ثـــمـــة تــــصــــور شــــائــــع فــــي الــــنــــقــــاش حــــــول إدارة الجامعات يََفترض أن منطق الشركة في إدارة رأس المال الاقــــتــــصــــادي يــصــلــح أيــــــضا لإدارة رأس المال المعرفي بالأدوات والعقلية التجارية ذاتها. وينطوي هذا الافتراض على إشكالية عميقة، لأنه يساوي بين مـؤسـسـتين تختلفان فــي الـغـايـة، وطبيعة الإنــتــاج، ومـعـايـيـر الــنــجــاح. وقـــد تـمـتـد نـتـائـجـه مــن إضـعـاف الـوعـي الجمعي والمـمـارسـة التعليمية إلــى تقليص قدرة الدولة على إنتاج المعرفة التي تحتاج إليها في التنمية وصناعة القرار. وقـــــــد كــــشــــف ســـــقـــــراط مــــبــــكــــرا عـــــن جــــوهــــر هــــذا الاخـــــتلاف حين ربـــط المــعــرفــة بالفضيلة والـتـنـويـر، فــــرأى أن الـجـهـل لـيـس مــجــرد نـقـص فــي المـعـلـومـات، وإنما مصدر للشر وتقويض للخير الـعـام. لذلك لم يجعل تكديس الثروة معيارا للفضيلة، وقال إن «المال لا يجلب الفضيلة، وإنما ينبغي أن تكون الفضيلة هي الطريق إلى المال». وكم من ثراء عجز عن أن يهب صاحبه فضيلة أو يرفع في خ ُُلُُقه قدراً. ومن هنا يظل نشر المعرفة معيارا أصيلا لبناء الإنسان والمجتمع، وتعميق الحس الأخلاقي، وترسيخ التربية السليمة، بما يجعل قيمتها أوسع من أن تُُختزل في عائد مالي أو اقتصادي مباشر. وعــــلــــى هــــــذا الأســـــــــاس تـــخـــتـــلـــف الـــجـــامـــعـــة عـن المــؤســســة الــتــجــاريــة فـــي الـــغـــايـــة، وطـبـيـعـة الإنـــتـــاج، ومعايير النجاح. فالشركة تقيس نجاحها بالعائد المادي، وســرعــة الاسـتـجـابـة لــلــســوق، بينما تقيس الجامعة نجاحها بما تنتجه من معرفة علمية، وما تبنيه من كفاءات وطنية، وما يضيفه البحث العلمي مـن رأســمــال معرفي وأخلاقــــي يـعـزز تنمية المجتمع وقوة الدولة. وتكشف إسرائيل عن أهمية هذا الفارق فــي نــمــوذج لا تُُــــدار فـيـه جـامـعـاتـهـا بمنطق الـسـوق وحده، إذ بلغ إنفاقها على البحث والتطوير العلمي ، متقدمة 2024 % مـن ناتجها المحلي عــام 6.8 نحو عـلـى الـــولايـــات المـتـحـدة، وألمانـــيـــا، وفـرنـسـا، وكـوريـا الجنوبية، واليابان. وهذه المفارقة تعني أن إخضاع الـجـامـعـة لمـنـطـق إدارة الــشــركــة قـــد يُُــضـعـف قـدرتـهـا على إنتاج المعرفة، ويهمِِّش قوتها النوعية، ويحد من تحولها إلـى مصدر للقوة الاقتصادية والتقنية والاستراتيجية للدولة. ويمتد هـذا التباين إلـى الزمن الــذي تُُقاس فيه الــنــتــائــج. فـقـد جـــرت الـــعـــادة عـلـى أن الـــســـوق تكافئ الإنــــجــــاز الـــســـريـــع والـــقـــابـــل لــلــقــيــاس، بـيـنـمـا تعمل الجامعة بمنطق تراكمي بعيد المـــدى، وقـد لا تظهر ثــمــاره إلا بـعـد ســـنـــوات. فـتـكـويـن بــاحــث مـتـمـيـز، أو ابتعاثه إلى جامعة عالمية، أو بناء مدرسة علمية، أو تطوير برنامج بحثي استراتيجي، كلها استثمارات طويلة الأجـــل. ويكفي أن مـشـروع الجينوم البشري اسـتـغـرق أكـثـر مــن عـقـد، وأبـــحـــاث لـقـاحـات الحمض النووي الريبي المرسال امتدت لعقود، بينما تجاوزت دراسـة «دنيدن» في علم النفس نصف قرن من تتبع السلوك والنمو الإنساني. وفي علم السياسة، يستمر في بناء 1963 مشروع «ارتباطات الحرب» منذ عـام المعرفة الكمية حــول الـحـروب والـصـراعـات الدولية. ومن ثم فإن إخضاع الجامعة لمنطق السوق وضغط النتائج العاجلة قـد يدفعها إلــى تحسين المـؤشـرات الآنية على حساب بناء المعرفة والقدرات التي تحتاج إليها الدولة والمجتمع مستقبلاًً، كما قد يهدر جانبا مـــن الاســـتـــثـــمـــار الــضــخــم الـــــذي أنــفــقــتــه الــــدولــــة على الابـتـعـاث حين لا يُُــسـتـفـاد مــن خــبــرات الـعـائـديـن في تطوير الجامعة والبحث العلمي. ويـقـودنـا هــذا التباين إلــى إشكالية أكـثـر عمقا تظهر في مجال البحث العلمي. فآليات السوق تميل غالبا إلـى تمويل المشاريع التي تََعِِد بنتائج عملية سريعة وعائد اقتصادي يمكن توقعه، بينما ينشأ كثير من النهضات العلمية من أبحاث لم تكن فائدتها الاقتصادية واضحة عند بدايتها. كما تُُنتج العلوم الاجتماعية والسياسية والإنسانية معرفة ضرورية لفهم الـــدولـــة، والمـجـتـمـع، والــتــحــولات الديمغرافية، والهوية، والأمن، والعلاقات الدولية. وقد تكون هذه المـجـالات مـحـدودة الجاذبية التجارية، لكنها بالغة الأهــمــيــة لــلــدولــة الــتــي تـحـتـاج إلــــى مـعـرفـة مستقلة لفهم واقعها وصياغة سياساتها واستراتيجياتها العامة. ومـــن هـنـا يكتسب المـــوضـــوع بــعــده الـسـيـاسـي. فــحين تضعف قـــدرة الـجـامـعـات على إنـتـاج المعرفة، يـــزداد اعتماد الـدولـة على بيوت الخبرة المستوردة ومـــراكـــز الــــدراســــات الــخــارجــيــة والـــنـــمـــاذج الــجــاهــزة فــي تفسير مجتمعها وقــضــايــاه، كـمـا تـصـبـح أكثر عرضة للاعتماد والاختراق المعرفي الخارجي بسبب هشاشة بنيتها المعرفية. ومع مـرور الوقت يتجاوز ضـعـف الـجـامـعـة المــجــال الـتـعـلـيـمـي لـيـصـبـح مسألة تتصل بالسيادة المعرفية، لأن الدولة التي تعجز عن إنتاج المعرفة التي تفسر بها واقعها قد تجد نفسها مضطرة إلى صناعة قراراتها بأدوات معرفية أنتجها الآخرون. وتـــظـــهـــر مـــفـــارقـــة أخــــــرى عـــنـــدمـــا تــنــتــقــل عـقـلـيـة القطاع الخاص إلـى الإدارة الجامعية على افتراض أن إدارة رأس المال المعرفي امـتـداد لإدارة رأس المال الاقـتـصـادي. فقد يُُــرفـع شعار «الـحـوكـمـة»، وترشيد الإنفاق، والكفاءة المالية، في الوقت الذي يتضخم فيه الإنفاق الإداري على الـرواتـب، والهياكل، والمكافآت، والمبادرات التي لا تقابلها زيادة مماثلة في البحث، أو الابـتـكـار، أو الإنـتـاج العلمي القابل للتحول إلى قيمة اقتصادية أو صناعية. وقد يكون هذا التضخم مفهوما في شركات مالية تدير رؤوس أموال ضخمة وتـتـعـامـل مــع أسـهـم ومـخـاطـر سـوقـيـة عـالـيـة، حيث ترتبط المكافآت بحجم العائد، والمخاطر، والنتائج المالــــيــــة المـــبـــاشـــرة، إلا أن الــجــامــعــة تــعــمــل فـــي بيئة مختلفة تــقــوم عـلـى إنــتــاج المــعــرفــة، وتـــراكـــم الـخـبـرة العلمية، وليس بحجم العائد المالي. ويـــــزداد الـخـلـل حين تـتـقـدم إلـــى مــواقــع الـقـيـادة كــوادر قادمة من بيئات الشركات والقطاع الخاص، حيث تكون في الغالب محدودة التجربة في المجال الأكاديمي، بينما يتراجع وزن أساتذة أمضوا عقودا فـي التحصيل العلمي، والبحث، والـتـدريـس، وبناء المعرفة، وظـلـوا يتطلعون إلـى خدمة المؤسسة التي ابـتـعـثـتـهـم وأفـــنـــوا فـيـهـا الـــجـــزء الأكـــبـــر مـــن حياتهم المهنية. وتكتمل المفارقة حين تفوق رواتب ومكافآت بـــعـــض هـــــــؤلاء الــــــقــــــادمين مــــن الــــقــــطــــاع الــــخــــاص مـا يتقاضاه أساتذة راكموا عقودا من الخبرة العلمية، وقـــضـــوا ســـنـــوات مـــن الاغـــتـــراب فـــي بـــلـــدان الابـتـعـاث بـــــرواتـــــب مـــــحـــــدودة، وتـــحـــم ّّـــلـــوا فــــي أثــــنــــاء ســـنـــوات الابتعاث تضحيات شخصية ومهنية، وفو ّّتوا فرصا استشارية ومالية. وهنا يصبح التفاوت تعبيرا عن إشكالية أعمق في تقدير رأس المال المعرفي، ومكانة الخبرة الأكاديمية، داخـل المؤسسة التي يفترض أن تقوم عليها. ولا يقف اخـتلال أولويات الإنفاق عند الرواتب والمكافآت، وإنما يظهر أيضا فيما يُُحرم منه الإنتاج العلمي نفسه. فقد يحتاج عضو هيئة التدريس في الجامعة إلى سلسلة من الموافقات الإدارية للحصول ،»EndNote« على برنامج أساسي لإدارة المراجع مثل فـــضلا عــن ارتــبــاط تـوفـيـره بـتـوافـر المـــــوارد، فــي حين يُُــتـاح مثل هـذا البرنامج بسهولة للباحثين وطلاب الــدراســات العليا فـي كثير مـن الجامعات المتقدمة. وتــتــســع المـــفـــارقـــة عــنــد الــنــظــر إلــــى الــبــيــئــة الـعـلـمـيـة اليومية. ففي جامعات متقدمة تكاد الندوات، وورش الــعــمــل، والمـــحـــاضـــرات الـبـحـثـيـة، تــتــوالــى عـلـى مـــدار الـيـوم، بينما تظل مـحـدودة فـي بيئتنا الأكاديمية، إلـــــى جــــانــــب ضـــعـــف الاشـــــتـــــراك فــــي بـــعـــض المـــــجلات المـتـخـصـصـة، وصــعــوبــة مـتـابـعـة أحـــــدث الـنـقـاشـات البحثية. وهـنـا تتجلى مفارقة الترشيد. ففي حين تتسع المــــوارد المالــيــة للجهاز الإداري، تضيق أمــام الأدوات والــبــيــئــة اللازمــــــة لإنـــتـــاج المــعــرفــة والـبـحـث العلمي. وفـــي الــخــتــام، تـقـتـضـي إدارة الـجـامـعـة منطقا يــنــســجــم مــــع طــبــيــعــة إنـــتـــاجـــهـــا المــــعــــرفــــي، بــــــدلا مـن اســتــنــســاخ مـنـطـق الـــســـوق، ويــســتــلــزم ذلــــك مـعـايـيـر مـخـتـلـفـة فـــي الـــقـــيـــادة، والإنــــفــــاق، وتــقــديــر الــخــبــرة. فالجامعة تحتاج إلى حوكمة تجعل الإدارة والموارد فـــــي خــــدمــــة الـــبـــحـــث والابـــــتـــــكـــــار، وتـــحـــفـــظ لــلــخــبــرة الأكــاديــمــيــة مـكـانـتـهـا، وتُُــحــســن اســتــثــمــار مـــا أُُنــفــق عــلــى الابـــتـــعـــاث وبـــنـــاء رأس المال المـــعـــرفـــي. فـــإهـــدار هــذا الاستثمار يعني خـسـارة سـنـوات مـن التأهيل، والـخـبـرة، والــقــدرة على إنـتـاج المـعـرفـة، بما يضعف رصـيـد الــدولــة مــن الــكــفــاءات الـتـي تـحـتـاج إلـيـهـا في بـــنـــاء قــوتــهــا الـعـلـمـيـة والــتــقــنــيــة وتـــعـــزيـــز مـكـانـتـهـا الاستراتيجية. Issue 17459 - العدد Wednesday - 2026/9/16 الأربعاء في المقالين السابقين تناولنا انغماس بعض المحللين والمعلقين على الأحداث الجيوسياسية في صناعة الإيــهــام وتغليف الانـحـيـاز بالموضوعية. غـيـر أن الــســؤال الأهـــم الـــذي يـفـرض نفسه فــي هـذا الصدد يتعلق بالمتلقي ذاتــه: لماذا يميل الجمهور إلـى اسـتـهلاك هـذه الأوهـــام وتبنّّيها رغـم انكشاف عـــدم دقـتـهـا مــع كــل اخـتـبـار مــيــدانــي؟ إن فـهـم هـذه الــــظــــاهــــرة يـــســـتـــدعـــي تــــجــــاوز مـــحـــاكـــمـــة المـــنـــصـــات والمحللين، لنفحص البيئة النفسية والاجتماعية التي تجعل من الوهم بضاعة رابحة ومطلوبة في السوق الإعلامية. تــبــدأ الأزمـــــة مـــن حــالــة الـتـنـافـر المــعــرفــي الـتـي يعيشها المـتـلـقـي خلال الأزمـــــات الــكــبــرى؛ فـالـواقـع الاسـتـراتـيـجـي والـعـسـكـري غـالـبا مـا يـكـون معقداً، ومحملا بحقائق صلبة وموازين قوى قد لا تتوافق مع التطلعات. وأمــام قسوة هـذه المعطيات، يهرب العقل الجمعي باحثا عن مسكنات نفسية مؤقتة تخفف مـن وطـــأة القلق. وهـنـا تنشأ ســوق ســوداء للتحليل السياسي، يتصدرها معلقون يفتقرون في الغالب إلى التأهيل الأكاديمي والخبرة العملية فــــي مــــجــــالات الــتــحــلــيــل الاســـتـــراتـــيـــجـــي والأمــــنــــي، لكنهم يمتلكون مهارة عالية في التقاط ما يطلبه الجمهور. يعمد هـؤلاء إلـى استبدال كلام إنشائي عــاطــفــي ومـــــزايـــــدات تـبـسـيـطـيـة بــأســالــيــب الـبـحـث المــــعــــرفــــي، فـــيـــعـــيـــدون تــــدويــــر أحـــــاديـــــث المـــجـــالـــس ويـنـتـجـون خــطــابا يُُــرضــي غـــرور المـتـابـع ويمنحه شعورا زائفا بالاطمئنان. غير أن إقبال الجمهور على هذه البضاعة ليس مجرد عارض نفسي فردي، بل هو نتيجة مباشرة لــقــصــور مــؤســســي فـــي صــنــاعــة الــفــكــر والـتـحـلـيـل الرصين. فعندما تغيب مراكز البحث والفكر القادرة عــلــى إنـــتـــاج دراســـــــات مــيــدانــيــة تـعـتـمـد المـنـهـجـيـة العلمية والبيانات الموثقة، فإن الفضاء العام يخلو للمدعين وأصحاب الطروحات السطحية. إن الميزة الأساسية للتحليل الاستراتيجي الحقيقي تكمن في قدرته على الجمع بين العمق البحثي والتأثير الإعلامـــــي المـبـنـي عـلـى الــحــقــائــق، وهـــو مـــا يتطلب وجود مؤسسات تُُخضع مُُنتََجها للفحص العلمي والتقييم الدقيق. وفي غياب هذه البيئة المعرفية، يتحول الإعلام منصة لإعادة إنتاج الفقاعات الآنية بدلا من أن يكون أداة لرفع وعي الشارع وتشخيص الأزمات. تكمن خطورة استمراء شــراء الأوهـــام في أنه يحول الـرأي العام من قوة إسناد واعية لمؤسسات الــدولــة، إلــى طـاقـة معطلة تعيش على التفسيرات الـرغـائـبـيـة. فالمتلقي الـــذي اعـتـاد سـمـاع مـا يحب، يصاب بالصدمة والإنــكــار حين يـواجـه المخرجات الواقعية للأحداث، فيلجأ مجددا إلى تفسير إخفاق الـتـوقـعـات بـنـظـريـات المـــؤامـــرة والـتـخـويـن، مـشـك ّّلا بـذلـك دائــــرة مغلقة مــن الــوعــي الــزائــف الـــذي يمنع الاستفادة من الدروس وتعديل المسارات. إن الــــخــــروج مـــن مـــــأزق الاســــتــــهلاك الـعـاطـفـي لـلـتـحـلـيـل الــســيــاســي يـقـتـضـي بــنــاء مــنــاعــة فـكـريـة لـدى الجمهور، تؤس ََّس على التمييز الواضح بين الأمنيات الشائعة والبيانات الاستراتيجية. فالأمم لا تــــدار بـــالأمـــانـــي، وصـــيـــانـــة الاســـتـــقـــرار لا تـتـأتـى عـبـر اسـتـصـغـار الــتــحــديــات أو تـغـيـيـب الـحـقـائـق. والحاجة اليوم ملحة إلى الاستثمار في العقلانية، واستقطاب الكفاءات البحثية الحقيقية التي تملك أدوات القياس العلمي؛ فالمواطن الذي يملك شجاعة الـنـظـر إلـــى الـــواقـــع كـمـا هـــو، يـظـل دائــــما أقـــدر على استيعاب التحولات وصيانة مقدرات مجتمعه من أولئك الذين يبيعون الأوهام. سبتمبر (أيلول) 11 عـاما على هجمات 25 بعد ، تـابـعـت فيها كـثـيـرا مـمـا صـــدر حـــول معضلة 2001 الإرهــــاب، لا يمكن الـقـول إن الـعـالـم لـم يتعلم الكثير عـن مكافحة الإرهــــاب. لكن الأمـــر هـو أن الـعـالـم عرف كثيرا عن هذا، فقد تطورت أجهزة الاستخبارات، وتم تشديد إجـراءات السفر وقنوات التمويل بشكل كبير بفضل التتبع الرقمي، كما تـطـورت تقنيات المراقبة والـتـعـقـب والاســتــهــداف بـالـصـواريـخ الـدقـيـقـة. ولكن الـسـؤال الأكـثـر إلـحـاحاً: هـل تـطـورت مقاربة الإرهــاب واســـتـــراتـــيـــجـــيـــات مــكــافــحــة الـــتـــطـــرف بــالــنــســق ذاتــــه والكفاءة نفسها؟ أحـسـب أن ثـمـة مشكلة تشمل جـــزءا واســــعا من الــقــطــاعــات الـبـحـثـيـة ودوائــــــر الـــقـــرار الــغــربــيــة، فيما يـخـص مـسـألـة الإرهـــــاب؛ حـيـث لا تـــزال تـتـعـامـل معه سبتمبر: 11 وفـق صـور نمطية مستلهََمة مـن حـدث عـــنـــاصـــر إرهـــابـــيـــة قــــادمــــة مــــن الـــــخـــــارج، تــنــتــمــي فـي معظمها إلى تنظيمات مصنََّفة على أسس مذهبية، تـدربـت فـي معسكرات مـعـزولـة. وعـلـى هــذه الـصـورة النمطية ش ُُي ِِّدت استراتيجية «الحرب على الإرهاب»، وأنــتــجــت قـــوائـــم المــراقــبــة والـــحـــروب خــــارج الـــحـــدود، واســتــهــداف الــقــيــادات والـــرمـــوز، والــضــربــات الجوية حتى المجتمعات الصغيرة فـي الـــدول المـنـهـارة، كما حــدث فـي اليمن، فـــضلا عـن مشاريع تغيير الأنظمة السياسية، كما حدث في العراق وأفغانستان، وإعادة موضعة العلاقات مع الدول. مـن 2001 بــمــعــنــى آخــــــر: تـــحـــول الإرهــــــــاب بـــعـــد قضية أمنية فكرية إلى حرب استراتيجية كبرى، قبل أن تـتـراجـع هـــذه المـقـاربـة تـدريـجـيا وتـــتلاشـــى، حتى وصلنا إلـى نقطة مفصلية مـع الانسحاب الأميركي ، وعودة «طالبان» بعد عقود 2021 من أفغانستان عام من الحرب عليها! الـــحـــرب عـلـى الإرهــــــاب حـقـقـت نــجــاحــات مهمة؛ حيث تفككت هياكل تنظيمات كبرى، كما تم ََّت تصفية أغلب رموزها وقياداتها من الصف الأول، حتى بات مــن الـصـعـب تـصـور تنفيذ عملية بحجم وضخامة سبتمبر، لأسـبـاب لا علاقــة لها بالتصدي للفكر 11 المـتـطـرف، ولا بالقضاء على تنظيم «الـقـاعـدة» بقدر سبتمبر 11 ما ترتبط بتحولات السياق الأمني قبل وبـــعـــده؛ ذلـــك الــحــدث الـجـلـل الــــذي لا يــــزال إلـــى الـيـوم مغريا بإصدار البحوث والكتب التحليلية، حتى بعد سنة على حدوثه. 25 مرور في نظري، إن النجاح العملياتي يُُخفي مشكلات أعـمـق؛ خـصـوصا مـع حالة الـفـراغ التي تعقب لحظة إعلان نهاية المهمة بالقضاء على أحد القيادات، وترك إرث تـلـك التنظيمات وفـكـرهـا يـعـيـدان إنـتـاجـهـا من جديد، مستفيدين من خطاب المظلومية، وبالتالي فإن «الجهادوية» لم تنتهِِ؛ لا تنظيم «القاعدة» وأخواته، ولا تنظيم «داعش». فالأول أعاد تقديم حمزة بن لادن سبتمبر، والثاني 11 عبر تسجيل خـاص بمناسبة لا تـــزال آلـتـه الإعلامــيــة مـتـعـددة الـلـغـات تنتج بشكل دوري خطابا يحاول الاستثمار في الفوضى، لإعادة التجنيد والاسـتـقـطـاب، كما أنََّهما استطاعا تغيير الجغرافيا بعيدا عن مناطق التوتر المعتادة، لتنتقل المركزية إلى أفريقيا، وخصوصا الساحل والصومال وغرب أفريقيا؛ حيث توفر هشاشة الدولة والنزاعات المـحـلـيـة والـــحـــدود المـفـتـوحـة بـيـئـات مـنـاسـبـة لإعـــادة التموضع والتعبئة. سقط نموذج الـخلافـة على الأرض، لينتقل إلى الأذهــان والمخيال «الـجـهـادوي»، ويعيد إنتاج نفسه عــبــر نـــصـــوص قــيــامــيــة ومـلـحـمـيـة تــعــب ِِّــر عـــن نـهـايـة الزمان. الأكـــثـــر خـــطـــورة الـــيـــوم صــعــود نـــمـــوذج آخـــر من العنف المنظ ََّم، كالمرتبط بـ«الحرس الثوري»، يتلبََّس شـكـل الـــدولـــة، مـسـنـودا بشبكة أذرع تتلبس مفهوم الــدولــة وأداءهـــــا. ومـئـات الميليشيات الـخـارجـة على الــقــانــون ذات مـرجـعـيـة طـائـفـيـة مـسـي ََّــسـة ومـؤدلـجـة، م ُُنحت المال والسلاح والتدريب والقدرات الصاروخية والمُُسي ََّرات. هذا النموذج يستثمر اليوم في الفوضى، من خلال النفاذ عبر ثغرات التوصيف بين السياسة والتطرف والإرهاب. وهـــنـــا ظـــهـــرت إحــــــدى أكـــثـــر نـــقـــاط الـــضـــعـــف فـي المقاربة الدولية السابقة، حين كان من السهل التعرف إلــــى الإرهــــابــــي فـــي كــهــفــه أو مــعــســكــره أو مـــن خلال انتسابه لتنظيم ما، بينما تعيش الميليشيات اليوم ككيانات داخل الدولة نفسها، ولكن بمنطقها تشارك في البرلمان، وتحتفظ بالسلاح خارج نطاق القانون، مستفيدة من التقدم التكنولوجي؛ حيث الاتصالات المـشـفـرة، والـــعـــملات الـرقـمـيـة، والمُُــســي ََّــرات الـتـجـاريـة، والــطــبــاعــة ثلاثـــيـــة الأبــــعــــاد، والــــذكــــاء الاصــطــنــاعــي، جعلت قــدرات كانت حكرا على الــدول أو التنظيمات الكبيرة متاحة لأفراد وشبكات صغيرة. إرهابيو اليوم لا يحتاجون إلـى جـــوازات سفر؛ لأنََّهم يمكن أن ينبتوا من داخل الدول التي تستطيع مراقبة حدودها، ولكنََّها تعجز عن إقامة جدار حول المـحـتـوى الـــذي يستهدف وعـــي مواطنيها مــن خلال الــفــضــاء الــرقــمــي، والــتــطــور الـتـكـنـولـوجـي الــــذي أمـد الإرهـــــاب الــيــوم بتقنيات عـــدة شــديــدة الــخــطــورة من الاتــصــالات المـشـفـرة، والــعــملات الرقمية، والمُُــسـيََّــرات الـــتـــجـــاريـــة، والـــطـــبـــاعـــة ثلاثــــيــــة الأبـــــعـــــاد، وكـــــل هـــذه كــانــت حــكــرا عـلـى الـــــدول؛ لكنها بــاتــت الــيــوم متاحة للميليشيات والتنظيمات الكامنة في مخابئها. والآن جاء الذكاء الاصطناعي وهو الأخطر. سـبـتـمـبـر؟ أعـتـقـد أن 11 مــــاذا تـبـقـى مــن دروس نقص المخيِِّلة الـتـي فشلت يومئذ فـي تـصـور تحو ُُّل الطائرة المدنية إلى قنبلة بشرية انتحارية، ما زالت تــعــيــش قـــصـــورهـــا، مـــن خلال اســـتـــمـــرار الــبــحــث عن الإرهابي النمطي في المطار، ومراقبة التنظيمات في معسكراتها النائية، بينما هي اليوم معسكرات رقمية تنفذ إلى داخـل الـدول من خلال سلطة الخوارزميات والمحتوى المزيف. الخطر لم يختف ِِ؛ لكنه غي ََّر شكله، بينما ما زالت أجــزاء من هـذا العالم عالقة في الـصـورة التي عرفته بها قبل ربع قرن. الخطر لم يختف لكن ََّه غي ََّر شكله وما زالت أجزاء من العالم عالقة في الصورة التي عرفته بها المواطن الذي يواجه الواقع كما هو يظل دائما أقدر على استيعاب التحولات وصيانة مقدرات مجتمعه يوسف الديني عبد الغني الكندي OPINION الرأي 14 الإرهاب الذي غي ََّر شكله الاستهلاك العاطفي في التحليل السياسي حين تتقدم السوق وتتراجع الجامعة... تخسر الدولة الجامعة تحتاج إلى حوكمة تجعل الإدارة والموارد في خدمة البحث والابتكار عبد الله فيصل آل ربح
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky