قام النظام الإيراني بزرع أذرعه في أكثر من دولة عربية إلى حد تغييب الدولة، وكان الهدف السيطرة على المنطقة، وقام الحوثي بالاعتداء عـلـى الــجــيــران والاقــتــصــاد الـعـالمـي للمساعدة، فم ََن المعتدي وم ََن المعتدى عليه؟ فــي الــصــراع الـقـائـم، مََـــن يشعل الــنــار يريد أيضا أن ينفرد باحتكار الحقيقة. يختار البداية التي تناسبه، ثم يطالب المتلقي بإدانة الطرف الذي تلق ََّى الضربة. وإذا اعترض أحد على هذه الــروايــة، انتقل هــذا المعترض سـريـعا مـن موقع «المـــخـــالـــف» إلــــى خــانــة «المـــتـــآمـــر». كــــان الـشـعـار «المـــــوت لأمــيــركــا والمـــــوت لإســـرائـــيـــل»، فاكتشف الــعــالــم، تـعـهـدا حـــوثـــيا بــعــدم الــتــعــرض للسفن الإسرائيلية ولا الأميركية! هذا مشهد خبرناه من قبل. في الخمسينات والستينات، خلال ما عرفت بـ«الحرب العربية الباردة». كانت الإذاعات تمنح صكوك الوطنية، وتـوزع العرب بين «تقدمي» و«رجـعـي». وقد آن لـنـا أن نــســأل أصــحــاب ذلـــك الـفـكـر، مــــاذا فعلتم بحياة الناس؟ أرى أن وراء هــــذا الــتــشــابــه مـــدرســـتين في النظر إلـى الـدولـة الحديثة وعلاقتها بالمحيط. الأولـــى انـقلابـيـة، تتصور أن لها رسـالـة ربانية تمنحها حق إعادة تشكيل الجوار بالقوة. والثانية تنموية، تعتبر أن نـجـاح الـدولـة يبدأ بتحسين حياة الناس، والتعامل مع العالم. ذاك ما يساعدنا على فهم سوية الصراع القائم، أغلب مناصري الكهنوتية هم من جناح الإسلام الحركي الانقلابي، من أي مكان كانوا فيه. الــتــيــار الانـــقلابـــي يـسـتـدعـي مــن الـــتـــراث ما يخدم سلطته، ويقدم تفسيره للدين كأنه الدين نفسه، وقدسية الزعيم لأنـه يتكلم باسم الـرب! ويتحصن بمهمة مقدسة. مـن هــذه النقطة يسهل الانـتـقـال إلــى ادعــاء الـــوصـــايـــة عــلــى الآخــــريــــن، ومــــد الـــنـــفـــوذ خـــارج الـحـدود. وتصبح سيادة الجار عقبة، ويصير رفـــض الـتـدخـل فــي شـــؤون الآخـــريـــن دلــــيلا على عدائه للقضية المقدسة. أمـا المـدرسـة التنموية، فتنطلق مـن أسئلة أقـــرب إلـــى حـيـاة الـــنـــاس، كـيـف يتعلم أبـنـاؤنـا؟ أيـــن يـعـمـلـون؟ وكــيــف يــعــالــجــون؟ دولــــة يسمح فضاؤها بالتخطيط، وقانونها يطمئن المواطن، وتقوم بالاشتباك الصحي مع العالم. لهذا تتعارض السرديتان. صاحب المشروع الانقلابي التوسعي يحتاج إلى إبقاء الجمهور فـــي حـــالـــة جــهــل وتــمــســك بـــالـــخـــرافـــة، لأن وعــي الجمهور يفتح باب الأسئلة المؤجلة، مثل لماذا تتراجع معيشة الناس؟ فـي المـقـابـل، يحتاج المـشـروع التنموي إلى سلام، وإلى علاقات لا تنقلب كل صباح. ما يـراه الأول فرصة لتوسيع المواجهة، قد يــراه الثاني تبديدا لمـــوارد كــان يمكن أن تذهب إلى جامعة أو مستشفى. لقد صرفت إيران على أذرعها ما لو تم صرفه في إيران لأصبحت كوريا الجنوبية الثانية، كما قالت فائزة رفسنجاني، ولمََّح إليه جواد ظريف! والمـــفـــارقـــة أن أنـــصـــار الـــخـــطـــاب الانـــقلابـــي يــبــدون، أحــيــاناً، أكـثـر نـشـاطا مـن المــدافــعين عن الاســتــقــرار. لديهم اتـهـام جـاهـز، وعـــدو واضــح، وإجابة واحدة، تفسر كل شيء. أمـــا الآخــــــرون فـيـمـيـلـون إلـــى الاعــتــقــاد بـأن الإنـــجـــاز يـتـحـدث عــن نـفـسـه. ذلـــك المــوقــف يجب أن يـتـغـيـر، تـحـتـاج دعـــوة الـسـلـم والـتـنـمـيـة إلـى مََن يشرح خياراتها ويبسط حجتها. ولا يترك المـجـال الـعـام لمََــن يـرفـع صـوتـه ويـحـول الحرص على حياة الناس إلى تهمة. ولا تكفي مواجهة الـسـرديـة الانـقلابـيـة بـــإعلان الـرضـا عـن النفس. فالدفاع المقنع عن التنمية والاسـتـقـرار يحتاج إلى صوت من دون أي اعتذار. خلل المشروع الانقلابي أعمق من سوء لغته الإعلامية. إنه يريد إخضاع مجتمعات متنوعة لتفسير غيبي، في عالم يقوم تقدمه على العلم. لـذلـك يضيق بـالمـواطـن الـــذي يــســأل، أو يحتج، وبالمواطن الذي يقارن معيشته بمعيشة جاره. وعــنــدمــا تـعـجـز الــحــجــة عـــن إقــنــاعــه بــالمــشــروع الغيبي الانقلابي تحضر تهمة الخيانة وحتى التعرض للقتل. العنف هو ما يجيده، والعنف هـنـا يحمي احـتـكـار السلطة للحقيقة، ويمنع الــنــاس مــن اخـتـبـار الــوعــود المـقـدمـة عـلـى ضـوء مـــا يـعـانـونـه كـــل يـــوم مـــن عـــوز واضـــطـــهـــاد. ولا يـنـبـغـي أن نــخــلــط بين امــــــتلاك أدوات حـديـثـة وامـــــتلاك مــشــروع حــديــث. اســتــخــدام الـطـائـرات المــســيــرة والـــصـــواريـــخ، لا يـغـيـر طـبـيـعـة سلطة تعتبر المواطن الصالح هو الصامت. الحداثة لا تظهر في الــسلاح، تظهر في موقع الإنسان في مجتمعه، لا في حداثة السلاح الذي يفرض عليه الطاعة. من هنا تحتاج معركة السردية الانقلابية إلـــى رأي مــضــاد يــعــرض الــوقــائــع، ويـــســـأل: مََــن اتــخــذ قــــرار الـــحـــرب فـــي إيـــــران وفـــي الــيــمــن؟ من يتحمل تكلفتها؟ وهل يملك المواطن في البلدين حــــق الاعـــــتـــــراض عـــلـــيـــهـــا؟ لا يــــجــــوز أن تـغـطـي الـشـعـارات هـذه الأسئلة، أو أن يتحول المعتدي إلى ضحية. آخـر الـــكلام: أقــوى رد على دعــاة الانقلابية هـــــو كـــشـــف المــــســــافــــة بين مــــــشــــــروعين، إشـــعـــال الحروب، وبناء الأوطان. عـــــــدو تــــعــــرفــــه أفـــــضـــــل مــــــن صـــــديـــــق تـــجـــهـــلـــه؛ والــــحــــروب بين الـــــدول تـبـنـي جـــســـورا مـــن علاقــــات متحركة. حوار القوة بكل ما فيه من خسائر مادية وبـشـريـة، يـبـدع لغة حـــوار أخـــرى، لها نغم شائك. الــحــرب والـــــسلام لا يـغـيـبـان عـــن تــدافـــع الـبـشـر في مسيرة الحياة، وهما من يحددان حركة الشعوب في كل الأزمان. الحربان العالميتان الأولى والثانية رسـمـتـا خــرائــط عـصـر جـديـد غـيـر مـسـبـوق. إيـــران خاضت حروبا كثيرة عبر تاريخها الطويل، حركت هوياتها الدينية واللغوية والسياسية. حربها مع الــعــراق بعد سـقـوط الـنـظـام الشاهنشاهي، وقيام نـــظـــام الــجــمــهــوريــة الإسلامـــــيـــــة، اســـتـــمـــرت ثـمـانـي ســــنــــوات، كـلـفـتـهـا آلاف الــقــتــلــى، وخــســائـــر مــاديــة تُُــعـد بـالمـلـيـارات، وبـعـد وســاطــات وقــــرارات أممية، واجه مرشد الثورة الخميني الحقيقة المـرّّة وأعلن قـبـولـه إيــقــاف الــحــرب، ووصـــف قــــراره هـــذا، بشرب كـــــأس الــــســــم. حـــــرب إيـــــــران الأخــــيــــرة مــــع الــــولايــــات المتحدة الأميركية، عبرت الحدود وامتدت آثارها إلـــى بـقـاع الـدنـيـا، وطــالــت الـجـيـوب والــبــطــون. في إيــــران هـــوت الـعـمـلـة، وأصــبــح الــغــذاء والـــــدواء بعد الـــحـــصـــار كـــــؤوس مــــــرارة يــصــبــح ويــمــســي عليها المواطن المرهق من نيران الحرب الجوية والبحرية. المـواطــن الأمـيـركـي وصـلـت إلـيـه نـيـران الـحـرب عبر محطات البنزين والـنـفـط، واقـتـربـت مـن صناديق الانتخابات. قال نابليون بونابرت: «إن الجيوش تمشي على بطونها»، لكن الـيـوم يمكن الـقـول إن الشعوب أيضا تمشي على بطونها. بعد مئات التصريحات التي فجرها الرئيس الأمــيــركــي دونـــالـــد تـــرمـــب، وكـلـهـا تــصــرخ بـالـوعـد والــوعــيــد، والـــوســـاطـــات الــتــي لا تـتـوقـف، مــن دول تحرك كبارُُها بين إيـران وأميركا، بدأ الحديث عن تــواصــل مـبـاشـر بين الــغــريــمين المـــتـــحـــاربين، ولكل منهما أكثر من دافع نحو جبهة الحوار والتراجع عن خطوط المواجهة المسلحة. الرئيس ترمب يضع أمــامــه الـسـاعـة الـرمـلـيـة، ليحسب الــزمــن التنازلي نحو الانتخابات النصفية المقبلة للكونغرس، في الثالث من شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. أيــام قليلة لكنها حبالى بما في الانتخابات الأمـــيـــركـــيـــة مـــن أســــــرار مــفــاجــئــة. تـــرمـــب لا يمكنه أن يـنـسـى حــــدثين كـتـبـا أخــطــر سـطـريـن فــي مسار حــيــاتــه؛ وهـــمـــا فـــــوزه عــلــى هــــــيلاري كـلـيـنـتـون في ، بــعــدمــا كـانـت 2016 الانــتــخــابــات الــرئــاســيــة عــــام اســـتـــطلاعـــات الــــــرأي تــمــيــل إلــــى فــــوزهــــا، وبــعــدهــا نتائج الانـتـخـابـات الشعبية، الـتـي أكـــدت تقدمها عليه، لكن نتائج المجمع الانتخابي قدمت النصر لترمب. المفاجآت لم تغب في الانتخابات بين جو ،2024 بـــايـــدن المـــرشـــح الــديــمــقــراطــي وتـــرمـــب عــــام حيث كشفت المناظرة التنافسية وهن الرئيس جو بايدن بفعل الشيخوخة، واضطرار الديمقراطيين للدفع بنائبته كامالا هـاريـس، لمواجهة ترمب في الانــتــخــابــات الــرئــاســيــة، وحــقــق تــرمــب فـيـهـا فـــوزا كاسحا ً. إيــران أيـضا لها رياحها، التي تحرك بوصلة قـــراراتـــهـــا فـــي الــســلــم والــــحــــرب. مــنــذ الـــيـــوم الأول لانـــتـــصـــار ثـــــورة الــخــمــيــنــي، ونــــزولــــه مـــن الــطــائــرة الفرنسية، واسـتـقـبـال الجماهير الـحـاشـدة لــه، لم يتوقف الهتاف بالموت لإسرائيل والمــوت لأميركا، وزحـــــــف الـــشـــبـــاب الإيـــــرانـــــي الـــثـــائـــر عـــلـــى الــبــعــثــة الـدبـلـومـاسـيـة الأمـيـركـيـة فــي طـــهـــران، واحـتـجـزوا الدبلوماسيين الأمـيـركـيين، وأنـزلـوا علم إسرائيل مـــن عــلــى الـــســـفـــارة الإســـرائـــيـــلـــيـــة، ورفــــعــــوا عليها عـــلـــم فـــلـــســـطين، وهـــتـــفـــوا بــتــحــريــرهــا مــــن احـــــتلال الكيان الصهيوني. لم تتوقف الأصــوات الرسمية والشعبية فـي إيـــران الـثـورة عـن إعلان الـعـداء لكل مـن الـولايـات المتحدة وإسـرائـيـل، وصــار ذلـك ركـنا أساسيا في كيان الجمهورية الإسلامية الإيرانية. لـــم تـــخـــف الــجــمــهــوريــة الإسلامــــيــــة الــجــديــدة مبكرا مشروعها الإقليمي الآيديولوجي الطائفي، في لبنان والعراق واليمن، وباشرت بتقديم الدعم المالـــــي والــعــســكــري والـــســـيـــاســـي، لــكــيــانــات تـابـعـة لها في هـذه الأقـطـار وغيرها. بعد توقيع اتفاقية كــامــب ديــفــيــد بين مــصــر وإســـرائـــيـــل، صــــار الــعــدو يونيو 13 الأول لإسرائيل في المنطقة هو إيران. في بــــدأت إســرائــيــل هـجـمـات واسـعـة 2025 ) (حـــزيـــران يونيو، وقُُتل فيها 23 على إيـران، واستمرت حتى المـــرشـــد الأعـــلـــى لــلــثــورة الإيـــرانـــيـــة عــلــي خـامـنـئـي، وعدد من أفراد أسرته، وعدد من القيادات الدينية والعسكرية، ثم انضمت الولايات المتحدة للحرب، وقصفت منشآت نووية في إيران. استمرت الحرب بين أميركا وإيران، وتراجعت العمليات العسكرية الإسرائيلية. في ردود فعل إيران العسكرية على الهجومات الأمـيـركـيـة، صـــارت دول الخليج الـعـربـي والأردن، الأهداف شبه اليومية للقصف الإيراني بالصواريخ والطائرات المسيّّرة. صار للحرب ميدان ثالث، وإن لم يكن طـرفا فيها. هـذه الــدول العربية المستهدفة من إيران، لها علاقات واسعة مع الولايات المتحدة، وهـيـمـنـة طـــهـــران عــلــى مـضـيـق هــرمــز ألــحــقــت بها ضررا اقتصاديا كبيراً، وأربكت النشاط الاقتصادي العالمي. إذن أي حديث عن تسوية للصراع المسلح، بين إيران والولايات المتحدة، لا يمكنه أن يصل إلى نتيجة فاعلة على الأرض، من دون أن تشارك هذه الأطراف العربية في قرار السلام. فـي الختام أقـــول: إن الـحـرب تبني جـبـالا لها ارتـفـاع، وتمد عروقها فـي أعـمـاق ذاكـــرة الشعوب، وقـــد تـهـب ريــاحــهــا بـعـد ســكــون، فلا مــنــدوحــة من تأسيس بنيان التعايش وحسن الجوار والـسلام، عــلــى الــثــقــة وحـــســـن الـــنـــيـــات، وبـــمـــا يـحـقـق الأمــــن، والانــتــقــال مــن حـالـة الـتـوجـس والــحــذر مــن الآخـــر، أكان قريبا أو بعيداً، إلى واقع حي يسوده السلام، ويخدم المصالح المشتركة للجميع. الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel أميركا وإيران... رقصة «تانغو» على إيقاع صامت مشروعان يتنازعان الشرق الأوسط OPINION الرأي 15 Issue 17469 - العدد Saturday - 2026/9/26 السبت عبد الرحمن شلقم محمد الرميحي
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky