issue17480

لطالما كانت تجربة الأمومة والإنجاب، فــضلا عـن علاقــة المـــرأة بجسدها وبالعالم، محلا لاشتغال الكثير من الباحثين في علوم النفس والطب والاجتماع. ومع أن الجانب العلمي والنظري من هذه التجربة، هو محل تــنــاول الـجـنـسين مـــعاً، إلا أن المــــرأة وحـدهـا هـــي المــنــوطــة بـالـتـعـبـيـر عـــن الــشــق العملي منها؛ لأنهن الطرف الـذي قُُــدّّر له أن يختبر آلامها ومسراتها وتبعاتها المتباينة. وإذا كـــــان مــــن الــطــبــيــعــي أن تــنــعــكــس الــقــضــايــا الشائكة المتصلة بالحب والـــزواج والأنوثة والأمــــومــــة فـــي الأعــــمــــال الإبـــداعـــيـــة لـلـنـسـاء المــشــتــغلات بــشــؤون الأدب والـــفـــن، فـاللافـت بهذا الـخـصـوص، أن هــذا المـوضـوع بالذات كان في الآونة الأخيرة، مثارا لاهتمام ثلاث من الكاتبات اللبنانيات، وهن: يسرى مقدم فــي «صــبــاح الـخـامـس والـعـشـريـن مــن شهر ديسمبر»، وحنان ضيا في «خارجات على الغريزة»، وسهير بشارة في «حامل النور»، مـع ضـــرورة الإشــــارة إلــى الـسـمـات المختلفة الـتـي تحكم أسـالـيـب الـكـاتـبـات الــــثلاث، في مجالات اللغة والأسلوب وتقنيات السرد. فــــــــي كـــــتـــــابـــــهـــــا «صــــــــبــــــــاح الـــــخـــــامـــــس والـــعـــشـــريـــن مــــن شـــهـــر ديـــســـمـــبـــر»، لا تــأبــه يـــســـرى مـــقـــدم كــثــيــرا لـلـنـسـب الأدبــــــي الـــذي يـنـتـمـي إلــيــه عـمـلـهـا الـــســـردي الـــســـيََـــري، بل تحوله حوارا مع النفس، تكشف من خلاله، وقـــــد أنـــجـــبـــت صـــبـــيا وفــــتــــاة، عــــن إخــفــاقــهــا الــذريــع فـي الـقـيـام بــدورهــا كـــأم؛ الأمـــر الـذي انعكس بشكل سلبي على علاقتها بولديها من جهة، ولكنه دفعها إلى الكتابة من جهة أخرى. وإذا كان ضمير المخاطب في الكتاب برمته، هو سكنة أم الكاتبة وجدة ولديها، فلأنـهـا رأت فـي أمـهـا بــالــذات، مـا يـرمـز إلى الأمـومـة المطلقة، حيث الـحـدب على الأولاد والأحــــفــــاد يــصــل إلــــى حـــد الــعــطــاء الأقــصــى والإمحاء الخالص. وإذا كــنــا نــعــرف مـــن ســيــاق الــعــمــل أن والد المؤلفة الراوية قد مات مقتولا من قِِبل عـصـابـة مـــهـــربين، قـبـل ولادتـــهـــا بـأسـابـيـع، فـإن عبارة «يـا سكنة» التي تكررها المؤلفة عـلـى نـحـو دائـــــم، تــبــدو نــــوعا مــن الانـتـشـال الـــرمـــزي للأم الــراحــلــة مــن بــراثــن الـــعـــدم، أو نداء الاستغاثة التي تطلقها السفن الموشكة عـلـى الـــغـــرق أملا فـــي خلاص غـيـر مـتـوقـع. وإذ تـكـشـف الـكـاتـبـة عــن أن أمــهــا سـكـنـة لم تتكفل أعــبــاء تربيتها فـحـسـب، بــل أوكـلـت إلـيـهـا الابـــنـــة، بـفـعـل انـشـغـالاتـهـا الـكـثـيـرة، مهمة الاعتناء بولديها الصغيرين، يمكن أن نفهم السبب الحقيقي لانـصـراف ولدها عنها حين حاولت تبرير تقصيرها بحقه. كما لـم يختلف موقف الابـنـة المهملة كثيرا عـــن مــوقــف الابــــن الــســاخــط، وهـــو مـــا تعبّّر عـنـه الـكـاتـبـة بقولها عـنـهـا: «كــانــت تجاهر بأنها فقدت شهية المحاورة معي، وبأن ثمة حاجزا جليديا بات يفصل فيما بيننا». لــكــن الــــــذروة الــدرامــاتــيــكــيــة لمأزق الأم الكاتبة، تمثلت فـي اكتشافها أنها لـم تكن جزءا من الصورة التي أرسلتها لها ابنتها عبر شـاشـة الـهـاتـف بمناسبة عيد المـــيلاد، بما يعني أن ابنتها، وابنها استتباعاً، لا يعتبرانها، بحكم تخليها عـن دورهـــا كـأم، جزءا أساسيا من المشهد العائلي. ومـع أن الكاتبة حنان ضيا تقارب في روايتها «خـارجـات على الغريزة »، قضايا المـــرأة والأمـومـة والإنـجـاب مـن خلال نماذج نـــســـائـــيـــة مـــتـــنـــوعـــة الأمـــــزجـــــة والـــقـــنـــاعـــات، ومقيمة في منفاها النفسي والمكاني، إلا أن ضيا تحرص على ألا تقارب هـذه النماذج، بـــمـــعـــزل عــــن الـــبـــيـــئـــة والـــثـــقـــافـــة والــــظــــروف الشخصية والاجـتـمـاعـيـة الـتـي تنشأ المــرأة فـي كنفها، والـتـي تسهم إلــى حـد بعيد في دفعها إلــى خيار الإنـجـاب أو عـدمـه، فـضلا عــمــا يـمـكـن لـــلـــعلاقـــة بين الــــــــزوجين، والــتــي تـــتـــفـــاوت بين الـــحـــب والـــكـــراهـــيـــة والــتــنــاغــم والـتـنـابـذ، أن تلعبه فـي نـجـاح الــعلاقــة بين الأمــهــات وأطـفـالـهـن أو انـحـدارهـا إلــى فشل ذريع. ومع أن جلنار التي التقت ساهر أثناء رحلة سياحية إلـى أميركا، قبل أن يختبرا علاقــــة زوجــيــة نـاجـحـة فــي بـدايـتـهـا، كـانـت ترى في إنجاب الأطفال ممن تحبه، التتويج الطبيعي لهذا الحب. إلا أن المصاعب التي كابدتها خلال عمليات الـولادة القاسية، أو خلال تربيتها أطفالها الثلاثة، وضعتها في حالة من التوتر العصبي الهستيري، بحيث انتابتها في إحدى اللحظات «رغبة جامحة في القفز من الشرفة وإنهاء كل هذه المهزلة». والأدهــــى مــن ذلـــك، أن المـكـافـأة الـتـي نالتها من الـــزوج، على القيام بمهماتها الأمومية الـتـي دفـعـت ثمنها بــاهــظا عـلـى المـسـتـويين الجسدي والعصبي، تمثلت في خيانته لها مـع امـــرأة أكـثـر نـضـارة، قبل أن يـغـوص هو الآخر في ظلمة داخلية خانقة. أمـا نـاديـا، صديقة جلنار الأثـيـرة، فلا تعتقد من جهتها أن الأمومة هي قدر المرأة الحتمي والــشــرط الإلـــزامـــي لتحقيق ذاتـهـا كـأنـثـى، بــل هــي خــيــار شـخـصـي تــأخــذه كل امــــرأة بـمـفـردهـا. وقـــد حـرصـت المـؤلـفـة على أن تستشهد، بلسان بطلتها، ببعض علماء الاجتماع الذين يؤكدون أن الأمومة ليست نزوعا أنثويا غرائزيا و«أننا لا نولد أمهات كما أوهمنا البعض»، قبل أن تعمد لتأكيد موقفها، كما بشواهد تاريخية مختلفة عن قتل بعض النساء لأبنائهن. وإذ قررت ناديا الامتناع عن الإنـجـاب، عمدت إلـى إجهاض الأجنة الذين حملت بهم من زوجها وليد، واحـــدا بعد الآخـــر، إلـى أن انتهت علاقتهما بالطلاق، ولم ترض الزواج بعد ذلك، إلا من الرجل الذي رضخ لاشتراطاتها القاطعة. وحيث لم تجد هالة، ابنة مدينة السلط الأردنـــيـــة، مـن يشاطرها أفـكـارهـا المـتـحـررة، فقد آثرت الزواج من ابن عمها سليم، الطبيب المقيم في أميركا؛ لأنها وجدت فيه ما يحررها من القيود. ومع أنها تنازلت، بناء لرغبته، عن موقفها السلبي من الإنجاب، حتى ولو اعتبرت نفسها «امرأة معاقبة بالأمومة»، إلا أنها لم تلبث أن عادت بأطفالها إلى الأردن، بعد أن رفضت مماشاته على طريق الرذيلة والانحراف السلوكي. أمــــــا ســـهـــيـــر بـــــشـــــارة، فـــهـــي تـــعـــبّّـــر فـي روايــــتــــهــــا «حــــامــــل الـــــنـــــور»،عـــــن نــــظــــرة إلـــى الأمـــومـــة مـغـايـرة لمعظم الــنــمــاذج الـسـابـقـة، ســــواء مـــن حـيـث انــتــصــارهــا لمــبــدأ الإنــجــاب نـــفـــســـه، أو مــــن حـــيـــث علاقــــــة الأم بــالــطــفــل، فـــضلا عــن الغبطة الـتـي تـنـتـاب المــــرأة وهـي تمنح الـحـيـاة فـرصـة جـديـدة للتحقق. كما أن الـكـاتـبـة تـنـقـل مـفـهـوم الـــــولادة مــن كونه واقعة آنية ينتهي حدوثها مع خروج الطفل مــن الــرحــم، لتتحول حـــدثا دائــــما يستغرق الحياة بكاملها. وقــد حرصت بـشـارة على تـحـويـل المأزق الـصـعـب الـــذي واجــهــه والـــدا الطفل لوقا، حين اكتشفا أن ابنهما مصاب بـــمـــتلازمـــة داون، إلــــى مـنـاسـبـة لــلــربــط بين الحب والتضحية، وإلى سؤال وجـودي عن معنى الحياة نفسها، حيث كـل طفل يولد هـو رمـز للإنسانية جمعاء، وأي تخل عنه هو تخل عن هذه الإنسانية. وإذا كان من اللافـت في العمل إعلان الكاتبة بلسان بطلتها بــأن «الــــزواج هو مـــؤســـســـة فـــاشـــلـــة بــــطلاهــــا امــــــــرأة ورجــــل عاشا وهم الحب»، وبأن بطلتها لم تعمد إلى الـزواج إلا لتحقيق حلمها بالأمومة، فـــإن ردة فـعـل الــــزوج المـــصـــدوم، لــم تخيب خيبتها بــه، بـل أكـدتـهـا بـالمـلـمـوس، وهو الــــــذي هـــتـــف لـــــدى مـــشـــاهـــدة طــفــلــه «لماذا أنـــا؟، لماذا اخـتـارنـي الـلـه لأكـــون أبا لطفل كهذا؟». ثم لم يكتف الأب بذلك، بل أراد أن يحجر على الطفل في غرفة خاصة؛ كي لا يتسبب حضوره العلني في كسر صورته الزاهية أمام أقرانه. الجانب العلمي والنظري من تجربة علاقة المرأة بجسدها وبالعالم شغلت الكثير من الباحثين... لكنها وحدها المنوطة بالتعبير عن الشق العملي منها الثقافة CULTURE 19 Issue 17480 - العدد Wednesday - 2026/10/7 الأربعاء فسيفساء أموية من قصر الحلابات في البادية الأردنية تحوي البادية الأردنية مجموعة كبيرة من المنشآت العمرانية الأمـويـة، منها قصر كـيـلـومـتـراً، شـمـال شرقي 25 يـقـع عـلـى بـعـد مدينة الزرقاء، يُُعرف باسم قصر الحلابات. يحوي هذا الموقع الأثري سلسلة من الألواح الفسيفسائية الأرضـيـة التي تـزيّّــن قاعاته، كشفت عنها حملة تنقيب استمرت من عام ، منها لـوح كبير خرج 1985 إلـى عـام 1979 إلى النور بشكل كامل عند اكتشافه، غير أنه تـعـرّّض لاحـــقا لـحـادث طبيعي أفـقـده كثيرا مـــن عـــنـــاصـــره. تـظـهـر مـــكـــو ّّنـــات هــــذا الــلــوح فـي صــور التُُقطت قبل وقــوع هــذا الـحـادث، وتؤلف مشهدا تصويريا يجمع بين سلسلة متنوّّعة مـن البهائم، تصطف حــول صيّّاد يحتل وسط التأليف. يــتــكــوّّن قـصـر الـــحلابـــات مــن مجموعة غرف وقاعات مستطيلة، تتوزع على جهات البناء الأربـــع. يزيّّن هـذا اللوح الاستثنائي فـــي الــــدراســــات 11 أرض غـــرفـــة حـمـلـت رقــــم الــتــوثــيــقــيــة الـــخـــاصـــة بـــهـــذا المــــوقــــع، ويـتـبـع أسـلـوبا تقليديا راج بشكل واسـع في سائر ّّــطــي. يـحـضـر المشهد أقــالــيــم الــعــالــم المــتــوس الـتـصـويـري داخـــل إطـــار مــــزدوج يـتـألّّــف من شـــريـــطين يـتـبـنّّــى كـــل مـنـهـمـا طـــــرازا خـــاصاً. يـشـكّّــل الـشـريـط الأول إطــــارا خـــارجـــياً، وهـو تجريدي هندسي، ويتألف مـن سلسلة من المــربــعــات المائـــلـــة، تـحـضـر وســـط سلسلتين مـــتـــواجـــهـــتين مـــن المـــثـــلـــثـــات، صــيــغــت بـحـلّّــة لونية ترابيّّة، تناوب فيهما الأسو ََد والبنّّي. اتخذت المربعات المائلة حلّّة مشابهة، وبدا كــل منها على شكل مُُـــعين أبـيـض يتوس ّّطه مُُـــعين صغير صـيـغ بـهـذيـن الـــلـــونين. يشكّّل الشريط الأول إطارا داخلياً، وهو تصويري نباتي، ويتألف من أغصان حلزونية تتدلّّى مـنـهـا عـنـاقـيـد الــعــنــب. تـشـك ّّــل هـــذه الــدوالــي شريطا زخرفيا متقناً، وتتبع في صياغتها الــلــونــيــة حـــلّّـــة مـخـتـزلـة تـقـتـصـر كـــذلـــك على الألوان الترابية. تـــســـتـــقـــر الـــبـــهـــائـــم وســــــط هــــــذا الإطــــــار المــــــزدوج، ويــقــف الــصــيــاد بينها فــي فضاء مجرّّد، وفقا للغة تشكيلية ملتبسة يصعب تحديدها في خانة ثابتة. ينفي المصور نقطة الـتـقـاء الـصـيـاد والـحـيـوانـات بـــالأرض التي يقفون عليها، معتمدا على مبدأ التنضيد. يغيب الشق الظاهر للبعد الأمامي فتتحرّّر الـكـائـنـات مــن قــــوانين الـجـاذبـيـة وتــبــدو في حركاتها المـتـعـددة كأنها تحلّّق فـي فضاء عـــمـــودي. يـحـافـظ الـقـسـم الأكــبــر مـنـهـا على صـــورتـــه الـطـبـيـعـيـة بـثـقـلـهـا الـــواقـــعـــي، لكن أحجامها تـخـرج عـن المنطق الطبيعي. في القسم الأيسر من تأليف الصورة، يظهر أسد وأفـعـى ومــعــزاة. وفــي القسم الأيــمــن، يظهر ثـــور وكــبــش وطـــيـــور مـــن فـصـائـل مـتـعـددة. وفـي وسـط الـصـورة، يحضر الصياد، وهو حـــافـــي الــــقــــدمين، ويــــرتــــدي ســـــــروالا يـعـلـوه قميص ينسدل فوق ركبتيه. نراه رافعا بيده اليسرى فوق ظهره عصا يتدلى منها أرنب اصـــطـــاده، قــابــضا بــيــده الـيـمـنـى عـلـى حبل يلتف حول عنق نعامة كبيرة. تحيط بهذه الكائنات مجموعة مـن الشجيرات تختلف فــي الـحـجـم والـشـكـل، أبــرزهــا شـجـرة تحتل وســــط الـــجـــزء الأعـــلـــى مـــن الــتــألــيــف، تتميز بثمارها المتدلية من أغصانها. فـــي الــقــســم الأعــــلــــى، يـظـهـر الأســـــد في وضـــع جـانـبـي، ويـظـهـر الــثــور فــي وضعية مشابهة، وتفصل بينهما الشجرة المثمرة. يـحـنـي الـلـيـث رأســــه فــي اتــجــاه الــثــور كأنه يـــســـتـــعـــد للانــــقــــضــــاض عـــلـــيـــه، كــــاشــــفا عـن مــخــالــب كــبــيــرة تــخــرج مـــن أطـــــراف قـوائـمـه الأربــــــعــــــة. يــــأخــــذ الـــــثـــــور طـــــابـــــعا وحــــشــــياً، ويــحــضــر فـــي حــركــة مـــوازيـــة كــأنــه يستعد لمحاربة خصمه، كاشفا عن قـرنين طويلين ُُــــو ّّر وجـــه الأســــد في يـعـلـوان قـمـة رأســــه. ص وضعية المواجهة، وبدت ملامحه واضحة، وقوامها عينان ضخمتان جاحظتان، وأنف ُُــو ّّر أفـطـس، وشـــدق عـريـض. فـي المـقـابـل، ص وجــــه الأســـــد فـــي وضــعــيــة نــصــف جـانـبـيـة، وتميّّزت ملامـح وجهه كذلك بطابع عدائي وحـشـي ّّ. تظهر الأفـعـى تحت قـوائـم الأســد، وتبدو كأنّّها تنسل أفقيا في الفضاء، وسط ثلاث شــجــيــرات تــرتــفــع فـــي الأفـــــق. يـربـض الثور فوق شجرتين تماثلان في تكوينهما الشجرة الكبيرة، وتظهر في طرف التأليف ثلاثـــة طـيـور صـــوّّرت فـي وضعية جانبية، منها طير يبدو من فصيلة الحجل. فــــــي الــــقــــســــم الأوســـــــــــط مــــــن الــــتــــألــــيــــف، يــحــل الــصــيــاد وســــط شــجــيــرتين بسيطتين خــلــت أغــصــانــهــمــا مـــن الـــثـــمـــار، وتـــحـــوط به نعامتان كـبـيـرتين صــوّّرتــا جـانـبـيا كأنهما متواجهتان. تتميّّز هـذه النعامة بحجمها الـضـخـم، والـشـائـع أنـهـا الكبيرة مـن الطير، وتشتهر بقوتها وسرعتها، وهــي معروفة فـي بلاد الـعـرب، كما يشهد قــول أبــي كثوة: «ولّّى نعام بني صفوان زوزأة / لما رأى أسدا بالغاب قـد وثـبـا». فـي القسم الأسـفـل، يحل الــكــبــش تــحــت قـــدمـــي الـــصـــيـــاد، ويــظــهــر في وضعية جانبية شـاخـصا فـي اتـجـاه معزاة كبيرة فـي وضعية مماثلة. ومــن خلف هذا الكبش، نعامة أخرى تبدو أصغر حجماً. محمود الزيباوي فسيفساء أرضية من قصر الحلابات في الأردن «أصيلة»... قوة المكان حين تصنعه الثقافة تستعيد مـديـنـة أصـيـلـة المـغـربـيـة هـــذه الأيــــام إيــقــاع موسمها الـثـقـافـي، وتفتح أبوابها مـرة أخــرى للمثقفين والكتاب والـفـنـانين والسياسيين الـقـادمين مـن المغرب والعالم العربي وخارجه. لكن السؤال الذي تطرحه أصيلة، بعد نحو نصف قرن من تجربتها، يتجاوز برنامج موسم ثقافي أو عدد المشاركين فيه: كيف استطاعت مدينة صغيرة على الساحل الأطلسي أن تصبح اسما كبيرا على الخريطة الثقافية العربية والدولية؟ ، حين أطلق محمد بن عيسى ومحمد المليحي، ومعهما 1978 بدأت الحكاية عام مجموعة من المثقفين والفنانين، تجربة بدت في بدايتها شديدة البساطة: أن يدخل الفن إلى المدينة، وأن تتحول جدرانها القديمة إلى فضاء للرسم، وأن يشارك السكان في إعادة اكتشاف المكان الذي يعيشون فيه. كانت أصيلة القديمة تعاني آنذاك تراجعا عمرانيا وإهمالا في بعض مرافقها، فجاء الفن جزءا من مشروع لإعادة الاعتبار إلى المدينة، لا زينة موسمية معلقة على جدرانها. وتتمتع أصيلة بفرادة التجربة، فهي لم تبن متحفا ضخما لكي تصبح مدينة للفن، ولم تحتج إلى بنية مدينة كبرى لكي تستضيف حوارا عالمياً. لقد فعلت العكس تقريباً: جعلت المدينة نفسها متحفاً، وحو ََّلت الأزقـة والساحات والجدران والبيوت إلـى جـزء مـن الفعل الثقافي. وأصبحت الـجـداريـات التي تتجدد كـل عـام واحـــدة من الـــعلامـــات الـبـصـريـة لـلـمـديـنـة، فـــي تـجـربـة ربــطــت الــفــن بـالـفـضـاء الـــعـــام وبالتنمية الحضرية والاجتماعية. ومع السنوات، تجاوز المشروع الرسم والتشكيل. دخل إليه الشعر والرواية والفكر والسياسة وقضايا العلاقات الدولية. وأنشئت جامعة المعتمد بن عباد الصيفية، ثم ، ليصبح اللقاء مساحة يجلس فيها الفنان إلى 1997 مؤسسة منتدى أصيلة عـام جوار السياسي، والمفكر إلى جوار الدبلوماسي، والشاعر إلى جوار الباحث. وكان محمد بن عيسى يصر على وصف أصيلة بأنها «مشروع ثقافي» وليست مجرد مهرجان. وهذا التمييز مهم، لأن المهرجان ينتهي عادة بانتهاء أيامه، بينما المشروع يترك أثرا في المكان والناس والمؤسسات. وإضــافــة إلــى أن أصيلة قـدمّّــت نـمـوذجا للثقافة بوصفها أداة لترسيخ «الـقـوة الناعمة»، فإن تجربتها تقف إلى جانب تجارب عالمية جعلت الثقافة وسيلة لإعادة تعريف المدن. من «إدنبرة» التي صنعت من مهرجاناتها هوية دولية، إلى «أفينيون» في فرنسا، أحـد أعــرق وأشهر المهرجانات المسرحية في العالم، و«هـايـي أون واي» الويلزية التي تحولت من بلدة صغيرة إلى عنوان عالمي للكتاب، حتى أصبحت ت ُُعرف باسم «مدينة الكتب» نظرا إلى احتوائها على عشرات المكتبات المتخصصة في بيع الكتب المستعملة والنادرة. الفارق أن أصيلة قدمت صيغة نابعة من بيئتها المغربية والعربية والأفريقية، فلم تستورد نموذجا جاهزاً، بل صنعت نموذجها الخاص. ومـعـلـوم أن الاخـتـبـار الحقيقي لأي مـشـروع ثقافي هـو قـدرتـه على الـبـقـاء بعد 2025 مغادرة مؤسسيه. وبالنسبة لأصيلة، فقد وضع رحيل محمد بن عيسى عام تجربتها أمام الاختبار. فالرجل لم يكن مؤسسا للموسم فحسب، بل ظل لعقود أحد أهم محركاته وصناع شبكته الدولية. ومع ذلك، ها هي الـدورة السابعة والأربعون أكتوبر (تشرين الأول)، حاملة معها نقاشات تتصل 18 و 2 تنعقد هـذا الـعـام، بين ، إلى جانب الأدب 2030 بالتنمية والطاقة، ومستقبل العالم العربي وأفريقيا حتى والشعر والفنون التشكيلية، وتكمل مشوارها تحت إدارة الزميل حاتم البطيوي. لقد برهنت أصيلة، هــذه المدينة الصغيرة؛ على أن الثقافة تستطيع أن تنتج نفوذا لا توفره الجغرافيا ولا عدد السكان. بل يمكن للثقافة أن تعيد صناعة هوية للمكان، وأن المـدن لا تحتاج دائـما إلى المصانع والأبــراج والمشروعات العملاقة لكي تدخل الخريطة العالمية. أحيانا تحتاج إلى فكرة، وإلى أشخاص يؤمنون بها، وإلى وقت طويل كي تتحول الفكرة إلى تقليد، والتقليد إلى مؤسسة، والمؤسسة إلى هوية. بعد سبعة وأربعين موسماً، لم تعد أصيلة تلك المدينة التي تستضيف موسما ثقافياً. أصبح موسمها الثقافي والفني جزءا من تعريف المدينة لنفسها، وأصبحت أصيلة نفسها دلــيلا على أن الثقافة، حين تغادر القاعات المغلقة وتدخل حياة الـنـاس، يمكنها أن تغيّّر صورة المكان ومصيره، وتجعله صلة الوصل بالعالم وبالثقافات المتنوعة. ثلاث روائيات لبنانيات يطرحن السؤال نفسه من زوايا مختلفة هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟ شوقي بزيع ميرزا الخويلدي النص الكامل على الموقع الإلكتروني النص الكامل على الموقع الإلكتروني

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky