issue17479

عـلـى الـخـريـطـة المـسـطـحـة يــبــدو الــشــرق الأقـصـى أبـعـد مـا يـكـون عـن أقـصـى الـغـرب. لكن ََّهما فـي الـواقـع ثلاثــي الأبـعـاد قريبان للغاية. يتكرر هـذا في خرائط الأفـكـار السياسية، والـظـواهـر الاجتماعية. والأمثلة كــثــيــرة. الـــديـــن الـسـيـاسـي والــيــســار الــراديــكــالــي على تناقضهما الظاهري، متقاربان جـوهـرياً. تجمعهما الراديكالية في التغيير، والرغبة في هندسة المجتمع وفق نموذج جاهز مسب ََّقاً، والأستاذية، وادعاء الوعي بين جماهير غافلة. ثم الكراهية الشديدة لحرية الفرد واستقلاليته. الـشـيـوعـيـة أيــــضا تــبــدو نقيضة للإقـــطـــاع. تذمه بين كل جملة وأخرى. لكن هذا مجرد دعاية سياسية ضرورية ضد نظام ثـارت عليه. أما البنية الأساسية لـــعلاقـــة الـسـلـطـة بــالــفــرد فــلــم تـتـغـيـر مـــن هــــذا الـنـظـام إلــى ذاك. الشيوعية هـي إقـطـاع الـنـفـوذ. إقطاعيوها يحققون مكاسبهم بتقاسم النفوذ بدلا من الأرض. وهو تغير تاريخي منبعه تحول مفهوم السلطة الاقتصادية والسياسية من السيطرة على الأرض بمن عليها، إلـــى الـسـيـطـرة الـفـئـويـة. الشيوعية لــم تجعل حــقــوق الـــفـــرد مــحــور الــنــظــام، اهـتـمـت فـقـط بمفاهيم التملك. فأضافت إلى كونها «إقطاع النفوذ» خصيصة جـــديـــدة، أن هـــذا الــنــفــوذ بـــالإيـــجـــار. تـسـحـبـه السلطة المركزية وتمنحه كما يعن لها. يهمنا هـذا في عصر الـتـحـولات الـجـديـدة المـرتـبـطـة بـالـذكـاء الاصـطـنـاعـي، الذي تطرقت في مقال سابق إلى أنها تشبه «إقطاعا معرفياً» قد يستفز باسم الشعب تدخل سلطة مركزية تستولي عليه. فهل هذا مصير حتمي؟ الــــفــــارق بين الــــغــــرب الـــرأســـمـــالـــي وبين الـــثـــوريـــة الشيوعية في التحول عن الإقطاع كـان شيئا واحـداً؛ دور الفرد. في التطور الرأسمالي التدريجي، تعاظم دور الــفــرد بـالابـتـكـار والاسـتـثـمـار والـتـمـلـك الصغير والـشـراكـات، بحيث لم يكن ممكنا إهماله في النظام السياسي. أمــا فـي التحول الـثـوري المفاجئ مـن الأب الإقطاعي إلى وريثه الاشتراكي، فلم يكن له دور. وتـلـك بـالـضـبـط الـنـقـطـة المـفـيـدة فــي الـتـعـامـل مع الـتـحـولات الـحـاضـرة المرتبطة بـالـذكـاء الاصطناعي: كــيــف نـــحـــول دون الانـــتـــقـــال مـــن الــنــقــيــض الأول إلــى الثاني؟ من الإقطاع المعرفي إلى البلشفية المعرفية؟ مبتكرو الذكاء الاصطناعي يعتبرون أن استغلال خبرات البشر لتنمية «ثروتهم» حق طبيعي مكتسب. يــقــدمــون مـقـابـلـه بـعـض الــوجــبــات المـعـرفـيـة، وبعض الأدوات التي تضمن استمرارك في حرث أرض الذكاء الاصطناعي ورعاية زرعها. وكما كان الحال وقت الإقطاع، فإن ملامح التململ موجودة، وستزداد مع تغيرات سوق العمل. والتغيير قـــادم. الــســؤال كيف يـحـدث. هـل يـكـون تـدريـجـيا على طريقة الرأسمالية الغربية؟ أم راديكاليا على الطريقة الــبــلــشــفــيــة؟ والإجــــابــــة يـــحـــددهـــا دور الـــفـــرد فـــي هــذا التغيير. إن استمر التكاسل التشريعي إلى الحد الذي يدفع إلـى التغيير الراديكالي، فسيتحول الإقـطـاع المعرفي إلـى بلشفية معرفية. تستحوذ فيها حكومات باسم الشعب على هـذا الكنز الهائل من المعلومات، فتملك من أدوات التحكم في الأفــراد ما تتضاءل إلـى جـواره أدوات النظام البلشفي وأشباهه. ووجود الديمقراطية في الغرب ليست ضمانة ضد هذا الانتقال، ربما تغير وسيلته من ثـورة تخريبية إلى ثـورة صندوقية، كما حصل في ألمانيا القرن الماضي. المـــخـــرج الـــوحـــيـــد تــشــريــعــات تــضــمــن دورا أكـبـر للفرد، وتسمح لـه بتنمية ثـروتـه المعرفية والابتكار فيها والتكسب منها، ضد استغلال الإقطاع المعاصر. وهـــذا لــن يـحـدث إلا بـتـحـول الــذكــاء الاصـطـنـاعـي إلـى سلعة متداولة، يمكن امتلاكها، على غـرار تشريعات المِِلكية الفكرية. وبالتالي لا يمكن لبائعها التلاعب بخوارزمياتها بعد بيعها، ولا يمكن له - على طريقة الإقطاع - الحصول على خبرات البشر ومجهوداتهم دون مقابل تـعـاقـدي. خـبـرات البشر هـي المادة الخام لاستثمارات الذكاء الاصطناعي. وفي الوقت الحالي فإن هذا الإقطاع المعرفي قادر على الاستحواذ عليها بلا مقابل، والاكتساب منها دون مشاركة في الربح. تــصــر الماكــيــنــة الإعلامـــيّّـــة الخمينية المــدافــعــة عن أذرعــهــا فــي الإقـلـيـم عـلـى تثبيت أمــريــن اثـــنين لـــدى كل من ينتمون إليها؛ أولهما: أن كل الوقائع التي ترتّّب لــــدى أتــبــاعــهــا بـــــدءا مـــن الــحــشــد والــتــجــنــيــد لـلـصـغـار والكبار، وليس انتهاء بتفخيخ الــزوارق وزرع الألغام وإطلاق المسيّّرات، إنما هي جزء من العمل السياسي! وعليه فإنََّها مُُــبــرََّرة ضمن أهـــداف يُُسعى إليها! وهي بذلك تريد أن تميّّز الميليشيات التابعة لها كالحوثي و«حــــزب الــلــه» عــن «داعــــش» و«الـــقـــاعـــدة». هـــذه الحيلة تأتي منتظمة مع سيولة التنظير الدعوي المدعوم في المناسبات الشعبية والمهرجانات الطائفيّّة الحاثّّة على تحويل الحياة إلى مقبرة شاسعة، وإلى تزويد طاقات كل الأجيال بذكريات الانتحار والموت، حتى بات التابع يتربّّى على أن يصحو مستعدا لإحياء ذكرى مي ّّت، بدلا من أن ينهض لعيش يوم مفيد. الـثـانـي: الـلـوذ بالمفاهيم السياسيّّة قــدر الإمـكـان بـغـيـة الـتـمـلّّــص مـــن نــعــوت الإرهـــــاب والــعــدمــيّّــة، وهـــذا مـــا تــصــبــو إلـــيـــه الــجــمــاعــة الـــحـــوثـــيّّـــة الإرهــــابــــيّّــــة على سبيل المثال التي تحاول استثمار تجارب من سبقها باستعمال المـفـاهـيـم الـسـيـاسـيّّــة بغية تـبـريـر أعمالها الإجرامية، إنها جماعة تريد أن تعتني بما تبقّّى لها مـن حيثيّّة قبليّّة بحيل عـديـدة، منها لعبة التوسيط الإقـلـيـمـي أو إطلاق شـــعـــارات الـسـيـاسـة والــقــانــون في المنّصّات الأممية. من قبل كتب الأستاذ يوسف الديني بهذه الجريدة مــــادة تستحق الـتـعـلـيـق، عـنْْــونـهـا بــ«المــســألــة اليمنية تتحول إلى قضيّّة أمن دولي»، رأى الديني: «أن حسين الحوثي نفسه دخـل في خصومات فكرية، بينما كان يبني خطابا جديدا يمزج بين التعبئة الحركية التي عرفتها تـيـارات الإسلام السياسي، والــقــراءة الثورية للن ََّص التي نجد بعض ملامحها عند سيد قطب، وبين المفردات والشعارات التي أنتجتها الثورة الخمينية... الـيـوم يمكن الـقـول إن ميليشيا الـحـوثـي قـد تـجـاوزت حتى ذلك المزيج الآيديولوجي، وتحولت بمرور الوقت إلى بنية عسكرية وسلالية مغلقة مهووسة بالسلطة ودفـع أي ثمن للبقاء فيها مثل الإخـــوان المسلمين ولو من خلال الحوار مع إسرائيل، كما أن ََّها تسعى لتجريف الهوية اليمنية العربية والإسلامـــيـــة، وإعـــادة تشكيل المجتمع والدولة وفق تصور يمنحها حقا استثنائيا في الحكم والقوة القسرية». وأضيف أن تلاقـي الإرهـــاب الحوثي مع المجاميع الأصولية على اختلاف مشاربها ومذاهبها ساهم في التغطية على بعض إرهابهم، وبسط بعض هيمنتهم، بــل وفـــي تـأصـيـل الـنـظـريـة الـحــوثــيّّــة الإرهــابــيــة ضمن المـذهـبـيّّــة المـحـلـيّّــة وتفصيلها بـمـا يتيح للجماعة أن تتغو ّّل قبليا وأن تعبئ حشودها داخلياً. ّّـــة الــــتلاقــــي بين الإخــــــــوان والـــحـــوثـــي لـــئـــن لـم قـــص يستوعبها العامي المنتمي الـكـادر، فــإن مـن المـريـب أن يجهلها المـعـلّّــق الـــذي يـدّّعـي «العلمانية»، ســـواء كتب وظهر من منفاه الأوروبـــي أو من عواصم أخـرى تدعم الحالة الخمينّيّة الإرهابية المارقة. نحن نراهم الآن ينافحون، فحين شبع الحوثي من الاستثمار بـالإخـوان المسلمين وض ََمِِنهم، يحاول الآن اسـتـيلاد «حالة علمانية» تحليلية يتمكّّن عبرها من التبرير لأعماله الإرهابيّّة في المجاميع الدوليّّة، وهذا التغبيش السياسي مـردّّه آيديولوجي بطبيعة الحال كما فعل «حزب الله» في الإقليم حيث تحالف مع أعتى الأحــــزاب المسيحية «الـعـلـمـانـيّّــة»، وسـاهـم هــذا الحزب وبقوة في تسهيل مـرور إرهــاب «حـزب الله» بالخليج والعالم. ن والمحللين لقد تبن ّّى «حزب الله» العديد من الفناني ْن الـسـيـاسـيين المـجـاهـريـن بــالإلــحــاد. منحهم مـسـاحـات كــبــرى فــي قـنـواتـه وصـحـفـه وعــــزّّز لـهـم حـضـورهـم في المجال العام الشعبي والرسمي وهذا معروف ومشهود. الـخلاصـة؛ أن التجربة الحوثيّّة ليست سياسيّّة، وإنما صيغت وبخبث ضمن المسار الانتحاري العدمي الـــكـــاره لمـحـيـطـه. وأم ََّـــــا مـــحـــاولات الــحــوثــي فـــي دحـض وصـفـه بـــالإرهـــاب، أو تـبـريـره لقصف المــقــدســات، إنما تأتي في سياق محاولة بسط تجربة إرهابيّّة أشد مكرا وأكثر فتكاً. لـــئـــن اســــتــــعــــان الــــحــــوثــــي مــــن قـــبـــل بــــالــــتلاقــــي مـع الأصــــولــــيّّــــات الــتــقــلــيــديــة، فـــإنـــه الآن يــــحــــاول أن يــبــدأ فــــي تـــحـــالـــفـــاتـــه الـــســـيـــاســـيّّـــة حـــتـــى مــــع «الـــعـــلـــمـــانـــيين» و«الإنــــكــــاريين» مـقـابـل نـصـرتـهـم لــه بـاخـتـطـاف الـدولـة اليمنية إلى الأبد. إنـــهـــا صــفــقــة تـحـلـيـلـيـة بين الـــحـــوثـــي ومــعــاونــيــه الجدد تذكّّرنا بدفاع مفكّّرين عن احتلال صدام حسين للكويت، حينها كتب الـوزيـر الـراحـل غــازي القصيبي «في البحث عن المثقف» (!). OPINION الرأي 12 Issue 17479 - العدد Tuesday - 2026/10/6 الثلاثاء الحوثي والصفقات الخاسرة الذكاء الاصطناعي من الإقطاع إلى الشيوعية وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com فهد سليمان الشقيران خالد البري في مقالة مهمة للأستاذ عبد الرحمن الــــراشــــد فـــي «الــــشــــرق الأوســـــــط» عــنــوانُُــهــا: «أيتهما أكـثـر قـــوة: الـسـعـوديـة أم إيــــران؟»، قال فيها: «بينما تبني السعودية شبكات قـــــطـــــارات ومـــــتـــــرو عـــــملاقـــــة بين مــنــاطــقــهــا ومــــدنــــهــــا، تــحــفــر إيـــــــران الــــخــــنــــادق وتــشــق الجبال لبناء وتخزين أسلحتها الموجهة إقليمياً». بهذا المنطق، ومـا دامـت خيارات البلدين هكذا، خلص الراشد إلى القول إنََّه ليست صعبة «معرفة من هو الأقوى بوصفه دولة وليس قوة عدوانية». وقد أصاب. ومن خلال قراءة مضمون مقال الراشد، يت ََّضح أن المملكة دولة وطنية، وإيران دولة إمـبـريـالـيـة؛ فــالــدولــة الـوطـنـيـة بتركيبتها السكانية، وتاريخها، وعقيدتها، ونظامِِها الـسـيـاسـي، يـنـحـصـر اهـتـمـام ُُــهـا الـكـلـي في الـبـنـاء الـداخـلـي والـتـشـيـيـد، وتـعـزيـز راحــة المـــواطـــن، وبــنــاء الاقــتــصــاد، ولا أطــمــاع لها خـــارج حـــدودهـــا؛ بينما الــدولــة التوسعية مــغــايــرة تـــمـــاماً، وتــــرى مـــن حـقّّــهـا الـتـمـدد، وضــم أراضـــي الغير، وبـنـاء سلطة مركزية تتحكم في كل الأمم التي تريد ضم ََّها بالقوة أو بالعقيدة، أو بـالإغـراء. ولما كان هذا هو المــنــشــأ الــتــأســيــســي لــلــمــفــهــومين كـلـيـهـمـا، فبديهي جدا أن تنصرف الدولة ذات التوج ّّه الامــبــريــالــي إلـــى خــيــار بــنــاء قــــدرات الــقــوة، وتـتـبـنـى آيــديــولــوجــيــة تـسـتـخـدمـهـا مظلة لـتـبـريـر الــتــوســع والـــســـيـــطـــرة. هــــذا الـــفـــارق بين الــدولــتين يثبت أن الــدولــة الإمبريالية في حقيقتها إمبراطورية عدائية تحكمها نــخــبــة مـــؤمـــنـــة بـــتـــفـــوق إرثــــهــــا الـــتـــاريـــخـــي، وعــقــيــدتــهــا، وتـــــرى مـــن حــقّّــهــا الـــتـــمـــدد في محيطها بقدر الاستطاعة لتُُلحِِق الجوار القريب والبعيد بها بغية «سلام هيمنة» يــشــابــه سلام الإمــــبــــراطــــوريــــة الـــرومـــانـــيـــة؛ فـالإمـبـراطـوريـة قناعتها أن عقيدتها هي الحقيقة المطلقة، وواجبها نشرها، وإجبار مـن لا يخضع على الخضوع مـــادام معيار الــصــواب والـخـطـأ بـيـدهـا؛ لـهـذا فـــإن الـدولـة الإمـبـريـالـيـة/الإمـبـراطـوريـة تـحـتـاج بحكم ولادتـــهـــا، وعـقـيـدتـهـا، وأهــدافــهــا، إلـــى بناء قــــوة عــســكــريــة ضـــاربـــة تـسـتـخـدمـهـا عصا ضــد الـغـيـر، أو لا يـريـد الانـضـمـام طواعية لها، رافعة شعارات ظاهرها شيء وباطنها شيء آخر. وإذا دققنا في عقلية النخبة الحاكمة الإيـــرانـــيـــة نــجــد أن الـتـفـكـيـر الإمـــبـــراطـــوري يــهــيــمــن عــلــيــهــا، ونــــــرى جـــهـــدا أكـــبـــر يُُـــبـــذل لــلــتــســتــر عـــلـــى هـــــذا الـــفـــكـــر الـــتـــوســـعـــي عـبـر مـــــراحـــــل زمـــنـــيـــة وتـــكـــتـــيـــكـــات تــــخــــدم هـــدف الهيمنة الاستراتيجي؛ إيـــران مــثلا تطالب دوما بانسحاب الولايات المتحدة من منطقة الشرق الأوســـط، وتدعو دول المنطقة لبناء أمـن إقليمي مشترك، بينما في الوقت ذاته تسابق الزمن لبناء سلاح نــووي، وأسلحة باليستية، وميليشيات، لكي تكون الأقـوى وتــــــفــــــرض سلامــــــهــــــا الإيــــــــرانــــــــي الإقـــلـــيـــمـــي الأحادي. ومن يراقب دائرة التوسع الإيراني غير المباشر في المنطقة، يكتشف أن هدفها تـدمـيـر الــدولــة الـوطـنـيـة الـتـي تبقى حصنا منيعا في وجه مشروع الدولة الإمبريالية/ الإمبراطورية الذي يستنزف القدرات ويفقر السكان؛ فالدولة الوطنية هـي الأخـــرى لها جـيـنـات، وأهـمـهـا أن مـكـونـاتـهـا مــن قبائل، وجماعات تخلت عن فرديتها، ومصالحها الضيقة في سبيل بناء دولـة وطنية ضمن حـدود معترف بها، وارتضت مكوناتها أن تتوافق على سلطة هدفها البناء وتحقيق الرفاه، وليس التوسع والتدخل خارج سور الوطن؛ فالدولة الوطنية تحرص على أمرين: الاستقلال، والحرية، وكلاهما هدف للدولة الإمـبـريـالـيـة؛ فــالاســتــقلال نقيض التبعية، والـــحـــريـــة خلاف الـــخـــضـــوع، وبــوجــودهــمــا تـكـون الــدولــة الـوطـنـيـة أقــــدر عـلـى الصمود ورد الــــعــــدوان؛ لـــهـــذا فـــالـــدولـــة الإمــبــريــالــيــة تستهدف الاستقلال بتفرقة مكونات الدولة الوطنية بـشـعـارات بـراقـة تحث المـغـرر بهم على خلع عـبـاءة الوطنية، والانـضـمـام إلى مشروع تقول عنه إنََّــه «إنـسـانـي»، لكنه في الواقع توسعي يستنزف الأموال والقدرات. هــذا الـهـدف حققته إيـــران فـي بعض الــدول؛ وتغلغلت من ورائه لتفتيت الوحدة الوطنية للدول وإغراقها في الفوضى. إذن قــوة الـدولـة الإمبريالية تكمن في عقيدة توسعية، وقــدرات دفاعية عدوانية، ورغــبــة فــي تفكيك الــدولــة الـوطـنـيـة، بينما قــوة الـدولـة الوطنية فـي الـتلاحـم الداخلي، والاســتــقلال، والـحـريـة، والــرفــاه لمواطنيها، والـــقـــدرة عـلـى تـحـويـل اقـتـصـادهـا المــزدهــر، عــنــد الـــــضـــــرورة، إلــــى الـتـعـبـئـة الـعـسـكـريـة. والدولة الإمبريالية، خلاف الدولة الوطنية، تـعـيـش خــــداع الــــذات لاعـتـقـادهـا أن ََّــهــا دولــة مـتلاحـمـة وطـــنـــياً، بينما هــي أمـــم متفرقة، وتــعــتــقــد أنََّــــهــــا الأقـــــــوى عـــســـكـــرياً، والأمتن آيديولوجياً، بينما عند المنازلة الحاسمة ستدرك أن قوتها العسكرية ليست فريدة، واقتصادها ليس منيعاً، وأن الأمـم تنتظر فرصة للخلاص، وتكتشف أن من تحاربهم سيستميتون من أجل حريتهم واستقلالهم والحفاظ على دولتهم الوطنية. إيران اختارت أن تكون دولة توسعية، والسعودية اختارت أن تكون دولة وطنية. وفي مسار الإمبراطوريات يخبرنا التاريخ بـــــأن بـــقـــاء الإمـــبـــراطـــوريـــة لــيــس مــضــمــوناً، بـــــل إلــــــى زوال؛ فـــبـــريـــطـــانـــيـــا كــــانــــت يـــــوما إمبراطورية لا تغيب الشمس عن أراضيها، لـكـن ََّــهـا الآن دولــــة وطـنـيـة قـــويـــة، ومـــزدهـــرة اقــتــصــادياً؛ فـالإمـبـراطـوريـة بـقـدر مــا تكبر يـكـون انـهـيـارهـا أســــرع، لأنََّــهــا ليست دولــة وطنية متلاحمة؛ بل تضم شعوبا متغايرة، ولأن ََّـــهـــا تــريــد الــتــوســع أكــثــر فـتـحـمـل بـذلـك بـــــذور انـــهـــيـــارهـــا، بـيـنـمـا الــــدولــــة الـوطـنـيـة اهتمامها منحصر في نطاق حدودها، ولا أطـمـاع لها خــارج أراضـيـهـا، وهمّّها الأكبر بــنــاء اقــتــصــادهــا وتـــــأمين الـــرفـــاه، وحـمـايـة حدودها وثرواتها. بــهــذا الـتـمـايـز يـصـبـح الـــجـــواب ســـهلا ًً، الـدولـة الامبريالية مهما توسعت ستغرب عنها الشمس. السعودية وإيران... بين الدولة الوطنية والأخرى التوسعية أحمد محمود عجاج ميليشيا الحوثي تحولت بمرور الوقت إلى بنية عسكرية مغلقة مهووسة بالسلطة

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky