يدخل القارئ العالم التخييلي الذي أبدعته مارغريت أتوود في «البينيلوبياد، » ليجد نفسه في مواجهة مع المألوف 2005 وغير المألوف، مع ما لم يشاهده في الأفلام المبنية على أوديـسـة هوميروس وآخرها ،»2026 فيلم كريستوفر نولان «الأوديسة أو لم يقرأه في أي فصل من فصولها، أو مــع مـثـل مــا يـقـع عـلـيـه بــصــره فــي الفصل الــخــامــس والــعــشــريــن عـلـى سـبـيـل المــثــال: «قررت أن أجعله يذوق طعم الانتظار؛ أما أنـــا فـقـد انـتـظـرت انـتـظـارا طــــويلا بـمـا فيه الكفاية. وأيضا لأنني أحتاج بعض الوقت كي أخفي مشاعري الحقيقية التي أثارها الشنق المحزن لخادماتي الشابات الاثنتي عــشــرة... لــذا لما دلـفـت إلــى الـقـاعـة ولمحته جالسا هناك، لم أنبس بكلمة. ولم يفوّّت تيليماخوس الفرصة لتوبيخي لأنني لم أكـتـرث لاستقبال أبيه بـــدفء كـــاف... الأب والابـن يتََّحدان ضــدي... ديكان يسيطران على حظيرة دجاج». مذبحة الخ ُُط ّّاب والخادمات تــــلــــك كـــــانـــــت بـــيـــنـــيـــلـــوبـــي، دون أي شــــكــــل مــــــن أشــــــكــــــال الـــــتـــــوســـــط الـــــســـــردي بينها والـــقـــارئ، تحكي عــن مجيئها إلـى القاعة بعد أن أيقظتها الخادمة العجوز يوريكليا، لتخبرها أن المتسول العجوز ذا المـلـبـس الـبـالـي هــو أوديــســيــوس، وأنــه ُُـــط ّّـــاب كــلــهــم، ولــــم يكتف قــضــى عــلــى الـــخ بذلك؛ بل أمر تليماخوس بقتل خادماتها الاثنتي عـشـرة وأولـهـن المفضلة ميلانثو ذات الخدود الجميلة، وأنهما، الأب وابنه، يـنـتـظـرانـهـا فـــي الـــقـــاعـــة بــعــد أن نظفتها ــــــن مـنـهـا الـجـثـث والـــدمـــاء ل � الـــخـــادمـــات وأز قبل أن يعلق تليماخوس أعناقهن بحبل المشنقة. لكن مـا لا تعرفه يوريكليا، ويتفوق عـــلـــيـــهـــا الـــــقـــــارئ بـــمـــعـــرفـــتـــه فـــيـــمـــا يـشـكـل )، هـو أن dramatic irony( مـفـارقـة درامــيــة نــظــرات بينيلوبي انـسـربـت خلال نسيج أسمال المتسول العجوز لتكتشف حقيقته وهــويــتــه. لـكـنـهـا فـضـلـت الـتـظـاهـر بأنها لم تتعرف عليه: «حــالما رأيـت ذلـك الصدر الذي كالبرميل، وتلك الساقين القصيرتين، راودنـي شك عميق، سرعان ما تحول إلى يقين عندما سمعت أنه كسر عنق متسو ّّل عــــدوانــــي... وأخـفـيـت أنــنــي عــرفــت مخافة أن يـشـكـل اعــتــرافــي خــطــرا عــلــيــه». تخفي بــيــنــيــلــوبــي الــحــقــيــقــة عــــن أوديــــســــيــــوس؛ لأنها لم ترد حرمانه من فرصة للافتخار بقدرته ومهارته على التنكر. فمن الحماقة دائــــماً، تـقـول: «أن تــقــف... امـــرأة بين رجـل وانــعــكــاس ذكـــائـــه». ومـــن المــؤكــد أن يــدرك القارئ أن بينيلوبي تتساوى مع زوجها وابنها في السيطرة على المشهد المسرود فـــــي الاقــــتــــبــــاس فـــــي بـــــدايـــــة المــــقــــالــــة. فـــــإذا كــــان الأب والابـــــن مـسـيـطـريـن فـــي المــوقــف الـــذي استرجعته مــن ذاكـرتـهـا مــن العالم التخييلي فـي «الأوديـــســـة»، فإنها، وعلى الـنـقـيـض مـنـهـمـا، تـمـسـك بـــزمـــام الهيمنة عـلـى مـسـتـوى الـخـطـاب لـكـونـهـا الــســاردة والمـبـئـرة فـي «البينيلوبياد»، أو بتعبير آخـــر، الــســارد الأول، ومـــن مـنـظـورهـا يـرى ويـــســـمـــع ويـــلـــمـــس الـــــقـــــارئ كــــل الأحـــــــداث والأشــــيــــاء والــشــخــصــيــات الأخـــــــرى. وفــي المــــشــــهــــد الـــــســـــابـــــق، يــــظــــهــــر الأب وابــــنــــه صامتين؛ لأنها لم تمنحهما فرصة للكلام، حتى ولـو عبََرها بوصفها وسـيـطاً. إنها تقدم تمثيلاًً/صورة لهما، وهما مجردان مـن الـقـدرة على تمثيل نفسيهما. وليس لــديــهــمــا وســيــلــة لـــدفـــع تــهــمــة اتــحــادهــمــا ضدها. لقد فرضت عليهما حالة الخرس. وهذا ما يجعل تمثيلها لهما عرضة للشك فــي مـوثـوقـيـتـه؛ إذ لا يتضمن المـشـهـد ما يـــوحـــي بــاتــحــادهــمــا أو تــآمــرهــمــا عليها ســـوى وقـوفـهـمـا بـجـانـب بـعـض ينتظران قـــدومـــهـــا لـــتـــشـــاهـــد المــــكــــان وقــــــد خلا مـن الخ ُُط ّّاب. صوت الخادمات المقتولات تُُـــــقََـــــي ِِّـــــد أتــــــــــوود هـــيـــمـــنـــة بــيــنــيــلــوبــي الــــخــــطــــابــــيــــة بـــمـــنـــح صـــــــــوت لــــلــــخــــادمــــات ََـــــات فــــي الـــبـــدايـــة ََّـــــش تا والمُُـــــه ََـــــم ّل ْْــــــت ََــــــغ ََا الم ُُــــــس والمــشــنــوقــات فـــي الــنــهــايــة؛ الـــصــوت الـــذي ح ُُر ِِْمَْن منه عبر التاريخ في كل الحكايات التي ن ُُس ِِجت وتمحورت حول أوديسيوس، الـــشـــفـــاهـــيـــة مـــنـــهـــا والمــــكــــتــــوبــــة والمـــرئـــيـــة والمـــســـمـــوعـــة، بـــيـــد أنـــــه الــــصــــوت الـــواحـــد المعبر عـن الـكـل، صــوت الـجـوقـة المستعار مـن المـسـرح الإغـريـقـي. فالخطاب السردي فـي الـروايــة يتشكل مـن حكاية/مونولوغ بينيلوبي، ومـن حكاية الخادمات مروية مـــــن وجــــهــــة نــــظــــرهــــن. تــــقــــول أتــــــــــوود فــي تقديمها للرواية: «اخترت أن أُُسند حكي الــقــصــة إلــــى بـيـنـيـلـوبـي وإلــــى الــخــادمــات ُُـــنِِـــقـــن. وتـشـكـل الاثـــنـــتـــي عـــشـــرة اللاتــــــي ش الخادمات جوقة تُُنشد وتغني، وتتمحور حـــول ســــؤالين لا بــد أن يـطـرحـا نفسيهما بـعـد أي قـــــراءة مـتـأنـيـة لــــ(الأوديــــســــة): ما الـذي أدى إلى شنق الخادمات؟ وما الذي كــانــت بينيلوبي تفعله حــــقاً؟ إن القصة كما رُُويت في (الأوديسة) لا تبدو مقنعة؛ فهناك الكثير من التناقضات. لطالما ظلّّت الـخـادمـات المشنوقات يــطــارْدَْن مخيلتي؛ وفـــي «الـبـيـنـيـلـوبـيـاد» تـــطـــارد بينيلوبي نفسها أيضاً». الـــجـــوقـــة صــــوت يـــأتـــي مـــن الــهــامــش، ومــن وظـائـفـه تعرية التمييز الطبقي في عـــالـــم الأوديـــــســـــة الــتــخــيــيــلــي، وفـــــي عــالــم البينيلوبياد أيضاً؛ فالسبب الأول لقتلهن شنقا هو نزعة بينيلوبي المكافيللية، فهن في نظرها ل ْس َْن سوى خادمات مست ََْع َْبَدات تــســتــغــلــهــن وتـــســـتـــخـــدمـــهـــن فـــــي تـحـقـيـق غاياتها، بغض النظر عما قد يتعرضن له من ضرر وأذى. فمن أجل معرفة ما يدور ََّــاب ومـــا يـخـطـطـون لـــه، تعترف ُُــط بين الــخ بـــيـــنـــيـــلـــوبـــي وهــــــي تـــــــروي حـــكـــايـــتـــهـــا مـن العالم السفلي بعد موتها بأنها شجعت ُُـــط ّّـــاب، خـــادمـــاتـــهـــا عـــلـــى الاخــــــــتلاط بـــالـــخ والتقرب منهم، والتودد إليهم ومغازلتهم: «لا بـــــأس»، قــلــت لــهــن: «عـلـيـكـن الـتـظـاهـر بالوقوع في حب هؤلاء الرجال. فإذا ظنّّوا أنــكــن قـــد انــضــمــمتن إلــــى صــفّّــهــم، فـسـوف يبوحون بأسرارهم، وسنعرف خططهم. إنها إحدى الطرق لخدمة سي ِِّدكن، سيكون مسرورا جدا منكن عندما يعود...». ََــر المــفــارقــة أن سـيـدهـن الـعـائـد لــم يُُــس بــفــعــلــهــن، بــــل ســــــاءه وأغـــضـــبـــه مــــا سـمـع عنهن، لذلك لم يتردد لحظة في التخلص مـــنـــهـــن بـــالـــقـــتـــل، مـــــســـــاويا بــــذلــــك بين مـن اغ ْْــــــتُُــــــصبن ومــــــن وقــــعــــن فـــــي غـــــــرام بـعـض ْْــــلــــم ْْــــن أجــــســــادهــــن إلــيــهــم. ُُــــط ّّــــاب فََــــأََس الــــخ واللافـت أنهن لم يقتلن بسبب الاغتصاب أو نومهن طواعية مع الخ ُُط ّّاب، إنما لأنهن لم يستأذِِن من أوديسيوس نفسه. فوفقا Xenia( لــقــانــون زيــــوس أو قـــانـــون زيـنـيـا )، مــن طـقـوس الـضـيـافـة الـتـرفـيـه عن Law الضيف، ومـن أنــواع الترفيه نـوم الضيف مع إحـدى الخادمات، خاصة في القصور والبيوت الكبيرة شـرط موافقة المضيف. وهذا ما لم يحدث في حالة نوم الخادمات ُُــط ّّــاب الـذيـن كـانـوا يـعـدون ضيوفا مـع الـخ رغـــــم انــتــهــاكــهــم آداب الـــضـــيـــافـــة وواجـــــب احترام المضيف حتى في غيابه. باروديا ما بعد حداثية «البينيلوبياد» إعــــادة كـتـابـة نقدية مضادة لــ«الأوديـسـة»، باروديا (محاكاة) مــــا بــعــد حـــداثـــيـــة مـــعـــاصـــرة. تــقــلــب فـيـهـا مــارغــريــت أتـــــوود نـــص هــومــيــروس رأسا على عقب، تفككه وتعيد بناءه، مستعينة بـــمـــصـــادر أخـــــرى لــلــحــكــايــات والأســـاطـــيـــر اليونانية مثل كتاب «الأساطير الإغريقية» لــــــروبرت غريفز. * كاتب وناقد سعودي الثقافة CULTURE 18 Issue 17464 - العدد Monday - 2026/9/21 الاثنين فاضل السلطاني إيمان أبو غزالة تستلهم بطل «اللص والكلاب» في روايتها أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران» تــنــســج روايــــــــة «الـــبـــحـــث عــــن سـعـيـد مـهـران»، للروائية المصرية الشابة إيمان أبـــو غـــزالـــة، مـنـذ عــنــوانــهــا، علاقــــة نصية وطيدة مع روايــة نجيب محفوظ «اللص والكلاب»، إذ تعيد بطل الرواية المحفوظية إلى واجهة روايتها، ويتأكد هذا الحضور فـــي الــجــمــلــة الــتــصــديــريــة لـــلـــروايـــة، الـتـي تـقـول: «لــن أنـسـى الماضـــي لسبب بسيط، هـــو أنـــه حــاضــر - لا مــــاض - فـــي نفسي» المقتبسة كذلك من رواية محفوظ نفسها. هـذه الجملة التي يمكن فهمها بوصفها تعبيرا عـن أبـطـال الـــروايـــة، وأثـــر الماضــي الــذي يظل يمارس حضوره في نفوسهم ويـــوجـــه اخــتــيــاراتــهــم. كـمـا يـمـكـن فهمها بوصفها تعب ِِّر عن الروائية، التي تتعاطى مــــع مــــــــوروث الـــــروايـــــة الـــعـــربـــيـــة بــوصــفــه حاضرا وفاعلا في مخيلتها، وفي بنائها لشخصياتها، فهي ليست منبتة عن هذا الموروث، الحاضر دوما في نفسها. الـروايـة صـدرت في القاهرة عن «دار المـــــحـــــرر»، وتــــبــــدأ مــــن نــقــطــة تــمــثــل ذروة الأحــــــداث، بـمـا تـحـمـلـه مـــن قـــدر كـبـيـر من الغرائبية، فأول جملة في النََّص الروائي لها أهميتها الاستثنائية هنا، فهي التي ســـتـــوجـــه مـــســـار الأحــــــــداث كـــلـــهـــا، وتـفـتـح مـــــخـــــزون الـــــذكـــــريـــــات لــــــدى كـــــل شـــخـــوص الرواية: «ت ُُقسم دميانة بالمسيح الحي أنها رأت سعيدا يخرج من قبره كمُُخلِِّص عاد من الموت ووجد قيامته، رسمت الصليب على صدرها، وأعادت القََسم، مؤكدة أنها لا تـكـذب». فالمحكي عنه هنا هـو «سعيد الرفاعي مـهـران»، بطل الــروايــة، والمحكي لهما - عبر مكالمة هاتفية - هما ابنه، الذي يحمل اسم «سعيد» أيضاً، وابنته «نور»، ومََن تحكي هذا الحدث وتبلغهما به هي أمهما «حكيمة»، التي تطلب من ابنها أن يعود هو وأخته من العاصمة ليبحثا عن جثة أبيهما، والتوثق مـن حقيقة خـروج الجثة من قبرها، خصوصا بعد أن وجد أهل القرية القبر مفتوحا بالفعل، ولا جثة فيه. خـــــروج الــجــثــة مـــن قــبــرهــا اســتــعــارة كبرى لعودة الماضي الذي يتوهم الجميع مـوتـه، وانكشاف الـنـدوب والـجـروح التي ََّـــم أصــحــابــهــا أنـــهـــا انـــدمـــلـــت، لكنها تـــوه حية وموجعة تحت جلودهم، وجميعهم يـنـزفـون داخــلــيا فـي صـمـت. هــذا الـخـروج المــتــخــيــل لــلــجــثــة، الــــــذي يـــقـــع فــــي الـــوقـــت الحالي، يدفع الأحداث زمنيا إلى الماضي، فرغم أن عودة الابنين إلى القرية للبحث، لــم تـسـتـغـرق فـعـلـيا ســـوى أيــــام عــــدة، فـإن تداعي الذكريات يعود بالزمن إلى حقبة الـــســـتـــيـــنـــات، إلـــــى أصـــــل الــــنــــدوب وســبــب الـلـعـنـة الــتــي حــلــت بـالـعـائـلـة وأجــيــالــهــا، وتـــاريـــخ حــيــاة صــاحــب الـجـثـة «سـعـيـد»، وعلاقـــــتـــــه بـــأبـــيـــه مـــــن جــــهــــة، ثـــــم علاقـــتـــه بابنه سعيد وابنته نـور من جهة أخـرى. وتعود الرواية إلى جذور الأزمة الضاغطة عـلـى الـجـمـيـع، حين رُُزق الــــفلاح البسيط «الرفاعي مهران» بمولود ذكر، كان يتمناه بعد إنـجـاب أكـثـر مـن فـتـاة، وعـنـدمـا جاء هـذا الابـن أراد له الأب اسـما مميزاً، وكان قد رأى فيلم «اللص والـــكلاب»، وتعاطف مــع بطله المـظـلـوم «سـعـيـد مـــهـــران»، فـقـر ََّر أن يطلق على ابـنـه اســم «سـعـيـد»، محبة في ذلك البطل المعذب، وإنصافا رمزيا له، لكنه بـهـذا الـتََّــصـرُُّف العفوي أصـــاب ابنه بلعنة الشخصية واســمــهــا، فـصـار بطل الــروايــة المحفوظية شـبـحا يـطـارد البطل الــحــديــث مــنــذ طــفــولــتــه، وتــنــمــر الـجـمـيـع عليه، واتهام زملاء الدراسة وأبناء القرية له بأنه سيكون لصا مثل سميّّه الروائي. تـــبـــرز فــــي الـــــروايـــــة فـــكـــرة الأشــــبــــاح، وفـــــق مــفــهــومــهــا الــتــفــكــيــكــي لـــــدى الــنــاقــد والفيلسوف الفرنسي، جاك ديريدا، بشكل شديد الإلـحـاح، بـل إنها أشـبـاح عــدة، كل منها يضغط على الآخر ويوجهه. لـقـد أصــبــح الـبـطـل «سـعـيـد الـرفـاعـي مـــــهـــــران» مـــســـكـــونا بــشــبــح بـــطـــل «الـــلـــص والـــــــــكلاب»، خـــصـــوصا بــعــدمــا كــبــر وقـــرأ الـــروايـــة، وأصــبــح نــاقــما عـلـى أبــيــه، الــذي جعله عرضة للتنمر والنبذ، لمجرد رغبة ذلك الأب في اختيار اسم موسيقي مميز، فتحو ََّل إلى ناقم على الأب والأم والعالم، ويـريـد الانـتـقـام مـن أبـيـه، متخذا الطريق نفسه للبطل المحفوظي فـي الانـتـقـام من ظالميه، حتى لو بـدا أنـه يحارب طـواحين الـهـواء، فقرر أن يقضي على أراضــي أبيه الزراعية، فكان على النقيض من أبيه الذي كان يعشق الزرع واللون الأخضر، فاقتلع الزرع وعمل على تبوير الأرض هـــذا الـبـطـل المأزوم، المـحـكـوم بشبح بطل الـروايـة المحفوظية، وبمنطق الكيد لأبـــيـــه والانـــتـــقـــام مـــنـــه، قــضــى شــبــابــه في صـــــالات الــقــمــار وبـــيـــوت المــتــعــة، واخـــتـــار الغانية «حكيمة»، وتزوجها سرا دون علم أبـيـه، وأنـجـب منها فتاة أسماها «نــور»، وذهـــــب لأبـــيـــه فـــي أواخــــــر أيـــامـــه وفـــاجـــأه بزواجه هذا، وأخبره متحدياً: «أردتني أن أكــون (سعيد مـهـران) وهـا أنـا أسير على خطاه لأكون (سعيد مهران) في كل شيء، وقد بحثت عن غانية اسمها (نور) لأحقق كـــل مـــا دار فـــي مـخـيـلـتـك، لـكـنـنـي لـــم أجــد واحدة تحمل الاسم نفسه، فاخترت غانية تحمل أي اسم، لكنني عوضت الاسم بأن أطــلــقــت عــلــى ابــنــتــي الـطـفـلـة اســــم (نــــور)، علها تعيد مسيرة بطلة الرواية والفيلم». وبـعـد سـنـوات أنـجـب طـــفلاًً، فأسماه «ســعــيــد» أيــــضاً، ليعيد المأســـــاة نفسها، فهو لم يكتف بالانتقام من أبيه، بل ينتقم من ابنه وابنته. الابن والابنة، سعيد ونور، بدورهما عـــاشـــا مـــحـــكـــومََين بـشـبـح أبــيــهــمــا نصف المــجــنــون وأمــهــمــا الـغـانـيـة الـسـابـقـة. هـذا الأب، نــصــف الــــــجلاد ونـــصـــف الـضـحـيـة، الذي عاش متخبطا ومنتقما من الجميع، عــامــل طـفـلـيـه بـعـنـف طـيـلـة طفولتيهما، وكـــان يحبسهما لأيـــام فـي غــرف مظلمة، بــــل إنـــــه زو ََّج ابـــنـــتـــه «نـــــــور» مــــن صـديـقـه وزمـــيـــلـــه فــــي الأمــــاكــــن المـــشـــبـــوهـــة، نـظـيـر شراكة معه في بناء مصنع، فعاش الابن والابـنـة بمخزون مـن الكراهية تجاه هذا الأب الـسـادي، وظــل شبحا يؤرقهما رغم مغادرتهما القرية للأبـد؛ الابنة بالزواج، والابن بالهرب والعمل بعيداً. كـــان نـبـأ خــــروج الـجـثـة مــن قـبـرهـا، واضــطــرار الابــن والابـنـة للعودة للقرية شيئا مفزعا لهما، ينكأ جروح الماضي، فــــــــــالأب شــــبــــح يـــــرفـــــض الــــــــــــوت، ويـــظـــل يطاردهما رغـم موته منذ سـنـوات، ولم يعد فقط حاضرا بأثره السلبي عليهما، بل أصبح حاضرا بجثته الهائمة التي يـبـحـثـان عـنـهـا لـيـعـيـدا دفــنــهــا، لعلهما يـــدفـــنـــان كــــل أثــــــر لــــهــــذا الـــبـــطـــل المــــعــــذ ََّب والـــــــعـــــــذ ِِّب، ودفــــــــن الـــلـــعـــنـــة الــــتــــي حـلـت بالعائلة ونسلها وامتدادها، ورغبة في إنهاء هـذه الـدائـرة من الانتقام العبثي، من تدمير الذات والآخر، من إعادة إنتاج الــقــهــر، ولـــعـــل فـــي هــــذا الـــتـــوالـــد لأنـظـمـة القهر اسـتـعـارة رمـزيـة لأزمـــات الإنـسـان الـعـربـي، الـــذي يعيد إنـتـاج أزمــاتــه، هذا الإنــــســــان لا بـــد أن يــنــتــهــي، ربـــمـــا لـذلـك نفهم معنى ألا ينجب «سعيد» أو «نور» بعد سنوات من زواجهما، ونفهم أيضا مــعــنــى أن يـــجـــدوا الــجــثــة أخـــيـــرا راقـــــدة فـي فـــراش الأب الأول «الــرفــاعــي»، بحثا عـن سكينة ومصالحة مـع الماضــــي، مع الـجـد الــــفلاح الـبـسـيـط، فــي حين أن أهـل القرية في حالة مسكونة بـ«الدروشة»، يستعدون لبناء ضـريـح لـدفـن جثة مََن عد ّّوه وليا عاد من الموت. عمر شهريار دعاء أعدني للكتاب لاخضرار يدي ِِكلما لامست ورقة. أعدني إلى الراقدين على الرف ُُعل ّّي أتشرب شيئا ُُمن مداد يسيل حين يزحف ضوء أو يبرق رعدُُ. أعدني لعيني ِِتسفح الضوء فوق الحروف على المتن والهامش أعدني لتلك السلاسل، طينيةًً، رمليةًً، صخريةًً، ولا تغلق الحرف دوني. ُُأعدني لمكتبة النهر أقرأ أسماء موتاه مفروشة على الماء مثل النجوم، لمكتبة الطير ِِأقرأ ما حمل الريش قدني إلى مدخل البرج ّّأبسط يديّّ، أعن قدمي لأصعد للبرج حيث كتاب أبي... ِِ أمام النهر قلت: أمضي إلى النهر علّّي أنسى شبح البيت، يطرق كل مساء على الصدرِِ... عل القوارب تأخذني إلى آخر النهر حيث السماء تتلألأ فوق المياه، لذاك الضياءِِ، موسيقاه تعزف فوق الضفاف. قمر جديد سيهبط فوق الشجر ويولد ليل جديد. أتوحد والماءََ، ًًيصعد نحو السماء قطرة ًً...قطرة ..... القوارب تمضي بدوني، ربما إلى البحرِِ، وأنا أرقب النهرََ... كان نهرا غريبا. كأني بيت قديم ُُكأنّّي بيت قديم ًأرمّّم أحجاره ِِحجراً... حجرا كلما مرّّت الريح بين أركانه وأسد الثقوب ُُثم تنضح ماء ُُكلما استدرت سئمت -لا أبا لكوأنا أراني أبدّّل عضوا فعضوا ِِوالذين أحب مضوا ًكل لبيت غريب ُُوقد كنت - أذكرُُ- بيتا ُُكلما بهم ضاق يتسع ًثم أني تعبت من الحلم أن أبصر الحلم يوما ماشيا في الشوارعِِ، وهو يختال مرتديا ثيابي، يتقافز فوق النوافذ، ناضحا ما يشاء من اللون فوق الرؤوس فتقوم المدينة ُُمن النوم بيضاء ما مسها ضررُُ. ثم أني مني تعبت ومن شبحي وأنا أنتظر وقت غارته الأبدية عند منتصف الليل ِِ... كل ليلِِ. مارغريت أتوود تقلب نص هوميروس رأسا على عقب «البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي *د. مبارك الخالدي مارغريت أتوود غلاف البينيلوبياد ت ُُق ََي ِِّد أتوود هيمنة بينيلوبي الخطابية بمنح صوت للخادمات ا توالمُُهََم ََّش ََات الم ُُس ْْت ََغ ََل ّا في البداية والمشنوقات في النهاية النص الكامل على الموقع الإلكتروني
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky