issue17453

Issue 17453 - العدد Thursday - 2026/9/10 الخميس كتب BOOKS 17 استحضار المنام وتأويله وتوظيفه في الثقافة الإسلاميّة يُعنى كـتـاب «المــنــام والـسـجـن وحُــجــرة ابــن الهيثم: قـــراءة جديدة للفضاء في الحضارة العربيّة» للباحثة الأكاديمية اللبنانية الدكتورة لينا الـجـمّــال، بالمنامات وكـتـب تعبيرها فـي الـقـرون الهجريّة الأولـــى، فيدرس المنام واستحضاره وتأويله وتوظيفه في الثقافة الإسلاميّة، وعلاقة ذلك كلّه بالفضاء بوصفه كيانا أوّلاً، ومن ثم مفهوماً. وتشتمل هــذه المـقـاربـة على عــدد مـن المـوضـوعـات، منها مـا يربط بـن الحضارة الـــعـــربـــيّـــة-الإســـامـــيّـــة وحــــضــــارات أخـــــرى قــديــمــة كــمــمــارســة الـحـالـومـة والاستخارة والمبيت بجانب القبور، ومنها ما يُسائل الحضارة المادّيّة لاستيعاب تأثيراتها في منامات السجناء وتأويلات العمارة والمنامات التي تترك أثرا ملموساً، ومنها ما يحاول تجذير التجربة المناميّة في نظريّات الفلسفة والإبصار التي قدّمها العلماء العرب القدامى. والكتاب بذلك يضع المنامات في الإطار الأوسع للتراث العربي الأدبي والفكريّ، ويحاول تقديم قراءة جديدة للفضاء في الحضارة الإسلاميّة. ينقسم الكتاب إلى خمسة أقسام رئيسية تراعي أمرين: أولا فهمَنا للفضاءات التي يُحتمل اتّصالها بالمنام؛ الفضاء الذي بات فيه الرائي، والفضاء الذي صُوِّر في المنام، والفضاء المؤوَّل في كتب التعبير. وثانياً، مراعاتَنا لورود المنامات في السياقين السردي والتأويليّ. يُعَد القسم الأوّل «المنامات وتعبيرها في الثقافة الإسلاميّة المبكرة» تمهيدا ضروريّا لأقسام الكتاب المختلفة، فهو يستعرض طبيعة المنامات في الإســام ومــدى تقاطعها مع الحضارات القديمة المـجـاورة. ويسرد بـإيـجـاز نـشـأة علم التعبير فـي الإســـام وانـتـقـالـه تـدريـجـيّــا مـن الـتـراث الشفهي إلى المكتوب، ثم يُحصي مناهج التعبير الإسلاميّة باستنباطها من مقدّمات كتب التعبير الأولـــى، وقـد بلغ عـدد المناهج المعتمَدة أحد عشر منهجاً. وينتقل القسم بعدها إلــى إحـصـاء الـعـوامـل المــؤثّــرة في التأويل، والتي تأخذ في الحسبان أحوال الرائي والمعبّر، وزمان الرؤيا ومكانه، وأسلوب القصّ. وفي هذا القسم أيضاً، إشــارات مقتضبة إلى موضوعات إشكاليّة تخص المنامات، منها الإسناد الذي يسبق رواية المنام، وظاهرة المنامات المشتركة أو المتواطئة، وأخيرا الاحتجاج بالمنام فـي المسائل الشرعيّة. وجميعها مسائل تُــثـار فـي مـواضـع متفرّقة من الكتاب لاحقاً. يــــخــــوض الـــقـــســـم الـــثـــانـــي «اســـتـــحـــضـــار المــــنــــام، عــــــادة أم عــبــادة؟» فـي ظـاهـرة الحالومة الــتــي ارتــبــطــت بــالمــنــامــات منذ العصور القديمة، وانتشرت في الحضارات اليونانيّة والهنديّة والمصريّة القديمة، وتجلّت في بـــعـــض مـــمـــارســـات الــــعــــرب فـي شبه الجزيرة العربيّة. ويبني هـــــــذا الــــقــــســــم عــــلــــى الـــعـــنـــاصـــر المـــــشـــــتـــــركـــــة بــــــــن الـــــحـــــالـــــومـــــة والاســـتـــخـــارة الــنــبــويّــة، ليعلّل خـــروج الاستخارة النبويّة من إطار الصلاة والدعاء إلى إطار المـبـيـت فـــي أمـــاكـــن مخصوصة لاستحضار منام. وبعد البحث في أدب التنوخيّ، يكتشف القسم أن رواسـب الحالومة ظهرت في زيارة العرب لقبور المعروفين بسخائهم، قبل أن تظهر في زيارة قبور المعروفين بصلاحهم. هذا فضلا عن حلول محراب الصلاة محل القبور في ممارسات بعض المستخيرين لاحقاً. ينتقل الـقـسـم الـثـالـث «فـــي قـمـيـص يــوســف» إلـــى دراســــة مـنـامـات الـسـجـنـاء، وأثـــر الـسـجـن فـيـهـا، فـي كـتـاب «الــفــرج بـعـد الـــشـــدّة»، فيحلّل منامات ثلاثة عشر سجيناً. ينطلق القسم من منام ليعقوب بن داود - الـــذي حُــبـس فـي سجن 123 )785-775/169-158 -وزيـــر المــهــدي (حـكـم المطبق، فيعرّج على سيرة الوزير وخصائص سجن المطبق، ثم عناصر المنام وضريبة عبوره من نـوع أدبــي إلـى آخــر. ويرصد القسم تشابها واضــحــا بــن قـصّــة الــوزيــر يـعـقـوب وقــصّــة الـنـبـي يــوســف، ويـمـتـد هـذا التشابه ليطول منامات السجناء الآخرين، مؤكّدا تأثير السجن الرمزي في منامات قاطنيه. وأخيراً، يربط القسم المنام بالشعر. يـقـارب القسم الـرابـع «بــن الـرؤيـة والــرؤيــا» بنظرة أكـثـر شموليّة عـاقـة المــنــام بـالـفـضـاء فــي الــحــضــارة الــعــربــيّــة-الإســامــيّــة، فيحفر في الأبعاد اللغويّة بين الرؤية والرؤيا، ودور الفضاء المُعتِم في إدراك كل من المنام والصورة. ينطلق القسم من تجربة عالم المناظر ابن الهيثم في السجن، واستلهامه الاختبار التجريبي على الحُجرة المظلمة، ومفارقته الإرث الـيـونـانـي فـي نـظـريّــات الإبــصــار. ثــم يسترسل القسم فـي الكلام عـن خصوصيّة تلقّي المـنـامـات فـي الثقافة الإسـامـيّــة عـن طريق ثلاثة طروحات: نظريّة عين القلب عند الغزاليّ، والعلاقة بين المنام والعمى والــلــغــة، وتـقـاطـع المــنــامــات مــع الـــصـــور. وتــتــرسّــخ خـصـوصـيّــة التلقّي هـذه في كتب التعبير الإسـامـيّــة، إذ تفترق مناهج المعبّرين المسلمين عن مناهج أسلافهم اليونانيّين، وتنعكس هويّاتهم الدينيّة وأبعادهم الاجتماعيّة الخاصّة. يحلّل القسم الخامس والأخير «الدنيا منام، والمنام رحلة» المنامات بصفتها تجسيدا رمزيّا للرحلة، أو انتقالا من فضاء إلى آخر. ويُثبت بالعودة إلى أدب التنوخي أن المنامات تحقّق بعض أغراض الارتحال، وهــي زيـــارة المـوتـى، وطلب الحديث الـنـبـويّ، والتكسّب، والاستشفاء، وتشريع السلطة. ثم يعالج ثيمة المعراج وما يتّصل بها من فضاء صالح للحساب، وثيمة المنامات الملهِمة للشعر، وهاتان الثيمتان تُغنيان عن ارتحال سابق راسخ في العقل الجمعيّ. وتكمن أهمّيّة هذا القسم في أنّه يجعل تجربة المنام في مقام تجربة الحياة الدنيا، إذ يعوّل المؤمن العابر فيهما على ما حقّقه في عبوره. تـقـارب أقـسـام الكتاب الخمسة عـاقـة المـنـام بالفضاء مـن جوانب مختلفة، وفــي مـــواد أدبــيّــة مضبوطة بـإطـار زمـنـي مــحــدّد، لتفهم بـأي العينين يُدرَك الفضاء في ثقافة المجتمع العبّاسيّ. تلك الثقافة المتمثّلة فـــي نـــتـــاج أدبـــائـــه وفــاســفــتــه وعــلــمــائــه، والمـــخـــتـــزِلـــة لمــحــمــولات ديـنـيّــة واجتماعيّة وتاريخيّة في العقل الجمعيّ. بيروت: «الشرق الأوسط» كتاب سوري يدعو لإعادة هندسة أدوات الإعلام الرسمي يسلط كتاب «خطاب المصالحة في سوريا: نـــحـــو اســـتـــجـــابـــة إعــــامــــيــــة تــســتــلــهــم نـــظـــريـــات التغيير» للصحافي والباحث الإعلامي السوري مـرشـد الـنـايـف؛ الــضــوء عـلـى أحـــد أكـثـر الأسئلة إلحاحا فـي المجتمعات الـخـارجـة مـن الـنـزاعـات: كيف يمكن لـإعـام أن يتحول مـن أداة لتأجيج الـــــصـــــراع وإعــــــــــادة إنــــتــــاج الـــســـلـــطـــة، إلــــــى فــاعــل مؤسسي يشارك في ترسيخ المصالحة الوطنية؟ ويمثل الكتاب، الصادر حديثا عن «مؤسسة ميسلون للثقافة والـتـرجـمـة والـنـشـر»، محاولة لـبـنـاء إطـــار نـظـري وتطبيقي لعمل الإعــــام في مرحلة ما بعد النزاع، ينطلق من فرضية ترى أن إعــادة الإعـمـار لا تكتمل من دون إعــادة تأسيس المـــجـــال الــــعــــام، بــوصــفــه الــحــيــز الـــــذي يـــعـــاد فيه تشكيل العلاقة بـن الـدولـة والمجتمع، وبداخله تــتــشــكــل الـــــذاكـــــرة الــجــمــعــيــة ويـــتـــعـــزز الــتــمــاســك الاجتماعي. ويــــــطــــــرح المــــــؤلــــــف مــــفــــهــــوم «الاســــتــــجــــابــــة الإعــامــيــة» مــدخــا لـتـطـويـر سـيـاسـات إعـامـيـة تنبع مـن خصوصية البيئة الـسـوريـة الشائكة، فـــي مــقــابــل المـــقـــاربـــات الــقــائــمــة عــلــى اسـتـنـسـاخ التجارب الدولية. وفي هذا الإطار، يقترح إعادة هـنـدسـة أدوات الإعــــام الـرسـمـي عـبـر حـزمـة من الـتـدخـات المستندة إلــى نـظـريـات التغيير، بما يجعل المؤسسات الإعلامية إحدى روافع التعافي الوطني، بعد أن انحصر دورها لأزيد من خمسة عقود في إنتاج الرواية الرسمية. ومــن أبـــرز الإضــافــات النظرية التي يقدمها الكتاب؛ إعــادة تعريف مفهوم «صناعة المعنى»؛ بـوصـفـهـا عملية لإنــتــاج أطـــر إدراكـــيـــة مشتركة، تنبثق من خصوصية السياق السوري. وانطلاقا مـــن هــــذا الـــتـــصـــور، يــدعــو المـــؤلـــف إلــــى سـيـاسـات تـحـريـريـة تـجـعـل الـحـقـيـقـة، وتـمـثـيـل الـضـحـايـا، وإتاحة المعرفة العامة، والهوية السورية الجامعة، وبناء السلام المستدام؛ ركائز للعمل الإعلامي، بما يعزز قدرة المجتمع على استيعاب الماضي وإدارة الخلافات وصياغة مستقبل مشترك. ويــــوظــــف الـــكـــتـــاب نـــظـــريـــات الــتــغــيــيــر أداة لتصميم التدخلات الإعلامية، مقترحا الانتقال من التعامل مع الخطاب بوصفه ظاهرة لغوية إلــى اعـتـبـاره عملية اجتماعية قابلة للتخطيط والــتــقــويــم وقـــيـــاس الأثـــــر. ويـــعـــرض، ضــمــن هــذا الإطـــــــــــار، مـــجـــمـــوعـــة مـــــن الـــــتـــــدخـــــات المـــصـــوغـــة خصيصا لـلـسـيـاق الـــســـوري، مــدعــومــة بـأهـداف ومؤشرات لقياس أثر السياسات التحريرية في اتجاهات الجمهور وسلوكه. يتجاوز الكتاب مراجعة الأدبيات الخاصة بالإعلام في المجتمعات الخارجة من النزاعات، ليعيد قــراءتــهــا مــن مـنـظـور خـصـوصـيـة البيئة الـــــســـــوريـــــة. واســــتــــنــــد فـــــي هـــــــذا الـــــســـــيـــــاق، إلــــى أطـــروحـــات الـبـاحـثـة الـسـنـغـافـوريـة ركـــا شـومـي حـــول ضـــــرورة «إضـــفـــاء الــطــابــع الـجـيـوسـيـاسـي على الدراسات الإعلامية»، بوصفه مدخلا لفهم العلاقة بين النظم الإعلامية وبيئاتها السياسية والاجـــتـــمـــاعـــيـــة، ومـــــا يـقـتـضـيـه ذلـــــك مــــن فـحـص النظريات الإعلامية قبل توطينها في سياقات مغايرة. كـمـا يستند المـــؤلـــف، فـــي مـقـاربـتـه لطبيعة التدخل الإعــامــي، إلــى المنظور السوسيولوجي ، الذي ينظر إلى Anthony Giddens لعالم الاجتماع الفعل بوصفه تدخلا مقصودا في مسار الوقائع لتحقيق غايات محددة. وانطلاقا من هذا الفهم، يعامل الكتاب التدخلات الإعلامية بوصفها أفعالا اجتماعية قابلة للتصميم والتقويم وقياس الأثر، وليست مجرد استجابات مهنية للأحداث. وحـول الغاية من الكتاب، يقول النايف في المقدمة: «ينصب جوهر هذه الدراسة على هدفين متلازمين: أولهما استكشاف أطـر نظرية متينة حـول المدخلات الإعلامية، وإعــادة توطينها بما يلائم خصوصية السياق السوري ودور الإعلام المركزي في تصميم مقاربات حساسة ومؤثرة. أمــا ثانيهما، فيتعلق بتقديم مقترحات عملية لتفعيل نظريات التغيير بوصفها أدوات تعبئة تنفيذية، تسمح بترجمة المـعـارف النظرية إلى مبادرات قابلة للتطبيق». صـفـحـة مـــوزعـــة على 288 يـقـع الــكــتــاب فـــي خـــمـــســـة فــــصــــول، تــــتــــدرج مــــن تــفــكــيــك الـــخـــطـــاب الإعلامي للنظام البائد وتحليل بنيته الدعائية، إلــــى بــنــاء نـــمـــوذج لـصـنـاعـة المــعــنــى، ثـــم مـقـاربـة الإعـــــــام بـــوصـــفـــه جــــــزءا مــــن الــبــيــئــة الــســيــاســيــة والاجـــتـــمـــاعـــيـــة، وصــــــولا إلــــى تــوظــيــف نـظـريـات التغيير فـي تصميم مـبـادرة إعلامية تستجيب لخصوصية السياق السوري. ومــرشــد الـنـايـف صـحـافـي وبــاحــث إعـامـي سوري شغل عددا من المواقع التحريرية والمهنية، مــــن بــيــنــهــا مـــديـــر تـــحـــريـــر صــحــيــفــة «جــــيــــرون»، والأمين العام لميثاق شرف للإعلاميين السوريين. تتركز اهتماماته البحثية على تحليل الخطاب، وإعلام ما بعد النزاع. دمشق: «الشرق الأوسط» سيرة مريضة في نزاعها مع الألم لصاحبة «الغلامة» عالية ممدوح تكتب عن «النقص الذي يصنع معنى حياتنا» »2026 - يُلزمنا غلاف «خلوة النقص: الآداب على اعتماد هوية الكتاب الجديد للكاتبة العراقية عالية مـمـدوح، وهــي المثبتة على غــاف الأمامي للكتاب، فهي «روايــة»؛ وهذه عتبة أولى أساسية للكتاب، وليس بوسع القارئ، أبداً، القفز على هذا التحديد الأجناسي الرئيس. لكن الـقـراءة الأولـى للكتاب، ربما حتى العاشرة بعد الألف، تقول لنا إن الكتاب هو سيرة ذاتية لكاتبة «الغلامة»، وهو، بدقة أكثر، سيرة مريضة في نزاعها مع الألم. ثمة أدلَّة نصية لسانية تؤيد هذا الفرض، بل وتؤكده، ليس آخرها التزام سيرة الكاتبة المعروفة لدينا، نحن قراءها. نتحدَّث هنا عن سيرة الكاتبة عالية مــمــدوح بـمـحـطـات حـيـاتـهـا المــعــروفــة لـديـنـا. ولا ينتهي ميثاق السيرة بصيغة الراوي المتكلم، فهذا من نافلة القول، برغم أن عـدم وجـود «المتكلِّم» لا ينفي جنس السيرة الذاتية، ولا يلغي أن خطاب الــســيــرة الــذاتــيــة تـشـكِّــلـه صـيـغ لـسـانـيـة وثقافية ورؤية تُغالب هوية الجنس الأدبي ذاته وتخترقه، بل وتعيد توجهه. فهل يكفي هذا لمغالبة «رغبة» الـكـاتـبـة المـكـرَّسـة فــي تـوصـيـف وتسمية نصها؟ لا أظـــن؛ فهوية الجنس الأدبـــي وصفته النوعية اللسانية تقرِّرها إرادة «الكاتب»ـة ورغبته، مثلما هو ذاكرة نصية وصفة تاريخية مختلفة من عصر لآخر. ولا بأس؛ فالسيرة الذاتية، أو حتى الغيرية عــامــة، مـثـل الـــروايـــة تــعــيــدان تـحـديـد خصائهما الـنـوعـيـة حـسـب مـوضـوعـهـمـا، وهـــو هـنـا سـرديـة المرض الكبرى. ولا مغالطة أبداً؛ فثمة سردية تكبر وتتضخم موضوعها المرض. ونـــظـــل عــنــد حـــــدود الـتـصـنـيـف الأجــنــاســي لــــ«خـــلـــوة الـــنـــقـــص»؛ أهــــي ســـيـــرة ذاتـــيـــة لـلـكـاتـبـة العراقية المـعـروفـة عالية مــمــدوح، أم هـي روايـــة؟ هل الإجابة مهمة؟ نزعم أنها الأصل في أي قراءة ممكنة لـ«خلوة النقص»، فالنزوع السيري، الذاتي، غـالـبـا، للمؤلف الــكــاتــب، هــو الـجـوهـر الأسـاسـي لنصوص مـا بعد الـحـداثـة عـامـة، فهي نصوص تـــؤســـس لمــجــالــهــا الــصــنــفــي بــنــفــســهــا، وتـسـعـى لمغالبة الذاكرة الأجناسية المسبقة. وأول ما يخطر بـبـال الــقــارئ فــي هـــذا الـسـيـاق المـتـمـرد هــو رفـض الإيهام بالواقع المتبنى منذ القدم، فيجري تبريز الواقع ليس كما هـو، إنما يجري إعــادة اختراعه بــالاســتــعــانــة بـمـسـمـيـاتـه. هـــكـــذا سـنـجـد «خــلــوة النقص» تعيد تأسيس الحكاية على أســاس من سيرة الكاتبة ذاتها. نحن هنا إزاء كتابة جديدة لـسـيـرة الـكـاتـبـة تـحـت ضـغـط مـــوضـــوع أسـاسـي جديد هو المـرض المهدِّد للحياة. ألم نقل إننا في سياق سردية كبرى اسمها المرض! لكن المـــرض، أو سرديته الضاغطة، لا تأتي بصفتها المجردة، كما يمكن أن نجدها في نصوص مماثلة؛ فهو «خلوة» خاصة ومخصوصة للنقص. فما النقص هـنـا؟ إنــه المـكـان الـــذي نهبط إلـيـه في «المصاعد» الكهربائية، تحت الأرض، في البنايات الكبرى، مثلما هو في البنايات السكنية والمولات وما يتصل بها من بناء كبير يحتوي على طوابق فوقية، وأخـرى أرضية سالبة، كما ترسم علامات السالب في لوحات السيطرة الخاصة بالمصاعد. نحن نهبط، هنا، مع الكاتبة إلى «النقص» ونحقق «خــلــوة» مـع «الـنـفـس» وأوهــامــهــا، فيكون المـرض مجازا كليّا عن حياتنا. والنقص حكاية الجميع، مثلما أن الخلوة تسع الجميع. المرض... تاريخ آخر للعائلة ليس المرض قدرا فرديا يتعثر به المرء فينجو أو يموت بسببه، إنما هو قدر العائلة المنحوسة، عـائـلـة الـكـاتـبـة الـتـي «تـــركـــت» بــادهــا المضطربة واســتــقــرت، بـعـد تــشــرد طــويــل، فــي بـــاريـــس. هـذا استهلال غير كاف لرواية تريد أن تجعل من المرض سردية كبرى، سوى أنه يُفيدنا في ضبط سردية المرض؛ فلا أمراض موسمية، إنما هي أمراض ذات سمات رتيبة ومتكرَّرة، كما أن الإحساس بالمرض يشبه الانتظام فـي «مـدرسـة داخـلـيـة». هـل يعني هذا أن النقص سمة خاصة بعائلة الكاتبة؟ هو، كـذلـك، ولا شـــكَّ؛ بـل إنــه الــدلالــة الأسـاسـيـة الأولــى لسردية النقص. فالنسيان نقص، واللغة يصيبها النقص، والبلد نقص أكيد، والحياة كلها نقص، حتى الـــذاكـــرة نـقـص، وكــذلــك النسيان إنـــه نقص فـــادح. وفــي المستهل تشدد الكاتبة، فـي خلوتها بالمستشفى العسكري، على أن «النقص» يتعلَّق، ابـــتـــداءً، بـالـتـصـرفـات الشخصية كـلـهـا؛ ويـتَّــسـع ليفرض سلطانه علينا فيصنع، ببراعة، مصائرنا وطرائق، وربما حتى مواقيت رحيلنا. لكن النقص يتضخم بقصدية واضحة حتى كـأنـه صــار الــروايــة كلها؛ فهو ذو صيغة سردية كلية تريد منها الكاتبة مراجعة مقولة الرواية وما تعتمده من وسائل خادعة، وربما مخادعة. أول ما ينقص هو المعنى ذاته. نتحدث عن الدلالة المضمرة للنقص، وهـــو الــقــول بتهافت المـعـنـى وضــمــوره. فماذا يعني ضمور المعنى، وربما، حتى تلاشيه؟ إنـه يُفيد أن النقص يرمي شباكه بعيدا فيصيب قــدرة العالم الـسـردي على إنـتـاج معنى يُعتد به؛ فليس النقص هنا ما يختص قــدرة الجسد على المقاومة والحركة، إنما هو نقص المعنى. لنأخذ هنا نقص المعرفة، لماذا لا أقول الإدراك، فيما يخص إشكالية كنايات الــــراوي، مـن يتولى ســرد وقائع النقص: هل هو كاف المخاطب أو ياء المتكلم، أم تاء التأنيث الساكنة التي لا محل لها من الإعراب. يدعم نقص المـعـرفـة نقصان الـتـجـربـة، ونـقـصـان العمر كله، ونقصان الإدراك، ونقصان اللغة الغريبة في الجغرافيات البعيدة عـن موطنها؛ فالنقص هو المعنى الأول والأخير لحياتنا الطارئة. النقص: خلوة الذات الأخيرة سوى أن النقص لا يكون نقصا قبل أن تكون هناك «خلوة»، وليس مهما مداها أو صورها؛ يكفي إنها خلوة إجـبـاريـة. وقـد يكون الأمــر مضحكا أن نفترض أو نتساءل عما يمكن أن نفعله في خلوتنا؛ فـيـمـا الأصـــــل هـــو مـــــاذا سـتـفـعـل بــنــا تــلــك الـخـلـوة الرهيبة! فعلها الأول هو أنها تجبرنا على إعـادة تصورنا عـن ذاتـنـا؛ إذ لا نـعـود، بعدها، أصحاء، نحن مـرضـى. ولا تبدأ الخلوة، خلوتنا، مـن دون الإقـــرار الشخصي بالتحوُّل من إنسان أو شخص سوي متعاف إلى مريض يفقد تدريجيا قدرته على التحكم بحياته. والخلوة هنا هي المدخل الأساسي لـلـمـرض ولــتــأمــل الـــــذات بـعـد تـــبـــدُّل أحــولــهــا. لكن الرواية تجادل في كيفية تحقُّق الخلوة، لا سيَّما ما يتصل منها بالشرط الوجودي، بعض هذا الجدل يقودنا لعوالم «خلوة النقص»؛ فلكي تحقَّق خلوة الــــذات بصفتها الـرئـيـسـة، وهـــي الإجـــبـــار، يلزمها سبب، لنقل فاعل قاهر، مثل المرض. هل ثمة سبب آخر، قاهر وإرغامي، غير المرض يعيد الذات لعالمها الأول، قصتها المتروكة في الزاوية البعيدة والمعتمة من الذاكرة؟ أغلب الظن أن «المرض» مقولة عامة، لا تملك توصيفا كافيا لغرائبية الذات وتهافتها. لا سبيل لــلــخــاص ســــوى إعــــــادة تــعــريــف المـــــرض وضـبـط ماهيته؛ وليس لدى الرواية من سبيل، أو وسيلة، ســـوى ســرديــة «الألـــــم» المـتـدفـقـة بــا هـــــوادة. وهـل «الألم» هو منطق الرواية ومكان تدفقها السردي، ولا نـقـول الـحـكـائـي، لــلــروايــة؛ إذ يـكـاد التسلسل الـحـكـائـي أن يـنـعـدم فـــي أغــلــب الــفــصــول؟ النص يجيبنا ويسميه باسمه، ابـتـداءً، بلا كنايات، أو مــجــازات كـبـرى؛ فـــ«الألــم حـالـة إنسانية حميمية عكس نتائجها الكونية، حتى أن تبذير الألم عند البعض هو سلوك سفيه جدا (..). أن تكون متألما وحــــدك، وأنـــت تنكب عليه وهـــو يهيل عليك هذا »، هذا أول 30 الاستغناء البهيج عن الجميع. ص العزلة وربما آخرها، وستنتظم الرواية، بعدها، في سرد وقائع الألم، وهي ذاتها وقائع الذات في عزلتها المديدة. الواقعة الأساسية هي إشكالية التعبير عن الألم، لماذا لا أقول إن النص، هنا، يشكِّل كثيرا في طرائق استعادة الواقعة السردية المنتجة جراء خلوة الألم! في فقرة «ليالي الرحيل»، مثلاً، نظل عالقين في براثن المعنى، فالهاء مثلا هل تعود لليالي، أم تعود للرحيل؟ الجواب حاضر، ومثله إشـكـالـيـة التعبير عـنـه، ثــم لا نـعـرف أن «الــهــاء» تــعــود لـــ«المــحــبــوب» الــــذي «سـيـحـضـر» ويـقـاسـم الــكــاتــبــة شـقـتـهـا فـــي بـــاريـــس. يـــقـــول لــنــا الـنـص الكثير، وهو يبرع في إخفاء رغبته بالتملص من هوية أجناسية جاهزة، فنجد الرواية تتحدث ولا تقول عـن المــرض وآلامـــه عندما يصبح «بـروفـة» الـتـألـيـف الـــســـردي الأخـــيـــرة. كـيـف هــــذا؛ والـنـص يجاهر بالانتساب للسيرة، ثم يتنكَّر لها! فما مـأثـرة «خـلـوة الـنـقـص»، إن كــان يجب أن يــكــون لــلــروايــة مــأثــرة تـمـيـزهـا عــن روايـــــات عراقية وعـربـيـة كـثـيـرة؟ إنــهــا ســرديــة الـنـقـص الـكـبـرى في اجتياحها الكاسح لحكاياتنا، بل لمعنى السرد كله في مسعاه لأن يكون لحياتنا معنى وقيمة؛ فالمرض، أقــصــد خــلــوتــه، أقــصــد الــنــقــص الـــــذي يـعـجـزنـا عن التمييز بين السيرة والرواية، هو ما يتبقَّى للرواية أن تقوله بأي صيغة ممكنة؛ إن توفَّرت سبلها! حمزة عليوي ليس المرض قدرا فرديا إنما هو قدر العائلة المنحوسة عائلة الكاتبة التي «تركت» بلادها المضطربة واستقرت بعد تشرد طويل في باريس عالية ممدوح غلاف خلوة النقص

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky