قــررت إدارة نــاد لكرة الـقـدم تركيب شريحة ذكـاء اصطناعي في أدمغة لاعبيه، تتلقى الإشارات من العالم الخارجي، وترسل أوامر بالتصرف. انـــبـــهـــرت الــجــمــاهــيــر بــالــتــطــور الـــــذي حـــــدث. قلب الدفاع قفز مستواه قفزة كبرى، انتقل من خانة اللاعب المــتــوســط إلـــى اللاعـــــب الـجـيـد جــــداً، وصـــــارت أخــطــاؤه لم يعد 6 أقل، وتموضعه أحسن، وقراراته أسلم. ورقم يستنزف مجهوده في شوط المباراة الأول، وقدرته على تحليل الهجمات صارت مبهرة، مكنته من التحكم في فقد قل معدل الفرص الضائعة 9 إيقاع المباراة. أما رقم منه إلى أدنى مستوى له طوال تاريخه في الملاعب. لاعـب واحــد فقط انخفض مستواه مـع الشريحة، فاستثناه النادي من تركيبها. هذا اللاعب هو ميسي. وجــد الـجـهـاز الفني أن الشريحة كـانـت تحسن الـقـرار وفق ما يمكن قياسه، بينما معظم اللحظات العبقرية لميسي لا تبدو القرارات فيها صحيحة بالمعيار المعتاد. الـــفـــريـــق كـــكـــل صـــــار لا يـــقـــهـــر، ولا يـــخـــطـــئ، كـــأنََّـــه آلات بشرية، ليس أمـامـه عائق ســوى مستوى لياقته البدنية، وقد تكفل فريق تدريب الأحمال بها. الوحيد الذي يخطئ هو ميسي. بــعــد مـــوســـمين، تـعـمـم اســـتـــخـــدام شـــرائـــح الـــذكـــاء الاصطناعي عبر فـرق الــدوري جميعاً. ارتفع مستوى المنافسة والكفاح إلى ما وصفه الخبراء بتطور يُُشبه الـصـعـود الأول عـلـى الـقـمـر، أو الإقلاع الأول بـطـائـرة. ورغــم ذلــك، فــإن الحماسة الأولـــى لـدى الجمهور فترت بعد ستة أسابيع مـن المنافسة. وبنهاية الـــدور الأول كانت المدرجات شبه خاوية، حتى مشاهدات المباريات في البيوت قلّّت، إلا المباريات التي يشارك فيها ميسي. بسؤال الجمهور عن سبب عزوفه عن المباريات قال إن ََّها ليست كرة القدم التي يعرفها. الفرق جميعها قوية للغاية، والمباريات أشبه بمنافسات ملاكمة على وتيرة واحدة. الوحيد الذي يمتعهم ميسي. حـاول المبرمجون والإداريـــون على مـدار السنوات التالية أكثر مـن حــل. اشـتـرطـوا ألا تزيد الـشـرائـح لكل فـريـق عـلـى تـسـع. وهـــذا خـلـق مـشـاكـل إداريــــة ونفسية للاعــــــبين. ثـــم ابــتــكــروا طـريـقـة سـمـوهـا خـطـة الـتـمـويـه الــخـوارزمــي. نجحت الـفـرق الـتـي اخترعتها فـي خـداع شرائح الفريق المنافس مـرة، لكن بالتعليم الـذاتـي فك الذكاء الاصطناعي شيفرتها، وصار قـادرا على قراءة إشاراتها أيضاً. مشكلة أكــبــر ظــهــرت بـعـد اعـــتـــزال هـــذا الـجـيـل من اللاعـــبين. الجيل التالي كـان جيدا للغاية، فاللاعبون جميعهم مـتـكـامـلـون، لـكـن الـجـيـل كـلـه خـــال تــمــاما من أصـــحـــاب الـلـحـظـات الـــســـاحـــرة. وهــنــا لـــم يـكـن بـــد أمـــام القائمين على اللعبة من الاعتراف بالمشكلة الجوهرية. تشابه المستوى يفقد الإحساس بالجمال. شرائح الذكاء الاصطناعي حبستنا جميعا في دائـرة ضيقة من الـجـودة، أفضل كثيرا من المستوى المتدني، ولكن دون الـعـبـقـريـة الـتـي يصنعها الــخـــروج عــن المألــــوف. وفرة من الممثلين الجيدين، ولا مارلون براندو في دور فيتو كورليوني. الـحـصـول على لاعــب عبقري احـتـمـال ضئيل، لا يمكن التعويل عليه عند حساب المعادلة الاقتصادية لـلـفـريـق. واللاعـــبـــون المــوهــوبــون يـحـتـاجـون إلـــى فترة كبيرة من الاحتكاك في المستويات الأعلى، لكي تصير موهبتهم قادرة على معادلة قدرات الذكاء الاصطناعي ََّــل الــتــبــعــات الاقــتــصــاديــة والـــتـــفـــوق عـلـيـهـا. مـــن يـتـحـم لثغراتهم طـوال هـذه المــدة؟ الأجــدى حسابيا استخدام الشريحة مـع كـل اللاعـــبين مـن الـبـدايـة. وهـــذا مـا حدث منذ كانوا ناشئين. كان ميسي محظوظا لأن ََّه بنى رصيدا ضخما قبل الثورة التكنولوجية. وهنا وجد الجميع أنفسهم أمام المعضلة الكبرى. حــتــى مـــع الاعــــتــــراف بـــــأن كــــرة الـــقـــدم فـــقـــدت ذخـيـرتـهـا الجماهيرية، لم يكن ممكنا لفريق واحد أن يبادر إلى الـخـروج عن منظومة الـذكـاء الاصطناعي، وإلا تحو ََّل إلى حصالة البطولة أمام تلك الفرق القوية. ولو حاول اتحاد وطني أن يحد استخدامه بتشريعات داخلية، سيفقد فـرصـة المنافسة الـدولـيـة. وتـلـك أزمـــة لا مخرج منها. لا تـقـع المــخــا عـلـى الـــحـــدود الـلـبـنـانـيـة، ولا تطل جــــزيــــرة مـــيـــون عـــلـــى شـــــرق المــــتــــوســــط، لـــكـــن ســيــطــرة الــحــوثــيين عليهما قــد تــتــرك تــداعــيــات مـبـاشـرة على لـبـنـان. فـانـتـقـال الـجـمـاعـة مــن قـــوة مسلحة لاشرعية تسيطر على مناطق مهمة من اليمن، لا يغير موازين الحرب اليمنية وحدها، بل يعيد ترتيب الأدوار داخل المــحــور الإيـــرانـــي، ويــطــرح ســــؤالا حـــول مــوقــع «حــزب الله» فيه بعد خسائره: هل وجدت إيران في الحوثيين وكــيلا أساسيا بــديلا أم تعيد توزيع وظائف أذرعها لتعويض تراجع إحداها بتقدم أخرى؟ استغلت إيران المنهكة حربها مع الولايات المتحدة لتوسيع الـنـفـوذ العسكري والاسـتـراتـيـجـي لحليفها الحوثي. فهاجم الحوثي المملكة العربية السعودية، وتـــجـــرأ عـلـى المــقــدســات فـــي وقـــت تـسـعـى فـيـه المملكة إلــى المــوازنــة بين متطلبات الأمـــن الـوطـنـي، والحاجة إلـى احتواء التهديدات العابرة للحدود، والرغبة في تحقيق تسوية سياسية مشرفة تنهي الحرب اليمنية، وتـعـيـد الاعـتـبـار لمـؤسـسـات الـــدولـــة. تـقـدم الحوثيون عـلـى سـاحـل الـبـحـر الأحــمــر عـلـى محيط بـــاب المـنـدب، وأضافت هذه السيطرة بُُعدا إقليميا للصراع، لما لها من أثر في أمن المضيق وحركة التجارة والطاقة. يتكامل التقدم الحوثي عند باب المندب مع قدرة إيران على الضغط في مضيق هرمز، بما يضع اثنين مـن أهـم مـمـرات الطاقة والـتـجـارة تحت تهديد محور واحـد. ولا تعني السيطرة على مواقع المضيق القدرة على إغلاقه بالكامل، لكن ََّها تتيح رفع مخاطر الملاحة وتــكــلــفــتــهــا واســـتـــخـــدامـــهـــا ورقــــــة ابــــتــــزاز تــفــاوضــيــة. وتـزداد أهمية هذه الورقة مع تـر دد واشنطن في فتح جبهة جديدة، وتــراوح خياراتها، وفـق التقارير، بين الامتناع عن التدخل، وتفاهم يضمن عـدم استهداف الـسـفـن الأمـيـركـيـة ولـلـعـجـب الإســرائــيــلــيــة. وبـــذلـــك، لا يوسع الحوثيون نفوذ إيـران الجيوسياسي فحسب، بل يرفعون مكانتهم داخل شبكة أذرعها، ويفرضون إعادة النظر في موقع «حزب الله» فيها. فـــــي هـــــــذا الـــــســـــيـــــاق، لا يـــعـــنـــي ارتــــــفــــــاع الـــقـــيـــمـــة الاســتــراتــيــجــيــة لــلــحــوثــيين أنـــهـــم حـــلـــوا مـــكـــان «حـــزب الـــلـــه»، فلكل منهما وظـيـفـتـه: الــحــزب يـــؤدي مهمة لا يستطيعون أداءها بحكم وجوده على حدود إسرائيل ونفوذه داخل النظام اللبناني، فيما يمتلك الحوثيون ورقـة تهديد ممر بحري دولـي تمس سلامته مصالح قوى كبرى. لذلك، المرجح أن تكون إيران قد انتقلت من الاعتماد على «حــزب الله» بوصفه ذراعـهـا الإقليمية الأبرز، إلى توزيع الوظائف بين وكلاء يتمتع كل منهم بقيمة جغرافية وعسكرية مختلفة. ولا تقتصر الفوارق بين الطرفين على وظائفهما، بــل تشمل الــظــروف الـتـي يــعــملان فـيـهـا. فالحوثيون يسيطرون على أرض واسعة ومؤسسات حكم وموانئ ومــواقــع بـحـريـة اسـتـراتـيـجـيـة، بينما يـتـحـرك «حــزب الــلــه» داخـــل دولـــة تـعـدديـة، ويــواجــه قــــرارات حكومية نزعت شرعيته، واعتراضا داخليا كبيرا على سلاحه، وضغطا إسرائيليا على بيئته. لذلك قد يمنحه التقدم الـــحـــوثـــي دعـــــما ســـيـــاســـيا ومـــعـــنـــوياً، لــكــن ََّــه لا يـعـالـج أزمــتــه الـلـبـنـانـيـة، ولا يعيد بـنـاء قــدراتــه أو شرعيته الميليشياوية، ولا يتيح له استنساخ النموذج اليمني في لبنان. مع ذلـك، قد يستخلص «حـزب الله» من التجربة الــحــوثــيــة درسا يـشـجـعـه عــلــى الـــتـــشـــدد. فــــإذا انـتـهـى امـــتـــنـــاع واشـــنـــطـــن عـــن المـــواجـــهـــة إلــــى تــفــاهــم يحمي السفن الأميركية من دون المساس بسلاح الحوثيين أو سيطرتهم، فقد يقرأ الحزب ذلك دليلا على أن امتلاك القدرة على رفع التكلفة يفرض الاعتراف والتفاوض. وعندها يصبح التقدم الحوثي حجة إضافية للتمسك بــــسلاحــــه والــــتــــشــــدد فــــي الـــــعلاقـــــة مــــع الـــجـــيـــش وفـــي المفاوضات مع إسرائيل، مراهنا على أن الضغوط قد تنتهي بالتعامل معه بوصفه شريكا لا يمكن تجاوزه. فــي المــقــابــل، قــد يـقـلـل صــعــود الــحــوثــيين اعـتـمـاد إيـــران على «حـــزب الــلــه»، واسـتـعـدادهـا لتحمل تكلفة حــمــايــتــه أو إعــــــادة بـــنـــاء قـــوتـــه بـــالـــشـــروط الــســابــقــة. فالوكيل الذي كان رأس حربة المشروع الإيراني، أصبح مــن أذرع مـتـعـددة، فيما يملك الـحـوثـيـون قـــدرة على تهديد دول المنطقة والملاحــة الدولية. وذلـك لا يحمي لبنان بـل يزيد احتمال استخدامه ورقــة فـي تفاوض أوســــع، أو تـركـه تـحـت الـضـغـط الإسـرائـيـلـي مــا دامــت طهران تحتفظ بأوراق أكثر فاعلية في ساحات أخرى. تكشف التطورات اليمنية أيــضا حــدود التعويل الــلــبــنــانــي عــلــى دعــــم أمـــيـــركـــي حـــاســـم. فـــــإذا أحـجـمـت واشـــنـــطـــن عــــن ردع تـــمـــدد الــــحــــوثــــيين، رغـــــم وصــــول هجماتهم إلى مناطق حيوية وأماكن مقدسة، وفضلت التعايش مع نفوذهم أو التفاوض معهم تجنبا لحرب جديدة، فليس مضمونا أن تتدخل لحسم أزمة السلاح فــي لـبـنـان أو لــــردع إســرائــيــل. وقـــد يـجـد اللبنانيون أنـفـسـهـم بين الـتـعـنـت الإيــــرانــــي والـــحـــزبـــي والـضـغـط الإســرائــيــلــي، فـيـمـا تـكـتـفـي الـــولايـــات المــتــحــدة بــــإدارة الأزمات ما دامت لا تهدد مصالحها المباشرة. لا يملك لبنان تــرف انـتـظـار نتيجة المـواجـهـة أو المفاوضات الأميركية - الإيرانية، أو نتائج الانتخابات فـي كـل مـن أميركا وإسـرائـيـل. فصعود الـحـوثـيين لن يقلل تكلفة إبقاء لبنان ساحة ضغط قابلة للمساومة. ويــقـتـضــي ذلــــك مـــن الــســلــطـة خـــطـــوات خـــــارج المـعـتـاد والـــتـــر دد والمــــراوحــــة فـــي المـــفـــاوضـــات وتـنـفـيـذ قــــرارات الحكومة، وبـنـاء شبكة دعـم عربية ودولـيـة. فالدولة التي لا تستعيد قرارها يُُحدد مستقبلها في تفاوض لا تشارك فيه. كــــان أســـبـــوعا صـــاخـــبا فـــي نـــيـــويـــورك مع افـــتـــتـــاح جـــلـــســـات الـــجـــمـــعـــيـــة الــــعــــامــــة، حــــــافلا بـالـخـطـابـات؛ بعضها مـلـهـم، وبـعـضـهـا غــارق فـــي الــبــيــروقــراطــيــة أو المــثــالــيــة. لــكــن الــواضــح أنََّــنـا أمــام مؤسسة دولـيـة نجحت فـي أن تكون منبرا للخطابة، وتعجز عـن تحويل خطابها إلـــى حــمــايــة. وقــبــل أن نـحـمّّــل الـفـشـل كـلـه على مـــؤســـســـات الأمــــــم المــــتــــحــــدة، عــلــيــنــا إدراك أن قــوة المنظمة وفاعلية قـراراتـهـا تعتمدان على اســتــعــداد الــــدول الأعـــضـــاء، وخــصــوصا الـقـوى الــكــبــرى فـــي مـجـلـس الأمـــــن، لـحـمـايـة الـــقـــرارات الـــدولـــيـــة وصـــــون شـرعـيـتـهـا بـــالـــتـــزام الــقــانــون الدولي؛ فالخطابة لا تكفي. وتـــــفـــــرض هــــــذه المــــفــــارقــــة خـــمـــس قــضــايــا اسـتـراتـيـجـيـة: تـآكـل الـشـرعـيـة، وانـتـقـال الـقـرار خــــارج المــؤســســة، وتــحــويــل الـتـمـويـل إلـــى أداة إخضاع، وتفكك الترابط بين وظائف المنظمة، وإصلاح موازين القوة والتمثيل داخلها. تـرى، ما معنى أن تقف الأمـم المتحدة مع حــق فـلـسـطين فــي الـــوجـــود كـــدولـــة، أو مــع حل الدولتين، وهي عاجزة عن حماية الفلسطينيين من الإبـادة؟ وكيف تتحو ََّل منصتها إلى مكان يتهم فيه نتنياهو المـحـتـجين على سياساته بــــالــــجبن الأخلاقـــــــــي، بـــعـــدمـــا انــســحــبــت وفــــود عديدة احتجاجا على كلمته؟ ما قيمة الاعتراف بحق شعب إذا ظل بقاؤه معلقا بإرادة من يملك الــــسلاح، ولـــم يـبـق لـــدى المنظمة ســـوى الإدانـــة ومناشدات وقف القتل؟ تكشف هــذه الأسئلة جـوهـر أزمـــة النظام الــــدولــــي: الـــفـــجـــوة بين إعلان الـــحـــق والـــقـــدرة عـلـى حـمـايـتـه. فــالأمــم المـتـحـدة ليست حكومة عالمية تملك جيشا مستقلا وإرادة تعلو على الــدول، لكنََّها ترتيب سياسي وقانوني تعهد أعضاؤه بتحمل مسؤوليات مشتركة. وعندما يعط ّّل الأقـويـاء هـذه المسؤوليات، ثـم يلومون المؤسسة على عجزها، فإنََّهم يحاكمون نتائج سياساتهم ويتنصلون منها. الــقــضــيــة الأولــــــى هـــي الــشــرعــيــة. يستمد الـــقـــرار الـــدولـــي قـيـمـتـه الـعـمـلـيـة مـــن احــتــرامــه، ومـــــن الــتــكــلــفــة الـــتـــي يــتــحــمــلــهــا مــــن يــخــالــفــه. وإذا تـراكـمـت الـــقـــرارات المـعـطـلـة، تـعـلّّــم الـقـوي أن الـــتـــجـــاهـــل مـــمـــكـــن، وتــــعــــلّّــــم الـــضـــعـــيـــف أن الاعتراف بمعاناته لا يضمن إنهاءها. عندئذ تتفاوت قيمة الـقـانـون بحسب هوية صاحبه وحـلـفـائـه. واسـتـعـادة الشرعية تتطلب آليات متابعة، وجـداول تنفيذ، وتدابير دبلوماسية واقـتـصـاديـة تجعل الانــتــهــاك مـكـلـفاً، بـــدلا من مكافأة صاحبه بالوقت. وفي فلسطين، تعني حماية تقرير المصير حماية البشر والأرض والمؤسسات التي تجعل الـدولـة ممكنة. فـالاعـتـراف المتزامن مـع تدمير شـــروط قـيـام الــدولــة قــد يـتـحـو ََّل إلـــى تعويض لــــغــــوي عـــــن خـــــســـــارة ســـيـــاســـيـــة. والامــــتــــحــــان هــــو مـــنـــع اســـتـــخـــدام زمـــــن الـــتـــفـــاوض لـتـغـيـيـر الجغرافيا، بحيث تصبح الدولة المعترف بها اسما بلا مجال للحياة. القضية الثانية هـي انتقال الـقـرار خـارج المـــــؤســـــســـــة. فـــــالـــــســـــؤال لــــيــــس عـــــــدد الـــــرؤســـــاء الـــحـــاضـــريـــن، وإن ََّــــمــــا أيــــن تُُــصــنــع الــتــســويــات، ومــــن يـــشـــارك فــيــهــا. حين تـــتـــفـــاوض قــلــة على مستقبل دولة، ثم تطلب من المنظمة الت ََّصديق، تتحول العضوية الـواسـعـة إلــى جـمـهـور. وقد تـــكـــون المـــفـــاوضـــات المــــحــــدودة ضــــروريــــة، لكن مشروعيتها تستلزم مشاركة أصحاب القضية، وخضوع نتائجها للقانون، وضمانات تنفيذ تـخـضـع لــلــمــســاءلــة؛ وإلا غــــدت الأمــــم المـتـحـدة مكتبا لتسجيل موازين القوة. الــقــضــيــة الــثــالــثــة هــــي الــتــمــويــل بـوصـفـه سـلـطـة. فالجهة الـتـي تستطيع حـجـب المـــوارد تـسـتـطـيـع الــتــأثــيــر فـــي الأولــــويــــات، حــتــى دون تـــعـــديـــل المــــيــــثــــاق. وعـــنـــدمـــا تـــحـــل المـــســـاهـــمـــات الـطـوعـيـة والمــشــروطــة مـحـل الـتـمـويـل المستقر، يـــت ََّـــســـع نــــفــــوذ المانــــــــح عـــلـــى حــــســــاب اســــتــــقلال المؤسسة. المطلوب تمويل يمكن توقعه، والتزام بـــســـداد المـسـتـحـقـات، وشـفـافـيـة تــربــط الإنــفــاق بــالــنــتــائــج. فــالــكــفــاءة ضــــروريــــة، لــكــن اخـــتـــزال الإصلاح في خفض الميزانيات قد يدمر القدرة التي يُُفترض أن ََّه يريد تحسينها. القضية الرابعة هي تفكك وظائف المنظمة. لا يمكن تمويل الإغاثة وإهمال منع الحرب، أو طــلــب انــتــخــابــات دون مـــؤســـســـات، أو مطالبة اللاجـــــــئين بـــالـــعـــودة دون أمـــــــن... هــــذه حـلـقـات مـتـرابـطـة، وتعطيل إحــداهــا ينقل التكلفة إلى الـبـقـيـة. والأخـــطـــر أن تصبح المــســاعــدات إدارة دائــمــة لـنـتـائـج الـعـنـف، فــي حين يبقى منتجه محصناً. لـذلـك ينبغي وصــل العمل الإنساني بــمــســار ســيــاســي يـحـمـي الـــحـــقـــوق، مـــع صــون اسـتـقلال الإغـاثـة، حتى لا يصبح الخبز نفسه ورقة تفاوض. الـــقـــضـــيـــة الـــخـــامـــســـة هــــي إصلاح الـــقـــوة والــتــمــثــيــل. تــوســيــع مـجـلـس الأمـــــن قـــد يـعـالـج نقص التمثيل، لكنََّه لا يكسر الشلل إذا أعـاد إنتاج الامتيازات نفسها. الإصلاح الجاد يقاس بـتـحـسين الــقــدرة عـلـى اتــخــاذ الــقــرار ومـسـاءلـة معطّّليه، وبتمثيل أعـــدل للمناطق المـحـرومـة. ويـــبـــدأ بـالـضـغـط لـتـقـيـيـد اســتــخــدام «الـفـيـتـو» فـي الفظائع الجماعية، وبـنـاء تحالفات تدفع إجــــراءات قانونية ودبـلـومـاسـيـة مـتـاحـة، دون انتظار اتفاق شامل قد لا يأتي. عــــربــــياً، يــتــطــلــب ذلـــــك تـــحـــويـــل الــحــضــور السنوي إلـى عمل متصل: تنسيق التصويت، وتمويل المؤسسات الضرورية، وحشد الشركاء، وربط العلاقات الثنائية بمواقف عملية تحمي الفلسطينيين. فالأغلبية العددية لا تصبح قوة إلا بالتنظيم والاسـتـمـرار والاسـتـعـداد لتحمل الـتـكـلـفـة. وهــــذا يـقـتـضـي تـحـديـد المـــســـؤول عن كــل الـــتـــزام، ومـــــوارد تـنـفـيـذه، ومــوعــد مـراجـعـة نتائجه. مــســتــقــبــل الأمـــــــم المــــتــــحــــدة يــــتــــوق ََّــــف عـلـى استعداد أعضائها لتحويل الالتزام إلى قدرة. وعـلـى إســرائــيــل أن تـــدرك أن لـهـذه الـسـيـاسـات ثمنا سياسيا واقتصاديا وقانونيا لا تستطيع الإفلات منه. حين تصبح التكلفة حقيقية، قد يتغير المشهد كله. إن الإبادة في غزة كارثة تستدعي مراجعة أسس النظام الدولي. وكما دفعت فظائع الحرب الـعـالمـيـة الـثـانـيـة إلـــى بـنـاء مـؤسـسـات وقـواعـد جـديـدة، ينبغي أن يدفع مـا جـرى فـي غـزة إلى واقع يحمي البشر ويحاسب الجناة. فلا يجوز أن تنتهي هذه المأساة ببيان إدانة آخر. OPINION الرأي 12 Issue 17471 - العدد Monday - 2026/9/28 الاثنين ماذا يعني التغول الحوثي للبنان؟ حكاية ميسي مع الذكاء الاصطناعي الأمم المتحدة... ما قيمة الحق دون حماية؟ وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com مأمون فندي سام منسى خالد البري
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky