issue17482

الـيـوم الـعـالمـي للصحة النفسية، الـذي يـوافـق الـعـاشـر مـن أكـتـوبـر (تـشـريـن الأول)، يـدعـونـا هـــذا الــعــام إلـــى زاويــــة مختلفة عما اعـتـدنـا عليه عـنـد تــنــاول الـقـضـايـا الطبية؛ إذ نـقـتـرب عـــادة مــن المـــرض نـفـسـه: أسـبـابـه، وأعــــــراضــــــه، وطـــــــرق تــشــخــيــصــه، وعلاجـــــــه، والوقاية منه. فهنا لن نتوقف عند اضطراب نفسي بعينه، ولن نسأل عن دواء، أو وسيلة تشخيص، وإنــمــا نـقـتـرب مــن قضية أوســع تمس فلسفة الرعاية نفسها: ما المكان الذي ينبغي أن يحتله صوت الإنسان الذي عاش تجربة المرض النفسي في القرارات المتعلقة بعلاجه، وفـي الخدمات المقدمة لـه، بل وفي الــســيــاســات الـــتـــي تـــرســـم مـسـتـقـبـل الــرعــايــة النفسية؟ «الإنصات إلى التجربة المعيشة» • أصـوات حقيقية. وليس هذا التحول اخـتـيـارا تـحـريـريا فـحـسـب؛ فـهـو فــي صميم القضية التي وضعتها المؤسسات الدولية المعنية بالصحة النفسية في واجهة النقاش هـذا العام. فاليوم العالمي للصحة النفسية Lived Experiences يأتي تحت شعار 2026 ، أو بما Heard: Real Voices، Real Change يعبر عن مضمونه: «الإنصات إلى التجارب المعيشة... أصوات حقيقية، تغيير حقيقي». وتــــدعــــو حـــمـــلـــة هــــــذا الــــعــــام إلــــــى الاعــــتــــراف بــالمــعــرفــة الـــتـــي يـحـمـلـهـا الأشـــخـــاص الــذيــن عاشوا تجربة الاضطراب النفسي، وإلـى ألا يقتصر حضورهم على سـرد تجاربهم، بل يمتد إلى التأثير في السياسات، والخدمات، والقرارات التي تمس حياتهم. وهـــنـــا تــتــغــيــر الأســـئـــلـــة. فــــبــــدلا مــــن أن نــســأل فــقــط: مـــا المـــــرض؟ وكــيــف نشخصه؟ وكيف نعالجه؟ نسأل هــذه المـــرة: هـل يكفي أن نستمع إلى المريض؟ وهل الاستماع إليه يعني إشــراكــه؟ ومــا الـــذي يمكن أن تضيفه تجربة مـن عــاش المـــرض إلــى خـبـرة الطبيب ومـــعـــرفـــة الـــبـــاحـــث؟ وهــــل يــمــكــن أن تصبح مشاركة المـريـض معيارا مـن معايير جـودة الرعاية النفسية الحديثة؟ • يــــوم عـــالمـــي. ولــفــهــم دلالـــــة المـنـاسـبـة، لا يـنـبـغـي أن يـغـيـب عـنـهـا الاتـــحـــاد الـعـالمـي )، الذي أطلق اليوم WFMH( للصحة النفسية . وهـو 1992 الـعـالمـي للصحة النفسية عـــام اتحاد متخصص يعمل على تعزيز الوعي بالصحة النفسية، والوقاية من الاضطرابات النفسية، والمناصرة، ودعم الممارسات التي تركز على التعافي. وتلتقي هذه الرؤية مع منظمة الصحة العالمية، التي تدعو في حملة هذا العام إلى المـــشـــاركـــة ذات المــعــنــى لأصـــحـــاب الــتــجــارب المـــعـــيـــشـــة؛ بـــحـــيـــث يـــصـــبـــحـــون شـــــركـــــاء فـي تشكيل السياسات، والخدمات، والقرارات، لا مجرد أصوات نستمع إليها. وفـــي الـتـاسـع مــن أكـتـوبـر عشية الـيـوم الـــعـــالمـــي، تُُــعــقــد نـــــدوة دولـــيـــة مــشــتــركــة بين منظمة الـصـحـة الـعـالمـيـة والاتـــحـــاد الـعـالمـي لـلـصـحـة الـنـفـسـيـة وشـــركـــاء دولــــــيين، حــول تحويل أصـــوات أصـحـاب التجارب المعيشة إلــــــــى مـــــشـــــاركـــــة مــــــؤثــــــرة فــــــي الــــســــيــــاســــات، والخدمات، والممارسة. • مـــن الاســـتـــمـــاع إلــــى المـــشـــاركـــة. هـنـاك فـــــارق كــبــيــر بين أن نــمــنــح الإنــــســــان فـرصـة للكلام وأن نمنح صوته فرصة للتأثير. فقد يــــروي شــخــص عــــاش الاكـــتـــئـــاب أو الـفـصـام أو اضــــــطــــــرابا نـــفـــســـيا تـــجـــربـــتـــه فــــي حـمـلـة تـــوعـــويـــة، أو مـــؤتـــمـــر، فــتــســاعــد قــصــتــه في مكافحة الـوصـمـة، وتشجيع الآخــريــن على طلب المساعدة. لكن ماذا يحدث بعد انتهاء الــقــصــة؟ هـــل يـصـل مـــا قــالــه إلـــى مـــن يصمم الـخـدمـة؟ وهــل تُُــؤخـذ تجربته فـي الاعتبار عـــنـــد وضـــــع الـــســـيـــاســـات، أو تــقــيــيــم جــــودة الرعاية؟ أن المشاركة 2026 لـهـذا تـؤكـد حملة ذات المعنى تتجاوز مجرد الاستماع؛ فهي تتيح لأصحاب التجارب المعيشة التأثير فــــي الـــــــقـــــــرارات، والمــــشــــاركــــة فــــي تـصـمـيـم الـخـدمـات، ودعـــم المــبــادرات الـتـي يقودها الأقـــــــــران، ومـــواجـــهـــة الـــوصـــمـــة، وتــعــزيــز المـــســـاءلـــة. وتــلــخــص إحـــــدى أهــــم رســائــل Nothing« الـحـمـلـة هـــذه الفلسفة بـعـبـارة »، أي «لا شـــيء عنا about us without us مــــن دونـــــنـــــا». فـــالـــســـيـــاســـات والـــخـــدمـــات الــنــفــســيــة تــصــبــح أقــــــوى عـــنـــدمـــا تُُــصـمـم وتُُقدم وتُُقيّّم بمشاركة الأشخاص الذين يستخدمونها. «الشراكة» في العلاج • التجربة المعيشة» خبرة من نوع آخر. ولكن هل يمكن اعتبار التجربة الشخصية نـــوعا مــن الــخــبــرة؟ تجيب حملة هـــذا الـعـام بنعم، مع ضــرورة فهم المقصود. فـالتجربة ) هـــي المـعـرفـة Lived Experience( المـعـيـشـة والفهم اللذان يكتسبهما الإنسان من مروره الشخصي بحالة نفسية، ومـن تجربته في طـلـب الــرعــايــة، والـحـصـول عليها، أو تعذر الوصول إليها. إن الطبيب يعرف الاضـطـراب مـن خلال الـــدراســـة، والــتــدريــب، والمــمــارســة الـسـريـريـة، والـــــبـــــاحـــــث يـــــدرســـــه مـــــن خلال الــــبــــيــــانــــات، والدراسات، لكن الشخص الذي عاشه يعرف جانبا مختلفاً: كيف يبدو المرض في تفاصيل الـحـيـاة الـيـومـيـة؟ وكـيـف يـؤثـر فــي الــدراســة، والعمل، والأســـرة، والــعلاقــات؟ ومـا العقبات التي يواجهها الإنسان في طلب المساعدة؟ وقـــــد تـــكـــشـــف هـــــذه المـــعـــرفـــة عــــوائــــق لا يلاحــــظــــهــــا الآخـــــــــــرون، وتــــســــاعــــد فـــــي جـعـل الــــســــيــــاســــات والــــــخــــــدمــــــات أكـــــثـــــر ارتــــــبــــــاطا بـاحـتـيـاجـات الــنــاس، وظـروفـهـم الحقيقية. ومـع ذلـك فـإن تجربة شخص واحـد لا تمثل تجارب الجميع. وهنا يجب أن يبقى الميزان دقيقاً: التجربة المعيشة لا تحل محل الطب المبني على الدليل، كما أن المعرفة الطبية لا ينبغي أن تلغي معرفة الإنـسـان بتجربته، واحتياجاته. فالرعاية الأفضل تنشأ عندما تلتقي المعرفة العلمية والخبرة السريرية مع خبرة الإنسان الذي يعيش الحالة. • مـــن مـتـلـقـي الـــــعلاج إلــــى شـــريـــك فـيـه. تبدأ هـذه الفلسفة من علاج الإنسان نفسه. فالرعاية المتمحورة حـول الإنـسـان لا تنظر إلى المريض باعتباره متلقيا سلبيا لما يقرره الآخـرون، وإنما يعد شريكا ينبغي أن يفهم تـشـخـيـصـه، وخـــيـــارات الـــــعلاج، وفــوائــدهــا، ومـــخـــاطـــرهـــا، وأن تـــؤخـــذ أولـــويـــاتـــه وقـيـمـه وظروف حياته في الاعتبار عند وضع خطة العلاج، والتعافي. ثم تتسع دائرة المشاركة؛ فقد يساهم أصـحـاب الـتـجـارب المعيشة في تــصــمــيــم الــــخــــدمــــات، وتــقــيــيــمــهــا، وتـــدريـــب العاملين، وقيادة مبادرات الأقـران، وتطوير السياسات، والبرامج. لـــكـــن الأرقـــــــــام تــكــشــف أن الانــــتــــقــــال مـن المبدأ إلى التطبيق لا يـزال غير مكتمل. فمن بين الـــدول المستجيبة لمسح أطـلـس الصحة فـي المائـــة بوجود 45 ، أفـــادت 2024 النفسية تعاون مستمر مع أصحاب التجارب المعيشة، والأســــــــر، أو مـــقـــدمـــي الـــرعـــايـــة فــــي تـخـطـيـط خــدمــات الـصـحـة الـنـفـسـيـة، أو تـقـديـمـهـا، أو في المائة من الدول 80 مراقبتها، بينما أفادت التي لديها سياسة أو خطة للصحة النفسية بأنها ط ُُورت بالتشاور معهم. والــفــارق بين الـرقـمين يستحق التأمل: وجود صوت للمريض عند كتابة السياسة لا يعني بـالـضـرورة أن هــذا الـصـوت أصبح جزءا دائما من الممارسة. • الرعاية النفسية... هل يجب أن تنتهي عند باب المستشفى؟ ويقودنا ذلك إلى تحول آخــر فـي مفهوم الـرعـايـة النفسية الحديثة: من الاعتماد المفرط على المؤسسات طويلة الإقامة إلى بناء خدمات نفسية واجتماعية داخل المجتمع. وهذا لا يعني إلغاء المستشفى النفسي، أو الـتـقـلـيـل مــن ضـــرورتـــه عـنـد الـحـاجـة إلـى التنويم، والرعاية المتخصصة. بل يعني أن المستشفى ينبغي ألا يكون المنظومة كلها، وأن يحصل الإنــســان، متى سمحت حالته، على الرعاية والتأهيل وهو مرتبط بأسرته، ومجتمعه، وتعليمه، وعمله، وحياته. وتضع منظمة الصحة العالمية الرعاية المجتمعية الـقـائـمـة عـلـى الـحـقـوق والـكـرامـة ضمن أولويات حملة هذا العام. لكن التحول في 9 العالمي مـا زال بطيئاً؛ إذ أفـــادت نحو المائــة فقط من الــدول بأنها انتقلت بالكامل مـــن الـــرعـــايـــة الــقــائــمــة عــلــى المـــؤســـســـات إلــى في 53 الــنــمــاذج المجتمعية، بينما لا تـــزال 49 المائــــة فــي المـــراحـــل المــبــكــرة. كـمـا أن نـحـو فـــي المائـــــة مـــن حــــالات الـــدخـــول المــبــلــغ عنها إلى المستشفيات النفسية غير طوعية، فيما في المائة من الإقامات المبلغ 23 تتجاوز مدة عنها عاما كاملا ًً. والمغزى هنا ليس في مكان تقديم العلاج وحــده، وإنما في فلسفة الرعاية: هل تساعد الإنــــســــان عــلــى اســـتـــعـــادة حـــيـــاتـــه، ومــمــارســة اختياراته، والبقاء جزءا من المجتمع؟ المريض في صميم العملية العلاجية • الـــســـعـــوديـــة: المـــشـــاركـــة حـــق ولـيـسـت شعاراً. وعندما ننقل هذا النقاش إلى المملكة العربية الـسـعـوديـة، نجد أن فـكـرة مشاركة .2026 المريض لا تبدأ من شعار عالمي لعام وتـــــؤكـــــد وزارة الــــصــــحــــة الـــســـعـــوديـــة فـــي وثـائـقـهـا الــخــاصــة بـحـقـوق المـــرضـــى أن السياسات الصحية الوطنية تضع المريض فــــي صـــمـــيـــم الــعــمــلــيــة الــــعلاجــــيــــة، وتــعــتــبــر إشراكه في صنع القرار الصحي أحد معايير التميز في تقديم الرعاية. كما تنص صفحة الـــــــوزارة الــخــاصــة بـالـصـحـة الـنـفـسـيـة على تمكين المـريـض، وإشـراكـه فـي الــقــرارات التي تحسن الخدمات المقدمة. وتـــتـــضـــح الــــصــــورة أكـــثـــر فــــي اللائـــحـــة التنفيذية لنظام الرعاية الصحية النفسية؛ إذ تنص حقوق المريض النفسي على إعطائه الـــفـــرصـــة لـــلـــمـــشـــاركـــة الــفــعــلــيــة والمـــســـتـــمـــرة فـــي الــخــطــة الـــعلاجـــيـــة إذا كــــان قــــــادرا على ذلـــك، وإعلامــــه بالتشخيص، وسـيـر الخطة الـــعلاجـــيـــة، والـــفـــوائـــد المــــرجــــوة، والمــخــاطــر، والأعــراض الجانبية، والبدائل الممكنة، قبل موافقته على العلاج. وهنا يصبح شعار اليوم العالمي قريبا جـدا من الممارسة اليومية: أن يُُسمع صوت المـــريـــض، وأن يََــعــرف ويََــفـهـم خــيــاراتــه، وأن يُُشارك في القرار المتعلق بحياته. كما تتسع الخدمات النفسية في المملكة خارج إطار المستشفى وحده؛ فوزارة الصحة تــشــيــر إلـــــى تــقــديــمــهــا عـــبـــر مــــراكــــز الـــرعـــايـــة الصحية الأولية، ومنصة «صحتي»، وخدمة ، إلـــى جـانـب المـسـتـشـفـيـات، والـــطـــوارئ، 937 والمركز الوطني لتعزيز الصحة النفسية. وفــــــي أغـــســـطـــس (آب) الماضـــــــــي أطـــلـــق المـــركـــز الـــوطـــنـــي لــتــعــزيــز الــصــحــة الـنـفـسـيـة «أطلس خدمات الـرفـاه والعافية النفسية»، بــهــدف تــعــزيــز الـــوصـــول إلــــى الـــخـــدمـــات في مختلف مناطق المملكة؛ وهي خطوة تسهم فــــي تـــقـــريـــب الــــدعــــم الــنــفــســي مــــن الإنــــســــان، ومساعدته في العثور على الخدمة المناسبة. لـكـن وجـــود الأنـظـمـة والــخــدمــات يفتح ســـؤال المـرحـلـة الـتـالـيـة، وهـــو الــســؤال نفسه الــذي يطرحه الـيـوم العالمي بـصـورة أوســع: كـيـف نـضـمـن أن تـتـحـول المــشــاركــة مـــن حق مكتوب إلــى تجربة يشعر بها كـل مستفيد من الخدمة؟ • أصـوات حقيقية... هل تصنع تغييرا حـقـيـقـياً؟ لـيـس المـقـصـود أن تـحـل الـتـجـارب الشخصية محل الدراسات، والأدلة العلمية، أو أن يستطيع شخص واحد التحدث باسم جـمـيـع المـــرضـــى. وإنــمــا المـقـصـود أن معرفة الــطــبــيــب والـــبـــاحـــث والـــنـــظـــام الـــصـــحـــي قـد تكملها معرفة الإنسان الذي يعيش التجربة. ولـــذلـــك ربــمــا تــكــون الــرســالــة الأهــــم في هي 2026 الــيــوم الــعــالمــي للصحة الـنـفـسـيـة الانتقال من الاستماع إلى الفعل؛ فبدلا من أن نطلب من الناس روايـة قصصهم، نتساءل: مـــــاذا تـعـلـمـنـا مــنــهــا، ومــــا الـــــذي يـنـبـغـي أن يتغير بسببها؟ عـــلـــى مــــــدى ســـــنـــــوات، كــــــان أحــــــد أكـــبـــر تـــحـــديـــات الـــصـــحـــة الــنــفــســيــة جـــعـــل الـــنـــاس يــتــحــدثــون عـنـهـا بلا خــــوف، أو خــجــل. ولا تزال مواجهة الوصمة مهمة، والوصول إلى التشخيص والعلاج ضرورة لا غنى عنها. لكن النقاش يتقدم اليوم خطوة أخرى. فـــلـــم يـــعـــد الـــــســـــؤال فــــقــــط: هــــل نـــتـــحـــدث عـن الـصـحـة الـنـفـسـيـة؟ بـــل: مــن يــشــارك فــي هـذا الحديث، ومن يصل صوته إلى مكان اتخاذ القرار؟ ولعل عبارة «لا شيء عنا من دوننا» تـخـتـصـر هــــذا الـــتـــحـــول: مـــن الـــرعـــايـــة الـتـي تُُــصـمـم للإنـــســـان إلـــى الــرعــايــة الــتــي يُُــشـارك في تصميمها. فإذا أردنا بالفعل أن تتحول «الأصـوات الحقيقية» إلى «تغيير حقيقي»، فلا يـكـفـي أن نـتـيـح لـلـمـريـض أن يـتـحـدث، بل ينبغي أن يكون لما يقوله أثــر. فالرعاية النفسية الأفضل لا تُُبنى للمريض وحـده... وإنما تُُبنى معه. * استشاري طب المجتمع Issue 17482 - العدد Friday - 2026/10/9 الجمعة صحتك HEALTH 17 وضع المريض في صميم العملية العلاجية وإشراكه في صنع القرار الصحي » يدعو لتحويل «الأصوات الحقيقية» إلى مشاركة مؤثرة في الرعاية 2026 «اليوم العالمي الصحة النفسية... هل يكفي أن نستمع إلى المريض؟ *جدة: د. عبد الحفيظ يحيى خوجة علاجان فعالان لاضطراب تجن ّّب الطعام لدى الأطفال أوضــحــت دراســــة حـديـثـة لـبـاحـثين مــــن جـــامـــعـــة ســـتـــانـــفـــورد فــــي الــــولايــــات المـــتـــحـــدة، نُُــــشــــرت نــتــائــجــهــا أخــــيــــرا فـي مـــجـــلـــة الأكــــاديــــمــــيــــة الأمــــيــــركــــيــــة لـلـطـب the Journal النفسي للأطفال والمراهقين of the American Academy of Child &، كـيـف يمكن Adolescent Psychiatry لــلــمــعــالــجين وأولـــــيـــــاء الأمـــــــور مــســاعــدة الأطـفـال الذين يعانون حالة شائعة من حالات اضطراب الطعام تسمى «تجنّّب/ تقييد تناول الطعام». أسباب اضطراب تجن ّّب الطعام ي ُُعد اضطراب تجن ّّب/تقييد تناول الطعام مـن المشاكل النفسية الشائعة التي تتعلق بالطعام والتغذية، حيث يقوم المراهق بالحد من كمية أو أنواع الـــطـــعـــام الـــتـــي يـــتـــنـــاولـــهـــا، ولـــكـــن عـلـى عـكـس المـــصـــابين بـاضـطـرابـات الطعام الأخرى، لا يقوم المراهق بتقليل كميات الطعام بسبب مخاوف تتعلق بصورة الـجـسـد أو الـرغـبـة فــي إنــقــاص الـــوزن، ولكن لأسباب نفسية أخرى. تـــــــكـــــــون الأســــــــــبــــــــــاب الأســــــاســــــيــــــة لـــهـــذا الاضـــــطـــــراب فــــي الأغــــلــــب نـتـيـجـة لمشاكل نفسية ترتبط بالطعام، مثل: «الحساسية الحسية من الطعام» التي يـــحـــدث فــيــهــا تــجــنــب شـــديـــد لأطــعــمــة معينة بـنـاء على قـوامـهـا أو رائحتها أو مذاقها أو لونها أو درجة حرارتها، أو «انعدام الاهتمام بالطعام» ويحدث فيها ضعف للشهية ونسيان لإشارات الجوع الداخلية أو عدم إدراكها. ومــــــن الأســــــبــــــاب الأخـــــــــرى المــهــمــة «الـــخـــوف مــن عــواقــب تــنــاول الـطـعـام»؛ ما يسبب شعورا بالقلق من أن يؤدي تــــنــــاول الــــطــــعــــام إلــــــى حـــــــدوث مـشـكـلـة صحية، مثل الاختناق أو القيء أو رد فعل تحسسي خطير. وغالبا ما ينشأ هذا الخوف عقب تجربة مؤلمة سابقة. يـــــمـــــكـــــن أن يـــــــبـــــــدأ حـــــــــــــدوث هـــــذا الاضـــطـــراب فــي أي مـرحـلـة عـمـريـة بما في ذلك مرحلة الطفولة المبكرة، وعلى وجـه التقريب هناك نسبة من الأطفال في المائـة 6 و 2 والمـراهـقين تـتـراوح بين مصابون بالاضطراب، الذي يؤثر سلبا عـلـى نـمـو الـطـفـل الــعــضــوي والـنـفـسـي والاجتماعي. ويـــتـــســـبـــب هـــــــذا الاضـــــــطـــــــراب فــي حـــــــــــدوث عــــــزلــــــة اجــــتــــمــــاعــــيــــة لـــلـــطـــفـــل لإحساسه بالحرج والقلق عند تناول الــطــعــام بـحـضـور الآخـــريـــن؛ مـــا يـــؤدي إلى تجنب الطفل للتجمعات المرتبطة بـالـطـعـام مـثـل الــوجــبــات المــدرســيــة أو السفر لأيام عدة، أو حضور المناسبات الاجـــتـــمـــاعـــيـــة مـــثـــل أعــــيــــاد الــــــــيلاد؛ مـا يــســبــب كـــراهـــيـــة الـــطـــعـــام بــشــكــل أكــبــر ويـــــضـــــاعـــــف مــــــن المـــــشـــــاكـــــل الـــنـــفـــســـيـــة المرتبطة بتناوله. وقــــــد شـــمـــلـــت الــــــدراســــــة الـــحـــالـــيـــة 12 و 6 طـــفلا تــتــراوح أعـمـارهـم بين 98 عـــاما وأســـرهـــم، وكــانــوا جـمـيـعا قــد تم تشخيصهم باضطراب تجنّّب/تقييد الــطــعــام ويــعــانــون نــقــصا واضـــــحا في الـــوزن. وقــارن الباحثون بين أسلوبين علاجــــــــيين، كلاهــــمــــا ســـبـــق لــــه تـحـقـيـق نــــجــــاح فــــعــــال فـــــي علاج اضــــطــــرابــــات الطعام الأخرى. ووزع الــــــبــــــاحــــــثــــــون الـــــــعـــــــائلات المـــشـــاركـــة بــشــكــل عـــشـــوائـــي عـــلـــى أحـــد الأســــلــــوبين الــــعلاجــــيين، وتــضــمــن كلا جلسة علاجية (مـدة كل 14 الأسلوبين منها سـاعـة واحــــدة) عـلـى مـــدار أربـعـة أشـهـر، وتـم عقد جميع الجلسات عبر الإنترنت؛ ما أتاح للدراسة ضم عائلات من جميع أنحاء الولايات المتحدة. أسلوبان علاجيان ويعتمد الأسلوب الأول في العلاج بشكل أساسي على دور الطفل، ويعرف بالعلاج التحفيزي التعليمي النفسي psychoeducational motivational ، حـــيـــث يـــتـــم حــــضــــور الــطــفــل therapy جلسات تدريبية مع المعالج النفسي، يحصل خلالــهــا عـلـى مـعـلـومـات طبية مناسبة لعمره تساعده في فهم طبيعة الاضـــــطـــــراب وتــغــيــيــر طـــريـــقـــة تـفـكـيـره ومواجهة مخاوفه من الطعام والتغلب عـــلـــيـــهـــا بـــنـــفـــســـه، عـــــن طــــريــــق تـــدريـــبـــه عـلـى تــــذوق أطـعـمـة جــديــدة بـالـتـدريـج والـــتـــخـــلـــص مــــن الــحــســاســيــة المــفــرطــة تجاه ملمس أو رائحة الطعام. أمـــا الأســلــوب الـثـانـي فــي الـــعلاج، فيعتمد بشكل أساسي على دور الأسرة Family-based( فـــي مـــســـاعـــدة الــطــفــل ) حــيــث يــتــم إشـــــراك الــوالــديــن therapy في إدارة النظام الغذائي لطفلهم، من خلال تدريبهما عـلـى كيفية مساعدة أطـــفـــالـــهـــم عـــلـــى تـــغـــيـــيـــر الـــســـلـــوكـــيـــات المـــرتـــبـــطـــة بــتــجــنــب الــــطــــعــــام مــــن دون الضغط النفسي عليهم وتوفير بيئة هادئة لتناول الطعام. ومع تقدم الطفل في العمر يكون قد تعود بالفعل على السلوكيات الجديدة، وشــارك في هذه الجلسات العلاجية جميع أفراد الأسرة وتـضـمـنـت الأطـــفـــال والآبــــــاء والأشـــقـــاء بالإضافة إلى المعالجين النفسيين. تــتــبــع الـــبـــاحـــثـــون أوزان الأطـــفـــال المـــشـــاركين وشــــدة أعـــــراض الاضـــطـــراب لـــديـــهـــم، وأوضـــــحـــــوا أن نـــظـــام الـــــعلاج المعتمد على الأسرة لا يعني الاستغناء عـــن دور المــعــالــج الــنــفــســي؛ لأنــــه يـقـوم بـــدور المــوجــه والمـسـتـشـار ويــكــون على تــواصــل دائــــم بـــالأســـرة، لـكـن الــوالــد ََيــن لديهما خبرة كبيرة بطبيعة طفلهما وبـــثـــقـــافـــة الأســــــــرة الـــغـــذائـــيـــة ومـــــن ثـم يمكنهما مساعدة الطفل أكثر. في ختام الدراسة، تبين أن الأطفال الـــذيـــن خـضـعـوا لـــلـــعلاج المـعـتـمـد على الأسرة، قد اكتسبوا قدرا أكبر من الوزن مـقـارنـة بـالأطـفـال الــذيــن تـلـقـوا الـــعلاج الــــفــــردي. وتُُـــعـــد زيـــــادة الـــــوزن مـــن أهــم المؤشرات على التعافي من اضطرابات الــطــعــام. وهــــذا مــا يـوضـح الــــدور المهم للأسرة، كما أظهر الأطفال الذين عانوا درجــــــات أشــــد مـــن الاضــــطــــراب تـحـسـنا أفــضــل عـنـد تـلـقـي الـــــعلاج الــقــائــم على التعاون الأسري. * استشاري طب الأطفال *القاهرة: د. هاني رمزي عوض النص الكامل على الموقع الإلكتروني

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky