سفر وسياحة TRAVEL 21 Issue 17453 - العدد Thursday - 2026/9/10 الخميس ًبين بحر البترون وسحر البقاع ونبض بيروت رحلة سريعة تختصر لبنان... سياحيا فــــــي لـــــبـــــنـــــان، لا تــــحــــتــــاج المــــســــافــــات القصيرة إلى وقت طويل كي تغيّر المشهد تـمـامـا. رحـلـة واحــــدة قــد تـبـدأ مــن شاطئ المـــتـــوســـط، بـــن أزقـــــة الـــبـــتـــرون ومـــاحـــات أنفه، ثم تتجه نحو سهل البقاع وكرومه وسهله، قبل أن تنتهي في بـيـروت، حيث تختلط طبقات التاريخ بالحياة اليومية والمقاهي والمطاعم والواجهة البحرية. ولمــن يـريـد اكتشاف لبنان بعيدا عن الرحلات التقليدية، تبدو البترون وأنفه، ثـــم الــبــقــاع وزحـــلـــة، وصـــــولا إلـــى بــيــروت، مـــســـارا يـجـمـع فـــي أيــــام قـلـيـلـة بـــن البحر والطبيعة والتاريخ والطعام، ويكشف في كل محطة وجها مختلفا من البلاد. البترون وأنفه: البحر بطعم لبناني تبدأ الرحلة شمالا باتجاه البترون، المـديـنـة الساحلية الـتـي تجمع بـن أجــواء المـتـوسـط وشـوارعـهـا القديمة وواجهتها البحرية. والمشي في أزقتها، والتوقف عند الميناء والحي التاريخي يمنح الزائر فرصة للتعرف إلى جانب أكثر هدوءا وأصالة من المدينة، بينما يشكل الطعام جزءا أساسيا من التجربة، مع تنوع المطاعم التي تقدم المأكولات البحرية واللبنانية. وتــســتــحــق الـــبـــتـــرون يـــومـــا كــــامــــاً، لا مـجـرد محطة عــابــرة. ويمكن بــدء الجولة من المدينة القديمة، بين البيوت الحجرية والأزقـة الهادئة التي تعكس تاريخ المكان، ثـــم الـــتـــوجـــه إلــــى ســــور الــبــحــر الـفـيـنـيـقـي، أحــــد أبـــــرز مــعــالــم المـــديـــنـــة. بــعــدهــا يمكن زيــــارة كنيسة سـيـدة الـبـحـر والـتـجـول في محيط المـيـنـاء، قبل الـتـوجـه إلــى الشاطئ والجلوس في أحد المقاهي والمطاعم المطلة عـلـى الـبـحـر. ومـــن الـتـفـاصـيـل الــتــي تمنح زيــــــارة الـــبـــتـــرون طــابــعــهــا الـــخـــاص تـــذوق «لـــيـــمـــونـــاضـــة» الـــبـــتـــرون الـــشـــهـــيـــرة، الـتـي أصبحت جزءا من هوية المدينة، إلى جانب اســـتـــكـــشـــاف المــــاحــــات الـــقـــديـــمـــة والـــتـــقـــاط الصور عند الساحل، ولا سيما في ساعات الـــغـــروب. أمـــا فــي فـصـل الــصــيــف، فتتوفر خــيــارات عــدة لمحبي الـبـحـر، مـن السباحة إلى الرياضات المائية. ومع نهاية الجولة، يمكن اختيار أحد مطاعم المدينة في محيط السوق القديمة لتناول وجبة لبنانية، قبل متابعة الطريق شمالا إلى أنفه. فــــــــي أنــــــــفــــــــه، يــــصــــبــــح الـــــبـــــحـــــر أكــــثــــر حــــضــــوراً، بـيـنـمـا تـتـغـيـر مـــامـــح الـسـاحـل بين الصخور والملاحات والمشهد البحري المفتوح. ويطلق اللبنانيون على المنطقة اســــم «أنـــفـــوريـــنـــي»، تـيـمـنـا بـسـانـتـوريـنـي فــي الــيــونــان، فــي إشــــارة إلـــى الـتـشـابـه بين المـــديـــنـــتـــن الـــســـاحـــلـــيـــتـــن، ولا ســيــمــا فـي الألــــــــــوان والأزقــــــــــة المــــرصــــوفــــة بـــالـــحـــجـــارة الـبـيـضـاء والــبــيــوت ذات الأبـــــواب الـــزرقـــاء المزينة بالورود والزهور. ومـــــن الأمـــــاكـــــن الـــتـــي يــمــكــن الــتــوقــف عندها لتناول الـغـداء مطعم «شـي فــؤاد»، المــــتــــخــــصــــص فـــــــي المـــــــــأكـــــــــولات الــــبــــحــــريــــة الـــطـــازجـــة. وكـــــان المـــكـــان فـــي الأصـــــل مـنـزل العائلة التي تديره اليوم، قبل أن يتحول إلـى مطعم حافظ على جانب من ذكرياته العائلية وطابعه البحري. ويمكن للزائر تمضية جــزء مـن الـنـهـار فيه والاستمتاع بالجلسة الـبـحـريـة والـسـبـاحـة فــي البركة الصغيرة أو في البحر. البقاع: حين يتغير المشهد بـــعـــد الــــســــاحــــل، تـــتـــجـــه الـــرحـــلـــة نـحـو البقاع، حيث يتبدل المشهد بسرعة. فالسهل الــواســع والـجـبـال المحيطة والـــكـــروم ترسم صورة مختلفة تماما عن الساحل الشمالي، بينما تظهر المائدة اللبنانية هنا مرتبطة بالطبيعة والضيافة والمنتجات المحلية. وفي منطقة قب الياس يقع «دومين دو شــوشــن»، الـــذي يـقـدم المـــأكـــولات اللبنانية التقليدية فـي الــهــواء الـطـلـق. ويـضـم المكان غرفا فندقية تحافظ على طابعها القروي، مـــع ديـــكـــورات بـسـيـطـة وقــنــاطــر تستحضر شكل المنازل الريفية اللبنانية. ولا تقتصر التجربة هنا على الطعام والإقـــــامـــــة، إذ يــمــكــن الـــقـــيـــام بـــرحـــلـــة مـشـي «هايكينغ» برفرة دليل متخصص بمعالم المـــنـــطـــقـــة، تــســبــقــهــا وجــــبــــة فــــطــــور لــبــنــانــي مـــســـتـــوحـــاة مــــن أجــــــــواء الــــقــــرى والــطــبــيــعــة المحيطة بالمكان. وهكذا تصبح الرحلة إلى البقاع انتقالا من مجرد مشاهدة المناظر إلى التفاعل معها. زحلة والبردوني: مدينة الشعر والماء من قب الياس، تأخذ الرحلة طريقها نحو زحلة، إحدى أبرز مدن البقاع وأكثرها ارتباطا بالهوية الثقافية والتراثية للبنان. نـشـأت زحـلـة وتــطــورت على ضـفـاف نهر الــــبــــردونــــي، الـــــذي يــعــبــر المـــديـــنـــة بـــن الــجــبــال ويمنحها مشهدا طبيعيا مميزاً، حتى أصبح اسمه جزءا من صورة زحلة وذاكرتها. ويعود تــــاريــــخ المـــنـــطـــقـــة إلـــــى عـــصـــور قـــديـــمـــة، بـيـنـمـا ازدهـــرت المدينة بصورة خاصة خـال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وتحولت إلى مركز تــجــاري وثــقــافــي مـهـم فــي الــبــقــاع، كـمـا ارتـبـط اسمها بالهجرة والتجارة. أما اليوم، فيبقى نهر البردوني واحدا من أشهر معالم زحلة، ولا سيما المنطقة السياحية الممتدة على جانبيه، حيث المطاعم والمقاهي وأمـاكـن الـجـلـوس. هنا يمكن للزائر أن يجمع بين الغداء وصوت المياه والمناظر الجبلية، وأن يرى المدينة من زاوية مختلفة. ومـن الـبـردونـي يمكن الصعود إلـى مقام ســـيـــدة زحـــلـــة والـــبـــقـــاع لــاســتــمــتــاع بــإطــالــة واســعــة عـلـى المـديـنـة والـسـهـل، ثــم الــعــودة إلـى الـــنـــهـــر لـــقـــضـــاء الأمـــســـيـــة وســـــط أجـــــــواء زحــلــة الحيوية. فــي هـــذه المـديـنـة تــحــديــداً، تـبـدو عناصر الــــرحــــلــــة الــــثــــاثــــة حــــاضــــرة فــــي مــــكــــان واحــــــد: الطبيعة، والمائدة، والحكاية. بيروت: مدينة تصل الماضي بالحاضر بـــعـــد الـــبـــحـــر والـــجـــبـــال والـــــكـــــروم، تــأتــي بـــيـــروت لــتــكــون المــحــطــة الأخــــيــــرة، لـكـنـهـا في الوقت نفسه مدينة تختصر الكثير مما سبق. هنا يلتقي البحر بالتاريخ، وتـجـاور الأبنية القديمة المطاعم والمقاهي والحياة الليلية. يــمــكــن بـــــدء الـــجـــولـــة مــــن وســـــط بـــيـــروت وســـــاحـــــة الـــنـــجـــمـــة، حـــيـــث تــــتــــجــــاور الأبـــنـــيـــة التاريخية مع المساحات الحديثة، ثم الانتقال إلـــى الـحـمـامـات الــرومــانــيــة وســاحــة الـشـهـداء والــجــامــع الــعــمــري الـكـبـيـر، فــي جــولــة تكشف طبقات متعددة من تاريخ العاصمة. ومن هناك، يستحق المتحف الوطني في بـيـروت زيـــارة خـاصـة، لمـا يقدمه مـن رحلة في تـاريـخ لبنان وآثــــاره. وبعدها يمكن الانتقال إلـــى شـــارع الـحـمـرا أو الـجـمـيـزة ومـــار مخايل لاكتشاف جانب آخر من المدينة، أكثر حيوية واتصالا بالمشهد الثقافي والمطاعم والمقاهي. ومع اقتراب المساء، يتغير إيقاع الرحلة. يتجه المشهد نحو البحر، إلى كورنيش بيروت وصخرة الروشة، حيث تتداخل مياه المتوسط مع صورة المدينة. ويمكن أيضا المرور بـزيتونة بــاي، الــذي يجمع المـرسـى والمـطـاعـم والمقاهي في واجهة بحرية حديثة. لكن الــروشــة تـبـدو مختلفة عندما تُــرى من البحر. ومن التجارب التي يمكن إضافتها إلى جولة بيروت رحلة قصيرة بالقارب حول صـخـرة الــروشــة. تنطلق الــقــوارب مـن المنطقة المـحـيـطـة بــالــصــخــرة لــتــأخــذ الـــزائـــر بــمــحــاذاة الــســاحــل، وتـتـيـح لــه رؤيــــة المـعـلـم الـشـهـيـر من زاوية مختلفة عن تلك التي يوفرها الكورنيش. ومـــــــع الاقـــــــتـــــــراب مـــــن الـــــصـــــخـــــرة، تــظــهــر الـتـجـاويـف والمـــمـــرات الطبيعية المحيطة بها بصورة أوضح، بينما تضفي الرحلة إحساسا بالمغامرة. وفي ساعات العصر وقبل الغروب، تصبح التجربة أكثر جمالا مع انعكاس أشعة الشمس على مياه المتوسط، لتتحول الصخرة إلى خلفية طبيعية للمشهد البيروتي. المائدة جزء من الرحلة لا تكتمل جولة بيروت من دون التوقف عـنـد مــائــدتــهــا. فـالمـطـبـخ الـلـبـنـانـي هـنـا ليس مـــجـــرد خـــيـــار لـــتـــنـــاول الـــطـــعـــام، بــــل جـــــزء مـن التجربة التي يختبر من خلالها الزائر جانبا من شخصية المدينة. ومن الخيارات الممكنة «البيروتي»، الذي يـــقـــدم المــطــبــخ الـلـبـنـانـي والمــتــوســطــي بلمسة عصرية، ويتيح تــذوق مجموعة مـن الأطباق اللبنانية في أجواء حيوية. ومن الخيارات الأخرى «قمر داون تاون»، الذي يقدم المطبخ اللبناني في أجواء مناسبة للغداء أو العشاء، إضافة إلى «أمالين دي تي»، لمحبي النكهات اللبنانية التقليدية في منطقة وسط المدينة. أمـــا إذا كـــان الــخــيــار هــو وجــبــة سـريـعـة، فـــيـــمـــكـــن الــــتــــوجــــه إلـــــــى «أم شــــريــــف ديــــلــــي»، وهــــــو تــــابــــع لــســلــســلــة «أم شـــــريـــــف»، ويـــقـــدم الـــســـنـــدويـــشـــات بــلــمــســة عـــصـــريـــة.ولمـــن يــريــد إنهاء اليوم أمام مشهد الغروب، يبقى محيط صخرة الـروشـة والكورنيش المطل عليها من أبـرز الخيارات. ويمكن أن يكون التوقف عند فرع مقهى «ستارباكس» هناك فرصة لمتابعة غروب الشمس مع فنجان من القهوة. لبنان... منظر، مائدة، وحكاية ربـمـا تكمن متعة لـبـنـان فــي أنــه لا يقدم نفسه للزائر من خلال مدينة واحدة أو مشهد واحــــد. فـبـن ســاحــل الــبــتــرون وأنـــفـــه، ومــائــدة الشمال، وسهل البقاع وكرومه، وأجواء زحلة وضـــفـــاف الــــبــــردونــــي، ثـــم بـــيـــروت بـتـاريـخـهـا وصخبها وواجهتها البحرية، تتبدل الصورة مـن محطة إلـى أخـــرى، فيما تبقى روح المكان حاضرة في التفاصيل. إنها رحلة لا تحتاج إلى مسافات طويلة كـي تكشف اخـتـاف لبنان وتـنـوعـه، يكفي أن تبدأ من البحر، وتمر بالكروم، وتنتهي أمام المتوسط من جديد. رحلة قصيرة ما بين الشاطئ والجبل (أ.ب) بيروت: جوسلين إيليا شلالات البردوني (الشرق الأوسط) غروب الشمس عند صخرة الروشة (أ.ب) منظر مطل على مدينةزحلة في البقاع (الشرق الأوسط) المسافات القصيرة تساعد زائر لبنان على اكتشاف أكثر من منطقة ومعلم سياحي في يوم واحد أنفه الملقبة بأنفوريني لبنان (إ.ب.أ) البترون من أجمل مناطق لبنان السياحية (رويترز)
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky