issue17464

لم تعد الأموال التي يرسلها المهاجرون إلى أسرهم مجرد تحويلات لتغطية نفقات المــعــيــشــة. فــفــي كـثـيـر مـــن الـــــدول المنخفضة والمتوسطة الـدخـل، تحوّّلت هــذه التدفقات إلـــى شبكة أمـــان مـالـيـة للأســـر فــي مواجهة الأزمـــــــات، ومـــصـــدرا للادخــــــار والاســتــثــمــار، وقناة تمتد آثارها إلى الاقتصادات الريفية والأسواق المحلية. وبلغت الـتـحـويلات المالـيـة إلـى البلدان مليار 728.6 المنخفضة والمتوسطة الـدخـل فــي المائـــة 94 ، بـــزيـــادة 2025 دولار فــي عـــام ، لـتـصـبـح أكـــبـــر مـــن الاســتــثــمــار 2016 مــنــذ الأجنبي المباشر في هذه البلدان، وأكثر من أربعة أضعاف المساعدة الإنمائية الرسمية العالمية خلال العام نفسه، وفق أحدث تقرير للصندوق الدولي للتنمية الزراعية «إيفاد». لـكـن ضـخـامـة هـــذه الــتــدفــقــات لا تعني أن وصولها إلـى الأســر أصبح أكثر سهولة بالضرورة. فمع تشدد العقوبات ومتطلبات الامـتـثـال المالـــي فـي بعض الأســــواق، تواجه قنوات التحويلات تحديا مـزدوجاً: الحفاظ على سلامة النظام المالي من جهة، وضمان استمرار تدفق الأمــوال المشروعة إلى الأسر بأقل تكلفة ممكنة من جهة أخرى. وقال رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية، ألـفـارو لاريــو، لـ«الشرق الأوسـط» إن الـتـحـدي الأبــــرز لـلـعـقـوبـات الاقـتـصـاديـة الأميركية، من منظور التحويلات والشمول المالـــــــي، يـتـمـثـل فـــي «الـــحـــفـــاظ عــلــى قــنــوات آمنة ومنخفضة التكلفة وتتسم بالشفافية للتحويلات الأسرية المشروعة»، مع الالتزام بالعقوبات ومتطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وأضاف أن أهمية الوصول إلى القنوات المالــيــة الـخـاضـعـة لـلـرقـابـة تــــزداد فــي الـــدول الـهـشـة والمــتــأثــرة بــالــنــزاعــات، حـيـث تعتمد أســـــر كـــثـــيـــرة عـــلـــى الأمـــــــــوال الــــتــــي يــرســلــهــا أقاربها المقيمون في الخارج. العقوبات و«تخفيف المخاطر» وأوضــــــــح لاريـــــــو أن تـــأثـــيـــر الـــعـــقـــوبـــات فــي تـدفـقـات الــتــحــويلات يختلف بـاخـتلاف الـدولـة وطبيعة العقوبات والقنوات المالية المستخدمة، مشيرا إلــى أن القلق لا يتعلق بـــالـــعـــقـــوبـــات وحــــدهــــا، بــــل أيــــــضا بـــــرد فـعـل المؤسسات المالية تجاه المخاطر التنظيمية والامتثالية والسمعة. وقال إن حتى الحالات التي يُُسمح فيها بـالـتـحـويلات الشخصية قــد تشهد تـشـددا من المؤسسات المالية في معالجة المعاملات المـــرتـــبـــطـــة بـــــــدول مـــعـــيـــنـــة، فـــيـــمـــا قــــد تــــؤدي القيود على علاقــات المراسلة المصرفية إلى صعوبات أمــام شـركـات تحويل الأمـــوال في الحفاظ على الخدمات المصرفية. ويحذر لاريو من نتيجة أخرى محتملة؛ إذ إن جـــعـــل الــــقــــنــــوات الـــرســـمـــيـــة شـــديـــدة الصعوبة أو مرتفعة التكلفة أو غير متاحة قــد يـدفـع بـعـض المـــعـــاملات إلـــى قــنــوات غير رسمية، بما يقلل مستوى الشفافية وحماية المستهلك بدلا من تعزيزهما. شبكة أمان في أوقات النزاعات وتبرز أهمية هذه القنوات بصورة أكبر فـــي الـــشـــرق الأوســـــــط، حــيــث تــعــانــي بعض الدول من نزاعات ممتدة وأزمات اقتصادية. وقـــــال لاريـــــو إن الـــتـــحـــويلات أصـبـحـت فـــي الــعــديــد مـــن الـــــدول المــتــأثــرة بـالـنـزاعـات والأزمـــــــات الاقـــتـــصـــاديـــة «مـــصـــدرا جـــوهـــريا لـصـمـود الأســــــر»، إذ غـــالـــبا مـــا يــكــون أفــــراد الأســــــــرة المـــقـــيـــمـــون فــــي الـــــخـــــارج مــــن أوائـــــل مـــن يـــقـــدمـــون الـــدعـــم عــنــدمــا تـتـعـطـل فــرص العمل والخدمات العامة وشبكات الحماية الاجتماعية والاقتصادات المحلية. ولا تـقـتـصـر أهــمــيــة الـــتـــحـــويلات على انتظام تدفقها، بل تكمن أيـضا في قدرتها عــــلــــى الاســـــتـــــجـــــابـــــة الــــســــريــــعــــة لــــلــــظــــروف. فالمهاجرون قـد يـزيـدون وتـيـرة التحويلات أو يغيرون قيمتها وفق احتياجات أسرهم، مــمــا يــجــعــل هــــذه الأمــــــــوال، بــحــســب لاريــــو، بمثابة خط دفاع أول في مواجهة الصدمات. وفــــــي ســــــوريــــــا، أظــــهــــر تـــحـــلـــيـــل لـلـبـنـك الـدولـي أن تلقي التحويلات الدولية ارتبط 12 بـانـخـفـاض مــعــدل الـفـقـر المـــدقـــع بــمــقــدار نقطة مئوية، وانخفاض معدل الفقر العام نــقــاط مــئــويــة، بـحـسـب مـــا أورده 8 بــمــقــدار لاريـــــو. وفــــي لــبــنــان، أصــبــحــت الــتــحــويلات بــــدورهــــا صـــمـــام أمــــــان اقــــتــــصــــاديا مــتــزايــد الأهمية للأسر في ظل الأزمة الممتدة. غـــيـــر أن الــــقــــدرة عـــلـــى إرســـــــال الأمــــــوال لا تــكــفــي. فـــالأســـر تــحــتــاج إلــــى بـنـيـة مـالـيـة قــادرة على استقبالها واستخدامها، وهي نقطة تصبح أكـثـر تعقيدا أثـنـاء الـنـزاعـات، عندما تتضرر البنية التحتية المالية، وتقل السيولة والنقد، ويتسع النزوح، وتتراجع قدرة السكان على التنقل، أو تتعطل أنظمة الدفع وينسحب مقدمو الخدمات المالية. مليار شخص مرتبطون بالتحويلات 1.1 وتكشف أرقـام «إيفاد» حجم الاقتصاد الاجتماعي الذي تقف خلفه هذه التدفقات. مليون مهاجر وأفراد 220 فالتقرير يقدّّر أن مــلــيــار من 1.1 مـــن الــشــتــات يــدعــمــون نــحــو أقـاربـهـم، بما يعني أن نحو شخص واحـد مـــن كـــل ســتــة أشـــخـــاص فـــي الـــعـــالـــم مـرتـبـط بالتحويلات المالية. ، ارتفعت التدفقات بنسبة 2016 ومنذ فـــــي المائــــــــــة، مــــتــــجــــاوزة نـــمـــو الـــســـكـــان 94 والهجرة من البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. ولا تــــذهــــب هـــــــذه الأمــــــــــــوال إلـــــــى المـــــدن وحدها. فنحو دولار من كل ثلاثـة دولارات يرسلها المـهـاجـرون إلـى أوطـانـهـم، أي نحو مليار دولار، يصل إلــى مناطق ريفية 233 غالبا ما تعاني ضعف فرص العمل الرسمية والخدمات المالية والبنية التحتية. ويقدر «إيـفـاد» أن الأســر المستفيدة من مليار دولار 22 الـتـحـويلات تستثمر نحو سـنـويا فـي نظم الأغــذيــة الـزراعـيـة الريفية، بــمــا يـــدعـــم الإنــــتــــاج الـــــزراعـــــي والمـــؤســـســـات الريفية وفرص العمل. وقال لاريو إن أثر هذه الأموال «يتجاوز الأســــــر المـــســـتـــفـــيـــدة» إلـــــى الأعـــــمـــــال المـحـلـيـة والـــوظـــائـــف والــنــظــم الـــغـــذائـــيـــة، مــضــيــفا أن التحويلات يمكن أن تمثل بالنسبة لملايين الأســـر الـريـفـيـة نقطة الـبـدايـة نـحـو الادخـــار والتأمين والحصول على ائتمان مناسب. التحويلات تدخل العصر الرقمي ويــــتــــغــــيــــر شـــــكـــــل ســـــــــوق الـــــتـــــحـــــويلات بـالـتـوازي مـع نمو قيمتها. ويـقـدر «إيـفـاد» أن أكثر من نصف التحويلات تبدأ الآن عبر قـنـاة رقـمـيـة، وهــو تـحـول سـاعـد فـي خفض تكاليف الإرسال وجعل العملية أسرع وأكثر سهولة. لــكــن الــتــحــول الــرقــمــي لـــم يـكـتـمـل بــعــد؛ إذ فــي المائــــة مــن الـخـدمـات التي 35 لــم تـكـن ســـوى رقـمـيـة بـالـكـامـل من 2025 شملها الـقـيـاس فــي جانب ََي الإرسال والاستقبال، بينما لا يزال النقد وسيلة شائعة في العديد من ممرات التحويل. ويــــرى الــتــقــريــر أن الــخــطــوة الــتــالــيــة لا تتعلق بالرقمنة وحــدهــا، بـل بـقـدرة الأسـر عــــلــــى اســـــتـــــخـــــدام الــــنــــظــــام المالــــــــــي بــــصــــورة أوســــع. ولــذلــك يـدعـو الـحـكـومـات والـجـهـات الـتـنـظـيـمـيـة والمـــؤســـســـات المالــــيــــة وشـــركـــاء الـتـنـمـيـة إلـــى خـفـض تـكـالـيـف الــتــحــويلات، وزيـــــادة الـشـفـافـيـة، وتــحــسين الــخــدمــات في المــنــاطــق الــريــفــيــة، وتــعــزيــز الـــقـــدرات المالــيــة والرقمية، وتوسيع الوصول إلـى المدخرات والتأمين والائتمان والاستثمار. آسيا تتصدر وأفريقيا تتسارع وتـــظـــل آســـيـــا والمـــحـــيـــط الــــهــــادئ مــركــز الاقـــتـــصـــاد الـــعـــالمـــي لـــلـــتـــحـــويلات، إذ تلقت فـــي المائــــــة من 53 مــلــيــار دولار، أي 384.9 إجمالي التدفقات التي يغطيها التقرير على مدى عشر سنوات. ََّــلـت أمـيـركـا اللاتـيـنـيـة والكاريبي وسـج أسرع نمو خلال العقد، مع ارتفاع التحويلات مليار 168.6 في المائة إلى 132 إليها بنسبة 86 دولار، بينما زادت التدفقات إلى أفريقيا مليار دولار. 124.2 في المائة إلى وتعكس هــذه الأرقـــام تـفـاوتا كبيرا في اعتماد الاقـتـصـادات على أمـــوال المغتربين؛ 10 بلدا تمثل الـتـحـويلات أكثر مـن 23 ففي في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، بينما تـــتـــجـــاوز قــيــمــتــهــا فــــي تـــســـع دول إجــمــالــي صادرات السلع والخدمات. وبـالـنـسـبـة لـــ«إيـــفـــاد»، فـــإن تـعـظـيـم أثـر هـذه التدفقات لا يعني تحويلها إلـى بديل عن الاستثمار العام أو الحماية الاجتماعية أو تــمــويــل الــعــمــل المـــنـــاخـــي، بـــل بـــنـــاء بيئة مالية تسمح للأسر باستخدام الأموال التي تصلها بصورة أكثر أمانا وكفاءة، وتحويل جــــزء مـنـهـا مـــن أداة لـتـغـطـيـة الاحــتــيــاجــات الـعـاجـلـة إلـــى وسـيـلـة للادخــــار والاسـتـثـمـار وبناء القدرة على الصمود. اقتصاد 15 Issue 17464 - العدد Monday - 2026/9/21 الاثنين ECONOMY بلغت التحويلات المالية إلى البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل مليار دولار 728.6 2025 في عام إن تشديد القيود المالية يرفع تكلفة إرسال الأموال ويحد من وصولها قال لـ رئيس «إيفاد»: العقوبات أكبر تحد لقنوات التحويلات رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية ألفارو لاريو (الشرق الأوسط) الرياض: فتح الرحمن يوسف عجز الفصول الدراسية أعـلـنـت مـنـظـمـة الــتــعــاون الاقـــتـــصـــادي والـتـنـمـيـة هـذا الــشــهــر نــتــائــج اخـــتـــبـــارهـــا الــــدولــــي «بــــيــــزا»، الـــــذي تقيس بـــه دوريا مـــا يــعــرفــه طلاب الــخــامــســة عــشــرة فـــي الـــقـــراءة والرياضيات والعلوم. وقد شارك في هذه الدورة أكثر من بلداً، فكانت عيّّنة هـذه الـــدورة هي 91 ألـف طالب من 700 الأوسع منذ انطلاق الاختبار قبل ربع قرن. ولكن النتيجة كانت الأسوأ أيضاً؛ إذ سج ّّلت دول المنظمة أدنى متوسط في تاريخها في المــواد الــثلاث مـعاً. وقـد مـر الخبر سريعا بوصفه شأنا تربويا يعني وزارات التعليم وأولياء الأمور، ثم طوته أخبار الأسواق والحروب. هل ما يحدث في الفصل الدراسي اليوم يحدد حجم الاقتصاد غداً؟ البداية بحجم ما حدث، فبعيدا عن لغة الدرجات التي قد لا تعني القارئ شيئاً، يقدّّر معدّّو الاختبار ما يكسبه الطالب من تعلّّم في سنة دراسية واحــدة، وبهذا المقياس يـتـأخـر طلاب الـــيـــوم فـــي الـــقـــراءة عـــن نـظـرائـهـم قـبـل ثلاث سنوات فقط بنحو ثلثََي سنة دراسية، وعن نظرائهم قبل عقد بنحو سنة ونصف السنة. بعبارة أخرى، يجلس ابن الـخـامـسـة عـشـرة الــيــوم فــي الـصـف نفسه الـــذي جـلـس فيه من سبقه، لكنه يقرأ كما كان يقرأ من هو أصغر منه بعام ونصف العام. وفي العلوم، لا يبلغ طالب من كل أربعة الحد الأدنـــى الــذي يتيح لـه فهم تفسير علمي بسيط. ولــم يكن التراجع قدرا على الجميع، فدول مثل سنغافورة واليابان وإستونيا بقيت في الصدارة، وهو ما يعني أن ما يجري ليس موجة كونية لا تُُرد، بل نتيجة خيارات من الدول. ويُُـــطـــرح ســــؤال هــنــا: كــيــف يــقــاس الأثــــر الاقــتــصــادي لاختبار مـدرسـي؟ ويـأتـي الـجـواب مـن الـفـرد، فما يتعلمه المرء في المدرسة ليس معلومات يحفظها ثم ينساها، بل قدرة على الفهم والتعلم يحملها إلى كل وظيفة يشغلها، وسـوق العمل يدفع ثمن هذه القدرة أجـرا أعلى عـاما بعد عــام. وحين أغلقت الجائحة المــــدارس، حسب الاقتصادي إريـــك هـانـوشـيـك مــن جـامـعـة سـتـانـفـورد تكلفة مــا ضــاع، فوجد أن خسارة ثلث سنة دراسية تخفض دخل صاحبها في المائة. قد يبدو الرقم 3 طوال حياته العملية بما يقارب صغيراً، لكنه على امـتـداد أربــعين عـاما من العمل، يعادل أن يعمل المــرء سنة كاملة بلا أجــر. والتراجع الــذي كشفه ِِــعـف ذلـــك، ثـم ينتقل الاخـتـبـار الأخـيـر فـي الــقــراءة يبلغ ض الحساب مـن الـفـرد إلـى الأمـــة. وهـنـاك حــالات غـيّّــرت نظرة الاقـتـصـاديين إلـى التعليم؛ فقد ظلّّت الــدول عقودا تقيس تقدمها التعليمي بعدد السنوات التي يقضيها أبناؤها فـــي المــــــدارس، حـتـى حـــيّّـــرت أمــيــركــا اللاتــيــنــيــة الــبــاحــثين: سنوات دراســة لا تقل كثيرا عن غيرها، ونمو اقتصادي متعثر لـعـقـود. وجـــاء التفسير حين نُُــظـر إلـــى مــا تعلّّمه ن أن ما يفسر الطلاب فعلا لا إلى المدة التي جلسوها، فتبي ّن الفارق بينها وبين شرق آسيا هو ما في العقول لا ما في السجلات. وبتقدير هانوشيك، فإن خسارة ثلث سنة من التعلّّم تكلّّف الدولة جزءا من ناتجها كل عام حتى نهاية القرن، بما يعادل أن يعمل الاقتصاد كله خمسة أيام من كل سنة بلا مقابل. وفـــي هـــذا الـــعـــام، أعــــاد كــيــرابــو جــاكــســون مـــن جامعة نـورث وسترن الاختبار ببيانات أحـدث، فوجد أن درجات الـــــطلاب فـــي نــحــو خــمــسين دولــــة عــــام ألــــفين تــنــبــأت بنمو اقتصاداتها في ربع القرن الذي تلاه. إنها الفائدة المركّّبة الــتــي يـعـرفـهـا كــل مـــدّّخـــر، لكنها تـعـمـل هـنـا بـالمـقـلـوب: ما يضيع في الخامسة عشرة لا يبقى على حجمه، بل يكبر مع صاحبه، ومع بلده، عاما بعد عام. والـــفـــاتـــورة الـــيـــوم أكــبــر مـمـا كــانــت عـلـيـه فـــي أي وقـت مضى؛ فـالآلـة تأخذ مـن الإنـسـان أعماله الروتينية واحـدا بعد آخر، وما يتبقى له هو ما يتطلب فهما أعمق وحكما أدق، ومن لا يقرأ بعمق لن يستطيع أن يحكم على ما تكتبه له الآلة، فيصير تابعا لها لا مستخدماً. أما أسباب التراجع فـمـوضـع جــــدل؛ يـتـهـم كــثــيــرون الــهــاتــف، لـكـن الـــــدول الـتـي صمدت في يد أبنائها الهواتف نفسها، وهو ما يشير إلى أن الفارق الحقيقي في المدرسة لا في الجيب. ومـن الإنـصـاف ألا يُُحم َّّل الاختبار أكثر مما يحتمل؛ فهو يقيس ثلاث مهارات لا التعليم كله، ولا يرى ما تغرسه المـدرسـة مـن قيم وانـتـمـاء، وقـد صممته منظمة تنظر إلى الطالب بــعين ســوق العمل، والــعلاقــة بين التعلّّم والـثـروة قـد تسير فـي الاتـــجـــاهين، فــالــدول الغنية أقـــدر على شـراء تعليم أفضل، وليس سـهلا فصل السبب عن النتيجة، ثم إن الولايات المتحدة ظلت عقودا متوسطة النتائج في هذه الاختبارات، وبقيت مع ذلك أغنى اقتصادات العالم؛ لأنها عــوّّضــت بـجـامـعـاتـهـا، وبـعـقـول استقطبتها مــن الــخــارج، وبـــأســـواق تـــمـــوّّل الأفـــكـــار. فـــالـــدرجـــات - إذن - شـــرط مهم للازدهـار وليست شرطه الوحيد، غير أن التعويض عنها ترف لا تملكه إلا قلة من الدول. والمفارقة أن الدول حين تعلن عن عجز ميزانياتها كل عـام، تهتز له الأســواق، ويُُساءل الــوزراء، وتُُخفَّّض بسبب ذلـك التصنيفات، أمـا عجز فصولها الـدراسـيـة فيُُعلن كل بضع سـنـوات، ويمر خبرا عـابـرا فـي صفحة التعليم، مع أنــه الأطـــول أثـــرا والأصـعـب ســـداداً؛ فعجز الميزانية يُُغطى بقرض، وعجز التعلّّم لا يقرضه أحد. وإذا كانت ثروة الأمم تُُصنع في فصولها قبل مصانعها، فإن السؤال الذي يبقى للقارئ: أي العجزين أولى بالقلق؟ مواطنون يتجمهرون أمام مركز لتسليم التحويلات المالية في بيروت (رويترز) د. عبد الله الردادي

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky