الثقافة CULTURE 17 Issue 17465 - العدد Tuesday - 2026/9/22 الثلاثاء مصارع المؤلفين لست هنا بصدد مصطلح «مـوت المؤلف» في النظرية النقدية، إنما سأقف على صيغة مختلفة لموت المؤلف تحمل رمزيتها الخاصة، وأحيل إلى حالات القراءات الأولى لأبناء جيلي فـي اكتشافاتنا لفعل الــقــراءة. فقد كنا نـقـرأ، فأغلفة الكتب تتصدرها عناوين الكتب وتحتها اسم المؤلف وسنة وفـاتـه. وقائمة كتبنا كلها كـانـت قـوائـم أمـــوات مـضـوا قبل قـــــرون، فـالـجـاحـظ والمـــبـــرد وابــــن جـنـي وشـــعـــراء الـجـاهـلـيـة وعـصـور الثقافة العربية الأولـــى هـم أمـــوات ونتعامل نحن مـع رهبة المــوت وجــال الفكر والأدب وكــأن الفكر والتأليف مشروطان بالموت وكلما أنجز أحدهم كتابا مات، كمن يكتب وصيته ويقرر مصير ميراثه. وقـد يمر الأمــر هـذا دون حاجة لملاحظة في غالب أمر جيلنا خاصة مع معرفتنا بمؤلفين أحياء مثل حمد الجاسر وطـــه حـسـن وكــذلــك كــتــاب الـصـحـف الــتــي كــانــت فــي زمننا المبكر، ومن ديدنها التركيز على مقالات الأدبـاء والكتابات الأدبية. ولذا نعي أنه ليس شرطا أن يكون المؤلف ميتاً. وفي المقابل فـإن الـهـوى يميل لتصور أن المـؤلـف الميت أعـظـم من الأحياء وأرقى مقاما وأصدق حجيةً. لـكـن الأمــــر عـنـد الأديـــــب عـلـي مـحـمـد الـعـمـيـر مختلف جـذريّــا عـن حالنا مـع المـؤلـفـن، فقد ولــد فـي قـريـة الجرادية فــي منطقة جــــازان، ودرس فــي المـعـهـد العلمي فــي صامطة فهو زميلي الدراسي في هذه المسألة مع فارق عشرين سنة في العمر وفـارق مكان المعهد ما بين صامطة وعنيزة، وقد بـدأ مع حلقات المشايخ وكذلك كنت مع حلقات الجامع مع مشائخي. وكـــان مغرما بـالـقـراءة فـي كتب الــتــراث أي كتب الأموات، وترسخ في ذهنه أن أي مؤلف هو بالضرورة ميتٌ، ولذا لم يحلم بأن يكون مؤلفا بما أن الموت شرط للتأليف. ولـكـن المـفـاجـأة جـــاءت حـن تـمـرد على المعهد العلمي كون المـعـهـد شـديـد الـتـراثـيـة وتــاقــت نفسه لطلب الـحـريـة فـغـادر قريته وذهب لمكة المكرمة في مطلع خمسينات القرن الماضي. وهـــنـــاك رأى حـــمـــزة شــحــاتــة ومــحــمــد حــســن زيــــــدان وهـمـا مؤلفان وفي الوقت ذاته حيان أمامه. وهنا وقعت الصدمة حيث لزمه أن يتأقلم مع تغير المعنى عنده. ولزمه أن يلغي العلاقة بين التأليف والمـوت، وتاقت نفسه أن يكون مثلهما حيا ومؤلفا وقد صار فعلاً. وقــبــل هـــذه الـقـصـة كــانــت لـــه قـصـة عـجـيـبـة مـــع قـــراءة الصحف وهـو طالب فتي فـي المعهد حيث وقعت يـده على عدد من جريدة «الـبـاد»، وهي أول جريدة يدخل معها في تجربة قـراءة الصحف بعد خبرة ثرية مع قـراءة الكتب، أي أنه دخل للجريدة بعقلية القارئ النهم للكتب، لكنه حين هم بقراءة الجريدة وجد نفسه في ورطة مع ذاك الذي بين يديه فالصفحة كبيرة أكبر من كل ما اعتاده في الكتب واختلطت عليه الأسطر، تلك التي لا تشبه أسطر صفحات الكتب، وهنا تـواجـه مـع كـتـابـات فـي صفحة مـوزعـة على أسـطـر قصيرة تشبه نـظـام الـشـعـر، لــذا تعامل معها على أنـهـا أشـطـر كما في الشعر، غير أنها تتوالى على وجه الصفحة أشطرا بعد أشـطـر، وتستمر الأشـطـر فـي تعاقب تفصله صـور فـي قلب الـصـفـحـة، مــع جـمـل كـبـيـرة لا يــعــرف أنــهــا عــنــاويــن لمــقــالات ولأخــبــار تحاصرها الأسـطـر المـتـوالـيـة مـن حولها وفوقها وتـحـتـهـا فــي إربــــاك بـصـري وذهــنــي أوقــعــه فــي حـيـرة كيف يـقـرأ وكـيـف يـربـط شـطـرا بشطر مما لا يـبـدو أنــه شـعـر ولا هو نثر كنثر صفحات الكتب إذ كـان ينطلق من شطر إلى الذي عن يساره في تعاقب أفقي وليس الذي تحته، مما يبتر الكلام ويتشتت الفهم. وهنا احتال لنفسه بحيلة من دهاء فتى قروي تورط مع لغة المدينة، فطلب من شخص أن يقرأ له الجريدة متظاهرا أنـه أمــي، وحـن شـرع الرجل بالقراءة بـصـوت مرتفع ويسير مـع الــقــراءة سـيـرا هينا دون توقف بين تنقلات الأشطر المتقابلة. هنا يكتشف العمير بهلوانية الكتابة المدنية أو الصحافية، فخطف الجريدة من يد الرجل، ليتفاجأ الرجل بأن هذا الأمي انطلق لسانه بمعجزة وصار يقرأ بأحسن من قراءته. وكيف لو علم الرجل ذاك أن صاحبه الأمـي مجازيا قد أصبح رئيسا لتحرير تلك الجريدة التي عجز عن فك سر قراءتها في مطالع أيامه. ذاك هو علي العمير الذي صرت أصفه بالخصم النبيل، ذاك لأنـــه عـــدو لـــدود لـلـحـداثـة والـحـداثـيــن. ولـــي مـعـه قصة طريفة، ذاك أني حين خرجت من أسوار الجامعة واشتبكت مع الميدان الثقافي المفتوح استقبلني أشد من استقبلني عبد الفتاح أبو مدين (رحمه الله)، وحذرني من الصدام مع ثلاثة مــن كـبـار الصحافيين مـشـهـوريـن بعنفهم حــن الاخــتــاف، وذكــر علي العمير واحـــدا منهم. ولـزمـت النصيحة بقناعة تامة بنزاهة رأي أبي مدين، غير أنني تفاجأت بعلي العمير يزورني في مكتبي في الجامعة بوجه رحب وانحياز لصفي في إحـدى المناوشات مع أكاديمي عزيز اختلفت معه حول القصيدة الحداثية وطالت المناقشة حتى أصبحت معركة. وجاء علي العمير لمكتبي ليعلن انتصاره لي، وسبب مجيئه أن المعركة أطربته وأثـارت شهية العراك عنده، فمال مع من رآه أشد صرامة في النقاش. ومــن تلك اللحظة صــار الـتـبـادل الثقافي بيني وبينه سويا والاختلاف أخويا رغم عنفه مع غيري من الحداثيين. ومـــن تـلـك الـواقـعـة صـــرت أصـفـه بالخصم الـنـبـيـل. وقـــد ظل نبيلا وراقــيــا ومــحــاورا محترما معي تـحـديـدا دون غيري، وتلك خلاصتي معه رحمه الله وضيفه جناته ورضوانه. عبد الله الغذامي هندسة الدعم والمناصرة وعزل الحداثة الشعريّة عندما تستأثر القصيدة العمودية بهوية الذات العربية ســـــواء كـــنـــت شـــاعـــرا تـــشـــارك فـــي المــهــرجــانــات الشعرية في العالم العربي، أو محبا للشعر يحلو لك حضور المناسبات الشعرية، فلن تجد صعوبة فــــي مـــاحـــظـــة مــــا يـــشـــبـــه الــهــيــمــنــة الـــعـــمـــوديـــة فـي التعاطي مـع الشعر فـي مهرجاناتنا، أو البرامج الإعلامية ذات الصلة بالأدب والشعر، أو في طبيعة الـــجـــوائـــز المـنـظـمـة لـلـتـشـجـيـع عــلــى هــــذه الـقـصـيـدة بالذات دون سواها. وللعلم، نحن هنا في قلب ماهية الشعر، بل في عمق كيفية بناء العلاقة مع الشعر. فالظاهرة ليست في وجــود القصيدة العمودية بقدر ما هي في حجم هـذا الـوجـود، وهـذا الحضور القائم على الاســـتـــحـــضـــار بـمـخـتـلـف الأدوات المــمــكــنــة؛ أي أن هيمنة هــذه القصيدة بــالــذات تسحب معها بُعدا مهما من أبعاد هيمنة الماضي، ناهيك عما تعنيه من احتفالية متعالية عن الضرورة النقدية للنسق الثقافي من بوابة الشعر. أما الرسالة الأشـد دلالـة فتكمن في أن ظاهرة عملية الإحياء الشعري المتكررة في العصر الحديث لــلــقــصــيــدة الــخــلــيــلــيــة، إنـــمـــا تـسـتـبـطـن مـقـاربـتـنـا لــلــشــعــري فـــي الـــزمـــن الـــراهـــن بــــــأدوات جـمـالـيـة من المـــاضـــي، مــمّــا يـكـشـف أيــضــا هــــذا الــقــبــول - ولـكـنـه مـــتـــردد واحــتــجــاجــي - لأدوات قــصــيــدة الـتـفـعـيـلـة بـعـض الــشــيء، وقـصـيـدة الـنـثـر بشكل شـبـه كـامـل. لذلك، فإن كُتّاب الشعر الحديث اليوم هم مناضلون يــســبــحــون ضـــد الـــتـــيـــار مــنــذ عـــقـــود طـــويـــلـــة؛ شعر يقاوم من أجل الوجود، ورغم أن من يكتبون الشعر الحديث كُثر، فإن ما يحظى به الشعر العمودي من اهتمام ودعم ومناصرة يجعل من الشعر الحديث جمالية أقليّات. تَعيش القصيدة العمودية الكلاسيكية اليوم عهدا ذهبيا متجدداً، بفضل هندسة دعم متكاملة تــجــمــع بــــن ضــــخ المـــيـــزانـــيـــات الـــضـــخـــمـــة وحـــداثـــة الـــوســـائـــط الـــرقـــمـــيـــة، مـــمـــا نـــجـــح فــــي تـــحـــويـــل هـــذا الفن التراثي النخبوي إلـى ممارسة تفاعلية حيّة تستهوي الأجــيــال الـنـاشـئـة، وتـتـجـاوز الميزانيات الـسـنـويـة المـــرصـــودة لإحــيــاء وتـكـريـس هـــذا النمط حــاجــز عــشــرات المــايــن مــن الــــــدولارات فــي المشهد الـــثـــقـــافـــي الـــعـــربـــي؛ وهـــــو اســـتـــثـــمـــار مـــعـــلّـــل بـرغـبـة مـؤسـسـاتـيـة صـريـحـة فـــي صــــون الــهــويــة الـقـومـيـة الــتــاريــخــيــة، وحــمــايــتــهــا مـــن عـــواصـــف الــتــحــولات الأدبـــيـــة المـــعـــاصـــرة، وعـــلـــى رأس هــــذه الــعــواصــف: قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر. ويتجلى هذا الدعم المالي بالأرقام في الجوائز والإنــتــاجــات الـكـبـرى؛ حـيـث تمنح بـعـض الـجـوائـز مكافآت نقدية مباشرة تفوق مئات آلاف الدولارات في كل دورة، منها أكثر من مائة ألف دولار لصاحب المركز الأول. ولم تقتصر محاولات تكريس البحور الخليلية هنا حكرا على المجالس المغلقة الرافضة لــــأدوات الـشـعـريـة الـحـديـثـة فــي كـتـابـة الـشـعـر، بل انتقلت إلى الفضاء الرقمي بفضل ميزانيات إنتاج تلفزيوني ضخمة تبلغ ملايين الـــدولارات، نجحت فــي جـــذب الـجـمـهـور الـنـاشـئ وتحقيق جماهيرية لـلـشـاعـر الــــذي يـكـتـب الـشـعـر الــعــمــودي ويـتـنـافـس حوله. وفي السياق ذاته، تُرصد هذه الجوائز، إلى جانب عدد لافت من المؤسسات، ميزانيات سنوية لــتــكــريــم الــبــنــيــة الــقــديــمــة لــلــقــصــيــدة الـكـاسـيـكـيـة الفصيحة، إضافة إلى دعم وتمويل طباعة الدواوين التقليدية وعقد الملتقيات الدولية في شأنها. هذا الزخم المالي واكبه تطور تقني بارز؛ حيث تـــم رصــــد مــيــزانــيــات حـكـومـيـة لـتـطـويـر تطبيقات ذكية متخصصة تعمل كـأدوات عروضية متطورة تُــعـنـى بضبط الأوزان والــقــوافــي وتنبيه الـشـعـراء الــشــبــاب لمـــواضـــع الــكــســر الـــعـــروضـــي بــدقــة فـائـقـة. علاوة على ذلك، أسهمت المنصات الرقمية في خلق فضاءات تفاعلية مخصصة لتدريب وصقل مواهب الناشئة؛ فمن خلال الورش الافتراضية والتدريبية المفتوحة، نجحت هذه الأدوات في تبسيط المفاهيم المــعــقــدة لـعـلـم الـــعـــروض والــبــيــان الــعــربــي. إن هـذا التمازج الفريد بين الجوائز التقديرية والتطبيقات التكنولوجية يؤكد هذا الدعم اللامتناهي من أجل نـجـاح مــجــهــودات إعــــادة إحــيــاء الـشـعـر الـعـمـودي، وتــمــكــيــنــه مـــن الـــصـــمـــود والامـــــتـــــداد داخـــــل الــوعــي الرقمي المعاصر، بوصفه هوية بصرية وجمالية متجددة ترتكز على بنية مالية صلبة ومستدامة تضمن تفوقها واستمرارها، واستمرار هيمنتها على شعر التفعيلة وقـصـيـدة الـنـثـر. إنّــهـا معادلة صـعـبـة بـــن قــصــيــدة تـتـمـتـع بـــالاعـــتـــراف والـــدعـــم، وقــصــيــدة تـفـتـقـد إلــــى الاعــــتــــراف، ومـــنـــظـــورا إلـيـهـا ناقصة الشرعية والشعرية. إننا في وضع شعري يــمــكــن تــوصــيــفــه بـــديـــكـــتـــاتـــوريـــة نـــظـــام الــقــصــيــدة العمودية. ذلك أنه لو كان الشعر القديم والحديث يحظيان معا بالاهتمام والدعم نفسيهما أو بشكل متقارب لتلاشى المشكل من أصله ولظفرنا بمشهد ثري إنتاجا وتلقياً. هنالك نـزاع صامت وخفي ينتصر للقصيدة العمودية، ولا يكاد يعترف إلا بالقصيدة العمودية ومــا سـواهـا مـن منتجات الغَيرية المــهــدِّدة للهوية الـعـربـيـة فـــي مـفـهـومـهـا الـــواســـع الـــعـــام. ومـــن المـهـم التذكير بأن من أربعينات القرن الماضي ومحاولات إحياء الشعر العربي القديم متواصلة؛ تهدأ فترة ثـــم تــعــود حــيــث عــــرف الــشــعــر الــعــربــي فـــي الـعـصـر الـحـديـث مـــدارس وتــيــارات واتـجـاهـات عـــدّة ظهرت بشكل متعاقب منذ بداية عصر النهضة في الفضاء العربي الإسـامـي. لذلك، فـإن عصر النهضة يمثل تـاريـخـا مفصليا فــي تــاريــخ الـشـعـر الـعـربـي ككل، وعاملا مهما في انبثاق النهضة الأدبية في العصر الحديث، خصوصا أنه بعد عصور ازدهــار الشعر العربي، التي تعود إلى الشعر الجاهلي وصولا إلى الشعر الـعـبـاسـي، شـهـدت الـحـيـاة الأدبــيــة العربية نوعا من الخمول والضعف، أصــاب اللغة العربية والكتابة الشعرية والنثرية، ومــس كذلك ميولات الثقافة الشعبية التي كانت تجنح إلـى الإنتاجات الهزلية والخرافية، الشيء الـذي مثّل بــدوره سببا أســاســيــا مـــن أســـبـــاب ظـــهـــور الـنـهـضـة الأدبـــيـــة في القرن التاسع عشر، وأكّد الحاجة إليها؛ إذ النهضة مـــدلـــولـــيـــا تــشــيــر إلـــــى حـــالـــة مــــن الـــتـــعـــارض مــــع مـا سبق، وإلـى طموح تجاوز حالة الوهن الحضاري وملامحه الدالة عليه كافة. وهكذا يتضح لنا أن كل مقاربة للشعر العربي فــــي الـــعـــصـــر الــــحــــديــــث، وبـــشـــكـــل خـــــاص تـــلـــك الــتــي اهتمت بالمدارس الشعرية الأولـى وتحديدا مدرسة الإحياء والبعث، إنما هي بالضرورة مقاربة تتنزل فـي جـزء مـن تحليلها ومـن استنتاجاتها فـي إطـار عصر النهضة؛ باعتبار أن عوامل النهضة الأدبية العربية تساعدنا على فهم طبيعة الخطاب الشعري الإحيائي، وعلى تفسير مضامينه وخياراته الفنية الجمالية وتأويلها. فشأن الشعر، من منظور بنيوي وظيفي ماكرو-سوسيولوجي كشأن سائر مجالات الإبداع كافة، فهو نتاج ظروف تاريخية واجتماعية فــي أحـــد أهـــم وجــوهــه، وذلـــك مــن منطلق أن الشعر جزء من الفعل الاجتماعي وأحد الحقول الاجتماعية المــهــمــة، ويــخــضــع فـــي إنــتــاجــه وتـلـقـيـه إلــــى عملية مركبة من التواصلية والتفاعلية. بمعنى آخر، فإنه )؛ لا Pierre Macherey( كما أبــرز ذلـك بيير مـاشـري ينبغي التعامل مع المنتج الأدبــي الإبـداعـي كما لو كـان منغلقا على نفسه، متمركزا فيها، ولا يرتبط بأي شيء خارجه. فهو - أي الخلق الثقافي الإبداعي - وفــق مـا ذهــب إلـيـه لـوسـيـان غـولـدمـان، نـتـاج ذات جماعية، ويحمل في باطنه رسائل ومعاني كاشفة عن طبيعة ما يسميه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو «نسق الإحالات المشتركة» للذات الجماعية. إذاً، ظهرت في العصر الحديث مدارس شعرية عربية متعددة، افتتحتها مدرسة الإحياء والبعث، ثـــم جـــــاءت جــمــاعــة «الــــــديــــــوان»، وتــــولــــدت المـــدرســـة الــرومــنــطــيــقــيــة، وذلـــــك فـــي بـــدايـــة الـــقـــرن الـعـشـريـن مــتــأثــرة بــرمــوز الـرومـنـطـقـيـة فــي الآداب الفرنسية والإنجليزية. وبعدها عرف الشعر العربي جماعة «أبـــولـــو»، وأيـضـا مـا سُــمـي «أدب المـهـجـر»، وصــولا إلى مدرسة الواقعية في الأدب، ويليها ظهور حركة الشعر الحر أو قصيدة التفعيلة، ثم قصيدة النثر مــن الـسـبـعـيـنـات مــن الــقــرن المـــاضـــي، الــتــي انطلقت بـأعـام ذوي مـواهـب مجيدة ونـظـرة نقدية كرّست أحد أهم شروط الحداثة في الثقافة العربية. ومــــــن المــــاحــــظــــات الـــخـــاطـــفـــة الــــتــــي نــســوقــهــا بشكل عاجل، أن اقتران التجديد الشعري مع نازك المـــائـــكـــة وبـــــدر شـــاكـــر الـــســـيـــاب أظـــهـــر خـصـوصـيـة البيئة العراقية الشعرية في هـذا الـنـزوع للتجديد والــتــجــريــب، الــــذي تـــواصـــل إلـــى الـــيـــوم؛ حـيـث نجد حـالـة مــن الانـفـتـاح الـجـمـالـي فــريــدة مــن نـوعـهـا من الناحيتين: على مستوى الإنتاج الإبـداعـي، وأيضا التلقي. ولعل هـذا الكم من المــدارس والاتجاهات الذي شـهـده الـشـعـر الـعـربـي فــي الـعـصـر الـحـديـث يكشف بدقة ووضوح عن حالة من الحراك الشعري، من أهم مظاهرها وعناوينها استعادة قوية لمكانة الشعر فـــي الـثـقـافـة والـــحـــضـــارة الـعـربـيـتـن، واسـتـنـهـاض لوظيفة الشعر عند العرب وتلبية لحاجة اجتماعية وثقافية ملحة للشعر، بوصفه مجالا من مجالات النهضة وأحد أبرز مضامينها ومسوغاتها. ولكن علاقة العرب بالشعر ظلت في الغالب سكونية في ارتباطها بالقصيدة العمودية؛ إذ نلحظ أن النزعة الإحــيــائــيــة تـظـهـر ثـــم تـخـفـت قـلـيـا ولــكــن لا تغيب أبداً، الشيء الذي يعني أننا أمام مظهر من مظاهر الـهـويـة الـتـي تــمــارس الانــكــفـاء مــن خـــال القصيدة الــعــمــوديــة والـــتـــي تـشـغـل مــقــام مـــقـــوِّم مـــن مـقـومـات الهوية العربية. في المقابل، يُعاني الشعر الحديث والمعاصر - بشكل أقل بكثير شعر التفعيلة وبشكل أكبر قصيدة النثر - من غياب شبه تام للدعم المؤسساتي المنظم، وضآلة الاعتراف الرسمي بِمُنْجَزِه الجمالي (طبعا باستثناء بعض القامات الشعرية التي استطاعت الإقـــنـــاع بـالـشـعـر الـــحـــديـــث، واســتــغــلــت جــيــدا فـتـرة الــركــود «الــعــمــودي» الـظـرفـي الـتـي تحصل دائــمــا)، مقارنة بالحفاوة التي تحظى بها الأنماط التقليدية. فرغم أن الحداثة الشعرية تمثل الوجه الأكثر تعبيرا عـن حيوية الإنــســان المـعـاصـر وتـحـولاتـه النفسية، فإنها لا تـزال تُدفع بعيدا نحو الهامش والمبادرات الــفــرديــة. ولا يــكــاد يُــرصــد لــهــذا الـنـمـط الـتـجـديـدي ميزانيات تُــذكـر، ولا تـوجـد تطبيقات ذكـيـة ممولة حكوميا تُعنى بجماليات البناء البصري والتدوير الـحـداثـي، مما يـتـرك المـوهـبـة الـشـابـة المـعـاصـرة في عزلة رقمية وتواصلية رغم ما نراه من تهافت على كتابته والطريقة ذات الأثر العكسي التي يغزو بها وســـائـــل الــتــواصــل الاجــتــمــاعــي وهــــذا فـــي حـــد ذاتـــه موضوع جدير بالاهتمام. بدر شاكر السياب آمال موسى نازك الملائكة «عروس قونيا»... مونتاج سردي يعبر ثمانية قرون تـــتـــحـــرك الـــكـــاتـــبـــة الـــلـــبـــنـــانـــيـــة رشــــــا مــخــتــار دنـدشـلـي فــي روايــتــهــا «عــــروس قـونـيـا - محاكمة شمس التبريزي» بين زمنين تفصل بينهما ثمانية قـــرون؛ زمــن بطلة بيروتية مـعـاصـرة تعاني أزمـة نفسية، وزمـن كيميا خـاتـون، الطفلة التي عاشت في قونيا خلال القرن الثالث عشر، وظلت سيرتها عالقة في المنطقة الغامضة من العلاقة بين جلال الدين الرومي وشمس التبريزي. غير أن الــروايــة الــصــادرة عـن «دار الـفـارابـي» بـبـيـروت لا تنظر إلــى الـزمـن بوصفه خطا يفصل الماضي عن الحاضر؛ إذ يتداخل العالمان تدريجيا داخـــل وعــي البطلة، لتصبح الــحــدود بـن الـذاكـرة والـتـخـيـيـل، وبـــن الـتـجـربـة النفسية والاســتــدعــاء الميتافيزيقي، أكثر التباساً. وهكذا تتحول القرون الثمانية الفاصلة بين البطلتين إلى مساحة سردية تتقاطع داخلها ذاكرتان وطفولتان، وتستعيد من خلالها «كيميا» صوتا غيّبته الحكاية الأشهر عن الرومي وشمس التبريزي. يـــفـــتـــح الـــــســـــرد أمــــــــام الـــبـــطـــلـــة بـــــوابـــــة زمــنــيــة تستعيد عـبـرهـا حـيـاة «كـيـمـيـا الـقـديـمـة»، فتبدو كأنها «عاشت آلامها من قبل»، ويقود هذا المسار الرواية إلى منطقة ميتافيزيقية تتداخل فيها أفكار الـتـقـمـص والــتــزامــن والـــذاكـــرة الـجـمـعـيـة والأكــــوان المتوازية، وهي أفكار تستعيدها البطلة وتناقشها فـــي حـــــوار مـتـصـل مـــع جـــدهـــا المــنــحــدر مـــن أصـــول صوفية. كـــمـــا يـــبـــدو اخـــتـــيـــار الـــكـــاتـــبـــة لــعــمــل بـطـلـتـهـا المـعـاصـرة فــي مـونـتـاج الأفــــام الـوثـائـقـيـة مفتاحا فنيا لبنية الـــروايـــة نفسها؛ إذ يتفعّل «المـونـتـاج الــســردي» على امـتـداد العمل بـن زمـنـن ومكانين وذاكــرتــن، وتـدخـل المشاهد المتباعدة فـي علاقات جـــديـــدة، بـحـيـث تــضــيء كــل لـقـطـة مــا يـقـابـلـهـا في الزمن الآخـر. وتعيد الرواية تركيب شـذرات سيرة كيميا داخل وعي امـرأة معاصرة، فتغدو الحكاية الــقــديــمــة مـــــرآة لأزمــــــات الـــحـــاضـــر. ويــصــبــح عمل البطلة في المونتاج أكثر من مجرد تفصيلة مهنية؛ إذ ينسجم مـع طبيعة وعيها الـــذي يجمع صـورا وأصـواتـا وأزمـنـة متناثرة، ويعيد تركيبها داخل سردية واحدة. ولا يقتصر التوازي بين البطلتين على حمل الألـــم أو الإحــســاس بالتخلي، بـل يمتد إلــى جـراح الـطـفـولـة نـفـسـهـا؛ فـكـلـتـاهـمـا تـــواجـــه عــالمــا صنعه الكبار، ثم تركوا الطفلة تتحمل نتائجه. تبعات الزلزال تــخــلــق الــــروايــــة بــعــض ومــضــاتــهــا الــســرديــة الأبــرز من خـال التقابل بين أحــداث تفصل بينها قرون، لكنها تتجاور داخل ذهن البطلة، ففي أحد مـشـاهـد الـــروايـــة يـتـزامـن زلــــزال قـونـيـا، الــــذي عــدّه بعض أهلها لعنة إلهية حلت بهم بسبب إيذائهم شمس التبريزي، مـع تـوابـع زلـــزال ضــرب بيروت، وأعـــــادت حــولــه بـعـض الأصـــــوات المــعــاصــرة إنـتـاج التفسير الغيبي نفسه، بوصفه عقابا أو لعنة. ولا تتوقف هذه المقابلة عند تشابه حادثتين، بقدر ما تكشف استمرار العقل الجمعي في إنتاج تفسيراته نفسها، رغم تغير الأزمنة، فبينما يهتز المكانان، يبدأ الزمن نفسه في الاهتزاز داخل وعي البطلة؛ فتتجاور قونيا وبيروت، ويختلط الزلزال التاريخي بتوابعه المعاصرة، كما لو أن الحدثين يقعان في اللحظة نفسها. تـنـجـح الــكــاتــبــة فـــي مــنــح زمــــن قــونــيــا كـثـافـة مـحـسـوسـة؛ فــا يـظـهـر الــقــرن الـثـالـث عـشـر مجرد خلفية تاريخية، وإنما عالما تجري معايشته عبر تـفـاصـيـل الــبــيــوت والأفــنــيــة والمـــــــدارس والأســـــواق والمــــابــــس والـــطـــعـــام ومـــجـــالـــس الــعــلــم والـــســـمـــاع. وتــتــيــح هــــذه الــتــفــاصــيــل لـــلـــقـــارئ أن يـــدخـــل بيت الـــرومـــي، ويــــرى نــافــورتــه وشــجــرة الــدلــب وحـبـات التفاح المتدلية مـن أغصانها، ويتابع التحوّلات الــــتــــي أحــــدثــــهــــا حــــضــــور شــــمــــس الــــتــــبــــريــــزي فــي البيت والمـديـنـة مـعـا. وتستعين دنـدشـلـي بـالمـادة الـــتـــاريـــخـــيـــة المــــتــــاحــــة، فـــــي مـــقـــدمـــتـــهـــا «مـــنـــاقـــب الـــعـــارفـــن» لأحــمــد الأفــــاكــــي، أحــــد أبــــرز المــراجــع الـقـديـمـة عــن ســيــرة الـــرومـــي وشــمــس الـتـبـريـزي، لكنها لا تتعامل مع تلك المــادة بوصفها حقيقة نهائية. فالفراغات والتناقضات المحيطة بمصير كيميا تصبح المساحة التي يدخل منها الخيال الـــــروائـــــي لإعـــــــادة تـــركـــيـــب الـــحـــكـــايـــة مــــن مـنـظـور الشخصية التي ظلت طويلا على هامشها. القاهرة: منى أبو النصر النص الكامل على الموقع الإلكتروني النص الكامل على الموقع الإلكتروني
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky