issue17463

كـــتـــاب «نــهــايــة الــتــاريــخ والإنـــســـان الأخـــيـــر» صـــدر عـام مثيرا ضجة استثنائية في مختلف الدوائر السياسية 1992 والإعـــامـــيـــة آنـــــــذاك. مــؤلــفــه الأمـــيـــركـــي مـــن أصـــــول يـابـانـيـة فرنسيس فـوكـويـامـا كـــان أســتــاذا أكـاديـمـيـا مـجـهـولاً. لكنَّه فيما بعد أصبح اسمُه في صدارة المشهد الفكري السياسي الـدولـي، ضمن نخبة مفكري المحافظين الجدد. إلا أن حرب الـعـراق كانت نقطة تـحـوّل حاسمة أدَّت إلـى انشقاقه عنهم واعتناقه الليبرالية. فـي الأيـــام القليلة المـاضـيـة عــاد اســم فـوكـويـامـا يتردد في الأوساط الإعلامية الدولية، بعد صدور كتاب له بعنوان «فـي مملكة الإنسان الأخـيـر»، وهـو سيرة ذاتية. وقـد قـرأتُ، وتبي لي أن تلك المملكة المقصودة مسوّرة لا يدخلها سوى المتخصصين من المفكرين في السياسة والفلسفة، إذ لم أجد مـا توقعته مـن سـيـرة ذاتـيـة إلا الـنـزر اليسير. ومــا وجدته كان سيرة من نوع آخر، أقرب ما تكون إلى قصة حياة عبر الأفـكـار. لهذا السبب تحديداً، يجد القارئ غير المتخصص صـعـوبـة فـــي تـتـبـع مــســار مـــا يُـــعـــرض خـالـهـا مـــن سـجـالات فكرية - فلسفية بـن مختلف المفكرين مـن ذوي التوجهات السياسية والفلسفية. هذه السطور غير معنيَّة بعرض الكتاب، أو أن أغرق في نقاش مع ما طرحه من قضايا، لكنّي كقارئ ليبي استقطب اهتمامي مـا عـرضـه المـؤلـف مـن لـقـاء جمعه بالعقيد معمر الــقــذافــي وبـنـجـلـه سـيـف الإســـــام، خـــال زيـــارتـــن قـــام بهما ، بدعوة من شركة علاقات 2007 - 2006 إلى ليبيا في عامي عامة بريطانية - أميركية تـم التعاقد معها لتلميع صورة النظام في دوائر الغرب، بحيث يبدو رئيسه مفكرا سياسيا لا مـسـتـبـدا وطـاغـيـة كـمـا كـــان يُـــصـــوَّر فــي الإعــــام الأمـيـركـي والغربي عموماً. واستتبع ذلك دعوة أسماء معروفة أميركية وبريطانية وأوروبية عدّة من المفكرين السياسيين إلى ليبيا للقائه والتحاور معه، ومن ضمنهم كان فرنسيس فوكوياما. فــي الـلـقـاء الأول بمدينة سبها الـصـحـراويـة، عاصمة الـجـنـوب، بـاغـت الـقـذافـي المـفـكـر الأمـيـركـي بـابـتـسـامـة، وهـو يـذكّــره بأنَّهما ينتميان إلـى الـنـادي نفسه، كونهما مؤلفين لكتابين شهيرين، وقصد بذلك طبعا كتابه المسمّى «الكتاب الأخضر»، وأعلمه أن لقاءه به ثمين! في ملحوظاته، ذكر فوكوياما أن القذافي شخص ذكي لكنه في تعليمه لا يختلف عن أي ضابط عسكري. وضرب مثالا بنقاش دار بينهما حول آليات تكوين الثروة، إذ فاجأ القذافي ضيفَه بطرح يتنافى مع أبجديات الاقتصاد، إذ كان يصر على أن الـثـروة لا تُــكـوَّن أو تُنتَج عبر العمل والإنتاج والابــتــكــار، بـل «تُــؤخــذ» بمعناها المـبـاشـر الـصـريـح: تُسرق وتُغتصب. وهــي نظرة لا تبدو غريبة إن استُحضر سجل العقيد نفسه في الاستيلاء على السلطة ومصادرة الأملاك وتأميم القطاعات الاقتصادية طيلة سنوات حكمه، إذ بدا وكأنَّه يُسقط منطقه الخاص في «أخذ» ما ليس له على فهمه لتكوين الثروة برمّتها. الأمر الذي فاجأ الأكاديمي الأميركي بسذاجته، واضطره إلى الدخول في حوار عميق، مستشهدا بالآليات التي تمكن بها أميركي ثـري مثل بيل غيتس من تكوين ثـروتـه. الغريب جــدا أن عناد العقيد الـقـذافـي تبخّر متلاشياً، واقتنع بوجهة نظر فوكوياما معترفا بإمكانية تكوين الثروة لا اغتصابها أو سرقتها، لكن ذلـك الاعتراف اقتصر، حسب العقيد، على إمكانية تكوين الثروة في دول الغرب وحدها. يقول فوكوياما إنَّــه بعد عـودتـه إلـى أميركا اتَّــصـل به أحـــد المــســؤولــن فـــي شــركــة الــعــاقــات الــعــامــة، وأبــلــغــه بـــأن العقيد الـقـذافـي ألـقـى خطابا فـي الأيـــام التالية اعـتـرف فيه بتلك الحقيقة. الـنـقـاش لـم يقتصر على تكوين الــثــروة، بـل كــان لا بد أن يطول كتاب العقيد «الأخضر». وأجهد القذافي نفسه في محاولة إقناع فوكوياما بنظريته في الديمقراطية الشعبية في الحكم القائمة على المؤتمرات الشعبية، واعتبارها نظرية ثالثة. إلا أن فوكوياما ذكر في كتابه أن كتاب العقيد ليس سوى حيلة ركيكة لتبرير طغيانه واستبداده. كما خُصص جزء من الفصل للقاء الذي جمع فوكوياما بسيف الإســـام الـقـذافـي، وتـركّــز بشكل خـاص على دراسته في مدرسة لندن للاقتصاد لنيل شهادة الدكتوراه، إذ أشار الكاتب إلـى مـا شـاب تلك الشهادة لاحقا مـن فضائح مالية طفت على السطح عقب اندلاع الانتفاضة الليبية في فبراير . وكشف فوكوياما أنه كان قد تلقى عرضا من 2011 ) (شباط شركة الاسـتـشـارات صاحبة الـدعـوة ليكون قـارئـا ومراجِعا لأطــروحــة سـيـف الإســــام، إلا أنـــه اعــتــذر عــن قـبـول الـعـرض. واعترف أنه حمد الله كثيرا على ذلك القرار؛ لأن اسمه نجا لاحـقـا مـن الظهور فـي قـوائـم المـتـورطـن فـي تلك الفضيحة، وما أحدثته من ضجة إعلامية أثرت على سمعة الجامعات البريطانية جراء اهتمامها بالمال. الـــافـــت لــاهــتــمــام أن الـحـمـلـة الـتـجـمـيـلـيـة؛ تــلــك الـتـي استقدمت فوكوياما وأمثاله إلى ليبيا لتلميع صورة النظام، انتهت بأن يكون هو نفسه أحد الشهود على الهوّة بين تلك الصورة المزيفة والحقيقة التي عرفها الليبيون عن قرب. لم تكن الرياضة منفصلة عن الشواغل التي تعصف بالنَّاس في يوميّاتهم؛ فالمجالات الفنيّة والفكرية والعرقيّة والـــصـــراعـــات الـتـاريـخـيـة والـسـيـاسـيّــة تــتــداخــل، وهــــذا أمــر مـــألـــوف، ولــكــن قـــصـــارى مـــا يـــريـــده الــعــقــاء والــحــكــمــاء في المـــجـــال الـــريـــاضـــي أن يـلـجـم الـــتـــداخـــل الــرجــعــي فـــي المــجــال الرياضي المدني. لــطــالمــا رأيـــنـــا الأحـــــــداث الــعــنــصــريّــة المـــشـــؤومـــة خــال الــــســــنــــوات المـــاضـــيـــة ضــــد لاعـــــب ريــــــال مــــدريــــد الـــبـــرازيـــلـــي فينيسيوس، وهـي حــالات كانت صـادمـة للعالم أن يتنمّر مـــئـــات الآلاف عــلــى لاعـــــب يـــشـــق طــريــقــه نــحــو الــنــجــومــيّــة والإبداع. ولحسن الحظ أن هذه اللعبة، وأخص بها من بين الرياضات لعبة كرة القدم، بقيت تدافع عن عرينها ما أمكن عبر التقنين الصارم والتطوير الأخلاقي الحثيث. وليس سرا أن التعصّب جُمَلُه متشابهةٌ، وأن مقولات الـكـراهـيـة يــــؤازر بعضها بـعـضـا، ويــأخــذ بعضها بـرقـاب بـــعـــض، فـالـبـيـئـة الـــتـــي تـــحـــرّك الــتــعــصّــب الــعــرقــي تـحـرس وتـرعـى التعصّب الفكري والآيـديـولـوجـي الــذي يشاع في المدرجات الرياضية بل وبين اللاعبين أنفسهم في ساعات الاحـتـدام والغضب، غير أن هـذه الحالة الرجعيّة تتراجع وتــعــاود الـظـهـور بــن فــتــرة وأخــــرى، والـعـبـرة فــي النضج الرياضي الــذي يمثّله الـاعـب فـي داخــل الملعب وخـارجـه. لطالما حقّقت كرة القدم بمفاهيمها الدنيويّة ما لم تستطع المـنـاهـج التعليمية ولا المفاهيم الفلسفيّة أن تصل إليه، لـنـقـرأ الإعـــجـــاب الأمـــمـــي بــهــذه الـلـعـبـة الــتــي بـإمـكـانـهـا أن تحطّم الحدود بين البشر على كل تنوّع الأعراق والمعتقدات والجغرافيا والسياسات. وهـــذا مـا يفتخر بـه أسـاطـيـر كــرة الـقـدم فـي لقاءاتهم ومذكّراتهم ومسيراتهم عبر شتى الحقب، والتي وثّقتْها الكتب ورصدتْها عدسات الشاشات وروت حكاياتها أندر الـوثـائـقـيـات، ومـــن أحـــدث مــا صـــدر الـتـوثـيـق المـهـم لمسيرة اللاعب البرازيلي رونالدينهو، وكيف انتزع المجد بقوّة هذه اللعبة وليطالع المهتم هـذه السيرة البصرية على تطبيق «نتفليكس». ولـم يكن الأسـبـوع المنصرم سعيدا لعشّاق كـرة القدم حــن تهجّمت فـئـة مــن الجماهير عـلـى الــاعــب البرتغالي روبن نيفيز حين عيّروه بوجعه لفقد صديقه المقرّب الراحل غوتا الذي رحل عن دنيانا بقصّة مأساوية حزينة. إن هـــتـــاف بـــعـــض الــجــمــاهــيــر ضــــد نــيــفــيــز قــاصــديــن الشماتة به وبصديقه الراحل، مثّل صدمة أخلاقيّة لا تعبّر عن القيم الأصيلة لدينا نحن المسلمين، بل استفز البسطاء قبل النخب، وآذى المحبّين للعبة قبل المختصّين بها. وانــبــرى حينها الاتــحــاد الــســعــودي وإدارات الأنـديـة الـريـاضـيـة لإدانـــة ذلــك الـفـعـل المـشـن، ويـأتـي المـوقـف الأهـم أن ينتقد كـبـار الـاعـبـن الحاليين والـقـدامـى هــذه الحالة، رافـضـن ومستنكرين وناصحين بــألا يتكرر هــذا الـحـدث، لأنَّه مناف للأسس الثقافية والفنيّة التي بُنيت عليها أسس كرة القدم العالميّة، بل إن هذا التصرّف يعادي ويناهض ما نريده من المحترفين القادمين من الشرق والغرب أن نحبب إليهم قيمَنا وأسسنا الـتـي نشأنا عليها على المستويين الديني والدنيوي. وكان اللاعب السعودي سامي الجابر قد خص روبن نيفيز برسالة مهمة على منصّة «إكـــس»، ومما ورد فيها قـــولـــه: «روبــــــن، وجــــــودك فـــي كــــرة الـــقـــدم الــســعــوديــة يعني لنا الـكـثـيـر..... نعتز بقيمنا القائمة على الاحــتــرام وكـرم الضيافة، وهي قيم راسخة في عقيدتنا وتتجلى في أسلوب ترحيبنا بمن يتخذون من بلادنا وطنا لهم، إذ تسمو هذه القيم فوق أي تنافس رياضي، فمثل هذا السلوك لا يعكس تلك القيم. آمـل أن تـدرك مـدى التقدير والمــودة التي تحظى بها هنا، ومدى شعورنا بأنك جزء أصيل منا». رســـالـــة الـــجـــابـــر ضــــروريــــة وأعــــلّــــق عـلـيـهـا بـنـقـطـتـن؛ الأولــى: أن الأســاس الـذي بُنيت عليه الرؤية الرياضيّة في بلدنا أن نـحـرّك الـنــاس نحو قيم التعايش الـتـي ورثناها أبــا عـن جـــدّ، وأن نعلّم أبـنـاء الرياضيين المحترفين عندنا أن مـا يلفقونه عنا فـي الإعــام منذ عقود إنَّــمـا هـو محض اختلاق يراد منه التشويش ورسم صور نمطيّة عن مجتمع له تاريخ في الاختلاط بالناس، عبر التجارة ورعاية الحج والعمرة والرحلات البريّة والبحريّة لكل الأغراض. الثانية: أن الإدانــة الواسعة لمثل ذلك التصرّف المشين مـــن قــبــل قـــلَّـــة مـسـتـهـتـرة مـــن الــجــمــهــور لا تـمـثـل بـالـتـأكـيـد المجتمع العريض الذي لا مكان فيه للتعصّب بأي حال من الأحــــوال؛ والــحــل كما عـبّــر الـاعـب البرتغالي كريستيانو رونالدو أن يمنع هؤلاء من الحضور. الخلاصة: أن كرة القدم من المفترض أن تعبّر عن القيم المدنيّة نافضة بذلك أي محاولة للي عنقها نحو مسارات الكراهية والتعصّب، بل لعل مثل هـذه الأحـــداث تسرّع من لجم أي فتنة يراد لها أن تجتث اللعبة من حيويّتها المدنيّة ذاهـبـة بها نحو التنابز الآثــم والتناحر المـــؤذي والتقاذف الفتّاك. شهد تـاريـخ المـشـرق الـحـديـث نكبات بعضها اقـتـصـر عـلـيـه وبـعـضـهـا تــجــاوزه إلـى باقي العالم العربيّ. والحال أن كلمة «نــكــبــة» اســتُــخــدمــت حــصــرا لــوصــف قـيـام إسرائيل، بحيث نشأ ترادف بين المعنيين. هــــذا واحـــتـــلّـــت مـــــآس أخـــــرى مـــراتـــب أدنـــى فـي الكارثيّة، منها إبـــادات نزلت بشعوب وإثــــنــــيّــــات، وحـــــــروب أهــــلــــيّــــة، وانـــقـــابـــات عــــســــكــــريّــــة اســـــتـــــولـــــت عــــلــــى مـــجـــتـــمـــعـــات وعطّلتها. وبـغـض النظر عـن إحـالـة الـحـدث إلى الــطــبــيــعــة، كـــانـــت الــنــكــبــة وصـــفـــا صـالـحـا لمـأسـاة الفلسطينيّين. ففضلا عـن كلفتها الإنسانيّة وما نجم عنها من تهجير وسّع رقعة المشكلة الفلسطينيّة، يمكن الافتراض أن المنطقة كانت لتسلك طريقا أقل خشونة وعنفا لـو لـم تنشأ إسـرائـيـل. وهـــذا فضلا عن أن إقامة دولة لليهود في أوروبا، بُعيد المحرقة، كانت لتكون أكثر منطقا وعدلا من إقامتها في المنطقة العربيّة. لكن إسرائيل نشأت وهناك، كما رأى البعض بحقّ، فارق بـــن إجـــهـــاض جــنــن وقــتــلــه بــعــد ولادتـــــه، سيّما وأن أجيالا متعاقبة رأت النور فيها، لا تملك مكانا آخر للعيش فيه. ما حصل أن الطرفين المعنيّين مباشرة بالأمر، ولكل أسبابه، فضّلا تغليب العداء والــقــطــيــعــة، واخــــتــــارا عــمــلــيّــا عــــدم إعــطــاء الفلسطينيّين شيئا من حقوقهم المسلوبة، وانتعشت على ضفّتي الــصــراع قضيتان يطغى تأبيدهما على حـلّــه. وجــــاءت، في تـلـك الـغـضـون، الــحــرب الـــبـــاردة لتعثر في عـــلـــى تــرجــمــتــهــا الإقــلــيــمــيّــة، 1967 حـــــرب فــأضــيــفــت إلـــــى المـــســـألـــة الأصـــلـــيّـــة مـسـألـة الأراضي العربيّة المحتلّة. لــــكــــن الـــــدولـــــة الـــعـــبـــريّـــة ظــــلّــــت خــــارج الـنـسـيـج الـــداخـــلـــي لــلــســكّــان فـــي جـــوارهـــا. وحتّى الجماعات الأهليّة التي اضطرّتها مخاوفها إلى التعامل معها، بقي تعاملها شـــــأنـــــا عـــــابـــــرا مـــــحـــــدود الأهــــــــــــــداف، قــلــيــل الــتــأثــيــر فـــي عـــاقـــات بــلــدانــهــا وتــــوازنــــات مجتمعاتها. وإذا صح أن حروب «طوفان الأقصى» أحدثت اختراقا أعلى، فهذا ما لا يزال حجمه في متون المجتمعات المشرقيّة طفيفا وقابلا للتغيير. مـــع ذلــــك ثـــمّـــة لـحـظـة مــهــمّــة اخـتـرقـت ذاك المـــســـار: إنّـــهـــا مــعــاهــدة كـــامـــب ديـفـيـد المصريّة – الإسرائيليّة. ولا بأس بالتذكير بـــأن يـاسـر عـرفـات كــان يجلس فـي الصف الأمـــــامـــــي ويـــصـــفّـــق لأنــــــور الـــــســـــادات عـنـد إعـانـه «مـبـادرتـه» التي أفضت لاحقا إلى المعاهدة. فمع كامب ديفيد شُق طريق آخر كـثـيـرا مــا قــاومــه مـتـعـصّــبـو طــرفــي الــنــزاع والمـسـتـفـيـدون مـنـه، وكـــان أوضـــح تعابير المقاومة منع عرفات من التفاعل الإيجابي مـع الـسـام. لـكـن رغــم التعثّر هنا والفشل هـــــنـــــاك، أمــــكــــن فـــــي الـــتـــســـعـــيـــنـــات تـحـقـيـق إنـــــجـــــازات فــــي مـــحـــاصـــرة الــــحــــرب كـخـيـار أوحد. ويمكن القول، أقلّه نظريّاً، إن التوصّل إلى نمط تعايش، في يوم ما وبطريقة ما، يبقى ممكناً، لسبب بسيط هـو أن بديله فـــنـــاء مــنــطــقــة بــكــامــلــهــا. وهـــــــذا، بــالــطــبــع، صـعـب جــــدّاً، يـسـتـدعـي حـصـولـه تــحــوّلات يــبــدو ذكـــرهـــا الـــيـــوم أقــــرب إلــــى الـهـلـوسـة، كـالـتـعـالـي عــلــى الـــجـــراح وحـــــروب الإبــــادة ونبش المواضي وكسر التحريم عن الدولة الــفــلــســطــيــنــيّــة، وأن تــخــتــفــي عــــن المـــســـرح ظاهرات سياسيّة كنتنياهو والمستوطنين الـــديـــنـــيّـــن ومَـــــــن يـــعـــادلـــهـــم عـــلـــى الـــضـــفّـــة الأخـــــرى. لــكــن الـعـقـل والـــدفـــاع عــن الـحـيـاة يـجـعـان هـــذه الـصـعـوبـة أقـــل صـعـوبـة من الفناء. النكبة 1979 فــي المــقــابــل، شـهـد عـــام التي لا يمكن الـتـوصّــل إلــى نمط تعايش معها ممثّلة بـثـورة إيـــران وقـيـام نظامها الإســــامــــيّ. ذاك أن الـنـكـبـة المـطـلـقـة هــذه تــــســــتــــعــــرض نـــفـــســـهـــا عــــلــــى مـــســـتـــويـــات مـــتـــداخـــلـــة عــــــدّة يُـــغـــلـــق بــعــضُــهــا بــــوّابــــات المستقبل كلّيّاً. قدّمت نفسها مبكرا ردّا 1979 فثورة على التوجّه إلى السلام الـذي بدأته مصر فـــي الـحـقـبـة الــزمــنــيّــة ذاتـــهـــا. وقــــد شـكّــلـت الصورة هذه، صورة الحرب الأبديّة التي لا نهاية لها، واحـدا من مداخل العلاقة التي نسجتها طهران مع قوى وأطراف عربيّة. وهي أسّست مشروعا توسّعيّا شكّل «تـــصـــديـــر الـــــثـــــورة» تـــعـــبـــيـــره المـــعـــلـــن وإن المــــــداور. لــكــن المـــشـــروع هــــذا، وعــلــى عكس إســـرائـــيـــل، وجــــد فـــي دواخــــــل المـجـتـمـعـات المــــحــــيــــطــــة والــــقــــريــــبــــة أطـــــــرافـــــــا تـــســـتـــورد صـــادراتـــه، مــا ولّـــد مــــادّة انـشـقـاق مذهبي وطائفيّ، غير مسبوقة في سُمّيّتها كثافة وعمقا واتّساعا جغرافيّاً. ولاحــــقــــا مــــــورس الـــتـــوسّـــع مــــن خـــال أطــــــــراف مـــيـــلـــيـــشـــيـــويّـــة ســـلّـــحـــتـــهـــا طـــهـــران ومـوّلـتـهـا، مـا آل إلــى توطيد قــوى مـوازيـة تُــهــمّــش بـهـا الــــدول وتُـــصـــدّع المـجـتـمـعـات، ومـــن ثـــم حُــــوّل كـــل مــشــروع لـبـنـاء وحـــدات وطنيّة، أو إطلاق مشاريع إصلاحيّة كبرى، في أي من بلدان المنطقة، إلى احتمال حرب أهــلــيّــة. وهــكــذا لاح الـتـفـتـيـت، وهـــو أخطر ما تواجهه بلداننا، حمولة مضمونة من حمولات الثورة الإيرانيّة ونظامها. نـــشـــرت وتــنــشــر ثـقـافـة 1979 وثــــــورة بــالــغــة الــــتــــردّي فـيـمـا خــــص تـــأويـــل الــديــن وأوضــــاع الـنـسـاء، وتــفــرض عـلـى جـوارهـا سـبـاقـا فــي الـرجـعـة والـتـقـهـقـر. وهـــي التي لــــم تــــقــــدّم نـــمـــوذجـــا واحـــــــــداً، ســـيـــاســـيّـــا أو اجتماعيّاً، يمكن أن يعتنقه جوارها ويفيد منه، كان لنزعتها الخرابيّة أن أعدمت كل عنصر يتعلّق بمصالح جامعة ومشتركة مــع الـــجـــوار المـــذكـــور، وهـــو لــو وُجــــد لأتــاح فُرصا يجوز مستقبلا التعويل عليها في تذليل مصاعب الحاضر. وقـــبـــل كــــل اعــتــبــار آخـــــر، ضـــربـــت تلك الـثـورة ونظامها رقـمـا قياسيّا فـي تدمير البلدان وموت البشر، بمن فيهم الإيرانيّون، ما يجعلهما أكبر نكبات المنطقة، بل النكبة المطلقة، في تاريخها الحديث، لا ينازعهما في ذلك مُنازع. OPINION الرأي 12 Issue 17463 - العدد Sunday - 2026/9/20 الأحد مع الأصالة الدنيويّة للألعاب الرياضية حين قابل فوكوياما القذافي أيّها أكبر النكبات في تاريخ المشرق الحديث؟ وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com حازم صاغيّة فهد سليمان الشقيران جمعة بوكليب

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky