الـــجـــنـــون أنـــــــواع ٌٌ. أســــــوأه، فـــي رأيــــــي، الـــذي يصيب نخبة سياسية في بلد، فيصبح الواقع الحياتي فيها مثل قطار يخرج بكامل عرباته عن قضبان سكة المنطق والعقلانية ويسقط في هـاويـة الفوضى. حينئذ تبدو الدنيا مقلوبة، عاليها سافلها، وقد تسقط الحدود بين الخير والـــشـــر أو يـعـتـريـهـا ضـــبـــاب كــثــيــف. ويـصـبـح الفساد بالضرورة واقعا معيشا مثل سيل هادر يـجـرف مـا ومــن يلقاه فـي طـريـقـه. وفــي المشهد الــســيــاســي الـلـيـبـي الـــيـــوم نـــوعـــان مـــنـــه: جـنـون الفعل، وجنون الصمت. أم ََّا جنون الفعل فمثالُُه ما حدث في اليومين الماضيين، حين حل في مطار العاصمة طرابلس رئـيـس حـكـومـة جــديــد، وبـــث بــيــانا مــن داخلها فــي وســائــل الإعلام المحلية ومــواقــع الـتـواصـل الاجتماعي يعلن فيه حالة الـطـوارئ، ويطالب الحكومتََين في طرابلس وبنغازي، والمجالس الــثلاثــة (الــرئــاســي والـــنـــواب والأعــلــى لـلـدولـة)، بتسليم السلطة. وصوله وظهوره المفاجئ في وسـائـل الإعلام يدفعان إلــى التخمين بـأنـه إما أن يكون متهورا حد الجنون، وإمـا أنََّــه مكفول الحماية ومدعوم من قوى محلية أو خارجية، أو منهما مع ًًا، بل ذهب آخرون إلى القول بأنها حـكـومـة ظــل لـحـكـومـة طـرابـلـس الــتــي ستسقط لا مـحـالـة فــي حـالـة مــا تــقــر ََّر إجــــراء انـتـخـابـات. وكونه ما يزال طليقًًا حتى هذه اللحظة، يعزّّز هذا القول! م ــــــــــا جـــــنـــــون الــــصــــمــــت فــــهــــو أن تــكــتــفــي � وأ الـــحـــكـــومـــتـــان والمـــجـــالـــس الــــثلاثــــة بـــمـــراقـــبـــة مـا يـــجـــري، فلا يـــصـــدر عـــن أي مـنـهـا بـــيـــان واحـــد يوضح لنحو سبعة ملايين ليبي مــاذا يحدث ولماذا؟ صمت الجهات الرسمية، في لحظة مثل هذه، وفي دراما سياسية، ليس حياد ًًا، بل تخل عن واجب الإيضاح. فــــي تــــزامــــن مــــع وصــــــول رئـــيـــس الــحــكــومــة المـــــزعـــــوم وملابـــــســـــاتـــــه المــــريــــبــــة، انـــتـــهـــت المـــــدة »4 4« الـقـانـونـيـة المـنـصـوص عليها فــي اتــفــاق المـــمـــنـــوحـــة لمــجــلــســي الــــنــــواب والأعــــلــــى لــلــدولــة للموافقة على الاتــفــاق. انتهت المـــدة الممنوحة ولــم يـصـدر المجلسان موافقتهما. هــذا يعني، وفـقا لبنود الاتفاق، يقول معلقون ليبيون، أن تنتقل الـلـجـنـة المـــذكـــورة إلـــى الـخـطـوة الـتـالـيـة، وهي تجاوز المجلس ََين، وعقد مؤتمر من خمسة وأربـعين شخصاً: خمسة عشر عن كل حكومة، وخمسة عشر آخرين تختارهم البعثة الأممية. يجتمع هــؤلاء للموافقة على الاتـفـاق وإحالته إلـــــى مــجــلــس الأمـــــــن الـــــدولـــــي لمــنــحــه الــشــرعــيــة الدولية. في محاولة فهم ما يجري وسط الغموض والـصـمـت، يتبدى أمـــام المــراقــب مــســاران: الأول يـسـيـر فـيـه رئــيــس حـكـومـة مــزعــوم هـبـط فجأة ) المكوّّنة 4 4( مـن الـسـمـاء، والآخـــر بـدأتـه لجنة مــن الـحـكـومـتين. فـهـل يتمك ََّن هـــذا الــرجــل ومـن يقف وراءه، محليا ودولـياً، من فرض أمر واقع جـديـد، أم ينتهي بـه الأمـــر فـي مزبلة الـتـاريـخ؟ وهــــل تـتـمـكـن الــلــجــنــة مـــن الــســيــر فـــي مـسـارهـا حتى النهاية، أي تعيين حكومة موحدة وإجراء انتخابات رئاسية ونيابية خلال عامين؟ مـهـمـا تـــعـــددت الإجـــابـــات واخــتــلــفــت، تظل عـاجـزًة عـن تقديم جــواب واحــد منطقي ومقنع وعملي. الثابت الوحيد في هذه الدراما العبثية التي تعيشها ليبيا منذ سقوط النظام السابق أن الــواقــع الـلـيـبـي، بتعقيداته وتــعــدد أطــرافــه، يـــثـــبـــت مــــــــرارا قـــــــدرة اســـتـــثـــنـــائـــيـــة عـــلـــى تــولــيــد المفاجآت واختراع أشكال جديدة من المأفونين. وكأن على الليبيين أن يقبلوهم دون قلق، ودون أن يـصـرخـوا فـي وجـوهـهـم بـالـسـؤال: إلــى متى هذا العبث؟ بين قطار واقـع سياسي خرج عن قضبانه وســقــط فــي هــاويــة الــفــوضــى، ولــجــان بـرلمانـيـة وأمـمـيـة وغـيـرهـا تظهر فـجـأة وتختفي فـجـأة، وتنتقل بين الـعـواصـم بـهـدف مُُبيّّت قـائـم على سياسة الحرث في البحر، يظل المواطن الليبي مـــغـــلـــوبا عــلــى أمــــــره، وهــــو يــــرى أمــــوالــــه تُُــنـهـب وبلاده تُُدم ّّر وهو مشدوه يتفرج على مسرحية تــــتــــداخــــل فـــصـــولـــهـــا وشـــخـــصـــيـــاتـــهـــا وتـــتـــكـــرر أحداثها. ويتساءل بمرارة: أي المسارََين أسرع وصولا إلى اللاشيء؟ هـــل المــشــهــد الـــحـــالـــي، بـجـنـونـه وعـبـثـيـتـه، مجرد فصل جديد في لعبة بلا قواعد ولا نظم، لا تنتهي فصولها؟ أم هـو إعلان آخـــر، وليس الأخير، عن سيناريو صممته وأطلقته الأطراف المتورطة في النزاع الليبي؟ إنََّها صخرة أخرى تجثم على صدر ليبيا. الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel مـــوضـــوع إصلاح مـجـلـس الأمـــــن، الـسـلـطـة الرئيسية في واقع الأمر في منظمة الأمم المتحدة، عاد بقوة هذا العام إلى الخطاب الدولي، ولو أنه كـان موجودا دائــما من قبل، ولكن ليس بالقوة ذاتـهـا. عـدد مـن قــادة الـــدول الأفريقية أكـــدوا في مداخلاتهم أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة هـــذا الــعــام عـلـى أهـمـيـة وضــــرورة تمثيل الـقـارة السمراء، وفق الحجم الذي تشكله على الصعيد دولـــــــة). مــجــمــوعــة الـــبـــريـــكـــس، في 54( الـــعـــالمـــي من الشهر الماضي، 13 و 12 قمتها في الهند في دعــت فـي بيانها الختامي إلــى الـقـيـام بــإصلاح هيكلي لمـجـلـس الأمــــن، خــصــوصا لـجـهـة زيـــادة تمثيل الدول النامية. الأمين الــــعــــام للأمـــــــم المــــتــــحــــدة، أنــطــونــيــو غــوتــيــريــش، كــــان واضـــــحا وصــــــارما فـــي كلمته الـوداعـيـة (تنتهي مهامه فـي نهاية هــذا العام) أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في التأكيد على ضرورة الإصلاح الشامل والمتكامل لمجلس الأمـــن. وللتذكير، كــان غوتيريش قـد أشـــار في كــلــمــتــه الــــعــــام الماضــــــــي، فــــي الــــذكــــرى الـــثـــمـــانين لإنشاء الأمم المتحدة، إلى أن المنظمة قد «أنشأها المـنـتـصـرون» فــي الــحــرب الـعـالمـيـة الـثـانـيـة، وقـد صــــارت شـرعـيـتـهـا هـشـة مــع تــراجــع دورهــــا مع المتغيرات الدولية. وأهمها صعود قوى جديدة. ودعـــا غـوتـيـريـش، لمعالجة ذلـــك الأمــــر، إلـى إحداث تمثيل فعلي للديموغرافيا العالمية التي تغيرت، وإعطاء عضوية دائمة لأفريقيا وأميركا اللاتـيـنـيـة ومـنـطـقـة بـحـر الــكــاريــبــي. الــــكلام عن ضــــرورة الأخـــذ فــي الاعـتـبـار الـتـغـيـرات الـدولـيـة المـخـتـلـفـة الــتــي حـصـلـت مـنـذ عــقــود ثـمـانـيـة من الزمن في السياسة والديموغرافيا والاقتصاد والـجـغـرافـيـا، والــتــي صـــارت عـلـى لـسـان كــل من يــطــالــب بـالـتـغـيـيـر الــفــعــلــي، وبـــالـــتـــالـــي المـــؤثـــر، وليس الشكلي. ومن نافل القول إن مشروعية «وديمقراطية» التمثيل العادل والواقعي للمتغيرات التي أشرنا إليها شرط أكثر من ضروري، ولو أنه غير كاف لإعادة إحياء دور فعال لمجلس الأمن ومعه الأمم المتحدة فـي مختلف أجهزتها ووكـالاتـهـا، ولو بدرجات مختلفة. أمــــور ثلاثــــة تــطــرح فـــي هـــذا الـــصـــدد بشكل دائـم، ولو بصيغ متعددة، على طـاولات الحوار مختلفة الشكل، بين الرسمي وغير الرسمي أو شبه الرسمي. هذه الأمور الثلاثة هي: أولاًً، موضوع العضوية الدائمة، أي زيادة العدد لجعله أكثر تمثيلا لواقع منظومة القوى الـــدولـــيـــة حـــالـــياً، مـــقـــارنـــة، كــمــا أشـــرنـــا ســابــقاً، .1945 بلحظة الإنشاء عام ثـــانـــياً، تـنـظـيـم اســتــعــمــال حـــق الــنــقــض أو تقييده في أمور معينة. ثـــالـــثاً، كـمـا أشــرنــا ســـابـــقاً، جـعـل التمثيل الـــدولـــي أكــثــر «ديــمــقــراطــيــة»، مــن حـيـث تمثيل الأقـالـيـم، وبالتالي أكثر شرعية ليعكس بنية النظام العالمي الجديد، والـذي لم يستقر بعد، ولو أنه شهد تغييرا كبيرا من حيث هيكل القوى وعناصر الـقـوة المختلفة وقـيـام أنـمـاط جديدة من العلاقات الدولية. علاقات تتسم بالسيولة والمرونة حسب القضايا المطروحة، مقارنة مع نظام الحرب الباردة، وكذلك مع نظام «اللحظة الأمــيــركــيــة» الــتــي جــــاءت عـلـى أنــقــاض سقوط النظام السابق ثم انتهت بسرعة. مـا نشهده الـيـوم هـو مـخـاض ولادة نظام عالمي جديد. ولا بد من التذكير بـأن استمرار تــــراجــــع أو تــــآكــــل دور المـــنـــظـــمـــة الــــدولــــيــــة فـي مـجـالات مهامها ومسؤولياتها كـافـة، ولــو تم ذلك بسرعات مختلفة، فإنه سيؤدي إلى مزيد من الفوضى والتوترات والنزاعات في العالم. الأمر الذي سيدفع ثمنه الجميع، ولو بأشكال وأوقات مختلفة. خلاصــــة الأمــــر أن الإصلاح الــشــامــل، ولـو تدريجياً، لمجلس الأمــن، وهــذا ليس بالسهل، أمــــر أكـــثـــر مـــن ضـــــــروري. لأن ذلــــك يـــعـــزز، كما أشرنا، الشرعية الدولية لمجلس الأمن وقدرته على الفعل، آخـذيـن فـي الاعتبار دروس وعبر الأمـــــس الـــقـــريـــب والــبــعــيــد والـــحـــاجـــة إلــــى هــذا الدور. دور يقوم على أسس واضحة ومعايير موحدة وغير انتقائية في نظام عالمي ما زال في دور التشكل. نظام قد ينزلق إلى الفوضى الــــتــــي يــــدفــــع ثــمــنــهــا الـــجـــمـــيـــع، ولـــــو اخــتــلــفــت الـتـكـلـفـة بين طــــرف وآخــــــر، إذا لـــم تــتــم بــلــورة قواعد واضحة ومستقرة تنظم وتدير أنماط الــــعلاقــــات بين مـخـتـلـف أطــــرافــــه، ويـــكـــون ذلــك أساسا عبر إصلاح المنظومة الدولية، وبشكل خاص مجلس الأمن الدولي. إصلاح مجلس الأمن أكثر من ضروري صخرة أخرى تجثم على صدور الليبيين OPINION الرأي 13 Issue 17479 - العدد Tuesday - 2026/10/6 الثلاثاء ما نشهده اليوم هو مخاض ولادة نظام عالمي جديد مع تآكل دور المنظمة الدولية ناصيف حتي جمعة بوكليب في المشهد السياسي الليبي نوعان من الجنون: جنون الفعل وجنون الصمت
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky