issue17457

الثقافة CULTURE 18 Issue 17457 - العدد Monday - 2026/9/14 الاثنين حكايات بين مدينتين صـــــــدرا أخــــيــــرا عــــن مـــؤســـســـة شـمـس للنشر والإعلام بالقاهرة؛ للأديبة العراقية «عـالـيـة طـالـب» كتابها الـجـديـد «الـقـاهـرة - بـغـداد: حكايات على ضفاف النهرين». صـفـحـات مــن القطع 208 يـقـع الـكـتـاب فــي حكاية تتنوع ما 45 المتوسط، ويتضمن بين حوارات ومقاربات وشواهد تاريخية، تحمل فـي سرديتها مـامـح مـن الحاضر والمـــاضـــي تـجـمـع بـــن المـديـنـتــن، ليصبح المكان جسرا بين حضارتين وذاكرتين. لـكـن الــكــتــاب، رغـــم ذلــــك، لـيـس مجرد مقالات عن مكانين، بل يعد محاولة لفتح حـــــوار بـــن مــديــنــتــن، الـــقـــاهـــرة وبــــغــــداد،، واســــتــــعــــادة مــــا يــجــمــعــهــمــا فــــي الــــذاكــــرة والوجدان، عبر عين كاتبة عاشت التجربة وتـــأمـــلـــتـــهـــا مــــن الــــــداخــــــل. وتــــأخــــذ عــالــيــة طالب الـقـارئ في رحلة ثقافية وإنسانية بــــن مــديــنــتــن تـــخـــتـــصـــران جـــانـــبـــا كـبـيـرا مـن ذاكـــرة الـحـضـارة الـعـربـيـة. ومــن خلال مقالات ومشاهدات ومقاربات، تقرأ المؤلفة الأمكنة والشواخص والآثـــار، لا بوصفها حجارة صامتة، إنما بوصفها ذاكرة حيّة تستمر فـي مخاطبة الإنـسـان والحاضر، ورحلة ممتدة، مفتوحة دائما على تخوم البدايات والنهايات. بين النيل ودجلة، والقاهرة وبغداد، تـتـقـاطـع الــحــكــايــات والـــتـــاريـــخ والـــتـــراث، وتتجاور أهرامات مصر مع بابل العراق، لــتــكــشــف المــــقــــارنــــة عــــن وشــــائــــج عــمــيــقــة، واخــــتــــافــــات ثــــريــــة، وتـــــجـــــارب إنــســانــيــة وحضارية تستحق أن تُقرأ من جديد. وســــبــــق أن أصــــــــــدرت عــــالــــيــــة طـــالـــب عــــددا مــن الأعـــمـــال الأدبـــيـــة، مـنـهـا روايــــات «أُم هنا... أُم هُناك» و«الـوجـوه» و«قيامة بغداد»، وعددا من المجموعات القصصية، منها: «الممرات» و«بعيدا داخـل الحدود»، و«امـــــــــرأة فــــي الـــــعـــــراء» و«بــــحــــر الـــلـــؤلـــؤ»، و«حــكــايــات الـــرمـــل»، و«امـــــرأة بــا نـسـاء»، و«نُواح الآلهة». من أجــواء الكتاب، تقول الكاتبة:«... وقــــد عـــرفـــت المــنــافـــي قــبــل ذلــــك فـــي وطـنـي نـفـسـه، خـــال ســـنـــوات الـــخـــوف والإرهـــــاب وانــــعــــدام الــطــمــأنــيــنــة، حـــن تــنــاثــر الأهـــل والأحـــــبـــــة والأصــــــدقــــــاء بـــعـــيـــدا عــــن أرض الـــعـــراق. ومـــن هـنـا جــــاءت مــقــارنــاتــي بين القاهرة التي احتضنتني، والـعـراق الذي ظل حبة القلب. أحببت القاهرة التي ربتت على جراحي حتى تشافت، وودعتني بكل حـب حـن عــدت إلــى بـلـدي، ثـم عــدت إليها بعد سنوات، حاملة لها ولأهلها امتنانا لا ينتهي، لمـا منحتني وعائلتي مـن حب وسلام واحتواء». القاهرة: «الشرق الأوسط» كتاب بالإنجليزية يتناول أعمالا لكتاب عرب من مختلف الأجيال الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا في أقصوصة فرانز كافكا «المسخ» يستيقظ شاب يدعى جريجور سامسا من نومه ذات صباح ليجد نفسه وقد تــحــول فــي فــراشــه إلـــى حــشــرة مقلوبة على ظهرها لا تملك أن تعتدل فتروح تـتـخـبـط عــبــثــا بــأرجــلــهــا الـنـحـيـلـة في الهواء. وفــــي روايــــــة الأديــــــب الـفـلـسـطـيـنـي إمـــيـــل حـبـيـبـي «الـــوقـــائـــع الــغــريــبــة في اختفاء سعيد أبــي النحس المتشائل» ) يــخــتــفــي الــفــلــســطــيــنــي بـفـعـل 1972( «فــــضــــائــــيــــن» («فــــــدائــــــيــــــن»؟) جــــــاءوا مــــن الـــســـمـــاء، حـــســـب تــفــســيــر الـبـعـض لاختفائه. وفي رواية نجيب محفوظ «ليالي ) حكاية تحمل عنوان 1982( » ألف ليلة «مــــعــــروف الإســـكـــافـــي». مـــعـــروف فقير مـــطـــحـــون يـــعـــانـــي الأمـــــريـــــن عـــلـــى يـــدي زوجـتـه الـشـرسـة إلــى أن يأتيه عفريت مــن عـالـم الـجـن يمنحه خـاتـم سليمان -رمـــز الــقــدرة السحرية- فيطلق امـرأتـه الــظــالمــة ويــســتــخــدم الــخــاتــم فـــي صنع الخير وإقرار العدل وإسعاد الناس. هـذه نماذج من أدب الفانتازيا أو الإغــراق في الخيال. وكلمة «فانتازيا» -حـــســـب قــــامــــوس «الــنــفــيــس: fantasy إنـــجـــلـــيـــزي- عــــربــــي» لـــلـــدكـــتـــور مــجــدي وهبه- تعني عدة أمور: عجيب، غريب، خــيــالــي، وهـــمـــي، مـــحـــال، غـيـر مـعـقـول، ضــــخــــم إلـــــــى حـــــد لا يـــــصـــــدق، خـــــــارق. فالفانتازي ضـرب من القص نجد فيه أن المـمـكـن وغـيـر المـمـكـن يختلطان إلـى حـــد يـحـيـر الـــقـــارئ (وكـــثـــيـــرا مـــا يحير الـــــــراوي أو الـشـخـصـيـة الــرئــيــســيــة في الـــقـــصـــة) إذ لا يـــجـــد تـــفـــســـيـــرا مـتـسـقـا لأحــــــــــداث الــــقــــصــــة الــــغــــريــــبــــة. ويــــذهــــب تــزفــتــان تــــــودوروف فــي كـتـابـه «مـدخـل ) إلـــى أن 1970( » إلـــى الأدب الـفـانـتـازي الحكي الفانتازي يتضمن ترددا لا حل لــه بــن الـتـفـسـيـرات الــخــارقــة للطبيعة الـتـي نـجـدهـا فــي قـصـص الـعـجـائـب أو الـــخـــوارق وبـــن الـتـفـسـيـرات الطبيعية أو النفسية الـتـي نجدها فـي حكايات «الغريب». والــــفــــانــــتــــازيــــا قـــديـــمـــة قــــــدم الأدب والـــــفـــــن: فـــنـــحـــن نـــجـــدهـــا فــــي أســـاطـــيـــر الإغــــريــــق، وكـــتـــاب «ألـــــف لـيـلـة ولــيــلــة»، وحكايات الجنيات والقصص الخيالية فـي المــأثــورات الشعبية لمختلف الأمــم، والمــــدن الـفـاضـلـة أو نقيضها مــن مـدن كــابــوســيــة، وقــصــص الـــرعـــب الـقـوطـيـة مـــثـــل «فـــرانـــكـــنـــشـــتـــايـــن» لمـــــــاري شِــــلّــــى، و«دراكــــــــولا» لـــبـــرام ســتــوكــر، وروايـــــات الـخـيـال الـعـلـمـي، والـواقـعـيـة السحرية عند أدبـاء أميركا اللاتينية ومن حذوا حذوهم. هــــذه الـــفـــانـــتـــازيـــا مـــوضـــوع كـتـاب بـــالـــلـــغـــة الإنـــجـــلـــيـــزيـــة صــــــدر فـــــي هـــذا الصيف عن مطبعة جامعة إدنبرة. يقع الكتاب في قرابة ثلاثمائة صفحة وهو من تأليف ألكسندرا شريتح الأستاذة المــســاعــدة لــــأدب الــعــربــي والـــدراســـات الأدبـيـة والبصرية الدولية في جامعة تفتس الأميركية. وعنوان الكتاب Alexandra Shraytekh، The Modern Arabic Fantastic، Edinburgh 2026 ،University Press تــقــول شـريـتـح إن الــفــانــتــازيــا بما تــشــتــمــل عـــلـــيـــه مــــن حــــكــــايــــات عـجـيـبـة وأخبار غريبة نمط من الكتابة يرتبط عــادة بـأزمـة اجتماعية أو سياسية أو جـمـالـيـة، ونـقـلـة مـــن الـيـقـن إلـــى الـشـك نــــاجــــمــــة عـــــن تـــقـــحـــم عـــنـــصـــر خــــارجــــي على الـواقـع اليومي المـألـوف. إنـه نتاج مــــواجــــهــــات مــــع غــــربــــاء (قــــــد يـــكـــونـــون أشباحا أو موتى عادوا إلى الحياة، أو كائنات من خارج الأرض). فالفانتازي موقع للالتباس أو الغموض، واختراق لــــقــــوانــــن الـــعـــلـــيـــة والــــــزمــــــان والمـــــكـــــان، ومسرح لما هو خارق وسحري. وتـسـلـط المــؤلــفــة عــدســة مـنـظـارهـا التحليلي على عدد من الأعمال الأدبية لـــكـــتـــاب عــــــرب مـــــن مـــخـــتـــلـــف الأجـــــيـــــال: «قنديل أم هاشم» ليحيى حقي، «عالمي المجهول» لأليفة رفعت، «فرانكشتاين فـي بـغـداد» لأحمد الـسـعـداوي، «فقهاء الــظــام» لسليم بـركـات وغـيـرهـم. وفـي هذه الأعمال نجد جدلا بين عالم الغيب وعـــالـــم الـــشـــهـــادة، وإبـــحـــارا بـــن عـوالـم العلم والصوفية، ومجالا للتفريج عما هو مكبوت وقد يحمل أبعادا سياسية. وتوجه المؤلفة اهتماما خاصا إلى روايـــــة الـــقـــاص الـــرائـــد مــحــمــود تـيـمـور «مــوبــاســان المــصــري» «نــــداء المـجـهـول» ) وهـي مروية على لسان سائح 1939( مـصـري فـي لـبـنـان يـــزور قـريـة صغيرة ويــــنــــطــــلــــق مــــنــــهــــا لـــلـــبـــحـــث عــــــن قــلــعــة أسطورية سحرية في قلب الجبل. ويقع الـــــراوي فــي حــب مستشرقة إنجليزية تجيد اللغة العربية، ومهتمة بالفكر الصوفي، تدعى مس إيفانز. إن أحداث ولكنها ترتد 1908 الرواية تدور في عام بـالـذاكـرة إلــى صـــراع الــــدروز والطائفة . والرحلة 1860 المارونية في لبنان في إلى القلعة أشبه برحلة حج وضرب من ريــاضــة الـنـفـس يستخدم فيها تيمور مصطلحا لفظيا وصـورا شعرية أشبه بما نجده في نثر جبران خليل جبران. إن «الاســتــشــراق» الـغـربـي يتحول هنا إلــى «إشــــراق» صـوفـي. واتــجــاه إيفانز إلــــــى المــــشــــرق وهــــــي الأوروبــــــيــــــة يـمـثـل امـــتـــزاجـــا بـــن الـــشـــرق والــــغــــرب، الــــذات والآخر، الحاضر والماضي. ولـــــلـــــكـــــتـــــاب بـــــبـــــلـــــيـــــوغـــــرافـــــيـــــا فـــي قـــرابـــة خــمــســن صــفــحــة تــشــهــد بسعة عـــلـــم المـــؤلـــفـــة وإحـــاطـــتـــهـــا المــوســوعــيــة بـمـوضـوعـهـا. ولـكـنـي افــتــقــدت فـيـه أي إشـــــارة إلـــى كــتــاب بـالـلـغـة الإنـجـلـيـزيـة يبدو أنه لم يقع لها، وهو كتاب صدر عـن دار إلـيـاس للنشر فـي الـقـاهـرة في ، حـــررتـــه الـــدكـــتـــورة مــلــك هـاشـم 1985 والــدكــتــورة سـيـزا قـاسـم دراز، عنوانه Flights of Fantasy » «سبحات الخيال وهـــو يـضـم تــرجــمــات إلـــى الإنـجـلـيـزيـة لـعـدد مــن الـقـصـص الـعـربـيـة القصيرة الـفـانـتـازيـة لنجيب مـحـفـوظ ويـوسـف إدريس وشفيق مقار وآخرين. وإذ يـسـجـل كــتــاب شـريـتـح جانبا من رحلة الـروايـة العربية من الواقعي إلــى الفانتازي فإنه يلقي ضــوءا مهما عــلــى الــفــانــتــازيــا بـــن الـــشـــرق والـــغـــرب ويوضح كيف أن الفانتازيا حساسية مــــن لـــــون مـــعـــن وأجــــرومــــيــــة قـصـصـيـة وتـــوتـــر بـــن أقـــطـــاب مــتــقــابــلــة: الـيـقـظـة والـــحـــلـــم، الــحــقــيــقــة والـــــوهـــــم، الإيـــمـــان والعقل، المـــوروث والحداثة. والنتيجة الــتــي تنتهي إلـيـهـا هــي أن الـفـانـتـازي يـــســـتـــعـــصـــي عــــلــــى أي مـــعـــنـــى ثــــابــــت، ويتسع لعديد مـن التفسيرات، ولكنه يحدث تحولا في نفس القارئ. إنه عابر لـلـثـقـافـات والأزمـــنـــة والأمـــكـــنـــة. ونـحـن أحـــوج مـا نـكـون إلــى أن نـدرسـه الـيـوم، خــاصــة وأنـــنـــا نـعـيـش فـــي ظـــل مـفـارقـة يلخصها قـولـهـا: «لـقـد غــدا الفانتازي هو الواقعية الجديدة في زماننا». د. ماهر شفيق فريد توجه المؤلفة اهتماما خاصا إلى رواية القاص الرائد محمود تيمور «موباسان المصري» «نداء المجهول» «ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي بـــعـــن حـــســـاســـة تـــجـــاه ثــــــراء المــشــاهــد الـبـصـريـة ووجــــــدان مــرهــف الـــحـــس، يـحـول الـــفـــنـــان الــتــشــكــيــلــي المــــصــــري ســمــيــر فــــؤاد مذكراته إلى لوحة بانورامية دافئة يمتزج فيها الحنين بالأسى تجاه تحولات الأماكن من الجمال إلـى الفوضى، ومـن الهدوء إلى الصخب عبر كتابه «ميدان سفير - مذكرات الطفولة والصبا»، الصادر في القاهرة عن دار «الشروق». مـــن شــرفــة تـطـل عـلـى «مـــيـــدان سفير» الـــذي يتوسط حـي «مـصـر الــجــديــدة»، أحد أرقــــى أحـــيـــاء الـــقـــاهـــرة، وفـــي الـشـقـة نفسها ، يفتح الفنان 1944 التي شهدت مولده عام نافذة واسعة على زمن كان الجمال فيه ركنا يوميا من أركان الحياة. ويأخذنا في رحلة داخـل مجتمع كان يــضــج بــالــتــنــوع والـــتـــعـــايـــش، حــيــث كـانـت الــــشــــوارع مـــاعـــب آمـــنـــة لـــأطـــفـــال، والمـــتـــرو وسـيـلـة لاكـتـشـاف الـعـالـم بــا خـــوف، ودور السينما طقسا اجتماعيا حميما ومصدر بهجة للعائلات، لكن هذا لا يمنع أن الذاكرة اليقظة لا تـزال تحفل بمشهد حرائق وسط .1952 العاصمة وتلتقط عينا الفنان مشاهد المـدارس الـــتـــي شــغــلــت قــــصــــورا تـــاريـــخـــيـــة، وحـفـلـت بـمـعـلـمـن كـــانـــوا قـــامـــات ثــقــافــيــة وفــنــيــة لا مــجــرد مـلـقـنـن، ومـنـهـم مـعـلـم الــرســم الــذي رعــــى المــــواهــــب الـــبـــازغـــة، وفـــتـــح لــهــا أبــــواب الفن العالمي، ومعلم اللغة الذي قاد تلميذه إلــــى صـــالـــون الـــعـــقـــاد، وصـــــولا إلــــى مـــدرس المـــوســـيـــقـــى الـــــــذي شــكــلــت حــصــتــه وجـــــدان الطلاب. عــبــر صــفــحــات الـــكـــتـــاب، نــــرى المـبـانـي عـــــلـــــى طــــــــــــراز «الآرت ديكو» البديع، وقصر الـــــــــبـــــــــارون الـــــشـــــامـــــخ، والـــــحـــــدائـــــق الــــغــــنَّــــاء، وكيف مثّل الحي وعاء حـــاضـــنـــا لــســلــوكــيــات راقـــــيـــــة، ونــــمــــط حـــيـــاة مـــتـــزنـــا. كــــل ذلـــــك عـبـر شـــــهـــــادة حــــيــــة لـــفـــنـــان يـــــرى حــــاضــــره تــحــول إلـــــــــــى خـــــــيـــــــال مـــــشـــــوه لمـــــاضـــــيـــــه، فــــيــــقــــرر أن الفن هو فعله الوحيد لــــــــلــــــــمــــــــقــــــــاومــــــــة، وأن اســـــتـــــعـــــادة تـــفـــاصـــيـــل هذا العالم المفقود هي محاولة جادة لترميم الذاكرة الجمعية ضد معاول النسيان والتجريف. يـتـوقـف فــــؤاد بـشـكـل خـــاص أمــــام عـام ، الــــــذي عـــــرف الأحــــــــداث الـــجـــســـام فـي 1952 مصر، من حريق القاهرة في يناير (كانون الـــثـــانـــي)، إلــــى ثـــــورة الــضــبــاط الأحــــــرار في يـولـيـو (تـــمـــوز)، حـيـث لا يــــزال يـتـذكـر كيف عاد والده من العمل مبكرا على غير العادة قائلاً: «إنهم يحرقون وسط البلد!». وتــــــوالــــــت الأنــــــبــــــاء عـــــن الــــــدمــــــار الـــــذي شـمـل الـكـثـيـر مـــن دور الـسـيـنـمـا والــفــنــادق والمــــحــــات الـــتـــجـــاريـــة. كــــان الأب مـضـطـربـا ويريد الاطمئنان على زوج ابنته «سوسو» ومحله فـي شــارع عماد الـديـن، لا سيما أن المحل يحمل «دانش»، ويمكن أن يوحي بأن صاحبه من الأجانب المستهدفين بالحرائق. تلى ذلــك فــرض الأحـكـام العرفية بعد الـحـريـق، فـالمـحـال أغلقت أبـوابـهـا، والمـتـرو تـوقـف عـن السير بعد الــغــروب، لكن سُمح للأفراد بالخروج. أصاب الأب الكمد بسبب ما حدث من تدمير لمنطقة وسط البلد التي امتلك ذكريات طويلة فيها، وتحدث بأسى عــن فـنـدق «شـــبـــرد»، أحـــد الـفـنـادق العالمية الــــذي جـــري تــدمــيــره تــمــامــا، وبـالـطـبـع عن مــكــانــه المــفــضــل «جــــروبــــي» بـــشـــارع عــدلــي، لكن حزنه كان أكثر على سينما «ريفولي» التي اعتادت العائلة الذهاب إليها في فصل الــشــتــاء والــجــلــوس فـــي قــاعــة حـفـل الـشـاي الملحقة بها في الدور الأول. مــــن الــــذكــــريــــات المــــحــــفــــورة فــــي ذاكـــــرة سمير فؤاد من فترة الصبا، أحداث العدوان الــثــاثــي عـلـى مـصـر فـــي نـوفـمـبـر (تـشـريـن بـعـد تـأمـيـم قـنـاة الـسـويـس، 1956 ) الـثـانـي والــحــمــاس الــــذي غـلـف الــجــو الـــعـــام، حيث بقيت الإذاعـة والصحف في حالة استنفار وشــــــحــــــن مـــــســـــتـــــمـــــريَّـــــن، وكـــــــــــان الأب مـــن المتحمسين لجمال عبد الناصر ووقوفه في وجه بريطانيا العظمى، أما الصبية فكانوا إما لاهين عن الأمر برمته، وإما يسيرون مع التيار العام. يتذكر فـؤاد جيدا ليلة الهجوم، حيث زارتـهـم ابنة خالته «رجــاء بـكـري»، وجلس الـجـمـيـع فـــي الــغــرفــة الــغــربــيــة المــطــلــة على مــيــدان سفير فــي جــو خـريـفـي جـمـيـل، وقـد انتهى موسم السينمات الصيفية، وأغلقت سينما «رفــيــيــرا» أبــوابــهــا، والمـــيـــدان يمتد خــــارج الــنــافــذة يـغـلـفـه الـــهـــدوء والـسـكـيـنـة، وأكملت المشهد أضواء المحلات المتناثرة في جنباته، وفجأة دوَّت صفارة الإنـذار تمزق هـدوء اللحظة، وبعد فترة سُمعت أصوات أزيـــــز الـــطـــائـــرات، وبـــــدأت طــلــقــات المـدفـعـيـة المضادة للطائرات تدوي، ثم امتلأت السماء بأضواء القناديل التي ألقتها الطائرات. لـــم يــمــض الــكــثــيــر وبــــــدأت انـــفـــجـــارات الـــقـــنـــابـــل تـــهـــز المــــــنــــــزل؛ لأن مـــــن الأهــــــــداف الـرئـيـسـيـة كـــان مــطــار ألمــاظــة الــقــريــب منه، وشعرت العائلة أن مصدر الانفجارات كما لو أنه فوق رءوسهم. الضوء الساطع أضاء الميدان مثل وميض البرق، وبعده بلحظات أتـــى هــزيــم الانــفــجــار الــــذي اهــتــز لـــه المـنـزل بعنف كأنه سيهوي على الرؤوس. اللقاء مع العقاد تنوعت قـــراءات سمير فــؤاد في شتى المجالات من العلوم والفلسفة والأدب، وفي المــرحــلــة الــثــانــويــة تـــصـــدَّر عـــبـــاس الــعــقــاد، حيث شغف بأسلوبه وتطويعه للمنطق لإثـــــبـــــات وجــــهــــة نـــــظـــــره، ثـــــم أتــــيــــح لـــــه فــي نهاية الخمسينات، وهـو في العام الثاني مـــن المــرحــلــة الـــثـــانـــويـــة، أن يـنـضـم لـنـدوتـه الأســبــوعــيــة بـواسـطـة أستاذ اللغة الفرنسية عبد الوهاب المصري. كـــــــــــــان المـــــــصـــــــري شخصية استثنائية؛ فــــهــــو مـــثـــقـــف وقـــــــارئ نــــــهــــــم، ومـــــــــا إن عـــلـــم بــحــب فـــــؤاد لـكـتـابـات الـــــــعـــــــقـــــــاد حــــــتــــــى بــــــدأ يناقشه فيها، ووعـده بـــــــــــأن يـــــــــــــزور نــــــدوتــــــه الأســــــــبــــــــوعــــــــيــــــــة يـــــــوم الـــــجـــــمـــــعـــــة صــــبــــاحــــا، ومـــــــا زاد مـــــن شــغــفــه بـتـلـك الـــزيـــارة أنـــه قـرأ وأعجب بكتاب العقاد «فـــي بـيـتـي» الــــذي يـتـحـدث فـيـه عـــن منزله وكـتـبـه ولــوحــاتــه، فــــأراد أن يـشـاهـد بعينه بعض ما وصفه في كتابه. فـــي الـــيـــوم المــــوعــــود، ذهــبــا إلــــى مـنـزل الـــعـــقـــاد فـــي شـــــارع شـفـيـق غـــربـــال بـمـيـدان «روكـــســـي» بـعـمـارة جميلة مــا زالـــت قائمة حتى اليوم، لكنها تشتكي من الإهمال بدلا من جعلها مزارا ومتحفا له. وكان العقاد قد شغل الطابق الأول بكامله. ويـــــذكـــــر المـــــؤلـــــف أنـــهـــمـــا دخــــــا صـــالـــة فــــســــيــــحــــة، وعــــــلــــــى الـــــيـــــمـــــن مــــنــــهــــا غــــرفــــة الاســتــقــبــال، حـيـث كـــان الــعــقــاد يـجـلـس في صدارتها. صافحهما ولم يبد أي استغراب مــــن حــــداثــــة ســــن الــــصــــبــــي، فـــيـــمـــا تـــراصـــت المـقـاعـد حـــول الـغـرفـة، وكـــان هـنـاك عـــدد من مريدي الرجل، بينما دارت المناقشات حول موضوعات عديدة كيفما اتفق. داوم ســمــيــر فـــــؤاد عــلــى زيــــــارة نـــدوة العقاد من باب الفضول، ويروي أنه في يوم أخـذ لوحة من لوحاته ليريها للرجل على أساس أن له باعا في النقد الفني، ولا يذكر الآن تعليقه؛ كـــل مــا يــذكــره أنـــه كـــان كلاما عاماً. وسُمح له بالتجول بحرّية في منزل العقاد، حيث انتشرت أرفـف الكتب في كل مكان، وتعجب لكيفية إيجاده الكتاب الذي يـريـده فـي هـذه المتاهة؛ «لأنـنـي لـم أجـد أي علامات تدل على أي نظام تبويب». وعلى الــحــوائــط مـجـمـوعـة مـــن الــلــوحــات الـفـنـيـة، منها اثنتان للعقاد بريشة «صلاح طاهر» واحـــــــدة زيـــتـــيـــة كـــبـــيـــرة والأخــــــــرى جـانـبـيـة بالباستيل. ومــن المجموعة لـوحـة لقطعة مـن التورتة تقف عليها ذبـابـة ذكـر العقاد فــــي كـــتـــابـــه «أنــــهــــا ارتـــبـــطـــت بــقــصــة غـــرامـــه الفاشلة للفنانة مديحة يسري التي أوحت إليه بروايته الوحيدة (سارة)». القاهرة: رشا أحمد

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky