إذا كــــــان الــــحــــب يـــســـتـــنـــد مـــــن بـعـض وجوهه إلى العناصر المادية التي يتيحها الواقع الملموس، كما هو الحال مع الشعر، إلا أنه يغادر ملموسيته من وجوه أخرى، ليقيم في عالم التخيل وسماء التهيؤات، كما لو أن «أسطرة» الآخر هي الممر الإلزامي لتتيُُّمنا به. وإذا كان الجسد العاشق هو جسد طفولي بامتياز، وفـق رولان بـارت، فـــإن مــا ينطبق عـلـى الأفــــراد ينطبق على الـــجـــمـــاعـــات، حــيــث كـــانـــت الأســـاطـــيـــر هي سبيل الشعوب القديمة، إلى فهم الظواهر الــكــونــيــة أو الــــنــــوازع الإنــســانــيــة. وتـكـفـي معاينة ذلــك الإرث الـهـائـل مـن الـسـرديـات الملحمية والميثولوجية المتعلقة بالحب، لكي نتحقق مـن دوره فـي رفــد الأساطير بــنــمــاذجــهــا الأولــــيــــة، والـــعـــكـــس بـالـعـكـس أيضا ً. ومــــــع أنــــنــــا نلاحـــــــظ غــــيــــابا لـــلـــحـــدود الــــواضــــحــــة بين الــــحــــب الــــــروحــــــي، الـــــذي يـــقـــيـــم مــمــلــكــتــه فـــــي ســــمــــاء الــــتــــصــــورات، وبين الــعــشــق المـــلـــفـــوح بـــنـــيـــران الــرغــبــات الـــجـــســـديـــة، إلا أن أي نـــظـــرة مــتــأنــيــة إلــى المـيـثـولـوجـيـات الـقـديـمـة، لا بــد أن تكشف عـن تباين ملحوظ فـي الـرؤيـة إلـى الحب، بين حـضـارات تُُطابق على نحو كلّّي بين الحب والشغف الشهواني، وبين حضارات أخــرى تفرد هـامـشا واســـعا لـزفـرات القلب وانخطافات الروح. إضافة إلى ما نلحظه داخل الحضارة نفسها من تبدل في الرؤى والمفاهيم. ولا بــــد لمــــن يـــتـــأمـــل فــــي آلـــهـــة الـخـلـق الأربعة لدى السومريين (إن، وكي، وإنليل، وأنـكـي) أن يلاحــظ أنهم لـم يكونوا سوى المـــعـــادل المـيـثـولـوجـي لـلـعـنـاصـر الأربـــعـــة، الــهــواء والماء والــنــار والـــتـــراب. ولما كانت وظـيـفـة الإنـــســـان تتمثل بــالــدرجــة الأولـــى فـــي خـــدمـــة الآلــــهــــة، والـــتـــوفـــيـــر لــهــا كـــل ما تحتاج إليه من طعام وشراب ومأوى، لكي يتسنى لها التفرغ لشؤونها الإلهية، فقد استتبع ذلك إنشاء المعابد التي تقام فيها الـصـلـوات. فـــضلا عـن الــقــرابين والشعائر والطقوس التي كانت تقدّّم لاسترضائها، والـــــتـــــي كــــــان يـــتـــولـــى الــــقــــيــــام بـــهـــا كـــهـــان وكــاهــنــات ومــنــشــدون وخــصــيــان وبـغـايـا مقدسات. وفي أعياد القمر الجديد، التي كـانـت تُُختتم فـي الـعـادة بطقوس الـــزواج المقدس، كان ملك سومر يتزوج من إنانا، إلـــهـــة الــخــصــب والـــتـــنـــاســـل، أو مـــن إحـــدى الكاهنات التي تنوب عنها. ولـــــــــــم تــــــكــــــن أســـــــــطـــــــــورة أدونـــــــيـــــــس وعشتروت لدى الفينيقيين والكنعانيين، ســـــوى نـــســـخـــة مـــعـــدلـــة عــــن مــثــيــلــتــهــا فـي بلاد الــــرافــــديــــن. فـــعـــشـــتـــروت إلـــهـــة الــحــب والـخـصـب، الـتـي التقت أدونــيــس، الشاب الوسيم وعـاشـق الصيد، فـي مكان قريب من مغارة أفقا اللبنانية، سرعان ما وقعت في غرامه وهامت به حباً. ومع أنها نهته بـإلـحـاح عــن الـتـجـول وحــيــدا فــي الـغـابـات المكتظة بـالـوحـوش المـفـتـرسـة، فــإن عشقه للمغامرة جعله غير مكترث بتحذيراتها، إلـــى أن قتله خـنـزيـر بـــري عـلـى ضـفـة نهر إبراهيم المنحدر مـن الـــذرى الشاهقة عبر واد سحيق، ما لبث أن س ُُمي باسمه. وكما هو حـال الأساطير المماثلة في الشرق القديم وبلاد اليونان، فإن عشتروت تهبط إلى العالم السفلي متضرعة للآلهة بأن تعيد حبيبها القتيل من عالم الأموات، ثم تتم تسوية المعضلة على نحو جزئي، بــحــيــث يـــعـــود أدونــــيــــس إلــــى الـــحـــيـــاة في فصلي الربيع والصيف، مترافقا مع قيامة الزرع والخصب، ثم يعود إلى عالم الأموات في الخريف والشتاء. ويرى جيمس فريزر أن ملوك بيبلوس، كانوا يتسمّّون جميعا باسم أدونيس ويتزوجون من عشتروت. وفي السنوات التي أعقبت موته وقيامته، ظــــــل ســـــكـــــان تــــلــــك الـــــنـــــواحـــــي يـــحـــتـــفـــلـــون بـالمـنـاسـبـتين، نــــواحا حــــداديا فــي الأولـــى، وفرحا عارما في الثانية. وفي الأساطير الإغريقية يظهر هذا الإلــــه عـلـى شـكـل شـــاب جـمـيـل أغـــرمـــت به أفروديت. وبعد أن خبأته الآلهة الكبرى، حـــمـــايـــة لــــه، فـــي صـــنـــدوق ووضـــعـــتـــه في عـهـدة بـرسـيـفـونـي إلـهـة الـعـالـم السفلي، رفــضــت الأخـــيـــرة إعـــادتـــه إلـــى أفـــروديـــت، بــعــد أن فـتـحـت الـــصـــنـــدوق ورأت مـــا هو عليه من جمال. وبعد إخفاق أفروديت في استعادته، قرر زيوس حسما للنزاع بين آلهة الحب وآلهة الموت، أن يُُبقي أدونيس سـتـة أشــهــر فـــوق الأرض بـرفـقـة الأولــــى، وستة تحتها برفقة الثانية. أما الأساطير الرومانية فتربط على نحو وثـيـق بين الـحـب بـالـجـمـال، جاعلة من فينوس إلهة لكليهما مـعاً. غير أنها لا تكتفي بالتركيز عـلـى رمــزيــة الأم، بل تـــصـــو ِِّر ابـنـهـا كـيـوبـيـد، عـلـى شـكـل طفل مــجــنــح، يــحــمــل قـــوســـه ونـــشـــابـــه ويــرمــي من يشاء بالسهام الذي لا تخطئ هدفها إلـى قلوب البشر. وإذ تظهر على مسرح الجمال منافسة بشرية لفينوس تسمى سايكي، تغضب الأولى وتطلب من ابنها معاقبتها على طريقته. لكن الابن العابث يجرح نفسه عـن طريق الخطأ، ليقع في غرام سايكي، ويصاب بالسهم إياه الذي ظل يسدده باتجاه الآخرين. وبعد أن تمر قصة الحب تلك بتعقيدات كثيرة، يتدخل كــبــيــر الآلـــهـــة جـوبـيـتـيـر لـيـمـنـح سـايـكـي الخلود ويسمح للحبيبين بالزواج. على أن المـمـاهـاة الـتـامـة بين وجهي الحب والخصب، كما بين صورتي الموت والانبعاث، لم تنحصر في ثقافة بعينها، أو حـــيـــز جــــغــــرافــــي واحـــــــــد، بـــــل اتــســعــت دائـرتـهـا فــي الألـفـيـة الـثـالـثـة قـبـل المـــيلاد، والألفيتين اللاحـقـتين، لتطول الحضارة الــفــرعــونــيــة وحـــــوض الــنــيــل، إلــــى جـانـب الــحــضــارات الــعــديــدة الأخـــــرى. فحيث لم ترُُق علاقة الحب التي ربطت بين إيزيس إلــهــة الـخـصـب عـنـد المـــصـــريين، وزوجــهــا أوزيريس، للإله ست أخي أوزيريس، عمد ست بفعل الغيرة العمياء، إلى قتل أخيه وتقطيع جثته أربع عشرة قطعة، قبل أن يرميها جميعا في مياه النيل. وبعد أن تمكنت إيزيس من جمع الأجزاء وإعادتها إلى الحياة، توصل ست إلى معرفة مكان أخيه، حيث قام بقتله مرة أخرى وتقطيع جسده إلى اثنتين وأربعين قطعة. لكن الزوجة الوفية رفضت الاستسلام للأمـر الـواقـع، فقامت بجمع أجــزاء الـزوج المتناثرة من جديد، وأعـــادت إليه الحياة بما تملكه من طاقة السحر، «ثم ما لبثت أن اسـتـنـجـدت بـــالإلـــه رع، مـتـوسـلـة إلـيـه أن يخصبها، كــي تـلـد ولـــدا ينتقم. فنزل عليها رع ونفخ فيها من أنفه، فخص ّّبها بالفعل وولــــدت بـعـد ذلـــك طفلها حــورس الـــذي لـم يتأخر فـي الانـتـقـام لمــوت أبـيـه». وإذ تتقاطع قصة التخصيب عـن طريق الـــنـــفـــخ الإلــــهــــي فــــي الأنـــــــف، مــــع ســـرديـــات دينية أحدث عهداً، ولو على نحو معدل، تـتـقـاطـع مـــراثـــي إيـــزيـــس لأوزيــــريــــس، من جـهـة ثـانـيـة مــع مــراثــي إيـنـانـا لـديـمـوزي، وعشتار لتموز، ومـن بينها قـول إيزيس مخاطبة حبيبها القتيل: أنا زوجتك وأختك وأمك عد إلي على جناح السرعة إن السماء والأرض متحدتان في الظلام وقلبي يحترق لانفصاله عنك إنني أطأ الأرض ولا أكل أبدا عن البحث وفي داخلي حرارة متأتية عن حبي لك وقـــــــد تـــــكـــــون أســــــطــــــورة أورفـــــيـــــوس ويـــــوريـــــديـــــس الــــيــــونــــانــــيــــة، واحــــــــــدة مــن الأســاطــيــر الـقـلـيـلـة الــتــي لا تـمـاهـي على نــحــو تــــام بين الـــحـــب والــفــعــل الـجـنـسـي، كــمــا يــشــيــر الــفــيــلــســوف الألمانـــــــي هـيـغـل، بل تضع الـعلاقـة بين الحبيبين في إطـار مـــن انـــخـــطـــافـــات الــــــروح وحـــم ّّـــى المــشــاعــر المـلـتـهـبـة. إلا أن صــــورة المــــوت المـتـربـص بـالـحـبـيـبين، لا تـتـأخـر عـن إعـطـاء مشهد العشق طابعه التراجيدي، حيث تقضي يـــوريـــديـــس نـحـبـهـا بــلــدغــة أفـــعـــى قـاتـلـة. وإذ قـــرر أورفـــيـــوس الـطـلـب مــن هــاديــس، إلــــه المـــوتـــى، إعـــــادة زوجـــتـــه إلــــى الــحــيــاة، راح يــــســــتــــعين بـــمـــوهـــبـــتـــه الـــــــنـــــــادرة فــي العزف والغناء، ليشق طريقه إلى العالم الــســفــلــي. وبـــعـــد أن وافـــــق هـــاديـــس على إعــادة المــرأة المتوفاة إلـى الحياة، اشترط عــلــى أورفــــيــــوس ألا يـلـتـفـت إلــــى الــــــوراء، حيث قُُضي على زوجته بأن تمشي خلفه إلى ما لا نهاية. لكن عاصفة من الحنين لـرؤيـة الحبيبة العائدة سـرعـان مـا تهب على الـزوج العاشق، حتى إذا التفت إلى الخلف، اختفت يوريديس عن ناظريه إلى الأبد. ومع أن النقاد والباحثين كانت لهم اجــتــهــادات متباينة فــي تــأويــل أسـطـورة الـــحـــب المــــؤثــــرة تـــلـــك، إلا أنـــهـــا تــشــيــر من بـــعـــض وجـــوهـــهـــا إلـــــى أن صــــــراع الــحــب والــــــــــوت، لـــيـــس بـــــالـــــضـــــرورة أن يـنـتـهـي دائــما لمصلحة الأول، بقدر ما تشير إلى العواقب الوخيمة، التي تترتب على كل مََـــن يـعـصـى الآلـــهـــة ويــخــالــف مشيئتها. وقـــد تـكـون المـقـايـضـة الـجـائـرة بين عــودة المـــرأة المعشوقة إلــى الـحـيـاة، وبين تعذر النظر إليها، نــوعا مـن الاختبار القاسي لالــــتــــزام الــــــزوج بــطــاعــة الآلـــهـــة والـــوثـــوق بها، من جهة، والاختبار المماثل لتغليب الروح على الجسد، من جهة أخرى. ومن دلالات تلك السردية الأسطورية، أنه ليس بـمـسـتـطـاع أحـــد خـــرق قـــــوانين الطبيعة، وقــــطــــع الــــحــــاجــــز الــــفــــاصــــل بين الـــحـــيـــاة والمـــوت، حتى لـو استعان البشر بالحب والفن لتحقيق هذه الأمنية. الثقافة CULTURE 21 Issue 17466 - العدد Wednesday - 2026/9/23 الأربعاء تعتمد تقنية الجص المنقوش على شبكات هندسية زخرفية أحصنة «قصر هشام» في نواحي أريحا كـشـفـت أعـــمـــال الـتـنـقـيـب فـــي الــبــاديــة الفلسطينية عــن مـنـشـآت عـمـرانـيـة تـعـود إلى الحقبة الأموية، أهمها قصر في قرية خـربـة المـفـجـر، شـمـال أريــحــا، يُُــعـرف اليوم بـــاســـم «قـــصـــر هــــشــــام»، نــســبــة إلــــى عـاشـر خلفاء الـدولـة الأمـويـة الـــذي أمــر بتشييده إلى 724 خلال عهده الــذي استمر مـن عـام .743 عام تطور بناء هذا القصر في عهد الوليد بن يزيد الذي خلف عمه هشام مدة قصيرة لـــم تــتــجــاوز ســـنـــتين، وخــــرب حين تـعـر ََّض ، وأعيد 746 موقعه لـزلـزال ضخم في سنة اكتشافه في الأزمنة المعاصرة. خــــرجــــت مــــن هــــــذا الـــقـــصـــر مــجــمــوعــة هـائـلـة مــن الـقـطـع الـنـحـتـيـة، تشهد لتنو ُُّع كبير في الأطرزة المتبعة، وتحوي كثيرا من القطع التصويرية التي تستمد مواضيعها من العالم الحيواني، منها ما تمثل أحصنة مسرجة، وصلت كلُُّها بشكل مهش ََّم. بدأ استكشاف قصر خربة المفجر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، في ظـل حكم الــدولــة العثمانية، وتــواصــل في عـهـد الانـــتـــداب الــبــريــطــانــي؛ حـيـث شـرعـت دائــــرة الآثــــار الـبـريـطـانـيـة فــي مـسـح المـوقـع ، ونقلت اكتشافاتها الأثرية 1934 خلال عام في 1930 إلـــى مـتـحـف بــــدأت تـشـيـيـده عـــام تحت 1938 القدس الشرقية، وافتتحته عام اسم «متحف فلسطين للآثار». استمرت أعمال المسح في الموقع اثني عشر عــاماً، وخرجت بمجموعة هائلة من ن أنها أجزاء القطع الحجرية المنقوشة، تبي َّن مهش ََّمة من ح ُُلََّة الموقع الأصلية. وتم حفظ هـــذه الـقـطـع فــي «مـتـحـف فـلـسـطين للآثـــار» الذي تحو ََّل اسمه إلى «متحف روكفلر» إثر ، نسبة إلـــى الــثــري الأمـيـركـي 1967 هـزيـمـة جون ديفيد روكفلر الابن الذي تبر ََّع بمبلغ مــلــيــونــي دولار لــبــنــائــه فـــي الــعــشــريــنــات. وبات هذا المتحف مقرا لرئيس دائرة الآثار الحكومية. تـــحـــضـــر فــــي هـــــذا المـــتـــحـــف مــجــمــوعــة كبيرة مـن نقوش وتماثيل «قصر هشام»، وتُُـــعـــتـــبـــر مــــن أهـــــــم وأجــــمــــل شــــواهــــد الــفــن الأُُمــــــــوي. وفـــــقا لـلـتـقـلـيـد الـــــذي تـــبـــن ََّـــاه هــذا الـفـن بشكل كبير. اعتمدت هــذه الح ُُلل في الــــدرجــــة الأولــــــى تـقـنـيـة الـــجـــص المــنــقــوش، على شكل شبكات هندسية زخرفية تجمع بين المفردات الهندسية المجرََّدة والعناصر التصويرية المتعد ََّدة. وأخذت بأساليب عدة مستمد ََّة من فنون العالم المتوسطي والعالم الـفـارسـي والـعـالـم الآســيــوي الأوســــط، غير أنــــهــــا عـــكـــســـت قـــــــدرة مـــثـــيـــرة فــــي الابـــتـــكـــار والقولبة والتجديد. من هنا بدت متأصلة في تقاليد قديمة، ومطبوعة بطابع محلِِّي خاص يُُعرف اليوم بالطابع الأُُموي. بـرز النقش التصويري بـقـو ََّة فـي هذا المــــيــــدان، واعـــتـــمـــد فـــي تــشــكــيلاتــه مختلف الـــعـــنـــاصـــر الــــحــــيــــوانــــيــــة، ومـــنـــهـــا الـــطـــيـــور والزواحف المتعد ِِّدة الأنواع والأشكال. ظهر الحصان في عـدد من هـذه القطع المهش ََّمة، وات ََّــــضــــح تــكــويــنــه الــفــنــي بــشــكــل كـــامـــل من خلال الدراسة المتأنية لهذه القطع الجزئية. حـــضـــر رأس هــــــذا الـــحـــصـــان فــــي قــطــعــتين مستقلتين، وحضر الجزء الأعلى من بدنه كذلك في قطعتين، وبدا من خلال هذه القطع أنـــه حــصــان مــســر ََّج ومـــــرو ََّض. فــي المـقـابـل، ظهر فـي قطع أخــرى حصان مـن نـوع آخـر، تـمـي ََّــز بــجــنــاحين كـبـيـريـن يــعــلــوان وسـطـه. وحضر هذا الحصان بشكل كامل في قطعة أُُعيد جمع أجزائها وفقا للتقنيات العلمية المتبعة، كما حضر بشكل جزئي في قطعة سقط قسم كبير من تكوينها الأصلي. وصــــــل رأس الــــحــــصــــان بـــشـــكـــل شـبـه كـــامـــل فـــي هـــــاتين الــقــطــعــتين المــســتــقــلــتين، اللتين جاءتا على شكل كتلتين حجريتين اعـــتـــمـــدتـــا الـــنـــقـــش الــــنــــاتــــئ، وقــــاربــــتــــا فـي صياغتهما الـنـحـت الــكــامــل. يــبــدو الـــرأس مــنــحــنــيا فــــي إحــــــدى هــــــاتين المـــنـــحـــوتـــتين، ََّــمــة بــشــكــل مـــتين، وتــظــهــر ملامـــحـــه المــجــس وتتكو ََّن من منخرين واسـعين، وفم مطبق عــــريــــض، وأذنين طـــويـــلـــتين مـنـتـصـبـتين، ي ـــــــتين ضـــــاعـــــت إحـــــداهـــــمـــــا، � وعــــــيــــــنين لـــــــوز وحـــافـــظـــت الأخــــــرى عــلــى تــكــويــنــهــا. يعلو الــــرأس شـعـر وثــيــر، يـأخـذ شـكـل شبكة من الخصل المتناغمة والمتوازية، التي تنسدل على رقبة طويلة مقو َّّسة، وتنقسم كتلتين مـعـاكـسـتين تـسـتـقـر ََّان عـلـى جـــبين مسط ََّح. يعلو هذا الرأس لجام عريض، مصنوع من الجلد، يُُثبََّت على رأس الحصان للتحكم في اتجاهه وسرعته أثناء الركوب. يتكو ََّن من شريط عمودي يستقر وسـط العينين، وشريط مشابه ينعقد حول الوجه، وتُُزيِِّن هـــذيـــن الـــشـــريـــطين ســلــســلــة مــــن الــحــلــقــات الدائرية المترابطة. كذلك يظهر شريط حول أعلى الرقبة، وآخر حول أسفلها، وتزي ِِّنهما شـبـكـة مـــن الــخــيــوط المـــجـــدولـــة. يــبــدو الـفـم مـــــكـــــب ََّلا بـــحـــلـــقـــة، تُُــــعــــرف بـــاســـم «الأنـــــفـــــة»، وتحيط بالخطم وفك الحصان لتمنعه من فتح فمه بشكل واسع. يــــظــــهــــر الـــــــــــرأس الـــــثـــــانـــــي فــــــي حـــركـــة المــــواجــــهــــة، وصـــيـــاغـــتـــه مــشــابــهــة إلـــــى حـــد التماثل. هنا وهناك، يحضر النقش الأنيق ويأخذ طابعا زخرفياً، يتجلََّى في تجسيم حــــــدود الملامـــــــــح، كـــمـــا فــــي تــشــكــيــل خـصـل الشعر المـنـسـدلـة، وتـــزيين شـرائـط اللجام. يخرج هـذا الحصان عـن النسق الروماني الـكلاسـيـكـي، ويـتـبـن ََّــى أســلــوبا يعكس أثـر الفن الساساني، ويظهر كذلك في القطعتين المستقلتين اللتين تجس ََّدان الجزء الأوسط من بدن الحصان. يظهر طرف الكاهل، وهو الـجـزء الــذي يعلو الكتفين مباشرة، ويُُعد أعـــلـــى نـقـطـة فـــي جــســم الـــحـــصـــان. تحضر مـــكـــو ِِّنـــات الـــجـــزء الأعـــلـــى مـــن الـــبـــدن بشكل كـــامـــل، وقــوامــهــا الـــصـــدر والــظــهــر والـبـطـن والكِِفََل والمؤخرة. أما القوائم فغائبة، ولم يـــبـــق مـنـهـا أي أثــــر للأســــــف. يـعـلـو الـظـهـر ســـــراج عـــريـــض ضــــاع الـــجـــزء الأكـــبـــر مـنـه، تزي ِِّنه حلََّة زخرفية، أنيقة ومرهفة. يحضر الـحـصـان المـجـن ََّــح داخـــل إطـار دائـــــــري عـــلـــى شـــكـــل إكـــلـــيـــل تــــحــــد ّّه سـلـسـلـة مــــن الـــحـــلـــقـــات المـــتـــجـــانـــســـة، ويـــظـــهـــر بــدنــه هـنـا بـشـكـل كــامــل، فــي حــركــة حــيــة. تـتـقـد ّّم القائمتان الأماميتان نحو الأعلى، وتتقدّّم القائمتان الخلفيتان بشكل معاكس. يتكر ّّر هذا التأليف في القطعة الأخرى التي ضاع جزء كبير منها، مما يوحي بأن القطعتين تتبعان طرازا واحدا جامعاً. للوهلة الأولــى، يعيد هـذا الكائن إلى الـــذاكـــرة الــحــصــان الــيــونــانــي الــــذي يُُــعـرف فـي قـامـوس الميثولوجيا اليونانية باسم «بـيـغـاسـوس»، غير أنـه فـي الـواقـع حصان آخـــر، يـعـود إلــى الـفـن الإيـــرانـــي، وشـواهـده الفنية كثيرة، منها قطع من النسيج تعود إلى العهد البيزنطي. يتبنّّى النقش الأمـــوي هــذا النموذج التشكيلي، ويعيد صياغته بشكل مبتكر في تكوين يغلب عليه طابع النحت. مجس ََّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا محمود الزيباوي ألهب بحضوره الطقوسي مخيلات الشعوب ورفدها بالملاحم وقصائد العشق أي نوع من الحب مج ّّدته الأساطير؟ شوقي بزيع تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة» صـــدر أخـــيـــرا عـــن «دار روافـــــد للنشر والـــتـــوزيـــع» بـــالـــقـــاهـــرة، روايـــــة «أيـــــام حي البوسطة»، للروائي السوداني مصطفى خــالــد مـصـطـفـى. الــــروايــــة ســبــق أن فـــازت وهـي مخطوطة بالمركز الأول في «جائزة الطيب صالح» للإبــداع الـروائـي. وتعتمد على تداخل الحكاية الشخصية بالذاكرة الـــجـــمـــاعـــيـــة؛ إذ يــســتــلــهــم الـــكـــاتـــب بـعـض شـــخـــصـــيـــاتـــهـــا وحـــكـــايـــاتـــهـــا مـــــن وقـــائـــع وأشخاص عرفهم، قبل أن يعيد تشكيلها داخل العمل الروائي. تـــدور «أيـــام حـي الـبـوسـطـة» فـي أحد الأحـيـاء القديمة بمدينة أم درمـــان، حيث تـــتـــقـــاطـــع حـــكـــايـــات ســـكـــانـــه مــــع تـــحـــولات المــجــتــمــع الــــســــودانــــي وتــفــاصــيـــل الــحــيــاة الـــــيـــــومـــــيـــــة. ومــــــــن خلال مــــجــــمــــوعــــة مــن الشخصيات، خصوصا النساء، تستعيد الــروايــة ذاكـــرة المـكـان والــعلاقــات العائلية والاجتماعية، وتكشف عما تخفيه البيوت من صراعات وآلام وأحلام مؤجلة. تتحرك الــروايــة بين أجـيـال مختلفة، وتتناول موضوعات مثل العنف الأبـوي، والــــــــــــــــزواج، والـــــــــــرض الــــنــــفــــســــي، وتـــفـــكـــك الــعلاقــات الأســريــة، فـي مـحـاولـة لفهم أثر البيئة الاجـتـمـاعـيـة فــي مـصـائـر أفــرادهــا. ولا يـــظـــل حــــي الـــبـــوســـطـــة مـــجـــرد خـلـفـيـة للأحــــــداث، بـــل يـتـحــول إلـــى فــضــاء يحمل ذاكرة شخصياته ويعكس التحولات التي مر بها المجتمع من حولهم. يـــــذكـــــر أن المــــــؤلــــــف مـــصـــطـــفـــى خـــالـــد مصطفى، طبيب وروائي سوداني، مواليد م، صـــدرت لــه ثلاثـــة أعـمـال 1998 أم درمــــان م)، 2020 أدبــــيــــة؛ «غــــــول ســلــيــمــة» (روايــــــــة م)، 2022 و«تـــــكـــــيّّـــــة الــــــبِِــــــجــــــاوي» (روايــــــــــــة و«الــــســــقــــف الــنــبــيــل للأحلام» (مــجــمــوعــة م). وفـــــاز بــجــائــزة الـطـيـب 2023 قـصـصـيـة م عــن روايـــة 2022 صـالـح للإبــــداع الـــروائـــي «أيــــــام حـــي الـــبـــوســـطـــة»، كــمــا فــــاز بـجـائـزة «بيت الغش ّّام» - دار عرب للترجمة الدولية- عـــن روايـــــة «هــــاه هـــــاه... كُُـــح كُُـــــح... نـجـوت م. وجــــائــــزة «نـــيـــرفـــانـــا» 2025 » بـــأعـــجـــوبـــة ّّــة «حـــرب شـــارع البهلوان» الأدبــيــة عـن قـص م. وحـــصـــل عـــلـــى مــنــحــة الـــصـــنـــدوق 2020 عن المجموعة 2023 العربي للثقافة والفنون القصصية «السقف النبيل للأحلام». ومـــــن أجـــــــواء الــــــروايــــــة، نــــقــــرأ: «فــــور دخــــولــــك مـــع شـــاديـــة بــــو ََّابــــة هــــذا المـشـفـى يتغيََّر وجهُُك وتحسين بثقل رهيب على صـــدرك، كـثـيـرون قـالـوا لأمــك إن المريضة فيكما هـي أنـــت ِِ، أصــحــاء ومـرضـى قالوا هـــذا الـــــكلام، لا تـحـبين قـضـاء الـكـثـيـر من الوقت في ردهات هذا المشفى. أحلك أيام حياتك هـي تلك الأيـــام الـتـي تـسـوء فيها حالة أمك كثيرا فترينها مبتهجة كثيرة الـــحـــركـــة ثــــرثــــارة فــتــضــطــريــن لـتـرقـيـدهـا والـــبـــقـــاء مــعــهــا لأيــــــام خــــصــــوصا إذا لـم ترافقكما جـدتـك. لا مشكلة إذا تـدهـورت حالتك النفسي ّّة ليوم أو اثنين، المهم عندك أن تـتـلـقـى أمــــك الــــــعلاج وتــبــقــى صـمـوتـة هــادئــة راقـــــدة عـلـى الــــــدوام. تـعـرفـت على حـــــالات كــثــيــرة مـشـابـهـة وغــيــر مشابهة لـحـالـتـهـا، كـــو ّّنـــت صـــداقـــات مـــع المـرضـى كثيري الــتــردد للمتابعة، أحـسـسـت أنـك قـــريـــبـــة مـــنـــهـــم وتــفــهــمــيــنــهــم جــــي ِِّــــدا كـمـا تفهمين طبيعة شادية، تعرفين أمراضهم جــــي ِِّــــدا وقــصــصــهــم الــخــلــفــي ََّــة لـــهـــا، كـلـهـا محزنة مشر ّّبة بالألم، كقص ََّة أمك تماماً». القاهرة: «الشرق الأوسط» المماهاة التامة بين وجهي الحب والخصب كما بين صورتي الموت والانبعاث لم تنحصر في ثقافة بعينها أو حيز جغرافي واحد أفروديتي
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky