى البعض في ذلك دليلا جديدا على أن الدنيا في ليبيا «تتقلب ولا تتغير»: وجه يرحل ووجه من المنبت القبلي والسياسي نفسه يحل محله. غير أنـي أرى الأمــر هـذه المــرّّة مختلفاً، أو بالأصح أتمنََّى أن يكون مختلفاً. ذلك أن خروج أو إزاحــة المستشار عقيلة صالح ليس بسهولة تغيير رئيس حكومة وتعيين آخر مكانه. تخصص المستشار عقيلة صالح في لعبة تدوير الحكومات، وإدارة التوازنات المعقدة بين الــشــرق والـــغـــرب، والـلـعـب عـلـى حـبـال الــخلافــات الإقـلـيـمـيـة لإطــالــة عـمـر سـلـطـتـه، والــشــطــارة في وضـع العصي في دوالـيـب كل محاولة لزحزحة الأزمــــــة. إلا أن مــوقــفــه المـــعـــارض لمـــقـــررات لجنة » كـان القش ََّة التي قصمت ظهر بعيره. إذ 4+4« أخطأت حساباته، وأجبر على دفع الثمن. وهو الآن خارج الملعب. جــــــاء الـــســـقـــوط ســــريــــعا وشــــــديــــــداً، كــنــيــزك اخترق سماء ليبيا في الأيـام الماضية ثم هوى. وكان خروجه من أضواء مسرح احتكره سنوات مصدر ارتياح لدى الشارع الراغب في التجديد، واستياء وصدمة لدى مقربيه ومستشاريه. غير أن الأهم أن رسالة السقوط نفسها بقيت مكتوبة بلغة واضحة على الجدران لمن بقي في المشهد: ّّـــح عـــدد مـــن المــعــلــقين أن يـكـون مـــن الــتــالــي؟ يـــرج رئـيـس المجلس الـرئـاسـي محمد المنفي المرشح التالي للإزاحة من كرسيه. ولعل مصير المـقـربين من المستشار عقيلة، مـن جوقة المستشارين والـشـركـاء الـذيـن رافقوه من مكان إلى آخر ومن عاصمة إلى أخرى، يكون الأول فـي الإجــابــة. فنفوذهم السياسي والمالـــي لـم يستند إلــى قـاعـدة شعبية أو مؤسسية، بل كــــان مـسـتـمـدا بــالــكــامــل مـــن وجـــــود عـقـيـلـة على رأس الـهـرم. وبغيابه تلاشــت المظلة التي كانت تحميهم وتمنحهم شرعية التحرك. يبقى السؤال الأهــم: هل تفتح إزاحــة عقيلة صالح - وقد عـدّّه كثيرون عقبة كـأداء - الطريق إلى مرحلة مختلفة نوعياً، ت ُُجرى فيها انتخابات نيابية ورئـاسـيـة بعد عـــامين، كما قـــررت لجنة »؟ وهـي لجنة الحوار المصغرة التي تضم 4+4« أربـعـة ممثلين عـن حكومة الـوحـدة الوطنية في طرابلس وأربعة ممثلين عن القوات والمؤسسات فـي الــشــرق، بـرعـايـة الأمـــم المـتـحـدة. وهــل نشهد عن قريب تعيين مجلس رئاسي جديد وحكومة وحــدة وطنية جـديـدة، بمهمة عقد الانتخابات وتوحيد المؤسسات؟ أم أن كرسي رئاسة مجلس النواب سيعيد إنتاج اللعبة نفسها بلاعب آخر؟ أول المؤشرات الإيجابية أن الرئيس الجديد لمـجـلـس الـــنـــواب تـلـقـى، حـسـب وســـائـــل الإعلام، الـــعـــديـــد مـــن رســـائـــل الــتــهــانــي مـــن داخـــــل ليبيا وخارجها، في مقدمتها الإدارة الأميركية. لكن لاعبين آخرين في الأزمة الليبية التزموا الصمت. وليس أمام الليبيين سوى ترقب الخطوة التالية: » إلى الإمساك بخيط 4+4« هل مثلا تسرع لجنة المـبـادرة، وتنتقل سريعا إلـى تنفيذ ما بقي من بنود الاتفاق؟ يصعب التكهن في مسرح سياسي يتحرك بـــمـــســـتـــويين: ظـــاهـــر وخـــفـــي، مــســتــوى الـخـشـبـة ومستوى الكواليس. فأغلب مـن يظهرون على الخشبة أمــام الجمهور يتحركون وفــق مشيئة مــن يـمـسـكـون بـالـخـيـوط وراء الــكــوالــيــس، وهـم كُُثر، بجنسيات مختلفة ومصالح متضاربة. قــبــل أن أســتــكــمــل مـــا وعـــــدت بـــه فـــي خـاتـمـة المقال السابق، وهو إتمام المقارنة بين هجوم الأب المسيحي لويس شيخو، وهجوم الشيخ المسلم رشـيـد رضـــا، على المــــدارس العلمانية الفرنسية الـنـاشـئـة فــي مـــدن الــشــرق الأدنــــى، يـجـب عـلـي أن أوضــح ما تـجـاوزت عن إيضاحه في ذلـك المقال، لضرورة الإجمال في خواتیمه. وأول ما علي إيضاحه ماذا ورد في الرسالة التي وجهها محمد نجيب حفار إلى رشيد رضا، الــــذي عــــرّّف الأخـــيـــر بـــه بــأنــه «مـــن أهـــل الـعـلـم في طرابلس الشام». قـــال محمد نجیب حــفــار: «قـــد اطـلـعـت على كلام لبعض مدرسي المدرسة العلمانية اللادينية الـتـي صـــار إنـشـاؤهـا حــديــثا فــي مـديـنـة بـيـروت، نقلاًً 71 المسيو أرنـولـد في جريدة (الـخـرج) عـدد عن جريدة (البشير) وعندما فرغت من مطالعتها تخيل لي أن الإسلام قد عاد كما بدأ غريبا كئيبا لا ملجأ له ولا مأوى...». وبـــعـــد ســـطـــور مــــن الــــنََــــوح والـــنـــيـــاحـــة عـلـى غربة الإسلام في فاتحة القرن الماضـي، تضمنت مـبـايـعـتـه لــرشــيــد رضــــا بـــأنـــه مـــجـــدد أمــــر الــديــن المـــــرســـــل مـــــن الــــلــــه فـــــي رأس الـــــقـــــرن الـــعـــشـــريـــن، استحثاثا ومناشدة له، لـ«كسر رؤوس الخائنين الكافرين». بالرد والتعليق كما سبق لحضرته وحضرة الأستاذ الإمــام (المقصود محمد عبده) أن فـــــعلا، أورد مـــا قـــالـــه المــســيــو أرنــــولــــد. وكـــان مــــن المـــفـــتـــرض أن الــــنــــوح والـــنـــيـــاحـــة والمـــبـــايـــعــة والاستحثاث والمناشدة تأتي بعد إيــراده الكلام المـنـسـوب للمسيو أرنــولــد، مما يــدل على أنــه لم يكن كاتبا محترفاً. قال محمد نجیب حفار: «قـال الخائن يجب تحطيم الأصنام النخرة، ولا سيما أشدها ثباتا ونخراً...»، ولا أريد هنا أن أسوق ما قاله لأنه قول تطاول فيه على الذات الإلهية. فـي تعليقه على كلام المسيو أرنـولـد أو من سمّّاه «الخائن» أعاد استحثاث ومناشدة رشيد رضــا بـالـرد الـشـافـي على كلامـــه «وخــصــوصا أن كــثــيــرا مـــن المــســلــمين مـــن أهـــالـــي بـــيـــروت أرســلــوا أولادهم للمدرسة المذكورة لتعلم اللادين». رسالة الطرابلسي محمد نجيب حفار نشرت 1911 ) يوليو (تموز 26 في مجلة «المنار» بتاريخ تحت عـنـوان «الإلــحــاد فـي المــــدارس العلمانية». نــشــرت بــهــذا الــتــاريــخ مـــع أنـــه أرّّخ لانـتـهـائـه من جـمـادي الثاني 28 كتابتها بـتـاريـخ هـجـري هـو !1327 هـــذا الــتــاريــخ الــهــجــري إذا مـــا حــولــنــاه إلـى .1909 يوليو 15 تاريخ ميلادي، فهو يتوافق مع أي أن ما بين تاريخ كتابة الرسالة وتاريخ نشرها في مجلة «المنار» عامین وأحد عشر يوماً! أمـــا لماذا تـأخـر نـشـرهـا إلـــى هـــذا الــحــد، فهو سؤال حرت في الإجابة عنه. يشير الـتـاريـخ الـهـجـري الـــذي أثـبـتـه محمد نجيب في أسفل رسالته إلى أنه قد كتب رسالته قبل افتتاح الكلية العلمانية رسميا في بيروت بما يزيد على الشهرين ونصف الشهر. وهذه المعلومة معلومة مهمة إذا ما ربطناها بالمصدر الـذي نقل عنه محمد نجيب حفار كلام المسيو أرنولد. جريدة «الخرج» لا تهمنا لأنها مصدر ناقل. وبــالمــنــاســبــة، فـاسـمـهـا مـسـتـمـد مـــن اســــم عـائـلـة صاحبها متري أفندي الخ ُُرُُج. والخ ُُرُُج كيس من القماش أو الخيش ذو جيبين يوضع على ظهر الـدابـة. وقـد قصد متري أفندي إلـى هـذا المعنى، وهو أن جريدته م ِِزْْودة مليئة بالأخبار. وهــنــاك مـثـل شعبي شـامـي يحيل إلـــى هـذا الاسم. هذا المثل الشعبي هو «ح ُُط بالخرج». وقد اتخذ يوسف نجم الشماني مـن هـذا المثل اسـما لجريدته الساخرة «حط بالخرج» التي أصدرها . وهـو يقصد به معناه 1919 في الأرجـنـتين عـام المـــتـــداول، وهـــو لا تـعـبـأ أو لا تـكـتـرث. وقـــد كتب الأديب الساخر سلام الراسي في أحد مقالاته عن قصة هذا المثل وأصله. الـــــذي يـهـمـنـا هـــو جـــريـــدة «الـــبـــشـــيـــر». فهي المصدر الأصلي. جريدة «البشير» في بيروت كان يرعاها الآبـــاء اليسوعيون. وهـي جـريـدة دينية كاثوليكية متزمتة متعصبة. وكان شعارها آية من الإنجيل «تعرفون الحق، والحق يعرفكم». هـــــذه الــــجــــريــــدة كـــانـــت تــــحــــارب الـــنـــظـــريـــات العلمية الــجــديــدة والأفـــكـــار الـحـديـثـة والــخــروج عــن قــواعــد تفكير الكنيسة الكاثوليكية بقليل أو كـــثـــيـــر. وكـــــانـــــت تـــنـــاصـــب الـــكـــلـــيـــة الـــســـوريـــة الإنجيلية (الجامعة الأميركية فيما بعد) العداء لأن الـقـائـمين عليها بـروتـسـتـانـت. ولـقـد اتهمت يــعــقــوب صـــــروف وفــــــارس نــمــر صــاحــبــي مجلة «المقتطف» بالإلحاد، لتحررهما العقلي، ولأنهما مـــن الــطــائــفــة الـبـروتـسـتـانـتـيـة. وكـــانـــت الـخـصـم الخصيم لمجلة «المقتطف»، هذه المبشرة بالعلوم الحديثة والميسرة للقارئ العربي معرفتها. هـذه الجريدة أسسها القس أمبرولز مونو . وتولى تحريرها فترة من 1870 في بيروت عام الزمن لويس شيخو. وكانت تمقت العلمانية حتى بحدها الأدنى مع موالاتها المطلقة والتامة لفرنسا في حالتيها الـــعـــلـــمـــانـــيـــة: الــعــلــمــانــيــة المـــعـــتـــدلـــة والــعــلــمــانــيــة المفاصلة. لــــذا فــهــي لــفــقــت كلاما صـــاخـــبا فـــي الـــعـــداء للأحبار وللكنيسة ولله على لسان المسيو أرنولد حين كانت الكلية العلمانية في طور الإنشاء وقبل افتتاحها الرسمي. فالكلام الذي وضعته لسانه يصطدم بتعاليم وتنبيهات «البعثة العلمانية» المشرفة على الكلية العلمانية البيروتية. «الـبـعـثـة الـعـلـمـانـيـة» فـــي أحـــد مـنـشـوراتـهـا تنقل قولا لجول فري، مؤسس التعليم الدنيوي فـي فرنسا، يشرح فيه معنى التعليم الدنيوي، وذلـــك حين قــال شــــارحاً: «ولـيـس معنى المـــدارس الدنيوية أنـهـا ضـد الأديـــان بـل معناه أنـهـا على الـحـيـدة. لا يـحـب الـقـائـمـون بـأمـر الأمـــة أن يلقي المعلم في المدرسة رأيا خاصا له أو رأيا من الآراء التي ترو ّّج في الشوارع والأزقة بل تريده أن يترك مـن إليه تعليمهم، أن يفكروا كما يـشـاؤون فـإذا خالف ذلك وأورد لهم مبدأ دينيا يخون فيه وطنه وأمـتـه، فـالمـدارس الدينية ليست مـــدارس إلحاد، فإذا كانت لا يذكر فيها اسم الله، فليس الغرض من ذلك أنها تخالف الله». وفي مقدمة الكتاب السنوي للكلية العلمانية جـــاء تـعـريـف بـمـهـمـة «الـبـعـثـة الـعـلـمـانـيـة»، هـذا نصه: «إن غـــايـــة الــبــعــثــة الــعــلــمــانــيــة الــفــرنــســويــة خدمة فرنسا خارج فرنسا في مستعمراتها وفي الــبــلــدان الأجـنـبـيـة. ونــشــر لغتها ومـبـادئـهـا مع رعاية حرمة الأديــان كلها على السواء. وقد رأى القائمون بهذا العمل، أن هذه الخدمة ينبغي ألا يعتمد فيها على ما هو أدعى للتفريق والشقاق بـل يجب الــتــذرع بما يـؤلـف الـقـلـوب ويـوثـق بين الناس روابط الإخاء والمسالمة. لذلك جعل أساس التعليم فــي هـــذه المـــدرســـة أدبــــيا وطــنــيا لا تعلم فــيــه نــظــريــة ديــــن مـــن الأديــــــــان. عــلــى أن لــلــطلاب تــمــام الــحــريــة فـــي قــضــاء واجــبــاتــهــم الــديــنــيــة، لا يعارضون في شـيء من ذلـك قطعا بل تبذل لهم كل وسيلة لازمة لإجرائه». مــــخــــاوف جــــريــــدة «الـــبـــشـــيـــر» مــــن الـتـعـلـيـم الدنيوي أو اللائكي في بيروت كانت مبالغا بها. ففرنسا مع فصلها الدين عن الدولة فـصلا تاما في جمهوريتها الثالثة ظلت ملتزمة بالمحافظة عــلــى الامــــتــــيــــازات الـــتـــي حــصــلــت عـلـيـهـا فـرنـسـا فـــي عــصــورهــا الـديـنـيـة مـــن الـسـلـطـان العثماني سليمان القانوني، بــأن تكون هـي حامية حمى .1535 الكاثوليكية في الشرق، وذلك في عام ففرنسا العلمانية، علمانية جـذريـة، كانت ترعى الكنائس الكاثوليكية خارج فرنسا وتمول ماليا إنشاءها، وتسهل مهام المبشرين الكاثوليك فـــي الـــدعـــوة إلــــى المـسـيـحـيـة الـكـاثـولـيـكـيـة وبـــات الـتـبـشـيـر عــنــصــرا أســـاســـيا فـــي آيـديـولـوجـيـتـهـا وهـــويـــتـــهـــا الاســـتـــعـــمـــاريـــة، مــــع مــــا فــــي ذلـــــك مـن تناقض سافر. هي تتشدد في تطبيق علمانيتها الجذرية داخل فرنسا وليس خارجها، بل هي على العكس من ذلك كاثوليكية جداً! وللحديث بقية. جمعة بوكليب علي العميم عادل درويش OPINION الرأي 14 علمانية في الداخل وكاثوليكية في الخارج! ليبيا... بعد ليلة سقوط المستشار من مانشستر إلى برلين... والعودة إلى لندن لا تكفي دائرة واحدة لإعلان عودة الناخب البريطاني إلى الوسط فرنسا العلمانية كانت ترعى الكنائس الكاثوليكية خارج فرنسا وتمول ماليا إنشاءها سيناريو السقوط أو الخلع لم يكن وليد قاعة البرلمان وحدها
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky