الـتـاريـخ مـخـادع، وأحــيــانا مـاكـر، وأحــيــانا سـاحـر، وفي بـعـض الـلـيـالـي يــبــدو كــأنــه كــاتــب ســاخــر يـجـلـس وحــــده إلـى مكتبه، يفتح دفاتر قديمة، ثم يبدأ في العبث بأقدار الدول. قبل أكثر من قرن، كانت بريطانيا تكتب فصلا من فصول ،1917 الحكاية التي ستقود إلى قيام إسرائيل. وعد بلفور عام ثم الانتداب على فلسطين، ثم سنوات من الإدارة البريطانية للأرض التي لـم تكن بريطانيا تملكها أصلاًً، وبعد كـل هذا الزمن، قرر التاريخ أن يعيد الشخصيات إلى المسرح، لكن بعد أن يبدل مواقعها. بــريــطــانــيــا الـــتـــي أســهــمــت فـــي فــتــح الـــطـــريـــق أمـــــام قـيـام إسرائيل، وكانت بمثابة الأب، تجد نفسها في مواجهة الابن بسبب مستوطنات الضفة الغربية. تـــبـــدأ الــحــكــايــة بـــقـــرار مـــن حــكــومــة الــعــمــال الـبـريـطـانـيـة بمنع اسـتـيـراد السلع الـقـادمـة مـن المستوطنات الإسرائيلية فـي الضفة الغربية، ثـم تفرض عقوبات على شـركـات وأفــراد مـرتـبـطين بـهـا، احـتـجـاجا عـلـى عـنـف المـسـتـوطـنين والـتـوسـع الاستيطاني، وتتمسك بحل الدولتين، وتنضم فرنسا وكندا إلى القرار البريطاني. كان يمكن أن ينتهي الأمر عند هذا الحد، ببيان غاضب من هنا، واحتجاج دبلوماسي من هناك، لكن إسرائيل قررت أن تناطح الكبار، وتــرد بالطريقة التي تليق بقصة مـن هذا النوع. أغــلــقــت الـــبـــاب فـــي وجــــه بــريــطــانــيــا: إغلاق الـقـنـصـلـيـة يوماً، وسحب اعتماد 30 البريطانية في القدس الشرقية خلال دبـلـومـاسـيين بـريـطـانـيين، وإبــعــاد دبـلـومـاسـيين وعسكريين يعملون في الضفة الغربية، وإنهاء مهمة الفريق البريطاني الموجود في رام الله، الذي كان يساعد في تدريب قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية. القنصلية ليست مبنى يرفع العلم البريطاني، والفريق العسكري ليس مجموعة مــدربين، فقد كانا نافذة تطل منها لندن على الأرض الفلسطينية، وكان الفريق، الذي يضم نحو عسكريين، قد أصبح مصدرا مهما للمعلومات عن عنف 10 المستوطنين، ويرسل تقاريره إلى لندن وواشنطن عبر قنوات التنسيق الأمني. وكان يستعد لتوسيع مهمته، لكن التاريخ كان يستعد لشيء آخر، فرمان إسرائيلي يأمره بالمغادرة، ولا أدري على مـــاذا تستند إسـرائـيـل فـي مواجهة الإمـبـراطـوريـة التي كانت لا تغيب عنها الشمس، لكن للتاريخ أحكاماً. بــحــســب مــــصــــادر بـــريـــطـــانـــيـــة، كـــانـــت الاتـــــصـــــالات الــتــي يجريها الفريق تعارضها أجهزة الأمن الإسرائيلي، وكانت تل أبيب تبحث عن سبب لـطـرده، وهكذا أغلقت إسرائيل نافذة أخرى كانت تطل منها بريطانيا على الضفة الغربية. هنا خرجت الحكاية من دفاتر التجارة إلى قلب القدس، بريطانيا تـقـول: نعاقب المستوطنات، وإسـرائـيـل تـقـول: إذن نعاقب بريطانيا. لكن إيتمار بن غفير، وكأنه قـرر أن يجعل القصة أكثر عبثاً، اقترح أن يكون الرد الإسرائيلي هو الاعتراف بـسـيـادة الأرجـــنـــتين عـلـى جـــزر فـــوكلانـــد، الـتـي تـديـرهـا لندن منذ بداية القرن التاسع عشر، وتطالب الأرجنتين بالسيادة عليها. وهنا، فجأة، تنتقل الحكاية من الضفة الغربية إلى جنوب الأطلسي، كـأن بريطانيا دخلت إلـى الغرفة لتتحدث عن المستوطنات، فأخرجت إسرائيل من درجها القديم ملفا مكتوبا عليه: «جزر الفوكلاند». قالت إسرائيل، عملياً: لديكم أيضا أرض تطالب بها دولة أخرى، وهنا تظهر السخرية السوداء في أوضح صورها. الــدولــة الـتـي تـخـوض معاركها منذ عـقـود حــول الأرض والحدود والسيادة والاحتلال، تفتح لبريطانيا دفتر الأراضي المتنازع عليها، فإذا كان احتفاظ بريطانيا بالفوكلاند يثير الـــســـؤال، فـلـمـاذا يـتـوقـف الـــســـؤال عـنـدهـا؟ وإذا كـــان مــن حق الأرجنتين أن تطالب بجزر تديرها بريطانيا، فلماذا لا يكون للفلسطينيين حـــق الـــســـؤال عـــن الأرض الــتــي أقـيـمـت عليها المستوطنات؟ لقد تحولت الحجة إلـى مــرآة، والمشكلة في المـرايـا أنها لا تـجـامـل أحــــداً، وهـنـا تـعـود بريطانيا إلـــى بــدايــة الحكاية. هي صاحبة وعـد بلفور، وهـي التي أدارت فلسطين في عهد الانـــتـــداب، وأسـهـمـت فــي تـوفـيـر الـــظـــروف الــتــي مــهــدت لقيام عقود، تقف الدولة التي 7 . وبعد أكثر من 1948 إسرائيل عام خــرجــت مـــن ذلـــك الـــرحـــم أمــــام بـريـطـانـيـا وتـــقـــول لــهــا: أغلقي قنصليتك في القدس، وأبعدي رجالك عن الضفة. ثم يأتي الوزير اليميني إيتمار بن غفير ليكمل النكتة الثقيلة: لا تكتفوا بالقدس، اذهبوا إلى لندن نفسها، وأشعلوا لها النار في ملف الفوكلاند. وهــــكــــذا تـــتـــدحـــرج الـــحـــكـــايـــة، مــــن الـــســـلـــع الــــقــــادمــــة مـن المـــســـتـــوطـــنـــات، إلـــــى الـــعـــقـــوبـــات، إلـــــى الــقــنــصــلــيــة، إلـــــى طـــرد الدبلوماسيين والـعـسـكـريين، ثـم إلــى جــزر بعيدة فـي جنوب الأطلسي. لا أحــد يـعـرف أيــن يمكن أن تتوقف القصة، ربـمـا تفتح بريطانيا غدا ملفا عن مستوطنة في الضفة، فتفتح إسرائيل ملفا عن جزيرة بريطانية. وربما يكتشف الطرفان، بعد قليل، أن العالم كله مملوء بملفات الأراضــي المتنازع عليها، وأن أفضل طريقة لإسكات الــســؤال عــن أرضـــك هــي أن تـسـأل خصمك عــن أرضــــه، وهـكـذا يتحول التاريخ من سجل للأحداث إلى دفتر إيصالات. بــريــطــانــيــا الـــتـــي أســهــمــت فـــي صــنــاعــة الـــبـــدايـــة تـعـاقـب المستوطنات الآن، وإسرائيل التي خرجت من تلك البداية تغلق الباب في وجه بريطانيا، ثم تلوح لها بالفوكلاند. التاريخ لا ينتقم، لكنه أحيانا يملك حس الدعابة، ومن أصدر وعدا قبل أكثر من قرن، يتلقى اليوم الوعيد. أما السحر، فقد احتاج إلى قرن كامل حتى ينقلب على الساحر. نـعـتـقـد أنـــنـــا فـــي لـحـظـة دقــيــقــة جــــدا مـــن تـــاريـــخ الـعـلـم والتكنولوجيا وماهيتهما وسقفهما تقودنا إلى التساؤل عن إلى أي حد يمكن أن تكون علاقة الإنسان بالتكنولوجيا كعلاقة الساحر بالسحر، وإمكانية حدوث الانقلاب المكروه؟ ّّــد الــذكــاء الاصـطـنـاعـي، وكلنا منذ فـتـرة والـعـالـم يُُــمـج تقريبا اندهشنا بهذا الابتكار. ولكن، لو راجعنا دهشتنا قليلا ًً، لربما لاحظنا أنها دهشة ممزوجة بشيء من الخوف، أو بشكل أدق: تخو ُُّف. ليست المشكلة فيما قـد يطرحه أي ابتكار، ســواء كان دواء أو آلة أو تقنية، من مخاوف وسلبيات؛ فذاك أمر متكرر في تاريخ الابتكارات كافة تقريباً. ولعل مثال الـدواء وحده كــــاف لـيـدعـم هـــذه الــفــكــرة، حـيـث إن ثـنـائـيـة الــــعلاج والآثــــار الجانبية كـانـت دائـــما فـي تلازم. وفيما يخص مـا قيل في الـذكـاء الاصطناعي من تهديدات تتعلق بقدرته، إذا ما تم سوء استخدامه، في تزييف الواقع، والقضاء على مهن عدة وإحـالـة الآلاف مستقبلا على البطالة، فــضلا عـن مخاطره فـــي مــجــال الأســلــحــة والــتــجــســس، وانــتــهــاك الـخـصـوصـيـة، وصــــــولا إلــــى انـــتـــهـــاك حـــقـــوق المــلــكــيــة الـــفـــرديـــة ومــــس تــفــرّّد الإنسان في الإبـــداع... إلى جانب كل هذه الصيحات القلقة والطبيعية جــداً، التي يمكن أن نجد لها حـلـولا لـو توفرت الإرادة الحقيقية لذلك، فإن الخطورة الكبرى التي تستحق التوقف عندها مـلـيا والـقـيـام بالفرملة اللازمـــة هـي الخطر الــــوجــــودي لــلــذكــاء الاصــطــنــاعــي، الــــذي تــفــســره الـنـقـاشـات العلمية المحتدمة من أشهر قليلة بفكرة رئيسية: أن يتطور الذكاء الاصطناعي إلى حد يتفوق فيه على الذكاء البشري بأكمله، مما يؤدي إلى فقدان البشر السيطرة على مصيرهم، أو حتى انقراض الجنس البشري. الــخــطــر مـــن دون زيـــــادة أو نــقــصــان يـتـمـثـل فـــي تبني شخصيات علمية، ذات بــاع فـي التكنولوجيا، لسيناريو قدرة الذكاء الاصطناعي، إذا ما لم يتم منع ذلك، على إفناء البشرية. وللعلم، فإنه من فرط عدم قدرة تصديق كثير من الــنــاس لـهـذا الـسـيـنـاريـو، فـــإن الاسـتـخـفـاف والـضـحـك على الفكرة كانا حاضرين بقوة في وسائل التواصل الاجتماعي. والــحــال أن هـنـاك مـؤشـريـن يـفـرضـان الـجـديـة فــي التعاطي معه، وهما: أولاًً: القيمة العلمية لأصحاب سيناريو خطر الـــذكـــاء الاصــطــنــاعــي عـلـى الـــوجـــود الــبــشــري فـــي المستقبل القريب، وثانياً: أن هذا الخطر يمس وجود الإنسان، وليس فقط تحديات يتقاسمها الـذكـاء الاصطناعي مع ابتكارات أخرى كثيرة. ويمكن تلخيص أبعاد الخطر المعلََن في نقاط عدة، أولها: معضلة «الذكاء الاصطناعي الفائق»، التي تفيد بأنه بمجرد أن يصل الذكاء الاصطناعي إلى مستوى الذكاء البشري العام، سيكون بمقدوره إعادة برمجة وتطوير نفسه بــســرعــة فــائــقــة. هــــذا ســـيـــؤدي، حــســب أصـــحـــاب الـسـيـنـاريـو الكارثي، إلـى ولادة «ذكــاء اصطناعي فائق» يتجاوز القدرة الاستيعابية للبشر بمليارات المرات. وهذا يعني أنه يمكن أن تحدث ما يسميه التكنولوجيون المحذّّرون بـ«فجوة الفهم»، أي أنــه لـن يتمكن العقل الـبـشـري مـن فهم كيفية اتـخـاذ هذا النظام لقراراته أو التنبؤ بأفعاله. وفـــي مـقـابـل الـــخـــوف مـــن حــــدوث نـتـائـج غـيـر مـقـصـودة ولـكـنـهـا كـارثـيـة عـلـى الـبـشـريـة، فـــإن الـفـريـق المــضــاد يـــرى في الخوف المشار إليه مبالغة، ويطرح للمجادلة خوفا آخر يتمثل في تأخير الفوائد المنقذة للبشرية، إذ ستبطئ تطوير تقنيات قادرة على حل معضلات وجودية حقيقية نعيشها اليوم. وفـــي هـــذا الــســيــاق، يــقــود الــعــالــم، يـــان لــيــكــون، رئيس علماء الذكاء الاصطناعي في شركة «ميتا» جبهة المعارضين فكرياً؛ حيث يرى ما مفاده أن الآلـة تظل أداة مصم ََّمة بدقة لتنفيذ الأوامر، والحديث عن تمردها هو إسقاط للمخاوف الإنسانية على البرمجيات. وهـــنـــا الــــســــؤال: هـــل تـسـتـقـيـم المـــخـــاطـــرة بـــعـــدم تـأجـيـل الفوائد التي قد تكون منقذة للبشرية، في ظل وجود خطر حدوث نتائج غير مقصودة تقضي على مليارات من البشر؟ نـعـتـقـد أن الـخـطـر أثــقــل بــمــلــيــارات المـــــرات مـــن الـفـوائـد الممكنة، خصوصا أن عدم تبني استراتيجية أخلاقية عالمية تضع أدوات تتحكم في الذكاء الفائق، وتكبح البُُعد الفائق فيه سيؤدي إلى ما يدحض الفوائد نفسها. لقد تناولت المخاوف التي يستند إليها الفريق الداعي لـفـرمـلـة الـــذكـــاء الاصــطــنــاعــي، ووضــــع هــدنــة لــرســم الـحـلـول اللازمة، ما هو أكثر فزعاً، وهو أن يصبح الذكاء الاصطناعي الفائق، مع تنامي ذكائه، مقاوما للإطفاء، وقادرا على تعزيز نفسه ذاتـيا مع تطوير تلقائيا آليات للدفاع عن نفسه على غــــرار خــــداع المــبــرمــجين الــبــشــريين وإخـــفـــاء مــخــاطــره حتى يضمن عدم إغلاقه. مـن المـهـم أن نتنبه أيـــضا إلــى أن الـحـديـث عـن مخاطر أي ابتكار في تاريخ العلوم والتكنولوجيا بشكل عـام كان يتعلق بالأساس بسوء استخدام الإنسان والانحراف به إلى غير الوظيفة التي ابتُُكر من أجلها. ولكن في حالة الذكاء الاصطناعي فالأمر مختلف تماماً؛ حيث إن الخطر يكمن في أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يفلت من سيطرة الإنسان، ويستخدم نفسه بنفسه، وهنا المأزق الذي يطل على جحيم التكنولوجيا الجامحة. إن الأمـر عندما يتعلق بوجود البشرية وعدمها، فإن العقل ينصت للتهديدات، ولو كانت ضعيفة أو مبالغا فيها، فالوجود البشري ليس موضوعا للمخاطرة. سبتمبر 30 يوم الأربعاء الماضي، في ، اخـــتـــلـــف الـــعـــراقـــيـــون فـي 2026 ) (أيـــــلـــــول تسمية الـيـوم؛ بعضهم أطـلـق عليه «يـوم الـــــجلاء»، وآخــــرون «يـــوم الــســيــادة». وفـي الـتـسـمـيـتين قــــدر مـــن المــغــالــطــة، حــتــى في الـــتـــاريـــخ. فـــخـــروج الـــقـــوات الأمــيــركــيــة في ،2003 لا ينهي الوجود الذي بدأ عام 2026 إذ إن الـــولايـــات المــتــحــدة أنــهــت وجــودهــا الـعـسـكـري الأول فــي الــعــراق فــي ديسمبر ، قـبـل أن تــعــود عـام 2011 ) (كـــانـــون الأول بطلب من بغداد لمواجهة «داعش». 2014 سبتمبر الماضــــي هو 30 لــذلــك، فـــإن نهاية وجود عسكري استدعاه العراق في لحظة انهيار الدولة أمام «داعش»، وليس نهاية الوجود الـذي بـدأ مع إسقاط نظام صــــدام. والمــقــارنــة بين الــتــاريــخين تكشف مـــســـاريـــن مـــتـــنـــاقـــضين: الأول كــــان نـهـايـة مرحلة من عمر نظام نشأ في ظل التفاهم الأمـيـركـي - الإيـــرانـــي، قـبـل أن يـمـيـل، بعد الانـــســـحـــاب الأمـــيـــركـــي، بـــصـــورة مــتــزايــدة إلـــى المــجــال الإيـــرانـــي؛ أمـــا الــثــانــي فيفتح مرحلة مختلفة، عنوانها مواجهة أميركية - إيـرانـيـة أكـثـر مـبـاشـرة، تـضـع الحكومة الـعـراقـيـة أمـــام الـقـوى المــوازيــة الـتـي باتت تصادر جزءا كبيرا من قرارها. ،2003 في المرحلة التأسيسية لنظام كــــــان الـــــصـــــراع داخـــــــل الـــبـــيـــت الـــســـيـــاســـي الــشــيــعــي يــــــدور حـــــول الــــدولــــة والــســلــطــة والـــسلاح. وكانت مواجهة رئيس الــوزراء الأسبق نـوري المالـكـي لجيش المهدي عام التعبير الأوضـــح عـن ذلـــك: حكومة 2008 شيعية تريد تثبيت حق الدولة في احتكار الـقـوة، وميليشيات شيعية تنازعها هذا الـحـق، فيما كــان الجيش الأمـيـركـي جـزءا من معادلة حماية الدولة في مواجهة قوة مسلحة من داخل بيئتها السياسية. ، انـــقـــلـــبـــت وظــيــفــة 2011 لـــكـــن بـــعـــد الـــــــسلاح. ومــــع انــــــدلاع الـــحـــرب الـــســـوريـــة، واتــــســــاع الاســتــقــطــاب الــطــائــفــي، لـــم تعد الفصائل المسلحة تُُــقـدََّم بوصفها تحديا للدولة، بل خط دفاع عن النظام السياسي ، أي الـسـلـطـة. وهنا 2003 الـــذي نـشـأ عـــام بــــــرزت أزمــــــة ثـــقـــة لـــــدى دعــــــاة «الــحــاكــمــيــة المـذهـبـيـة» ونـخـب السلطة بــقــدرة الـقـوات المسلحة وأجهزة الدولة على حماية نظام ، فأسهمت، بصورة مباشرة أو غير 2003 مباشرة، في إعـادة إنتاج البيئة المسلحة التي احتاجت إليها لاحقاً. وهــــنــــا يـــفـــســـر الــــبــــاحــــث فـــــي المـــعـــهـــد الـوطـنـي الفرنسي، الـدكـتـور هـشـام داود، الانـــتـــقـــال مـــن مــفــهــوم «الــــدولــــة المـخـتـرقـة» أو حـتـى «الـــدولـــة الـهـجـيـنـة» إلـــى مفهوم «الـــدولـــة المنتجة لـلـفـصـائـل». والمـقـصـود، كما يـوضـح، ليس أن الحكومة قــررت في لحظة إنــشــاء المـيـلـيـشـيـات، ولا أن جميع الفصائل من صنع الدولة، وإنما أن بنية الـدولـة الريعية والمحاصصاتية وطريقة توزيع المــوارد والوظائف والمواقع جعلت التنظيم المسلح قـــابلا للتحول إلــى فاعل سياسي واقتصادي. 2014 لاحقاً، جاء سقوط الموصل عام لـــيـــحـــو ّّل الــــضــــرورة الأمـــنـــيـــة إلــــى شـرعـيـة سـيـاسـيـة، ولــيــؤدي إلـــى إدخــــال الفصائل المـــســـلـــحـــة فـــــي بـــنـــيـــة الـــــدولـــــة الـــقـــانـــونـــيـــة والأمــــنــــيــــة، قـــبـــل أن تــنــتــقــل مــــن الــجــبــهــة إلــــــى الــــــبــــــرلمان والـــحـــكـــومـــة والاقــــتــــصــــاد، وهــنــا اكـتـمـل الــتــحــول: المـيـلـيـشـيـات الـتـي كـانـت تـنـازع الـدولـة على شرعية الــسلاح أصـبـحـت جـــزءا أســاســيا مــن الـنـظـام الــذي يمنح الدولة شرعيتها. الصدمة الأولى جاءت من «انتفاضة » لتكشف 2019 ) أكــتــوبــر (تــشــريــن الأول عمق الأزمـــة؛ فـالاعـتـراض خــرج هــذه المـرة من داخل الجماعة الشيعية نفسها، ليقول إن تمثيل الأغـلـبـيـة لــم يـعـد كــافــيا لإنـتـاج شرعية الدولة. لم يعد السؤال: مََن يحكم الــــعــــراق فـــقـــط، بـــل مََــــن يـمـلـك الــــقــــدرة على التأثير فيمن يحكمه؟ اليوم، تواجه بغداد مفارقة لم تعرفها : المالكي كان يواجه ميليشيات 2008 عام تــــنــــازع الــــدولــــة ســلــطــتــهــا، أمـــــا الــحــكــومــة الحالية فتواجه فصائل أصبحت تسيطر عـــلـــى الـــنـــظـــام الــــــذي أنـــتـــجـــهـــا. لــــذلــــك، فـــإن حصر السلاح ليس إجراء أمنياً، بل إعادة تعريف للسلطة. أمـــــــا «الــــبــــلــــقــــنــــة» الـــــتـــــي حـــــــــذ ّّر مــنــهــا وزيـــر الـخـارجـيـة الأمـيـركـي مـاركـو روبيو فــتــكــتــســب مــعــنــاهــا مــــن تـــجـــربـــة الــبــلــقــان نفسها؛ حيث تحوّّلت التراكمات القومية والــطــائــفــيــة إلــــى حـــــروب انــتــهــت بتفكيك يوغوسلافيا. والعراق لا ي ُُكرر تلك التجربة بالضرورة، لكنه يحمل عناصر تستحق القلق: سلاح متعدد الــــولاءات، وتـوتـرات طائفية لم تُُحسم، وتراكمات سلبية بين بغداد وأربيل وبعض الفصائل الموجودة في السلطة والإقليم. وقد يصبح الخلاف السياسي، إذا اقترن بـالـسلاح، اصطفافا أمنيا يصعب على الدولة احتواؤه. 30 لذلك، فإن الاختبار الحقيقي بعد سبتمبر الماضي ليس خروج الأميركيين، بل قـدرة الـعـراق على استعادة الـدولـة من القوى التي أصبحت جزءا من نظامها. وعليه، السيادة لا تبدأ عندما يغادر الأمـيـركـي، بـل عندما يصبح قــرار الحرب والسلم والسلاح والاقتصاد عراقيا واحداً. OPINION الرأي 12 Issue 17475 - العدد Friday - 2026/10/2 الجمعة مأزق التكنولوجيا الجامحة ... ولكن للتاريخ أحكامه العراق ما بعد الأميركيين... اختبار الدولة والسلاح وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com مصطفى فحص السيادة لا تبدأ عندما يُُغادر الأميركي بل عندما يصبح قرار ًًالحرب والسلم والسلاح والاقتصاد عراقيا آمال موسى جمال الكشكي
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky