هـنـاك فــتــرات فــي تــاريــخ الأمـــم والــشــعــوب، ومـن الأفــــــراد إلــــى الــعــالــم كــلــه، تــكــون ذات طـبـيـعـة حـرجـة يــغــيــب فــيــهــا الــــيــــقين حـــــول الأهــــــــداف الـــكـــبـــرى الــتــي تــرتــبــط بــالمــصــيــر والـــبـــقـــاء والـــعـــيـــش. فـــي مــثــل هــذه الأحـوال تكون فيها الحسابات بالغة الصعوبة؛ لأن المعلومات ليست كافية، ولأن النوايا كثيرا ما تختفي حقائقها، وهناك ارتجاج لدى القيادات التي يتعلق في عنقها المستقبل. المسألة تكون أكثر تعقيدا عندما تتعلق الأمـور المهمة بقرارات الحرب والــسلام، حيث تـتـواضـع نسب الأخــطــاء الممكنة والمـتـاحـة للغفران؛ ولا يبقى معها إلا أن نكون أو لا نكون. وفي الغالب، أنه لا يكون هناك وصول إلى هذه الحالة مكتملة إلا عندما يختلط فيها العالمي مع الإقليمي مع الوطني ومكانة قـادة وزعماء؛ هي باختصار حالة تاريخية تــــدوّّن وتـسـجـل وتـحـتـاج بـشـدة إلـــى كثير مــن الفكر والتفكير. الفكر يكون الوعي بكيف وصلنا إلى هذه الحالة صعبة التشخيص، وماهية الأسباب التي أتت بنا إلى لحظة فاصلة. والتفكير هو كيف نخرج من هـذا المأزق، وهـل يمكن أن تكون هناك استراتيجية كـبـرى للتعامل مـع واقـــع متغير ومختمر ولا تشبه فيه لحظة جارية ما سوف يأتي بعدها؛ وهل ستكون الاستراتيجية قائمة على الــــخلاص، أم أنـهـا سوف تكون مقدمة لأيام عظيمة مقبلة؟ الـــفـــقـــرة الــســابــقــة تـشـيـر إلــــى الأحـــــــوال الـحـالـيـة فــي منطقة الــشــرق الأوســــط والــتــي يمكن تسميتها للرصد والتحليل الحرب «الإيرانية» بفروعها كافة في الخليج العربي والبحر الأحمر، وعدوانها على الـــدول العربية فـي الخليج، ومضيقي «هـرمـز وبـاب المندب» اللذين ي ُُستخدمان في إرباك العالم اقتصاديا وسـيـاسـياً، وكـثـرة الـــسلاح فيها مـن الـصـواريـخ إلى الـــطـــائـــرات المـــســـي ََّـــرة الــتــي تــتــطــور بــســرعــة فـــي المـــدى والسرعة والكفاءة، وهو الذي يربطها بحرب أخرى فـــي أوروبــــــا مـسـرحـهـا الــرئــيــســي فـــي أوكـــرانـــيـــا ذات الــتــأثــيــر هـــي الأخـــــرى فـــي الاقـــتـــصـــاد الـــعـــالمـــي، حيث الطاقة وسلاسـل توريد المسيََّرات. ما يجعل التفكير مربكا هو سرعة الأحــداث والتغيرات السريعة التي تنقل إلى مراكز التفكير مربكات معقدة أو تسير في اتجاهات انقلابية للتاريخ والزمن. الأمثلة على ذلك تدفع إلى الأذهان ثلاث لحظات كثيفة الأحداث والنتائج. أولها، حالة أوروبا، وكانت تمثل مركز العالم بعد الـثـورة الفرنسية، والحروب 25 الـنـابـلـيـونـيـة فــي الـــقـــارة كـلـهـا. فــتــرة اقـتـربـت مــن عــــاما مـــن الأفـــكـــار الـــثـــائـــرة، والــــثــــورات فـــي الـصـنـاعـة والـتـكـنـولـوجـيـا، واســتــخــدام حـــاد لـلـقـوة العسكرية. وثــانــيــهــا، أعـــقـــاب الـــحـــربين الــعــالمــيــتين، حـيـث اخـتـل الـــــتـــــوازن الـــعـــالمـــي وخـــــــرج مــــن رحـــــم الأولــــــــى قـــوتـــان عـظـمـيـان: الـــولايـــات المـتـحـدة والاتـــحـــاد السوفياتي. كلتاهما لــم تـكـتـف بـإيـقـاف الــزحــف الــنــازي الألمانـــي والاقــتــحــام الإمـــبـــراطـــوري الــيــابــانــي، وإنــمــا وضعت تفكيرا عـالمـيا مـوضـع التطبيق، وجـــاء نـظـام «الأمــم المـــتـــحـــدة» مــبــشــرا بـــقـــدرة عــالمــيــة عــلــى تــقــديــم الــعــدل تعلو ا للجميع، ولكنه في الوقت نفسه حافظ على «ألّا عيون على الحاجب» عندما شكل مجلس الأمن وفيه خمسة أعضاء دائـمين لهم حق الاعتراض. وثالثها، كــانــت لـحـظـة انــتــهــاء الـــحـــرب الــــبــــاردة عــنــدمــا انــهــار الاتحاد السوفياتي وتابعوه، وأصبح العالم يعيش العولمة تحت قيادة الولايات المتحدة. هل نحن بني البشر نشهد العملية التاريخية التي تبدأ عــادة بحرب ضــروس غاشمة تكشف عن النظام القائم وعجزه عن ضبط التوازن اللازم للبقاء والحياة؟ ولا تنتهي إلا بعد أن تتغير موازين القوى والتحالفات المختلفة؛ وعندما تصل التكنولوجيا الــســائــدة فــي الــحــرب والـــــسلام إلـــى آفــــاق لــم تعرفها البشرية من قبل؟ الحقائق الماثلة أمام أعيننا هي أن قائدة النظام العالمي تحت قيادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تختلف كثيرا عن تلك التي عهدناها مـــن قـــبـــل، ســـــواء كــــان ذلــــك مـــع الأعـــــــداء أو الــحــلــفــاء. بشكل أو آخــر، فـإن الـولايـات المتحدة تـواجـه الكثير من المتغيرات التاريخية؛ وبعد الفخر بهجرة العالم إلــيــهــا، فـــإن قـضـايـا الــهــجــرة أصـبـحـت فـــي محاضر المحكمة الدستورية العليا! وبعد أن كانت العلاقات الأمـــيـــركـــيـــة - الــكــنــديــة يُُـــضـــرب بــهــا المـــثـــل فـــي دوام السلام بسبب «الاعتماد المتبادل»، فإنها الآن دخلت بالرسوم الجمركية مرحلة التوتر، وقدمت لتحذير واشنطن للاتحاد الأوروبـــي من ضم كندا لعضوية الاتحاد! الأمثلة الـثلاثـة السابقة لم تنته بــدوام الحرب، وإنـمـا حسمُُها عـن طريق تحالفات فيها الكثير من الـعـزم والـحـسـم؛ ولــم يكن ممكنا نهاية نابليون إلا من خلال «المنظومة الأوروبـيـة»- روسيا وبريطانيا وبروسيا والنمسا- لإنهاء الحرب وبعدها بمائة عام؛ فشلت «عـصـبـة الأمــــم» بسبب الانــســحــاب الأمـيـركـي رغم بيان ويلسون عن حق تقرير المصير. التحالف الأميركي - الروسي في الحرب العالمية الثانية أوقف الـــحـــروب الـعـالمـيـة بـعـد رؤيــــة المـــؤثـــرات الــنــوويــة في هيروشيما وناغازاكي. ولكننا الآن نقف على أبواب عصر آخر تدور فيه حرب أخرى ولكنها أكثر عجباً! إذ تــحــتــشــد وفــــــــود الــــــــدول الأعـــــضـــــاء فــــي هـــذا الأســـبـــوع للاجــتــمــاعــات الـسـيـاسـيـة رفـيـعـة المـسـتـوى للجمعية العامة للأمــم المتحدة بنيويورك، تتعالى النداءات بأن استنق ِِذوا العمل الدولي متعدد الأطراف مـمـا أصـــابـــه مـــن وهـــن فـــي مــؤســســاتــه، وتـــدهـــور في أدائه، وعجز في الثقة بين قياداته. ولا يعتقد إلا من تعطل به زمنه بـأن ما يسمى «الـنـظـام الـدولـي» مـا زال قـائـما على عـمـده، انـخـداعا بمظاهر لبقايا الحياة، كحال الجهات البيروقراطية المــتــهــالــكــة؛ يـحـسـبـهـا الــنــاظــر إلــيــهــا تــعــج بـالـنـشـاط بـــتـــدفـــق الـــــداخـــــلين إلـــيـــهـــا والـــــخـــــارجين مـــنـــهـــا، وهـــي فـي الـواقـع خـاويـة على عـروشـهـا، لا تحسم أمــرا ولا تنصف مظلوما ولا تردع ظالماً. وقـــد حــــذ ََّرت أصــــوات عـاقـلـة مـمـا صـــار إلـيـه هـذا الـــوضـــع، فـلـم يـسـتـمـع لـتـحـذيـرهـا أحــــد. وقـــد سيقت الحجج والآراء المدعومة بالمنطق والأدلـــة أن ما كان لم يعد 1945 يصلح باعتبار موازين القوى في عام صالحا بحال مع صعود قوى بازغة في شرق العالم وجنوبه، لـدول كانت مستضعفة أو مسلوبة الإرادة مع بدء عمل المنظمة الأممية. وقـــد اســتــدعــى الـــوضـــع الـــراهـــن بــــروز مـــبـــادرات للإصلاح، كـــان أحـدثـهـا مــا نـــوه عـنـهـا مــقــال نشرته سبتمبر (أيلول) 20 صحيفة «الفاينانشال تايمز» في الــــجــــاري، بـقـلـم رئــيــس الـــبـــرازيـــل إيــنــاســيــو لــــولا دي سيلفا، وأنتونيو كوستا رئيس المجلس الأوروبــي، وويـلـيـام روتـــو رئـيـس كينيا، ومــــارك كــارنــي رئيس وزراء كندا. يقول القادة الأربعة بأن اقتصاد العالم وتـجـارتـه وتـواصـلـه مـن خلال الإنـتـرنـت أصبح أكثر تـشـابـكا وتـــــداخلاًً؛ ولـكـن الــتــطــورات الجيوسياسية تـتـجـه إلـــى مـنـحـى آخـــر مــن الاســتــقــطــاب، واسـتـعـادة مفاهيم نطاقات القوى المتصارعة، وارتفاع الإنفاق تريليونات دولار، وتأجج 3 العسكري لما يقترب من دولة حول العالم 35 الصراعات المسلحة؛ إذ شهدتها سنة. يؤكد 80 على نحو غير مسبوق منذ أكثر من هذا أن النظام الدولي متعدد الأطـراف قد سقط، فلم يعد مُُــعـبِِّــرا عـن حقائق الـوضـع الــراهــن، ومــن أهمها تغي ُُّر موازين القوى. ولـكـن هــذا لا يعني أن الـحـاجـة إلــى نـظـام فعال وكفء للتعاون الدولي قد تبددت، فما يُُعرف بالسلع والمــنــافــع الــعــامــة الـعـالمـيـة فـــي طـــفـــرات مـــن الارتـــفـــاع. ومن أمثلتها ما ساقه القادة الأربعة من تفاقم لأزمة المـــنـــاخ، وتـــطـــورات الـــذكـــاء الاصــطــنــاعــي المـتـسـارعـة، ومـــهـــددات قــد تستجد لـجـوائـح وأوبـــئـــة، وصــدمــات مزلزلة قد تُُحدثها أزمات مالية؛ ناهيك بما طرأ على الـسـاحـة الـدولـيـة مــن مـخـاطـر تـتـعـرض لـهـا مـسـارات الملاحة الدولية؛ خصوصا عبر المضايق، على النحو المشهود في مضيق هرمز. وكلها من التحديات التي تنوء بحملها أي دولة منفردة. ولهذا دعا القادة الأربعة للمشاركة في مبادرة دولية جديدة تحت اسم «شركاء من أجل التعددية»، مـؤكـديـن أنـهـا ليست كتلة جــديــدة ولا بيروقراطية دولية جديدة، ولكن هدفها «إيجاد إطار مرن منفتح لدول من أقاليم مختلفة وتيارات سياسية متنوعة، على أن تكون على استعداد للعمل عبر الانقسامات القائمة، لتبني تحالفات من أجـل الإصلاح، وتتخذ إجراءات عملية على أسس من المبادئ المشتركة». وقد تعهد المبادرون الأربعة بأن تكون أولويتهم إصلاح الأمـــــم المـــتـــحـــدة، ومـــؤســـســـات دولـــيـــة أخــــرى، حــتــى يـجـعـلـوهـا أكـــثـــر «تـــمـــثـــيلا وشــرعــيــة وفـاعـلـيـة ومـــصـــداقـــيـــة». كــمــا يــســتــهــدفــون بـعـمـلـهـم الـتـنـسـيـق بين المـــنـــظـــمـــات الإقـــلـــيـــمـــيـــة والإســــــهــــــام فـــــي الــســلــم والأمــــن الـــدولـــيين، وتــحــسين الـحـوكـمـة الاقـتـصـاديـة، والاسـتـعـداد المشترك للتصدي للتحديات المتنوعة المــرتــبــطــة بـــالـــذكـــاء الاصـــطـــنـــاعـــي وتـــغـــيـــرات المـــنـــاخ، وغيرهما. وفـــــي هـــــذا كـــلـــه يـــؤكـــد أصــــحــــاب المـــــبـــــادرة عـلـى تمسكهم بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة التي اعتبروها غــيــر قــابــلــة لــلــتــفــاوض، ومــنــهــا المــــســــاواة بين الــــدول ذات الــســيــادة، وتـسـويـة المــنــازعــات سـلـمـياً، وحـقـوق الإنسان، والحريات الأساسية، والتنمية المستدامة. ولـكـنـهـم أكـــــدوا عـلـى ضـــــرورة إعـــــادة اكــتــشــاف مـزايـا الـــعـــمـــل الـــجـــمـــاعـــي، وألا تـــصـــبـــح المـــنـــافـــســـة مـــســـارا للمواجهة ولا للصراع. يـمـكـن اعــتــبــار هـــذه المـــبـــادرة مــنــدرجــة فــي إطــار مــن الـبـرامـجـيـة المـبـدئـيـة. فـهـي تتخلص مــن جدلية بائسة للاختيار بين بقايا نظام ما بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، أو التخلي عنه برمته، إلى ضرورة حــســم الاخـــتـــيـــار بين الاســـتـــمـــرار نــحــو الــســقــوط في هاوية الاستقطاب والتشرذم والصراعات بين القوى التقليدية والـــقـــوى الــبــازغــة، وبين تـجـديـد الـتـعـاون الدولي وتعزيز التمسك بالقانون والنظام في عالم متغير. إذا كان هذا كله يدور في إطار المستوى العالمي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، اتقاء لمزيد من شرور تدهور الـــعلاقـــات الـدولـيـة والانـــخـــراط فــي صـــراعـــات، فهناك مـسـتـويـات ثلاثــــة أخــــرى لا تـقـل أهــمــيــة؛ إذ تـــرى في المستوى الثاني إعــادة لاكتشاف المستوى الإقليمي بين نــــضــــج تــــجــــربــــة مـــجـــمـــوعـــة دول «الآســـــــيـــــــان»، ومحاولات إعادة تنظيم البيت الأوروبي، وطموحات جـامـحـة بـــآمـــال كـبـيـرة لأفـريـقـيـا عـكـسـتـهـا فـعـالـيـات منتدى «أفريقيا الـتـي لا يمكن إيقافها» الـتـي تركز على التجارة والاستثمار والمشاريع المبتكرة الناشئة في القارة السمراء. كــمــا أن هــنــاك فـــي المــســتــوى الــثــالــث مــراجــعــات عـلـى مـسـتـوى الـــدولـــة الــوطــنــيــة، فـيـمـا يـتـعـلـق بـــدور الحكومة ونشاط السوق، في إطار من تحليل لكفاءة المـــؤســـســـات والــتــنــســيــق بين الـــســـيـــاســـات، وإيـــجـــاد منظومة جــديــدة لـقـيـاس الأداء لا تـتـوقـف عـنـد نمو الناتج المحلي الإجمالي؛ بل تتجاوزه لمـؤشـرات عن التنمية البشرية والاجتماعية، والحفاظ على البيئة والــثــروة الطبيعية. وقــد أعـــدت الأمـــم المـتـحـدة إطــارا جديدا للمؤشرات يشبه لوحة مفاتيح السيارة في مـتـابـعـتـهـا لـسـرعـتـهـا وقــيــاســهــا لمـتـانـتـهـا وسلامــــة محركها، ولكنه يتطلب قـاعـدة بـيـانـات ومعلومات سخية محدثة. وأخـــيـــراً، وحـــتـــما لـيـس آخـــــراً، هــنــاك مـــا يتعلق بالمستوى المحلي الذي تبدأ فيه كل الرؤى والمشاريع وتنتهي عـنـده آثـــار كـل السياسات والمـــبـــادرات؛ وإن الأجـدى هو الحديث عن نهج يعكس أولويات عموم الناس وطموحاتهم بتوطين للتنمية المستدامة؛ وفي هذا تفاصيل يوضحها مقال قادم. الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel إن ََّنا نقف على أبواب عصر آخر عن التصدي للاختلالات في أربعة مستويات OPINION الرأي 15 Issue 17466 - العدد Wednesday - 2026/9/23 الأربعاء عبد المنعم سعيد محمود محيي الدين
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky