issue17450

مــواهــب نـتـنـيـاهـو لا تُــنــكَــر، وأهــــم قـريـنـة عليها بـقـاؤه بموقع الـرجـل الأول فـي إسـرائـيـل أطـــول مـن كـل سابقيه من المؤسسين والتاريخيين. تركّزت مواهب نتنياهو على إدارته زعامتَه داخل الحياة السياسية في إسرائيل، مستفيدا من الفراغات التي نشأت واتسعت بفعل غياب الكبار، الذين لم يتركوا وراءهم زعماء مؤهَّلين للحكم من بعدهم، فتلاشَوْا مَن كانوا يسمَّون «جيل الأمراء»، ولم يصمدوا أمام مواهب وإمكانات نتنياهو. وحين يستبد الفراغ بعد غياب الكبار، تنفتح الفرص أمام موهوب سلطة وسياسة وخطابة مثل نتنياهو، وهذا ما حدث. الــكــبــار الـــذيـــن أقـــامـــوا الــــدولــــة، وبـــنـــوا مــؤســســاتــهــا، لم تكن إنجازاتهم لمجرد تـوافـر مؤهلاتهم الشخصية؛ بـل لأن قــوى دولـيـة مـقـررة أسست دولتهم. وأهــم ما ميّز المؤسسين الصهاينة أنهم عـرفـوا كيف يستفيدون مـن الـريـاح الدولية المواتية، في حين لم يكن مَن واجهوهم آنذاك في كفاءتهم. «جـــيـــل الـــكـــبـــار»، ومــنــهــم بـــن غــــوريــــون وغــــولــــدا مـائـيـر ومناحيم بيغن، وبالإمكان إضافة موشيه ديّــان؛ أيقونتهم الحربية، سجّلوا بأسمائهم إنـجـازات فعليةً، مثل تأسيس الـــدولـــة، وكـسـب حــروبــهــا، وبــنــاء وتـطـويـر قـــدراتـــهـــا... ويقع في صلب إنجازاتهم تحقيق بـدايـات مهمة للتطبيع، أدّاهــا مــنــاحــيــم بــيــغــن، مـحـقـقـا بـــذلـــك مـــقـــدمـــة لــرغــبــة المـــؤســـس بن غــوريــون الـــذي كـانـت أقـصـى أمـانـيـه أن يـــرى إسـرائـيـل دولـــة عادية من دول الشرق الأوسط. ورث نتنياهو كل ما فعله هؤلاء. وإذا ما أُرّخ لعهده بما أنجز فـي الـواقـع، فليس فـي سجل تاريخه مـا يؤهله لصفة «قائد تاريخي». في الأشهر القليلة التي ربما تكون أشهُرَه الأخيرة فـي حكم إسـرائـيـل، لـم يجد نتنياهو إنـــجـــازات مقنعة للإسرائيليين، وكــل مـا حققه بالفعل يـنـدرج فـي دائــرة السلب... وهذه عيّنات مما فعل: فــي عـهـده نــفّــذت إســرائــيــل حـــرب إبــــادة أدّت إلـــى وضـع الــدولــة فـي قفص الاتــهــام والإدانـــــة، ووضـعـتـه شخصيا قيد الملاحقة بصفته «مجرم حرب». وفي عهده تكرّس في إسرائيل حكم الفرد، بعد أن كانت تتباهى بـحـوكـمـة حــضــاريــة عـصـريـة وديـمـقـراطـيـة، عدّتها الوحيدة في صحراء الشرق الأوسط. وفـــي عــهــده قـــاد ثــــورة رِدة عـلـى الـقـضـاء كــي يـفـلـت من الـــعـــقـــاب حــتــى لـــو بــلــغ الأمـــــر حــــد إلـــغـــاء سـلـطـتـه وتــجــويــف صلاحياته. وفــــي عـــهـــده تـــكـــبّـــدت إســـرائـــيـــل أعـــظـــم خــســائــر بــشــريــة واقتصادية فـي حـــروب على جبهات عــدة، لـم تستطع حسم واحدة منها؛ ولن تستطيع. وفــي عهده اتُّــهـم بـأفـدح تقصير وقــع فيه رئيس وزراء أكتوبر (تشرين الأول) 7 إسرائيلي؛ من جــرّاء ما حـدث يـوم ، وكذلك بمنعه تشكيل لجنة حكومية للتحقيق فيما 2023 حدث، ليقينه بحتمية إدانته. وفي عهده مَال الحريديين وطوّع الدولة بكل مؤسساتها لمصالحهم؛ وهـم الممتنعون عـن الخدمة العسكرية فـي زمن احـتـيـاج الـجـيـش إلـــى قـــوى بـشـريـة يفتقدها بسبب حـروبـه متعددة الجبهات. وفـــــي عـــهـــده تــــراجــــع الـــتـــأيـــيـــد الــشــعــبــي والمـــؤســـســـاتـــي الأميركي لإسرائيل، بعد أن كانت سياسات وقــرارات الدولة العظمى، خصوصا فـي الـشـأن الـشـرق أوسـطـي، رهينة لها؛ توضع وتُتخذ في تل أبيب قبل واشنطن. وفـي عهده تراجع الإنتاج وتعاظمت الهجرة المضادة، وبلغ الإنفاق الحربي أعلى معدلاته منذ ولادة الـدولـة... ولا يزال النزف متواصلا ولا يُعرف كيف ومتى يتوقف. كــــل هـــــذا الــــــذي تــــقــــدّم قـــالـــتـــه تــقــيــيــمــات كــــتّــــاب وعــلــمــاء وسياسيين إسرائيليين صهاينة لعهد نتنياهو وما «أنجز» من كوارث، جعلت ضابطا كان مجهولا في الحياة السياسية الإسـرائـيـلـيـة يـتـفـوق عـلـيـه فــي الاســتــطــاعــات بــالــجــدارة في الحكم والقيادة؛ هو آفي آيزنكوت. إن أهــم مـا فعله نتنياهو ومــا بــدأ الشعب الإسرائيلي يـنـتـبـه إلـــيـــه، بــاســتــثــنــاء قــــوى الــيــمــن المــســتــثــمــرة عـقـائـديـا ومصلحيا فـيـه، أنـــه ضـلَّــل إســرائــيــل بـأجـنـداتـه المستحيلة، مــثــل الــســيــطــرة عــلــى الـــشـــرق الأوســـــط بـيـنـمـا هـــو عـــاجـــز عن السيطرة على أصغر جغرافيا من جغرافيات حروبه المتعددة، وتسويقه حنينَه وسعيَه لإقامة إسرائيل الكبرى التي تتطلب الاســتــيــاء عـلـى مــائــة ضـعـف مساحتها الـحـالـيـة مــن الـــدول المجاورة. أخـــيـــرا لـــو اقـــتـــرنـــت إنــــجــــازات نــتــنــيــاهــو بــمــا تـحـتـاجـه إســـرائـــيـــل فــعــا مـــن أمــــن دائــــــمٍ، واســـتـــقـــرار راســــــخٍ، والـتـمـتـع بعضوية نادي الدول العادية في الشرق الأوسط، كما حلم بن غوريون، لسُجّل في الذاكرة والكتب زعيما تاريخيا يضاهي مؤسسي الدولة ويمكن أن يتفوّق عليهم، ولكنه؛ وهـذه هي خـاصـة عــهــده، يـقـاتـل طــواحــن الـــهـــواء لـلـنـجـاة مــن مقصلة القضاء، والظفر بـولايـة جـديـدة؛ إن كسبها، بفعل الفراغات المستشرية فـي الــدولــة، فخسارة إسـرائـيـل منه وبــه ستكون الأفدح في تاريخها. فـــي كـتـابـه المـــؤســـس «سـيـيـنـغ لايـك إيـسـتـيـت» (عـــن الـــدولـــة) طـــرح أسـتـاذنـا جيمس سـي. سكوت مفهوم «الماتيس» )، وهــــي كــلــمــة يــونــانــيــة قـديـمـة Metis( تشير إلى نوع من المعرفة العملية التي لا تـــأتـــي مـــن الــكــتــب أو المــخــطــطــات، بل من المعاشرة الطويلة للأشياء والناس والبيئة؛ معرفة الراعي بقطيعه، والفلاح بــــأرضــــه، والـــصـــيـــاد بـــالـــنـــهـــر، والـــعـــامـــل بالماكينة التي يسمع صوتها كـل يـوم، فيعرف من تغيّر نبرتها أن هناك خطأ ما. الماتيس، بهذا المعنى، ليس نقيض العلم، وليس دعــوة رومانسية للعودة إلى الماضي وتجاهل ما هو حديث، بل تنبيه إلـــى حـــدود المـعـرفـة المــجــردة حين تنفصل عـن المـكـان والـخـبـرة. وظـنـي أن هـذه واحــدة من مشاكلنا الأساسية في قـصـة الـتـعـريـب والــتــغــريــب. فـالمـهـنـدس الذي تعلم في الغرب يعرف الماكينة من خلال التصميم، لكن العامل الذي عاش معها عشرين عاما فـي سياقها المحلي يعرف الماكينة مـن تغيّر صــوت خافت؛ أيــن دخــل الـطـن، وأي جــزء يحتاج إلى إصـــاح. الفكرة هـي أن المهندس يمتلك مـــعـــرفـــة قـــابـــلـــة لــلــتــعــمــيــم، أمـــــا المـــمـــارس المـــحـــلـــي فـــيـــعـــرف مــــا لـــيـــس مــكــتــوبــا فـي «الكتالوج». ومن هنا تأتي أهمية فكرة الماتيس في إعادة طرح سؤال التنمية في عالمنا العربي. فقد تعاملنا طويلا مع التنمية بــاعــتــبــارهــا «بــلــو بـــرنـــت»؛ أي مخططا جــاهــزا يـمـكـن نـقـلـه مــن مــكــان نـجـح فيه إلى مكان آخر: جامعة أميركية في دولة عربية، أو مدينة أوروبية على الخليج، نـظـام إداري فرنسي فـي قـريـة مصرية، نموذج زراعي هولندي في بيئة مختلفة في الماء والتربة والعلاقات الاجتماعية. ودائما نفكر أن المشكلة في مجتمعاتنا الـتـي لا تشبه الــنــمــوذج، وبـالـتـالـي فـإن الــعــاج هــو مـطـابـقـة الـــواقـــع المـحـلـي مع المـكـتـوب عـلـى الـــــورق. لـكـن مـــاذا لــو كـان السؤال معكوساً؟ ماذا لو لم تكن المشكلة دائما في الواقع الذي يرفض الخطة، بل فـي الخطة الـتـي لا تـعـرف الــواقــع، أو أن منفذها لديه معرفة محدودة عن الواقع؟ هـــنـــا يــصــبــح «المــــاتــــيــــس» مـفـهـومـا سـيـاسـيـا وتـنـمـويـا بــالــغ الأهــمــيــة. فكل مــجــتــمــع يــمــتــلــك مـــخـــزونـــا مــــن المــعــرفــة المــحــلــيــة المـــتـــراكـــمـــة: كـــيـــف يــــــوزع المـــــاء، وكيف يتعامل مع الجفاف، وكيف يبني فــي الــحــر، وكـيـف ينظم الــســوق، وكيف يحل الـنـزاعـات الصغيرة قبل وصولها إلــــى الــــدولــــة. هــــذه المـــعـــرفـــة قـــد لا تـكـون مكتوبة، وقـد تبدو أمــام الخبير القادم من الـخـارج غير علمية أو غير منظمة، لكنها في الحقيقة حصيلة مئات السنين من التجارب. المــشــكــلــة تـــبـــدأ عــنــدمــا تــــرى الـــدولـــة أو المؤسسة الدولية الـواقـع الاجتماعي المحلي من أعلى. من المكتب تبدو الأرض خـطـوطـا ومــســاحــات، والـسـكـان أرقــامــا، والقرية وحـدة إداريــة، والمــزارع رقما في جـــدول. وهــذه الـرؤيـة ضـروريـة لـــإدارة، لكنها تصبح خطرة عندما تتصور أنها الـــواقـــع كـلـه. فـالـخـريـطـة ليست الأرض، والإحـــصـــاء لـيـس المـجـتـمـع، والـمخطط ليس هو الواقع. خــذ مـثـال الـسـاقـيـة أو ماكينة الــري عندنا في الصعيد؛ يستطيع المهندس أن يستبدل بها مضخة حديثة أكثر كفاءة وفـق الحسابات. لكن الساقية والماكينة الـصـغـيـرة لـيـسـت مــجــرد آلـــة لــرفــع المـــاء؛ حـولـهـا مـعـرفـة بـتـوقـيـت الــــري، وتقسيم المــــيــــاه، ونـــوعـــيـــة الأرض، وعــــاقــــات بين أصــــحــــاب الـــحـــقـــول، وخــــبــــرة بـالـصـيـانـة والمواد المتاحة. إذا استبدلت الآلة وحدها ربما اكتشفت أنـك اضـطـررت إلـى تغيير شبكة كاملة كي تجعل «الحل الحديث» يعمل. عندها يصبح الــســؤال: هـل قمنا بــتــحــديــث الـــســـاقـــيـــة، أو أعــــدنــــا تـشـكـيـل القرية لكي تناسب الماكينة؟ لا يـعـنـي ذلــــك رفــــض الاقـــتـــبـــاس من الغرب أو الشرق. فالتنمية نفسها قائمة على انتقال المعرفة. المسألة هي الفرق بين الاقتباس والاستنساخ. الاقتباس يسأل: مــا الـــذي نـجـح هــنــاك؟ ولمــــاذا نـجـح؟ ومـا الــشــروط الـتـي جعلته ممكناً؟ ثــم يسأل السؤال الأهم: ماذا يجب أن نغير فيه لكي يعمل هنا؟ أما الاستنساخ فيأخذ الشكل الـنـهـائـي ويـــزرعـــه فــي بيئة مختلفة، ثم يلوم البيئة عندما يذبل. لهذا قد يكون أفضل نموذج للتنمية لــــيــــس المــــخــــطــــط، بــــــل تــــرجــــمــــة المـــخـــطـــط لـيـتـوافـق مــع الــواقــع المـحـلـي. هـنـا تظهر مـــســـألـــة الـــتـــوطـــن؛ فـــالـــتـــوطـــن يـــجـــب ألا يـسـتـبـدل كـلـمـة بـكـلـمـة. الــتــوطــن هـــو أن تنقل المعنى إلى السياق الجديد. وكذلك التنمية: لا ننقل المـؤسـسـة كما هــي، بل الوظيفة التي جعلتها ناجحة، ثم نبحث عـــن الـصـيـغـة المـحـلـيـة الـــقـــادرة عـلـى أداء الوظيفة نفسها. المـــاتـــيـــس إذن يـــدعـــونـــا إلـــــى إعـــــادة الاعـتـبـار لمـن يعيشون داخـــل المشكلة، لا باعتبارهم مستفيدين ينتظرون الحل، بل أصحاب معرفة يشاركون في صنعه. الفلاح ليس مجرد متلق لسياسة زراعية، والـعـامـل ليس مجرد يـد تنفذ تعليمات المــهــنــدس، وســكــان المـديـنــة لـيـسـوا عقبة أمــام المخطط العمراني. هــؤلاء يحملون جزءا من المعرفة التي يفتقدها المخطط. ربما كـان فشل كثير من مشروعات التنمية عندنا ناتجا عن سـؤال خاطئ؛ نسأل: كيف نجعل واقعنا يشبه النموذج الناجح؟ في حين أن السؤال الأذكـى هو: كـيـف نـأخـذ مــن الـنـمـوذج مــا يـفـيـدنـا، ثم نعيد تفكيكه وتركيبه حتى يصبح ابنا للمكان؟ التنمية الحقيقية لا تبدأ عندما تصل الخطة، بل عندما تبدأ الخطة في الاســـتـــمـــاع إلــــى صــــوت المــاكــيــنــة، عـنـدمـا تــتــعــرف عــلــى المـــكـــان مـــن أجــــل الــتــوطــن مثل زراعة شتلة في تربة جديدة. أسئلة التوطين والتنمية تتطلب المعرفة المحلية قــبــل شـــــراء المـــخـــطـــط، وهـــــذا هـــو تـعـريـف التنمية الناجحة. OPINION الرأي 12 Issue 17450 - العدد Monday - 2026/9/7 الاثنين وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com مأمون فندي نبيل عمرو سام منسى «الماتيس» نتنياهو قاد إسرائيل بأجنداته المستحيلة سوريا والتوتر التركي ــ الإسرائيلي لم يعد التوتر التركي - الإسرائيلي مجرد انعكاس لــلــخــاف حــــول غـــــزة، أو لــلــعــداء الــســيــاســي بـــن الـرئـيـس الــتــركــي رجـــب طـيـب إردوغــــــان ورئـــيـــس الــــــوزراء بنيامين نتنياهو. فالتطورات في سوريا ولبنان تكشف عن انتقال العلاقة إلى مستوى أعمق من التنافس على رسم توازنات الشرق الأوسط بعد الحرب الأميركية - الإيرانية، وتراجع قدرة طهران على أداء دورها الإقليمي السابق. فهل تصبح تـركـيـا المـنـافـس الإقـلـيـمـي الـرئـيـسـي لإســرائــيــل؟ أم تبقى الخصومة محكومة بسقف يمنع المواجهة المباشرة؟ برز هذا السؤال بعد الغارة الإسرائيلية على قاعدة «أبو الظهور» الجوية شمال سوريا، عقب زيارة وفد تركي لـهـا. فقد بـــررت إسـرائـيـل الـضـربـة باحتمال استخدامها لتمركز قوات تركية، فيما نفت دمشق ذلك، واتهمت أنقرة نتنياهو باتباع سياسة توسعية تُهدد استقرار المنطقة. وأظـــهـــر الــــحــــادث أن الــتــنــافــس بــــات يــقــتــرب مـــن احـتـكـاك عسكري قد يقود إلى تصعيد أوسع إذا أخطأ أحد الطرفين في تقدير نيات الآخر. تـمـثـل ســـوريـــا مـــركـــزا لـــهـــذا الــتــنــافــس؛ لأن الـطـرفـن ينطلقان من رؤيتين متعارضتين لمستقبلها. تريد أنقرة سوريا موحدة ومستقرة، بحكومة مركزية قريبة منها، تضبط حدودها وتمنع قيام كيان كردي مستقل أو شبه مستقل. كما ترى في إعادة بناء الجيش والاقتصاد فرصة لـتـوسـيـع نــفــوذهــا، وإعـــــادة الــاجــئــن، وتـثـبـيـت موقعها بوصفها القوة الأكثر تأثيرا في سوريا الجديدة. فــي المـقـابـل، تقلق إسـرائـيـل مــن نـشـوء دولـــة سـوريـة قوية، أو وجــود عسكري تركي قريب من حـدودهـا، وهي تــريــد الــحــفــاظ عـلـى حــريــة عـمـلـهـا الـــجـــوي، ومــنــع ظـهـور قدرات تُقيّد حركتها؛ لذلك تميل إلى إبقاء سوريا ضعيفة عسكريا وخـاضـعـة لترتيبات أمنية تحد سـيـادتـهـا، ولا سيما في الجنوب. وهكذا يتجاوز الخلاف قاعدة عسكرية بعينها إلـى طبيعة الـدولـة السورية نفسها: تركيا تريد إعادة بنائها، وإسرائيل تريد تقييدها. ويمتد التنافس إلى غزة؛ حيث توظف تركيا دفاعها عن الفلسطينيين لتعزيز حضورها العربي والإسلامي، فيما تُعد إسرائيل هذه العلاقات تهديداً. كما دخل لبنان هذه المعادلة مع سعي أنقرة إلى توسيع دورها السياسي والأمني، وإبدائها استعدادا للمشاركة في ترتيبات أمنية تخلف قـــوات «الـيـونـيـفـيـل» فــي الــجــنــوب. ولا تعني هـذه الاتــصــالات تـقـاربـا، ولا سيما بعد خصومة الطرفين في سوريا، لكنها تشير إلى تقاطع مصالح تفرضه مصلحة مشتركة في كبح التحركات الإسرائيلية. وتـرى إسرائيل في أي حضور تركي داخل الساحة اللبنانية امتدادا لنفوذ أنــقـرة، ومـحـاولـة لتقييد حريتها العسكرية، مـا يضيف جبهة جديدة إلى التوتر. وفي شرق المتوسط، يتصل الخلاف بالغاز والحدود الـبـحـريـة وتـحـالـف إسـرائـيـل مــع الـيـونـان وقــبــرص، الــذي تعدّه تركيا محاولة لمحاصرتها وعزلها عن مشروعات الـطـاقـة. وقــد تـعـزز بـعـده العسكري بصفقة إسرائيلية - يونانية تبلغ نحو ثلاثة مليارات يورو لإنشاء شبكة دفاع جـوي وصـاروخـي متعددة الطبقات، بما يُعمق الشراكة الاستراتيجية، ويغذي مخاوف أنقرة. أما تراجع إيران فلا ينهي الصراع على النفوذ، بل قد ينقل مركزه تدريجيا إلى المنافسة التركية - الإسرائيلية. لكن تركيا ليست إيران أخرى، فهي عضو في حلف شمال الأطـلـسـي، وتملك اقـتـصـادا كبيرا وجيشا قويا وعلاقات واسعة مع الغرب والـدول العربية. كما تبني نفوذها من خلال الحضور السياسي والعسكري والاقتصادي، لا عبر نموذج الجماعات المسلحة وحده. لذلك يصعب على إسرائيل استخدام الأدوات التي اعتمدتها ضد إيران وحلفائها في مواجهة دولة مرتبطة بالغرب ومتشابكة معه اقتصاديا وأمنياً. كما لن تسمح واشنطن بسهولة بانزلاق حليفتيها إلى حـرب، وهو ما يفسر إنــشــاء قــنــوات لـفـض الاشـتـبـاك فــي ســوريــا. وهــذه القنوات لا تدل على انحسار التوتر، بل على أن احتمال الاحتكاك أصبح واقعياً، ويتطلب آليات دائمة لاحتوائه. لـــذلـــك فـــالأفـــضـــل أن يـــكـــون هـــنـــاك تـــــــوازن يــمــنــع أي طرف من الانفراد بقيادة المنطقة، وقد تؤثر الانتخابات الإسـرائـيـلـيـة المـقـبـلـة فــي مـسـتـوى الـتـصـعـيـد، فـاسـتـمـرار نتنياهو يرجح نهج القوة، فيما قد تتيح قيادة جديدة ترتيبات أمنية أكثر واقعية، مـن دون أن تنهي تناقض المصالح البنيوي. الحرب المباشرة مستبعدة، فالمصالح الاقتصادية، والـعـاقـات مـع الــغــرب، والخشية مـن الاسـتـنـزاف تفرض حـــــدودا عـلـى الـتـصـعـيـد. الأرجـــــح اســتــمــرار عــاقــة تجمع الـعـداء السياسي والتنافس الإقليمي والتنسيق الأمني الـــضـــروري لمـنـع الانــفــجــار. لـــذا لـيـس الــســؤال هــل تخوض تركيا وإسرائيل حرباً؟ بل أي نظام إقليمي تريد كل منهما بناءه؟ تسعى تركيا إلى جوار مستقر تقوده دول مركزية مـرتـبـطـة بــهــا، فـيـمـا تـسـعـى إســرائــيــل إلـــى جــــوار ضعيف عـلـى حـــدودهـــا، يـضـمـن تـفـوقـهـا وحـــريـــة تـحـركـهـا. وبـن المشروعين، تبقى سوريا الاختبار الأهم، فيما يفتح لبنان ساحة إضافية قد تجعل ضبط المنافسة أشد صعوبة.

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky