عـــاما على وفـاتـهـا، لا تـــزال هـيـلين كيلر 50 بعد أكـثـر مـن حاضرة في نقاشات الذكاء الاصطناعي. فكثيرا ما يُُستشهد بــالإنــجــازات الـتـواصـلـيـة للكاتبة الأمـيـركـيـة الـصـمـاء الكفيفة دليلا على أن اللغة هي المسار الأمثل لابتكار آلات تضاهي ذكاء الإنسان. وعلى الرغم من موجة الشكوك المبكرة والصاخبة، أثبتت الـنـمـاذج اللغوية الكبيرة -التقنية المغذية للغالبية العظمى مـن استثمارات الـذكـاء الاصطناعي الـيـوم- أنها أكثر رسـوخا مما توقع المنتقدون. قد لا يستطيع الحاسوب غمس أصابع قدميه في المحيط، لكنه قادر على التعرف على أنماط كافية في نصوص الإنترنت بأسره لمحاكاة فهم ما يعنيه ابتلال القدمين. وهوسنا بالنماذج اللغوية الكبيرة يتبع تقليدا راسخا في ربط اللغة بالذكاء. غير أن رواية كيلر ذاتها عن تلك اللحظة الفارقة المتعلقة بـكـلـمـة «مـــــاء» كــانــت تــتــجــاوز مــجــرد الــكــلــمــات. فـبـيـنـمـا كـانـت معلمتها آن سوليفان تتهجى الحروف على راحة يدها، كانت كيلر تشعر أيـــضا بـــ«شـــيء رائـــع وبـــــارد» يـنـسـاب عـلـى يـدهـا. لــم تـكـن تـربـط كلمة بكلمة فـحـسـب، وإنــمــا كـانـت تـربـط اللغة بإحساس جسدي ملموس. يكتسب هذا التمييز أهمية بالغة فيما يُُبش ّّر الجميع -من جنسن هوانغ الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا» إلى الرئيس الصيني شـي جينبينغ- بعصر الـذكـاء الاصطناعي (المادي) الجسدي. ففي المرحلة التالية من هـذه الـثـورة التكنولوجية، التي تتسم بروبوتات مدعومة بالذكاء الاصطناعي تتنقل في العالم الحقيقي، باتت حدود النماذج اللغوية الكبيرة أصعب تــجــاهلاًً. فثمة فـــارق جـوهـري بين معرفة كـل جملة كُُتبت عن استخدام عيدان تناول الطعام أو ربط الحذاء وبين القدرة على إطعام النفس أو الخروج من الباب. ن أمـــام تطوير روبـوتـات وسـبـق أن كتبت أن أكـبـر عـقـبـتََيْن شبيهة بالإنسان تُُــؤدي وظائف حقيقية هما: الأيـدي (المهارة الحركية الدقيقة) و«الدماغ» (نماذج الذكاء الاصطناعي القادرة على توجيه وتنفيذ أفعال في العالم الحقيقي). وحــل هاتين العقبتين قد يفتح الباب أمـام سـوق تتوقع مؤسسة «مورغان . ولكن 2050 تريليونات دولار بحلول عام 5 ستانلي» أن تبلغ ماذا لو كانت هاتان المشكلتان أكثر ترابطا مما نعتقد؟ وجد علماء الأحياء الذين يدرسون حفريات أسلاف البشر أن مهارة الرئيسيات الحركية وتطور الدماغ قد تطورا جنبا إلى جنب عبر الأجيال، مما ي ُُشير إلى أن الذكاء تشك ّّل ليس فقط بمراقبة العالم، وإنـمـا مـن خلال التفاعل الجسدي معه، وفـقا لورقة بحثية نُُشرت في مجلة «نيتشر» العام الماضي. قد لا يختلف تحقيق الذكاء الاصطناعي العام في الآلات عــن ذلـــك كـثـيـراً، وفـــق مــا أخـبـرنـي بــه جـونـغـهـي ريــــو، الـرئـيـس التنفيذي لـشـركـة «آر إل وورلـــــد»، وهـــي شـركـة نـاشـئـة للذكاء الاصــطــنــاعــي المادي بـمـكـاتـب فـــي ســيــول وســــان فرانسيسكو وطوكيو. تعمل شركته على تطوير نماذج أساسية للروبوتات قـــادرة على إتـقـان المـهـارة الحركية للأصـابـع الـخـمـس، ويؤكد ريو ضرورة تطور مكونات الأجهزة والبرامج الخاصة بأدمغة وأيــدي الـروبـوتـات بـالـتـوازي. وفـي وقـت سابق من هـذا العام، أعلنت شركة «آر إل وورلد» تعاونا مع «إنفيديا» لتطوير معيار جديد للتحكم الحركي الدقيق. ويقول ريو إن النماذج اللغوية الكبيرة بارعة جدا في فهم الظروف والتخطيط للأفعال، لكنها لا تزال عاجزة عن أداء أي وظيفة تستلزم مهارة حركية دقيقة، مما يجعلها غير مجدية في شريحة واسعة من سوق العمل. ومن وجهة نظره، ينبغي أن يُُعيد ذلــك النظر فـي الادعــــاءات الأخـيـرة بأننا وصلنا إلى الـذكـاء الاصطناعي الـعـام، ذلـك الهدف الأسـطـوري الـذي يُُشير إلى أنظمة بجدوى اقتصادية مماثلة للإنسان. ولـــيـــس ريــــو بــمــفــرده فـــي هــــذا الــــــرأي. فـــالمـــهـــارة الـحـركـيـة الشبيهة بـالإنـسـان، لا سيما فـي أيــدي الــروبــوت، هـي «المـكـوّّن الأخــيــر الــــذي يـجـعـل الـــذكـــاء الاصـطـنـاعـي الــعــام مــمــكــناً»، كما كتب محللون فـي شركة «كـوريـا للاستثمار والأوراق المالـيـة» فـي تقرير بـشـأن هــذا الـقـطـاع، صــدر فـي وقــت سـابـق مـن العام في المائة 25 الحالي. وأشاروا إلى أن اليدين مرتبطتان بنسبة في المائـة من القشرة 30 من القشرة الحركية للدماغ، وبنسبة ن فـي كيفية إدراك الإنسان الحسية، مما يجعلهما مـحـوريـتََيْن للمعلومات الخارجية والتفاعل معها. ومع ذلك، حتى مع توقعات الخبراء المتكررة بأننا نقترب من الذكاء الاصطناعي العام، يميلون إلى الاعتقاد بأننا نبتعد عن الآلات الـقـادرة على إنجاز المهام الجسدية البسيطة. ففي استطلاع مطوّّل يضم مئات الباحثين في الذكاء الاصطناعي، أن الآلات القادرة على طي الملابس 2016 اعتقد المشاركون عام أو تركيب أي مجموعة من مكعبات «ليغو» بصورة أفضل من على التوالي. أما 2025 و 2022 الإنسان ستصل بحلول عامََي فقد تأخرت هذه التوقعات 2024 في آخر تكرار للاستطلاع عام .2031 و 2030 مجددا إلى عام ََي ويبدو ذلـك منطقيا في ضـوء ما أشــار إليه أحــدث تقرير لمؤشر الذكاء الاصطناعي الصادر عن جامعة ستانفورد، من أن المعايير الأصعب على الذكاء الاصطناعي تظل تلك المتعلقة بالتصرف فـي العالم الحقيقي، بما يتسم بـه مـن بيئات غير متوقعة وعواقب مادية ملموسة للأخطاء. وقد وجد الباحثون، فــي مـقـارنـتـهـم بين أداء الــروبــوتــات فــي المـخـتـبـرات الخاضعة للسيطرة مقابل بيئات المحاكاة المنزلية، فجوة شاسعة. إنه واقــع يدعو إلــى النظر والـتـأمـل، ويــرى بـاحـثـون، مثل ريــو، أن جذوره تعود إلى غياب المهارة الحركية الدقيقة. كما ي ُُمث ّّل ذلك جرس إنذار للصين. وإدراكا منها للتحولات الديموغرافية، جعلت بـكين الذكاء الاصطناعي المادي أولوية سياسية. وتبدو الصين متقدمة بالفعل في مجال الروبوتات الشبيهة بـالإنـسـان، إذ تستأثر الـشـركـات الصينية بأكثر من في المائـة من الشحنات العالمية في النصف الأول من العام 97 الحالي، وفـقا لشركة «سمارت أناليتكس غلوبال» الأميركية. غــيــر أن وهــــم الـــكـــفـــاءة يــتــداعــى خــلــف الـــعـــروض الـتـوضـيـحـيـة المبهرة. * بالاتفاق مع «بلومبرغ» يشكل اقتراب انتهاء مهمة قـوة الأمـم المتحدة المؤقتة فـــي لــبــنــان «يــونــيــفــيــل» نـقـطـة تـــحـــول أســاســيــة فـــي تــاريــخ الجنوب اللبناني، ليس فقط على المستوى الأمني، بل أيضا على المـسـتـويـات السياسية والـدبـلـومـاسـيـة والاقـتـصـاديـة والاجتماعية. فبعد عقود من الحضور الدولي على الحدود الـلـبـنـانـيـة ــ الإســرائــيــلــيــة، يـجـد لـبـنـان نـفـسـه أمــــام مرحلة جديدة يفترض أن تنتقل فيها مسؤولية الأمن والاستقرار بصورة أكبر إلى مؤسسات الدولة اللبنانية. 2790 وكــــان مـجـلـس الأمــــن الـــدولـــي قـــد قـــرر فـــي الـــقـــرار تمديد ولايــة «يونيفيل» للمرة الأخيرة 2025 الـصـادر عـام ، عــلــى أن تـــبـــدأ بعد 2026 ) يــنــايــر (كـــانـــون الأول 31 حــتــى ذلـــك عملية خـفـض عـديـدهـا، وانـسـحـابـهـا بــصــورة منظمة وآمــنــة خلال عـــام. والــهــدف المـعـلـن هــو أن تصبح الحكومة الـلـبـنـانـيـة الـجـهـة الــوحــيــدة المــســؤولــة عــن تـوفـيـر الأمــــن في جنوب لبنان. لكن السؤال الأساسي لا يتعلق فقط بموعد مــغــادرة «يونيفيل»، بـل بما إذا كـانـت الــظــروف السياسية والأمنية التي ستسبق المغادرة تسمح فعلا بانتقال سلس للمسؤوليات. ، ارتـبـط وجــود «يونيفيل» 1978 منذ تأسيسها عـام بـمـحـاولات تثبيت الاسـتـقـرار فـي جنوب لبنان، ومراقبة ، توسعت 2006 الـــوضـــع عـلـى الـــحـــدود. وبــعــد حـــرب عـــام لتشمل مراقبة وقف الأعمال 1701 مهمتها بموجب القرار العدائية، ودعـم انتشار الجيش اللبناني، والمساعدة في تـــأمين الــوصــول الإنـسـانـي وحـمـايـة المــدنــيين، إضـافـة إلى أدوار مرتبطة بالحدود والخط الأزرق. إن خــروج «يونيفيل» لا يعني ببساطة مـغـادرة قوة أجنبية للمنطقة، بل يعني انتهاء منظومة دولية لعبت دورا في مراقبة الـواقـع الميداني والتواصل بين الأطــراف، ومـنـع ســوء الفهم والتصعيد. ومــن هـنـا، تـبـرز أهمية أن يـكـون الجيش اللبناني جـاهـزا لتولي مسؤوليات أكبر، ليس فقط مـن الناحية العسكرية، وإنـمـا أيــضا مـن حيث الانـتـشـار واللوجستيات، والــقــدرة على مـراقـبـة الـحـدود، والاستجابة السريعة للحوادث. فالجنوب اللبناني لا يــزال مرتبطا مسرحا مفتوحا للعمليات العسكريّّة الإسرائيليّّة دون أن تُُشكل المفاوضات الـسـيـاسـيّّــة والـتـقـنـيّّــة المــعــقــدة إنــمــا المـتـقـطـعـة، بين لبنان وإسـرائـيـل، حـافـزا لـوقـف تلك العمليات الـتـي هـي بمنزلة انتهاك فاضح للسيادة اللبنانيّّة، وهي رسالة واضحة من إسرائيل أنها ليست مستعجلة إطلاقا للانسحاب من لبنان أو للتوصل إلى أي ترتيبات تضع حدا للتصعيد الحالي. إن الـــحـــديـــث عــــن حــقــبــة «مـــــا بـــعـــد يــونــيــفــيــل» يـجـب ألا يــتــحــو ّّل إلـــى مــجــرد نــقــاش حـــول الـــقـــوات الـــدولـــيـــة، بل إلـــى نــقــاش أوســــع حـــول بــنــاء الـــدولـــة الـلـبـنـانـيـة وقـدرتـهـا ربـط 2790 عـلـى تحمل مسؤولياتها الـسـيـاديـة؛ فـالـقـرار الاستقرار في الجنوب بمبدأ أساسي هو أن تكون هناك سلطة واحدة وسلاح واحد تحت سلطة الدولة اللبنانية. لكن الانتقال إلى هذه المعادلة لا يمكن أن يتم بمجرد قرار دولي أو انسحاب قوة أممية. إنه يحتاج إلى تسوية سـيـاسـيـة لـبـنـانـيـة واســـعـــة، وإلــــى تـــوافـــق حـــول مستقبل السلاح، وضرورة حصره بيد الدولة وحول دور الجيش، وإلــــى ظــــروف إقـلـيـمـيـة تـسـمـح بـتـطـبـيـق هـــذه الـتـرتـيـبـات من دون اللجوء إلـى القوة، إلا أن نجاح المرحلة المقبلة لا يعتمد على لبنان وحـــده. فــإذا بقيت هناك قــوات احـتلال إسـرائـيـلـيـة أو مـنـاطـق عــازلــة أو عمليات عسكرية داخــل الأراضـي اللبنانية، فإن مهمة الجيش اللبناني ستصبح أكثر تعقيداً، وسيبقى الجنوب معرضا للتصعيد حتى في حال اكتمال انسحاب «يونيفيل». لــذلــك، فـــإن أي صيغة مـسـتـدامـة لما بـعـد «يونيفيل» يجب أن تتضمن آلية واضـحـة لضبط الـحـدود، ومراقبة وقــف إطلاق الــنــار، ومعالجة الــخــروقــات، والـحـفـاظ على قـنـوات اتـصـال تمنع تحول الــحــوادث الميدانية إلــى حرب جديدة. إن مرحلة ما بعد «يونيفيل» ليست مجرد «اليوم الـتـالـي» لـخـروج الـقـوات الـدولـيـة، بـل هـي اختبار حقيقي لمفهوم الدولة اللبنانية وسيادتها، ولمدى التزام إسرائيل بالقرارات الدوليّّة، أو بتقديم سلوك يعكس في مكان ما رغبتها في طي صفحة الحرب المفتوحة على لبنان. إذا نجح لبنان في تعزيز انتشار الجيش، وتأمين الــدعــم الـــدولـــي لـــه، والــتــوصــل إلـــى تـفـاهـم داخــلــي حـول حصرية السلاح والقرار الأمني، بالتزامن مع وقف فعلي للاعتداءات والخروقات وانسحاب القوات الإسرائيلية مــــن الأراضــــــــي الــلــبــنــانــيــة، فـــقـــد يـــتـــحـــول انـــتـــهـــاء مـهـمـة «يونيفيل» إلى بداية مرحلة جديدة من الاستقرار؛ وإلا فالعكس ممكن أيضاً! يـــســـتـــنـــد المــــطــــالــــبــــون بــــنــــزع سلاح «حـزب الله» وبــسلام ينهي الحروب مع إسرائيل إلى مقد ّّمات يصعب تجاهلها. فــعــلــى المـــســـتـــوى الأبــــســــط، أنـهـكـت الــــحــــروب لــبــنــان وأمـــعـــنـــت فـــي إضــعــاف نـسـيـجـه الـــوطـــنـــي وكـــــان لــهــا إسـهـامـهـا الــــضــــخــــم فـــــي تــــدمــــيــــر اقـــــتـــــصـــــاده، قــبــل إفــضــائــهــا إلــــى احـــــتلال جــــزء مـــن أرضـــه مـعـرّّض للتوس ّّع. وهـكـذا بــات مُُــلـح ّّا عدم الاكـــتـــفـــاء بـــالـــخـــروج مـــن هــــذه الـــحـــرب بل مغادرة كل حرب. ثـــــــم إن تــــــــــوازن الـــــقـــــوى بين لـــبـــنـــان وإســــرائــــيــــل مـــخـــتـــل نـــــوعـــــيّّاً، مــــا لا يـتـيـح لـــلـــبـــنـــانـــيّّين فـــــرض شــــــروط عـــلـــى الــــــسلام. وكل تأخ ّّر في نزع السلاح يفاقم الاختلال لـــصـــالـــح الإســـــرائـــــيـــــلـــــيّّين. أم ّّـــــــا المـــســـاعـــدة الإقـلـيـمـيـة والـــدولـــيّّـــة الـــتـــي يـــعـــوّّل عليها الـبـعـض حـيـال إســرائــيــل، فـأضـعـف كثيرا من المساعدة التي يحظى بها الــسلام في صـيـغـتـه المــطــروحــة بين الــبــلــديــن. ويُُــشــك 7 كـثـيـرا فـــي قــبــول الـــدولـــة الــعــبــريّّــة، بـعـد أكتوبر (تشرين الأول)، ما يقل عن معاهدة سلام أو ما يعادلها. ً ورافضاً �ًّ إلى هذا فبقاء لبنان محتلا الــــــسالَم مـــع الـــدولـــة الــعــبــريّّــة لا يـــقـــدّّم أيّّـــة خدمة للفلسطينيّّين ممّّن تلعب عناصر أخــــرى، دولــيّّــة وإقـلـيـمـيّّــة، الــــدور الحاسم في تقرير مساراتهم. أبعد من هذا، ورغم التعاطف الأخلاقــــي والـضـمـيـري ّّ، لـم يعد جائزا للقضيّّة الفلسطينيّّة، أو أيّّة قضيّّة، امتلاك حق الفيتو على القرارات السياديّّة للبنان، أو لأي بلد عربي ّّ. المــشــكــلــة لــيــســت فــــي هـــــذه المـــقـــد ّّمـــات كنص نـظـري ّّ، بـل فـي إمـكـانـات تطبيقها. فــمــا يـتـجـاهـلـه الــــداعــــون إلــــى ســـلـــوك هــذا الـطـريـق هــو بـالـضـبـط مـصـاعـب سـلـوكـه، وبــالــتــحــديــد اصـــطـــدامـــه بــلــبــنــان كــمــا تــم التعارف عليه، أي بلد «الوحدة الوطنيّّة» و«تـــعـــايـــش الـــطـــوائـــف» والــــــ«لا غـــالـــب ولا مغلوب». وهذا إنّّما يعني أحد احتمالين: إمّّــا إعـــادة النظر بلبنان نفسه أو المضي فــي الـتـخـبّّــط حـيـث نـحـن الآن. ولـيـس بلا دلالة أنّّنا بِِتنا منذ سنتين ونيّّف، أسرى نـقـاش نعيد حججه ونعلكها، عـلـما بـأن الـنـقـاش المــذكــور صــار وراءنــــا، ليس لأنّّــه ح ُُل ّّ، بل بالضبط لأنّّه لا يُُحل ّّ. فــرئــيــســا الـــجـــمـــهـــوريّّـــة والـــحـــكـــومـــة، ومـعـهـمـا قــائــد الــجــيــش، لـــن يــقــدمــوا، في أي وقــــت، عـلـى نـــزع سلاح الـــحـــزب. وهــذا لا يعود إلـى طباع جبانة أو مـتـردّّدة، ولا إلـــى خـــيـــارات سـيـاسـيّّــة رديـــئـــة، بــل يعود بـالـضـبـط إلـــى مـواقـعـهـم الـتـمـثـيـلـيّّــة على رأس تلك التركيبة التسوويّّة التي تصعب مقاربة المشكلة من دون مقاربتها. فـــمـــا الـــــــذي نــــجــــده الآن حين نــرســم الملامح العريضة للوضع اللبناني ّّ؟ هــنــاك هـزيـمـة مـاحـقـة لــم تــدفــع بيئة «حــزب الـلـه» إلــى الانـفـكـاك عنه على نحو وازن وملحوظ. فإذا قلنا بفرضيّّة الحرب يتدخ ّّل فيها ا الأهليّّة، والتي يستحيل ألَّا الإسرائيليّّون، كان محرجا جد ّّا للسلميّّين القتال إلى جانبهم في مواجهة لبنانيّّين آخــــريــــن. وحــــتّّــــى لــــو اســتــبــعــدنــا فــرضــيّّــة الحرب الأهليّّة، فالمؤك ّّد أن محيطا عريضا سـيـرى فــي الــــسلام المـــطـــروح مـكـافـأة على فعل شبه إبادي حل به، ويرى في نظام ما بعد السلام امتدادا لسلام كريه. وقد يقال بــحــق إن هـــذه المــقــاربــة الـرفـضـيّّــة لا تحل مشكلة، بل تثبّّتنا فيها، لكن متى كانت الحسبة العقلانيّّة الباردة هي ما يُُعتََمََد ً لمــــشــــكلات كـــهـــذه أو حـــســـما لــتــنــازع �ًّ حلا الخيارات الكبرى؟ ولا يصعب الافتراض أن سطوة إيران على الحزب ستُُبقيه دوما في أشد المواقع مــعــانــدة لــلــواقــع. وقـــد يـــقـــال، فـــي المـقـابـل، إن سقوط النظام الإيـرانـي يسرّّع انفكاك بيئة الحزب عنه. لكن هــذا، رغـم صح ّّته، ّّــجـهـا تـأويـل لا يكفي تــذلــيلا لمــــرارات يـؤج ََــب الـــــــسلام انـــتـــصـــارا لـــطـــرف أهــــلــــي يُُــحــس عدو ّّاً، سيّّما وأن الأخير م ُُفرط في التعبير عــــن أن ذاك الــــــــسلام يــــســــاوي انـــتـــصـــاره الــذاتــي ّّ. وهــو، فـي هــذا، لا يخطئ: ذاك أن الــــسلام مـصـادقـة عـلـى نـظـرتـه التاريخيّّة الــرافــضــة أن يــكــون لـبـنـان مـنـطـلـقا لحرب ضد إسرائيل، أخاضتها «منظ ّّمة التحرير الـفـلـسـطـيـنـيّّــة» أم خـاضـهـا «حــــزب الــلــه». وهـــو أيـــضا مـصـادقـة عـلـى مـنـح الأولــويّّــة المطلقة لـلـدولـة الوطنيّّة واعـتـبـاراتـهـا، لا لاعــتــبــارات «الأخـــــو ّّة الـقـومـيّّــة والـديـنـيّّــة» عابرة الحدود. وهــــــكــــــذا ســــيــــبــــدو الـــــــــــسلام تـــرجـــمـــة لسيناريو أهلي منتصر مقابل سيناريو أهـلـي مـهـزوم. وهــذا إنّّــمـا يجعل المـسـاواة بين رفـض سلاح الـحـزب، حتّّى لو توس ّّع هـــــذا الـــــرفـــــض، وبين الـــقـــبـــول بــــــسلام مـع إســرائــيــل، مــســاواة وهـمـيّّــة ورغــبــويّّــة، ما دام أن المسألة ستُُترجم إلـى علاقـــات قـوّّة وتغل ّّب بين الطوائف. والـــــراهـــــن أن قـــطـــاعـــات عـــريـــضـــة مـن اللبنانيّّين ترى في السلام مع إسرائيل ما يتعارض مع عاطفتها وتربيتها، بل حت ّّى مع لغتها الآليّّة والتلقائيّّة، وهذا دون أن يكون هناك طـرف عربي يدفع اللبنانيّّين في هـذا الاتّّــجـاه، بينما يضاعف السلوك الإسـرائـيـلـي حـيـال ســوريّّــة مـا بعد الأسـد مخاوف المتخو ّّفين وشكوكهم. وما يجعل السلام أشد مضاضة على كـثـيـريـن اعـــتـــبـــارات يـسـتـحـيـل تـجـاهـلـهـا، يـتـصـدّّرهـا شخص نتنياهو الـــذي ترقى لديه الحرب المفتوحة إلى برنامج سياسي دائم، ناهيك عن خلو «الاتّّفاق الإطار» من تعبير «انسحاب» يلي نزع سلاح الحزب، والاستعاضة عنه بعبارة «إعادة الانتشار التدريجي خارج الأراضي اللبنانيّّة». حيال هذا التباين العريض يستحيل طـــــرح مـــســـألـــة الــــخــــروج مــــن الــــحــــرب دون مــــســــاءلــــة الاجـــــتـــــمـــــاع الـــــوطـــــنـــــي الــــقــــائــــم. فالسنوات الـثلاث الماضية امتحنت بقوّّة وقـــســـوة إجــــمــــاعا بـــالـــغ الــهــشــاشــة تمعن مقاومة الحزب في تدميره، ويمعن تفاؤل المتفائلين بالحلول السهلة في لفّّه بورق الهدايا المزركش. OPINION الرأي 12 Issue 17484 - العدد Sunday - 2026/10/11 الأحد ما بعد «يونيفيل» في جنوب لبنان السباق القادم للذكاء الاصطناعي يكشف عن حدود اللغة في أن مشكلة لبنان أعقد مم ّّا قد تبدو وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com حازم صاغية رامي الري ّّس *كاثرين ثوربيك
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky