issue17471

أقسى العقوبات أن ينساك العالم أو يعتبرك مـريـضا لا أمـــل بشفائه. ويـضـاعـف الأمـــر افـتـقـارُُك إلــى الأوراق. لا مضائق لـديـك تـهـدد بـإغلاقـهـا ولا بـــرنـــامـــجا نــــــوويا تـــلـــوح بـــرفـــع نــســبــة الـتـخـصـيـب فيه. وسط انشغال العالم بالمضائق والترسانات يستكمل جـيـش نتنياهو جريمتََه الـكـبـرى منفذا حــكــم الإعــــــدام بــعــشــرات الـــقـــرى فـــي جــنــوب لـبـنـان. ذنبها كما يزعم أنََّها اس ْْتُُخدمت في شن هجمات على إسرائيل. قتل البيوت وقتل أهل البيوت ولم يرحم الأشجار. كأن ََّه يريد منع أي شاهد من الإدلاء بإفادته أمام محكمة التاريخ إذا انعقدت ذات يوم. يـتـذر ََّع هــذا الجيش المـوتـور بـــأن «حـــزب الـلـه» كان المــبــادر إلـــى إطلاق الــحــرب مـــرة لإســنــاد غـــزة غــداة «طـــوفـــان الـــســـنـــوار»، والــثــانــيــة ثــــأرا لـلـمـرشـد علي خامنئي الذي اغتالته إسرائيل. ويقول صراحة إن على لبنان أن يدفع ثمن خسارته للحرب. فـــي الــطــريــق إلـــى صــيــدا بـــوابـــة جــنــوب لبنان لم يبخل الخريف بأمطاره الأولـــى. استيقظت في ذاكرتي مشاهد قديمة. ذات يوم بعيد كنت متجها إلى مقر الصحيفة وشاهدت أمطار الخريف تنقض عنيفة على بيروت. شاهدتها تقتلع صور الشهداء عـن جـــدران المدينة وتنتزع مـفـردات مـن الشعارات الحماسية التي دبََّجها المحاربون وتوهموا أنََّها ستقيم إلـى الأبـــد. ومنذ تلك الأيـــام ارتبطت صـور الشهداء في خاطري بأمطار الخريف التي تطارد صور ََهم التي لن تبقى معلقة إلا في جدران بيوتهم وأحزان أمهاتهم. كــــأن هـــذه الأرض مـصـابـة بـعـطـش لا ينتهي. تشرب دم جيل ثم تجدد شوقها إلى دم جيل آخر. صـحـيـح أن الأوطــــــان تـحـتـاج أحـــيـــانا إلـــى شـهـداء لتسترد أرضها وسيادتها وقرارها المستقل، لكن الـصـحـيـح أيــــضا هــو أن دور الأوطـــــان لا يـمـكـن أن يقتصر عـلـى إنــجــاب الــشــهــداء وتـــوديـــع الـشـهـداء. الـــوطـــن فـرصـة حـيـاة وتـــقــدم. الـــوطـــن لـيـس مصنع شهداء وجنازات. أقول الشهداء وأعني كل الذين قد ََّموا أرواحهم في حروب كثيرة. حرب على تلة في الجبل. أو على خــط تــمــاس فــي بـــيـــروت. وفـــي المــديــنــة الــتــي كانت منقسمة كــان الـخـريـف يهاجم صــور كــل الشهداء على اخـتلاف ميولهم وشعاراتهم المتقاتلة. وكان من عادة المدينة أن تنسى شهداء ََها. وأن تستقيل مـن أفعالهم كأنََّهم تـسـرََّعـوا حين ألـقـوا بأعمارهم الطري ََّة في النار التي كانت تخبو وتذهب في عطلة ثــم تـعـود لـتـعـاود الاشــتــعــال. وكــــان قـــادة الأحـــزاب ََّــدون بــعــدم نـسـيـان الــشــهــداء، والمـيـلـيـشـيـات يــتــعــه لكن للأوطان ذاكرة تنسى. لا يبقى من الشهداء إلا الحزن الذي يفترس أيام الثكالى والأرامل والأيتام. اســـتـــهـــوت الـــحـــرب الــلــبــنــانـــيين. انـــدفـــعـــوا في حروبهم وفـي حـروب الآخـريـن. حلموا بالانتصار المدوي والضربة القاضية وعادوا خائبين. تركيبة لبنان لا تسمح بهذا النوع من الانتصارات. تسمح فقط بشبه انتصار يفتح الباب لحرب مقبلة. أتذكر الآن حوارا مع جورج حاوي الذي شارك في إطلاق «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» ضد إسرائيل . أرسل الشبان لمقاومة الاحتلال وأرسلهم 1982 في أيضا إلى حروب الداخل. وفي النهاية كان حاوي نــادما على الانـخـراط في الـحـروب بين اللبنانيين، وفوجئت به يقول: «ليتنا لم نطلق أي رصاصة». كانت أحلام القائد الشيوعي تمتد من بيروت إلى موسكو. استنتج بعد الـتـجـارب المكلفة أن المهمة الكبرى هـي الحفاظ على «حديقة أخـيـرة» اسمها لبنان. لا يملك أي لبناني حديقة أخـيـرة غير لبنان مهما كانت هذه الحديقة هش ّّة ومرتبكة ولا تسمح بارتكاب الأحلام الكبرى. لا يملك المارونـــي حديقة أخـــــــرى. ولا يــمــلــك الـــســـنـــي غـــيـــرََهـــا. والأمـــــــر نـفـسـه بالنسبة إلـــى الـشـيـعـي والــــــدرزي. عـلـى مـــدى عقود ارتكبت المجموعات اللبنانية مداورًة رهانات تفوق قدرة لبنان على الاحتمال. تقول التجارب إنََّه كلما اســـتـــقـــوى طــــرف لــبــنــانــي بـحـلـيـف إقــلــيــمــي ودولــــي لإضــعــاف مـوقـع شـريـكـه فــي الـــوطـــن، انـدلـعـت الـنـار وازداد لبنان تفككا وازداد المتحاربون ضعفا رغم تعاطيهم المـنـشـطـات والأوهـــــام. يقيم لـبـنـان حـالـيا تحت ركامه بعدما راهنت مجموعات لبنانية على التنظيمات الفلسطينية وإسرائيل وسوريا وإيران. منذ نصف قـرن وقـع لبنان في خريف عنيف دائــــم. تـسـاقـطـت أوراق شــجــرة الـتـعـايـش. وأوراق مــــمــــيــــزات لــــبــــنــــان ودوره الـــســـيـــاســـي والمـــصـــرفـــي والتعليمي والـسـيـاحـي. تـكـلََّــسـت أغــصــان شجرة الـــــدولـــــة وفــــاحــــت رائــــحــــة «الــــســــاحــــة الـــلـــبـــنـــانـــيـــة». تـسـاقـطـت أوراق الأمــــل وســلــك الــشــبــاب الـلـبـنـانـي طــريــق الــهــجــرة. أضــــاع الـلـبـنـانـيـون الـفـرصـة التي شكلها اتــفــاق الـطـائـف واسـتـأنـفـوا رحـلـتـهـم نحو الهاوية. يقيم لبنان حاليا في مأزق غير مسبوق. خسر الـحـرب وإسرائيل تحتل بعض أرضــه وقـد حو ََّلتها أرضا مـحـروقـة وتـتـوعّّــد بـالمـزيـد. السفير الأميركي في لبنان يقول صراحة إن إسرائيل ليست في وارد الانسحاب من الأراضـي التي تحتلها ما لم يتم نزع سلاح «حزب الله». أي قراءة هادئة للموقف الدولي عموما تقود إلى الاعتقاد بأن ثمة إرادة دولية بخروج لبنان مـن الـشـق العسكري فـي الـنـزاع مـع إسرائيل. التقط الرئيس السوري أبعاد المناخ الدولي الجديد وحقيقة ميزان القوى وعدوانية إسرائيل وعقيدتها العسكرية الـجـديـدة، فاختار شـعـار «سـوريـا أولاًً»، وهو يشبه إنقاذ «الحديقة الأخيرة». لا تملك الدولة اللبنانية حلا سحريا للخروج من المأزق. لا تملك غير الرهان على قدرة ترمب على مـمـارسـة الـضـغـوط عـلـى نتنياهو إذا مــا استطاع لبنان استجماع شـــروط الـعـودة إلــى دولـــة تحتكر الـــــسلاح وقـــــرار الـــحـــرب والــســلــم. فـــي المــقــابــل، يـقـرأ «حزب الله» الأوضاع بصورة مختلفة، ويستمر في رهانه على إيـران والتسوية التي يمكن أن تبرمها مـع أميركا. يرفض «حــزب الـلـه» التوقف مليا عند حجم التغيير الذي طرأ على قوته ودوره الإقليمي بــعــدمــا غــــــاد تر ســـوريـــا مـــحـــور المـــمـــانـــعـــة. يـرفـض الحزب وبعد عامين من غياب أمينه العام التاريخي حسن نصر الله الالتفات إلـى أن أكثرية لبنانية لا تؤيد إبقاء لبنان معلقا على نار حروب الإقليم. يبدأ لبنان رحلة العودة إلى الدولة التي تت ََّسع للجميع أو تتعم ََّق جروحه في الخريف. استمرار الـتـفـكـك والــضــيــاع يـــنـــذران بـهـبـوب ريــــاح الـخـريـف على التركيبة اللبنانية نفسها. بتبديد دم جميع الشهداء بلا استثناء. وحدها الدولة التي تستحق التسمية تحفظ دم الشهداء مـن الضياع. لا يحق للبنانيين نحر حديقتهم الأخيرة. في إسرائيل يعتبرون نتنياهو الخطيب الأو ََّلََ؛ خـــصـــوصا حين يـتـكـلََّــم بـالإنـجـلـيـزيـة أمــــام المـحـافـل الـــدولـــيـــة، وفــــي الــســيــاســة والــحــكــم فــهــو المـــلـــك الـــذي يـقـر خصومُُه قبل أنـصـاره ببراعته؛ ليس فقط في الوصول إلى القمة؛ بل وفي الاستقرار عليها. قبل وأثناء خطابه المطو ََّل أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، تضافرت وقائع كثيرة أفسدت المناسبة، أهمها إلقاء خطابه أمــــام مـقـاعـد فـــارغـــة، وإلـــغـــاء جـمـيـع فـــقـــرات بـرنـامـج زيارته، بما في ذلك لقاؤه مع الملياردير إيلون ماسك، وكــذلــك مـوقـف نـيـويـورك المـتـجـدد مـنـه، بـعـد أن كـان يتعامل معها كمستوطنة خالصة الولاء له ولدولته. وفي زمن ممداني صار مستحيلا عليه مجرد المشي في شوارعها! إقــــــــرار نـــتـــنـــيـــاهـــو فــــي خـــطـــابـــه المـــــطـــــو ََّل بـــواقـــع إســرائــيــل الـتـي تــحــارب عـلـى جـبـهـات عـــدة، وإقــــراره كـذلـك بمواصلة الـحـرب كخيار لا بـديـل عـنـه، جس ََّد ودون اعـــتـــراف صــريــح بـاسـتـحـالـة الـحـسـم ولـــو في واحدة منها، أن الدولة التي يتباهى بجيشها الذي لا يُُقه ََر، أنجزت بالفعل أعمالا حربية، ولكن ََّها أقرب إلـــى المـــذابـــح والإبـــــادة مـنـهـا إلـــى المـــعـــارك العسكرية المنتصرة، فما قيمة الحروب والقتل والإبادة والدمار الشامل إذا لم تفض إلى نتائج سياسية، مقياسها استسلام الخصم، وتحقيق الأهـداف المحددة منها. ِِـــعـــت هـــذه الأهـــــداف عـلـى المـــيـــزان، فـأيـن وإذا مـــا وُُض الانتصار المطلق الذي بش ََّر به؟ وأين قيادة إسرائيل للشرق الأوسط والمشاركة في قيادة العالم؟! خطاب نتنياهو الذي م ُُنح وقتا لم يُُمنح لغيره، لم يتضم ََّن جملة مفيدة تشير إلـى أن لديه مخارَج واقـعـيـة مـن أزمـــات إسـرائـيـل الـداخـلـيـة والـخـارجـيـة، غير أن ََّه بش ََّر متابعيه في إسرائيل ويهود العالم بأن يظلُُّوا تحت تهديد كوني مزعوم، ولا خيار أمامهم سوى البقاء تحت السلاح إلى ما لا نهاية. سيجد نتنياهو في إسرائيل وفي زوايا كثيرة مـن أميركا وأوروبـــا مََــن يشتري بضاعته، ولكن ما هــو حـجـم الـتـأثـيـر الـفـعـلـي لـخـطـابـه؟ هـــذا مــا سـوف تــحــســمــه صـــنـــاديـــق الاقـــــتـــــراع فــــي إســــرائــــيــــل؛ حـيـث مـصـيـره المـتـأرجـح بين رئــاســة جــديــدة للحكومة أو ذهـــاب إلــى البيت أو السجن، أو فـي أفـضـل الأحـــوال إلى مقاعد المعارضة. نـتـنـيـاهـو مــســكــون بـافـتـتـان بـــالـــذات، تـمـي ََّــز به عن كل سابقيه من قادة إسرائيل؛ حتى التاريخيين منهم. لـم يكتف بتكتيكاته المبتكرة لـلـوصـول إلى القمة، ولا بما يتطلبه الاحتفاظ بها من سلوكيات أســـاســـهـــا قــــدراتــــه المـــتـــفـــوقـــة فــــي تــهــمــيــش الآخـــريـــن مـــن حـــزبـــه ومـــعـــارضـــيـــه؛ بـــل تـــجـــاوز ذلــــك إلــــى الـحـد الـــذي عمل على تطويع الـدولـة لمصلحة بقائه على الــقــمــة، ولـــم تـتـبـق أي مـؤسـسـة ســيــاديــة فــي الــدولــة إلا وأخـضـعـهـا لـرغـبـاتـه ومــصــالــحــه، حـتـى صـــا تر الـدولـة التي كــان يصفها بأنها واحــة للديمقراطية والحوكمة النموذجية، أقـرب إلـى ممتلََك شخصي، وقد بلغ به الجشع السلطوي حد تدمير القضاء كي ينج ُُو من المساءلة! نتنياهو فـي خـطـابـه، المـكـتـوب منه والمـرتـجـل، وبـــلـــغـــة الــــلــــســــان والــــجــــســــد، وكـــثـــيـــر مــــن الـــحـــركـــات المـــســـرحـــيـــة، أظـــهـــر قـــلََّـــة كــــفــــاءة فــــي فـــهـــم ومــعــالــجــة الــتــحــو ُُّلات العميقة الـتـي تحيط بــالــدولــة الـعـبـريـة، وخـــصـــوصا فــي أمـيـركـا الــتــي تــهــاوت فـيـهـا شعبية إســـرائـــيـــل إلــــى الــحــضــيــض؛ لــيــس فــقــط بـفـعـل مـــا لا ُُّــلـه مـــن مـشـاهـد يـسـتـطـيـع الـضـمـيـر الإنـــســـانـــي تـحـم الـقـتـل الـجـمـاعـي، والـتـدمـيـر الـشـامـل لــغــزة، وإطلاق يد عصابات اللصوص والقتلة في الضفة الغربية، وإنما بفعل اتهام قوي انتشر في الأوساط الأميركية الحزبية والشعبية لنتنياهو شـخـصـياً، بتضليل الرئيس ترمب، وجرِِّه إلى حرب كان ممكنا تفاديها بقليل من التفك ُُّر والتبص ُُّر، حتى س ُُم ِِّيت اِِلحرب على ََّــالـة ونـــافـــذة، بحرب إيــــران وفـــي أوســــاط أمـيـركـيـة فـع نتنياهو الشخصية. وهذا اتهام يحدث لأول مرة في تاريخ العلاقات الأميركية الإسرائيلية. عاد نتنياهو بعد إكمال خطابه إلى إسرائيل، كـــــــأن مــــا حــــــدث كــــــان وقـــــــتا مـــســـتـــقـــط ََـــعا مــــن حـمـلـتـه الانتخابية التي وضـع كل رصيده ومـا تطوله يداه من أرصدة الدولة بتصرفها. إسرائيل وهي في طريقها للانتخابات العامة وجـــدت نفسها أمـــام ثلاثـــة احـتـمـالات: الأول إطاحة نتنياهو وائتلافه، والثاني حدوث معجزة توفِِّر له فوزا في الانتخابات، والثالث أن يأتي ائتلاف يواصل سياسة نتنياهو ولكن بواجهة ولغة مختلفة. صــنــدوق الاقـــتـــراع ســـوف يــقــر ِِّر أي الاحـتـمـالات ستتحقق، فإما أن يكون خطاب نتنياهو من الماضي، وإما أن يكون بيانا للمستقبل. الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel الخريف والشهداء و«الحديقة الأخيرة» نتنياهو يُُقر بمآزق إسرائيل... ولا مخارج منها OPINION الرأي 13 Issue 17471 - العدد Monday - 2026/9/28 الاثنين غسان شربل نبيل عمرو

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky