issue17456

مـنـذ انــتــخــابــات بـــرلمـــان كــردســتــان فـــي أكـتـوبـر مـــضـــى قــــرابــــة الـــعـــامـــن مـن 2024 ) (تـــشـــريـــن الأول دون حـكـومـة جــديــدة، وبـبـرلمـان لا ينعقد. مــن هـذه الحقيقة ينبغي أن يبدأ أي تقدير لوضع الإقليم، لا من الهجمات ولا من الخطاب المـعـادي، فكردستان اليوم بين خطرين لا خطر واحــد: تعطيل المؤسسة من الداخل، وتهديد الجغرافيا من الخارج، والصلة بـيـنـهـمـا لــيــســت تــــجــــاوراً، بـــل ســبــبــيــة؛ فـالمـؤسـسـة المعطَّلة لا تحمي جغرافيا، والجغرافيا لا تُقتطع بالسلاح وحده، بل تُقتطع أولا حين يغيب من يملك صلاحية الدفاع عنها. فـــي الــســابــع عـشـر مـــن أغـسـطـس (آب) المـاضـي استهدفت طائرتان مسيّرتان مفخختان، انطلقتا مـــن الأراضـــــــي الإيــــرانــــيــــة، المـــكـــتـــب الـــخـــاص لـرئـيـس حكومة الإقليم، ومقر إقامة مدير وكالة الحماية في قضاء بيرمام (مصيف صلاح الدين). لم تقع خسائر بـــشـــريـــة، ولـــيـــس هــــذا تــفــصــيــا عــــارضــــا؛ فـالـهـجـوم كـانـت 2019 لــم يُــصــمَّــم لـلـقـتـل، بــل لـلـرسـالـة، فـمـنـذ الأهــداف منشآت، وفـي مقدمتها حقل كـورمـور، أما الآن فقد انتقلت إلى رأس السلطة التنفيذية ورأس جهازها الأمـنـي مـعـا، والــفــارق بـن اسـتـهـداف حقل غـــاز واســتــهــداف مكتب رئـيـس حـكـومـة هــو الـفـارق بين الضغط على الاقتصاد والضغط على السلطة. لـكـن المــســيّــرات ليست أنـجـع أداة، الأنــجــع أن تُــتـرك مؤسسات الحكم معطَّلة بأيدي أصحابها، فإضعاف المؤسسة لا يستوجب إسقاطها، يكفي أن تُمنع من إنتاج القرار، وهنا يلزم تمييز الخلاف بين الحزبين 23 مقعداً، والثاني 39 الرئيسيين - وقد نال أولهما مـن مـائـة - فهو خـــاف داخـلـي حقيقي على صيغة الشراكة وتوزيع السلطة، لم تصنعه جهة خارجية ولا يـصـح تحميلها إيـــاه، أمــا مـا تصنعه الأطـــراف الـخـارجـيـة فـشـيء آخـــر؛ فـهـي لا تنتج الـــخـــاف، بل تـسـتـثـمـر فـــي إطـــالـــة أمـــــده، والـــســـؤال الـعـمـلـي ليس مـن افتعل الأزمــــة، بـل مـن يجني عـائـد استمرارها. والعائد واضح، فإقليم بلا حكومة كاملة الصلاحية هو إقليم بلا من يفاوض باسمه، والطرف الـذي لا يستطيع الالـتـزام لا يستطيع الـتـفـاوض، يستطيع الانـــتـــظـــار فــقــط، وهــــذا وحــــده مـكـسـب اسـتـراتـيـجـي لخصوم الإقليم، يُحصَّل بلا تكلفة وبلا رصاصة. وحين يبلغ التعطيل عامين ينتقل السؤال من مشروعية المطالب إلى مضمونها، فالشراكة الفعلية حــق لا مِــنّــة، وتقديمها واجـــب على الـفـائـز الأول لا فضل منه، وهي ليست حساب مقاعد وحدها، لكن بــن المـطـالـبـة بـشـراكـة فــي الـــقـــرار والمـطـالـبـة بحصة من الـوزارات السيادية تتجاوز ما أفرزه الصندوق، فـرقـا يعيد إنــتــاج منطق المـحـاصـصـة الـــذي جــاءت الانــتــخــابــات لــتــجــاوزه. وفـــي المــلــف الأمــنــي بــالــذات تـضـيـق هـــوامـــش المـــســـاومـــة؛ فــالإقــلــيــم يـــديـــر واقــعــا إداريا وأمنيا شبه مزدوج، وتوزيع المواقع السيادية على هذا الواقع يثبّته ولا يوحّده، وحـدود تُخترق بالمسيّرات، ومكتب رئيس حكومة يُستهدف مع مقر مدير جهاز حمايته، يجعلان وحــدة الـقـرار الأمني شرط بقاء لا ورقة تفاوض. وهـنـا يلتقي الــخــطــران، فـالمـلـفـات الـتـي تتقرر فــيــهــا حــــــدود الإقـــلـــيـــم الــفــعــلــيــة مـــلـــفـــات تــفــاوضــيــة 140 بطبيعتها: المـنـاطـق المــتــنــازع عـلـيـهـا، والمـــــادة المــعــلَّــقــة مــنــذ عــقــديــن، وحــصــة المــــوازنــــة والــــرواتــــب، وأنبوب التصدير وشروط تشغيله... وفي كل منها غياب طـرف كردستاني قــادر على الالـتـزام لا يُبقي الــوضــع عـلـى حــالــه، بــل يـرجّــحـه بـالـتـقـادم لمصلحة الطرف الآخر، فالجغرافيا لا تُخسر دائما في معركة؛ تُخسر أحيانا في محضر اجتماع لم يحضره أحد. ويضاف عامل نـادرا ما يُحسب: موقع الإقليم في الوعي الشعبي العراقي. فأحدث بيانات وزارة 43.6 التخطيط الاتــحــاديــة تـضـع نسبة الـفـقـر عـنـد في 28.9 فـــي بـــابـــل، و 34.4 فـــي المـــائـــة فـــي المــثــنــى، و فـــي المـــائـــة عــلــى المـسـتـوى 17.5 الـــديـــوانـــيـــة، مــقــابــل الــوطــنــي، فـــي حـــن بـقـيـت فـــي أربـــيـــل والـسـلـيـمـانـيـة دون عشرة في المائة، وهـذه الأرقـام لا تصف إقليما بـــا مــشــكــات، لـكـنـهـا تـجـعـل مـنـه مـقـيـاسـا، ومـئـات الآلاف مـــن الــعــراقــيــن يــــزورونــــه ســنــويــا فـيـعـقـدون المقارنة بأعينهم من دون وسيط سياسي، والقوة الـتـي يُــقـاس بها الآخــــرون تصير عندهم مشكلة لا نموذجاً، وهـذا يفسّر جانبا من حـدّة الخطاب ضد الإقليم لـدى قـوى تحكم محافظات تتصدّر جـداول الفقر. وفــي المـقـابـل، لـم يتوقف الإقليم عـن مشاريعه فــي الــطــرق والمـــيـــاه والــصــحــة والـتـعـلـيـم رغـــم ضيق الــوارد المالي، ولـم يتصرف بمنطق تصدير الأزمـة، فـدعـمـت قــيــادتــه المـــســـار الـسـلـمـي للقضية الـكـرديـة فـــي تــركــيــا والانـــتـــقـــال مـــن الـــســـاح إلــــى الــســيــاســة، وأســهــمــت فـــي مـــســـار الـــحـــوار بـــن دمـــشـــق و«قـــــوات سوريا الديمقراطية» ودمجها في مؤسسات الدولة الـسـوريـة، ووسّــعـت أربـيـل شبكة علاقاتها العربية والدولية حتى صار حضور البعثات والقنصليات فيها مؤشرا على تحوّلها من ساحة نزاع إلى نقطة تـــواصـــل، وهــــذا رصــيــد اسـتـراتـيـجـي حـقـيـقـي، لكنه رصيد سياسة خارجية لا يعوّض عجزا في الداخل، ولا يُصرف إلا بحكومة قادرة على التوقيع. ومــــــع ذلــــــك تـــبـــقـــى الـــعـــلـــة الأولـــــــــى فـــــي الـــبـــيـــت؛ فالخصم لا يوسّع هوّة لم تُحفر أصلاً، وما لم تُرتَّب أوضاع البيت الكردستاني بقيت المسافة بين أبنائه مادة مفتوحة للاستثمار، وهذا هو الفرق بين خصم يــهــاجــم وخــصــم يـنـتـظـر: الأول يــحــتــاج إلــــى قــــدرة، والثاني يكفيه صبر وخلاف لا يُغلق. والخلاصة أن الإقليم ليس على حافة الانهيار وليس في مأمن، ومـا يتآكل أولا ليس حـــدوده، بل قدرته على الفعل، وحدوده تتبع هذه القدرة، وثلاثة عقود من تجربة مؤسسية تعددية في أقسى بيئة إقليمية ليست رصـيـدا يُستهلك بالتقادم مـن دون ثـمـن. ومـــن هـنـا، فـــإن الاخـتـبـار الأقــــرب لـيـس فــي ما يـفـعـلـه الــخــصــوم، بـــل فـــي تـــاريـــخ تـشـكـيـل الـكـابـيـنـة العاشرة وعودة البرلمان إلى الانعقاد، فما دام هذان معلَّقين يبقى كل ما عداهما - من الموازنة إلى النفط إلى الضمانات الأمنية - مؤجَّلا بحكم الأمر الواقع، لا بقرار أحد. Issue 17456 - العدد Sunday - 2026/9/13 الأحد يــــوم الأحـــــد المـــاضـــي جــــرت انــتــخــابــات في ولايــة «ساكسوني- أنهالت» الألمانية، خلالها تمكَّن حــزب يميني متشدد هـو «حــزب البديل لأجـــل ألمـانـيـا» مــن تحقيق نـصـر انـتـخـابـي عُــد 45 تاريخياً، وفـاز بنسبة أصـوات بلغت قرابة في المائة، وترجم ذلك برلمانيا حصوله على عدد مقعدا في برلمان المقاطعة، أي 83 من مجموع 39 مقاعد عن حيازة الأغلبية. 3 بنقص الـفـوز الانتخابي عـــدّه بعض المعلقين في أوروبــــا زلــــزالا سـيـاسـيـا. الــوصــف فــي تقديري مــبــالــغ فـــيـــه، لأن الـــــــزلازل فـــي الـطـبـيـعـة أو في السياسة تكون في أغلب الأحوال مفاجئة، مهما تعددت وسائل الرصد الإلكترونية. على سبيل المثال، العالم لم ينس بعد زلزال «بريكست» في . كـانـت كــل المـــؤشـــرات واسـتـطـاعـات 2016 عـــام الـــرأي الـعـام تسير فـي اتـجـاه الـبـقـاء، ثـم حدث العكس. ما حدث في تلك المقاطعة لم يكن مفاجئاً. كانت الكتابة واضحة وبخط كبير على الحائط، ورغـم ذلـك، وقف المستشار الألماني فريديريش ميرتس بعد ظهور النتائج مصرّحا لوسائل الإعــــام بــأنــه لــم يـكـن يـتـوقـع حــــدوث مــا حــدث! وللعلم، أقام الحزب اليميني في اليوم السابق للانتخابات حفلا شعبيا كبيراً، كأنه احتفال بالفوز. أضـف إلـى ذلـك أن نتائج استطلاعات الرأي العام كانت تؤكد فوز الحزب. يـمـكـن الـــقـــول إن الـــحـــزب الـيـمـيـنـي لـــم يفز بالانتخابات بقدر ما فشلت الأحزاب التقليدية الأخرى في الإعداد لها من خلال إحداث تغيير فـــي ســيــاســاتــهــا. الـــذيـــن تـــابـــعـــوا الانــتــخــابــات ،2024 الــنــيــابــيــة الــبــريــطــانــيــة فـــي صــيــف عــــام الــتــي جــــاءت بـالـعـمـالـيـن إلـــى الـحـكـم بأغلبية بــرلمــانــيــة كــبــيــرة، ربــمــا مـــا زالـــــوا يـــتـــذكـــرون أن الــعــمــالــيــن، وفــــق أغـــلـــب المــعــلــقــن، لـــم يـــفـــوزوا بجدارة بالانتخابات، بل فشل حزب المحافظين وانقسامه وما رافق ذلك من فساد وفضائح كان وراء الفوز العمالي. أحـــــــزاب الـــيـــمـــن المـــتـــشـــدد الـــشـــعـــبـــويـــة فـي أوروبـــــا المــنــاوئــة لـلـهـجـرة والمـهـاجـريـن لــم تعد ، بـــل صـــــارت تـفـرض 2015 هـامـشـيـة مــنــذ عــــام الأجــنــدة السياسية فـي الـسـاحـات الـتـي توجد فـــيـــهـــا. ولــــعــــل أفــــضــــل مــــثــــال عـــلـــى ذلــــــك حـــزب «الإصــــــــاح الـــبـــريـــطـــانـــي» فــــي مـــرحـــلـــة مــــا بـعـد .»2016 «بريكست ولايــــة «ســاكــســونــي-أنــهــالــت» واحـــــدة من المـــقـــاطـــعـــات الـــتـــي تـــتـــكـــوّن مــنــهــا الـــفـــيـــدرالـــيـــة مليون 2.1 الألمــانــيــة، بــعــدد ســكــان يـصـل إلـــى نسمة، وتقع في الجزء الشرقي؛ أي أنها كانت جــــزءا مــن جـمـهـوريـة ألمـانـيـا الاشــتــراكــيــة التي عُــرفـت بـاسـم ألمـانـيـا الشرقية، واخـتـار أكثرية نـاخـبـيـهـا الـتـصـويـت لــحــزب يـمـيـنـي مـتـشـدد. وهـذا يفضي إلى سـؤال ظل يتأرجح كبندول، جـيـئـة وذهـــابـــا، بـحـثـا عــن إجـــابـــة: لمــــاذا تنجح أحــــزاب الـيـمـن المـتـشـدد بشكل لافـــت فــي أغلب الـــبـــلـــدان الـــتـــي كـــانـــت تـــــدور يـــومـــا داخـــــل المــــدار الاشتراكي السوفياتي؟ ألمـانـيـا الشرقية سـابـقـا، وبـولـنـدا، والمـجـر، وأجزاء من النمسا القريبة من ذلك المدار، تشهد كلها صعودا يمينيا متشددا يفوق نظيره في أوروبا الغربية. تفسير ذلك، في رأيي، لا ينفصل عـــن عـــقـــود الــعــزلــة الـسـيـاسـيـة والــثــقــافــيــة الـتـي عاشتها هذه المجتمعات تحت الحكم الشيوعي، وضـــعـــف تــجــربــتــهــا مــــع الـــتـــعـــدديـــة والانـــفـــتـــاح الديمغرافي مـقـارنـة بجاراتها الغربية، فضلا عــــن الـــصـــدمـــة الاقـــتـــصـــاديـــة والـــهُـــويـــاتـــيـــة الـتــي أعقبت سقوط جدار برلين وإعادة التوحيد. هذا لا يعني أن بلدانا من الضفة الأخرى، خارج ذلك المدار، نجت من الوقوع في المصير نفسه. الفرق هو أن بلدان غرب أوروبا ظلت، بحكم خلفيتها الرأسمالية الليبرالية، أكـثـر انفتاحا سياسيا وثـــقـــافـــيـــا وديـــمـــغـــرافـــيـــا عـــنـــد المــــقــــارنــــة بــبــلــدان المنظومة الشرقية سابقاً، وإن لم تخل بدورها من المتطرفين. نجاح حزب «البديل من أجل ألمانيا» نذير لبقية الحكومات والأحــــزاب فـي بـلـدان أوروبـــا الأخـــرى، آخـذيـن فـي الاعـتـبـار مـا تنشره تباعا استطلاعات الــرأي العام هـذه الأيــام من نتائج في فرنسا عن احتمال وصــول حـزب «التجمع الـوطـنـي» بقيادة مـاريـن لـوبـان إلــى الحكم في شهر أبريل (نيسان) من العام المقبل. وصـــــــول حـــــزب مــــاريــــن لــــوبــــان إلـــــى قـصـر الإلـــيـــزيـــه ســيــعــجّــل بـــــــدوره بــــوصــــول حـلـيـفـهـا داونــنــغ 10 نــايــجــل فـــــاراج فـــي بـريـطـانـيـا إلــــى ستريت. كما أفضى سقوط إيطاليا فـي أيـدي اليمين الشعبوي إلى زيادة زخم الدعم الشعبي لــحــزب «الــتــجــمــع الـــوطـــنـــي» فـــي فــرنــســا، حتى أصـبـح أكـبـر حــزب تحت قبة الـبـرلمـان. وهــا هم حاليا يبدون على بُعد مسافة شهور قليلة من أبواب قصر الإليزيه. ربما يرى البعض في هذه القراءة مبالغة، محاججين أن ثمانين عاما من الحكم الليبرالي والـتـسـامـح الـثـقـافـي والــعــرقــي ليست بـالـتـراث الــذي يختفي بـن عشية وضـحـاهـا، بـل وربما يذهب آخـــرون أبعد مـن ذلــك، فـيـرون أن وصف هــــذه الأحــــــزاب بــــ«المـــتـــشـــددة» فــيــه تـــســـرّع، وأن صعودها ليس إلا تعبيرا ديمقراطيا مشروعا عــن مــخــاوف اقـتـصـاديـة واجـتـمـاعـيـة حقيقية لـــدى شــرائــح واســعــة مــن الـنـاخـبـن. هـــذا الـــرأي لا يـخـلـو مـــن وجـــاهـــة ومـعـقـولـيـة إلــــى حـــد مــا. لكن أصحابه يتناسون أن النازيين والفاشيين وصلوا إلـى الحكم عبر الصناديق، محمولين على أكـتـاف ناخبين محبطين كـانـت تعتريهم مــخــاوف اقـتـصـاديـة واجـتـمـاعـيـة. وأن شعوب العالم وأممه، وليس فقط ألمانيا وإيطاليا، هي التي دفعت الثمن باهظاً. بعد سنوات من الحرب والاستقطاب، ربما حـــان الــوقــت لـكـي يتغير الــســؤال فــي الــســودان. فبدلا من أن يسأل كل طرف: كيف أهزم خَصمي؟ ينبغي أن يصبح السؤال: كيف أربح من السلام أكثر ممَّا أستطيع أن أربح من الحرب؟ لــقــد أصـــبـــح الـــــســـــودان، بـتـعـبـيـر ســـودانـــي بسيط، كجلابية (مشمشه) كثرت فيها الرُّقع؛ كلما رتقناها من جهة انفتقت من جهة أخرى. انقلاب يعالج أزمة فيخلق أخرى، واتفاق سلام يوقف حربا ويفتح بابا لصراع جديد، وتسوية تقصي طرفا فتدفعه إلى حمل السلاح أو تعطيل الدولة. وربما آن الأوان ألا نضيف رقعة جديدة، بــــل أن نــعــيــد نـــســـج الــــثــــوب نــفــســه عـــلـــى أســـس جديدة. هـذه ليست دعـوة لتجاوز الجرائم أو منح الـحـصـانـات، وإنَّــمــا مـحـاولـة للنظر إلــى الأزمــة كـمـا أصـبـحـت عـلـيـه: أزمــــة دولــــة تــتــداخــل فيها الـقـوات المسلحة و«الـدعـم الـسـريـع»، والحركات المسلحة والإسلاميون والقوى المدنية، ولا يبدو أن أيا منها قادر على إلغاء الآخرين دون تكلفة كارثية. لذلك يحتاج السودان إلى «مؤتمر للتسوية السودانية الكبرى»، لا لمناقشة توزيع الوزارات والمــــنــــاصــــب، بــــل لــيــجــيــب كــــل طـــــرف عــــن ثــاثــة أســئــلــة: مـــا مـــأزقـــك؟ مـــا الـضـمـانـة الــتــي تحتاج إليها للخروج منه؟ وما التنازل التاريخي الذي ستقدمه للسودان مقابلها؟ والــــقــــاعــــدة بـــســـيـــطـــة: لـــكـــل طـــــرف ضــمــانــة، ومــقــابــل كـــل ضـمـانـة تـــنـــازل تــاريــخــي، مـــن دون حصانة من جريمة يثبتها القضاء. وفــيــمــا يـتـعـلـق بــالإســامــيــن وبـــعـــد ثـاثـة عقود من حكم الإنقاذ ومـا خلفته من اتهامات بـالـفـسـاد والانــتــهــاكــات وتـسـيـيـس المـؤسـسـات، يحتاج الإسلاميون إلى فك أي ارتباط تنظيمي بمؤسسات الدولة والقوات النظامية والخدمة المــــدنــــيــــة، مـــقـــابـــل إنــــهــــاء الاجــــتــــثــــاث الــجــمــاعــي وضمان حقهم، كغيرهم، في التنظيم والمنافسة الديمقراطية. لكن هــذه الــعــودة ينبغي أن تتم في إطـار دولـة مدنية وقانون أحـزاب يقوم على المـواطـنـة، ولا يسمح بقيام أحـــزاب على أسـاس ديــنــي يـمـنـحـهـا ادعــــــاء بـالـشـرعـيـة الـديـنـيـة في مــواجــهــة خـصـومـهـا، مـــع ضــمــان حـــق أصـحـاب المـرجـعـيـات الإســامــيــة، كـغـيـرهـم، فــي المـشـاركـة السياسية وفق الدستور والديمقراطية. فالمسؤولية عن الجرائم فردية وقضائية، لا جماعية بسبب الانتماء السياسي. والمعادلة: الـــخـــروج مــن الـــدولـــة العميقة والــقــبــول بقواعد الـــدولـــة المــدنــيــة مــقــابــل الـــعـــودة الـطـبـيـعـيـة إلــى السياسة. وحول الجيش نقول إنه ليس من مصلحة الـسـودان تفكيك جيشه، كما ليس من مصلحة الجيش أن يبقى مسؤولا عن الحكم والاقتصاد والسياسة. يمكن الاتـفـاق على مرحلة انتقالية لسبع سنوات، تُصان خلالها وحدة القوات المسلحة، ويـــــكـــــون لـــهـــا دور مـــتـــفـــق عـــلـــيـــه فـــــي مــؤســســة رئـاسـة انتقالية مــحــدودة الـصـاحـيـات، بينما تتولى حكومة مدنية إدارة الـدولـة والاقتصاد والـــخـــدمـــات والإعــــمــــار. وخـــــال هــــذه الــســنــوات يتراجع الدور السياسي والاقتصادي للمؤسسة الـعـسـكـريـة تــدريــجــيــا حــتــى تـــعـــود نـهـائـيـا إلــى وظيفتها الدستورية والمهنية. المعادلة: حماية المؤسسة مقابل خروجها النهائي من السياسة. وفيما يتعلق بــ«الـدعـم الـسـريـع» نــرى أنه لا يمكن افــتــراض بـقـاء «الــدعــم الـسـريـع» جيشا مستقلا إلـى الأبــد، كما لا يمكن تصور اختفاء عشرات الآلاف من المقاتلين بمجرد توقيع اتفاق. المخرج هو عملية شاملة لإصلاح القطاع الأمني يــشــارك فـيـهـا الـجـمـيـع، عـبـر الــدمــج والـتـسـريـح وإعـادة التأهيل، وصـولا إلى مؤسسة عسكرية قومية ومهنية واحدة. وفـــي المــقــابــل، يـنـبـغـي أن تـــراعـــي الـتـسـويـة الحقوق والاستحقاقات السياسية التي رتبتها اتفاقات السلام والتفاهمات السابقة، وألا يشعر أي طـــرف بـــأن انـتـقـالـه مـــن الـــســـاح إلـــى الــدولــة يعني فـقـدان مـا اكتسبه عبر مــســارات الـسـام، عـلـى أن تـتـحـول هـــذه الاسـتـحـقـاقـات تدريجيا إلـــى مـشـاركـة سياسية مـدنـيـة تحكمها قـواعـد الـــدســـتـــور والانــــتــــخــــابــــات، كـــمـــا تُـــحـــفـــظ حــقــوق المناطق المتأثرة بالحروب واستحقاقاتها في التنمية والمشاركة العادلة، لكن الهدف النهائي غير قابل للمساومة: دولة واحدة، جيش واحد، قيادة واحدة، وسلاح شرعي واحد. بالنسبة للقوى المدنية صاحبة المصلحة الكبرى فـي الـدولـة المـدنـيـة، فهي مطالبة أيضا بـالـتـعـامـل مـــع واقــــع صـنـعـتـه عــقــود مـــن الحكم العسكري والــحــرب وتـعـدد الـجـيـوش وشبكات النفوذ داخل الدولة. فلا يمكن الانتقال من هذا الــواقــع إلــى حكم مـدنـي كـامـل ومستقر بمجرد اتـــفـــاق أو ضــغــط دولــــــي. ولـــذلـــك يـنـبـغـي قـبـول الـتـدرج في استعادة الحكم المـدنـي، وذلـك ليس تراجعا عن الديمقراطية، وإنما هو طريق واقعي للوصول إليها وحمايتها. فالإصرار على حكم مـــدنـــي كـــامـــل وفــــــوري، مـــع إقـــصـــاء الـعـسـكـريـن والإسلاميين في ظل تعدد الجيوش واستمرار الحرب وشبكات النفوذ داخل الدولة، قد يعنيان المجازفة بإفشال التجربة المدنية قبل أن تبدأ. تـــقـــود الــــقــــوى المـــدنـــيـــة الـــجـــهـــاز الـتـنـفـيـذي والاقتصاد والخدمات والإعمار، بينما يتراجع الدور العسكري تدريجيا وفق جدول دستوري ملزم. وفـي الوقت نفسه، لا تستطيع «صمود» أو «تأسيس» أو الكتلة الديمقراطية أو غيرها احتكار الشرعية دون تفويض انتخابي حديث. المــطــلــوب حـكـومـة انـتـقـالـيـة واســـعـــة، لا حكومة معسكر واحد. المـــعـــادلـــة: قـــيـــادة اســـتـــعـــادة الـــدولـــة المـدنـيـة مــقــابــل قـــبـــول الـــتـــدرج والـــتـــعـــدد وعـــــدم احـتـكـار الشرعية. وأتـــصـــور أن أمــامــنــا سـبـع ســنــوات لإعـــادة تــأســيــس الــــســــودان ولــيــســت الـــســـنـــوات الـسـبـع انتظارا للانتخابات، بل مشروع لإعادة تأسيس الدولة: وقف الحرب، وتوحيد الجيش، وإصلاح مؤسسات الدولة، وإعادة النازحين واللاجئين، ومـــعـــالـــجـــة قـــضـــايـــا الأراضـــــــــــي، وبــــنــــاء الــحــكــم الــفــيــدرالــي، وإعــــــداد دســـتـــور دائــــم وانـتـخـابـات حقيقية. ولا يمكن لذلك النجاح دون مشروع دولي وإقـلـيـمـي واســـع لإعــمــار الـــســـودان، تــشــارك فيه دول الــــجــــوار والمــجــتــمــع الــــدولــــي، وخــصــوصــا دول الخليج، للمساهمة في إعــادة بناء البنية التحتية والخدمات والمدن المدمرة وخلق فرص العمل. فالسلام الـــذي لا يغير حـيـاة الـنـاس قد يفقد شرعيته سريعاً. وفيما يتعلق بالعدالة والانتخابات نوضح أن العدالة تقوم على ثلاث قواعد: لا مسؤولية جماعية، لا ملاحقة بسبب الانتماء السياسي، لا حصانة من جريمة مثبتة. وبعد سبع سنوات تُجرى انتخابات حرة، تعقبها دورة دستورية أولى من خمس سنوات يُحافظ خلالها على قدر مـن الـتـوافـق حــول القضايا الـسـيـاديـة الكبرى، حتى لا تتحول أول انتخابات بعد الحرب إلى جولة جديدة من الصراع. وبعدها تنتهي جميع الاســتــثــنــاءات والامـــتـــيـــازات، ويـصـبـح صـنـدوق الانــتــخــابــات الــطــريــق الـطـبـيـعـي والــوحــيــد إلـى السلطة. وهـــــــكـــــــذا تــــــكــــــون الــــصــــفــــقــــة الــــتــــاريــــخــــيــــة: الإســــامــــيــــون يـــتـــخـــلـــون عــــن الـــــدولـــــة الــعــمــيــقــة ويقبلون قواعد الدولة المدنية، والجيش يتخلى عــن الــحــكــم، و«الـــدعـــم الــســريــع» والــحــركــات عن الـــجـــيـــوش المــســتــقــلــة، والمــــدنــــيــــون عــــن احــتــكــار الـشـرعـيـة وعـــن تـصـور الانـتـقـال المــدنــي الـفـوري بمعزل عن الواقع. وفــــي المــقــابــل يـحـصـل الـجـمـيـع عــلــى مـكـان مشروع وآمن داخل دولة واحدة، بينما يحصل الشعب السوداني على الضمانة الأهم: السلام، ودولـــــــة واحـــــــــدة، وجـــيـــش واحـــــــد، وإعـــــمـــــار، ثـم انتخابات يقرر عبرها الـسـودانـيـون مـن يحكم بلادهم. عـنـدهـا يتغير الــســؤال مِـــن: مَـــن يـهـزم مـن؟ إلى: كيف يربح السودان، وكيف يربح الجميع من السلام؟ فـــالـــســـودان لا يــحــتــاج إلــــى مـنـتـصـر جـديـد يفرض إرادتــه على المـهـزوم، بل إلـى رجـال دولة حقيقيين يمتلكون شـجـاعـة تـقـديـم الـتـنـازلات التاريخية وقيادة مجتمعاتهم نحو السلام. وربـــــمـــــا يــــكــــون ذلــــــك هـــــو الانــــتــــصــــار الـــــذي يـسـتـحـقـه الـــــســـــودان: أن تـنـتـصـر الــــدولــــة عـلـى الــحــرب، والــشــراكــة عـلـى الإقـــصـــاء، وأن ينتصر مـــنـــطـــق رجـــــــال الـــــدولـــــة الــــقــــادريــــن عـــلـــى قـــيـــادة مجتمعاتهم نـحـو الـــســـام، عـلـى مـنـطـق قـيـادة المعسكرات وحسابات المصالح الضيقة. * سياسي سوداني جمعة بوكليب *فارس النور كفاح محمود OPINION الرأي 14 السودان والتسوية... كيف يربح الجميع من السلام؟ مد يميني في ألمانيا كردستان العراق... بين تعطيل المؤسسة وتهديد الجغرافيا

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky