issue17449

يتوقف الكتاب عند محطة جاك دريدا، المفكر الجزائري الجذور الذي عاني من التمييز الإثني في صغره، ليشيّد بنيان التفكيك الذي حاصر اليقينيات الغربية الثقافة CULTURE 17 Issue 17449 - العدد Sunday - 2026/9/6 الأحد أحمد عبد المعطي حجازي )2( ابن خلدون... وذكراه في المقالة السابقة، الأولـى التي أكتبها عن ابن خلدون، ذكـرت أن قراءتي الأولـى عنه كانت منذ أكثر من خمسين عاماً، وكـان ذلك على ما أظن في كتاب «الأيـــام» لطه حسين. لكني لم أكـن متأكداً؛ ولهذا انتقلت لأدخـل في الموضوع، وأجَّلت البحث عن مرجعي الأول في التعرف على ابن خلدون. وأيا كان مرجعي، فالعودة للعمل الــذي قـدّمـه عميد الأدب العربي فـي المـوضـوع شـرط ضــروري. ،1917 وهـذا العمل هو رسالته التي حصل بها على الدكتوراه من فرنسا عام وكان موضوعها «فلسفة ابن خلدون الاجتماعية»، وقد تُرجمت هذه الرسالة للعربية، وسوف تكون موضوعا لمقالة حان وقتها. *** وأعود إلى حديثي السابق الذي دعوت فيه إلى التفكير من الآن في الاحتفال بإحياء الذكرى المئوية السابعة لميلاد ابن خلدون التي تحل بعد ست سنوات لأقول إنني حين دعوت إلى إحياء هذه الذكرى لم أكن أفكر في ابن خلدون وحده، بل كنت أفكر في العالم الرحب الذي عاش فيه ابن خلدون وشـارك بكل ما كان يملك من قـدرات ويسعى للحصول على مكاسب مكَّنته هذه وتلك من أن يزود ما عاشه بما يحفظه لنا وللأجيال التي ظهرت خلال القرون السبعة الماضية وللأجيال التي ستظهر في المستقبل. لقد زود ابن خلدون التاريخ بحصانة تكفل له البقاء في ذاكرة العالم؛ لأنه لم يكتبه لجيل أو جيلين، ولـم يكتبه لناطقين بالعربية وحـدهـم، وإنما كتبه للناطقين باللغات التي تُرجم لها كتابه. ولن نكون مبالغين إذا قلنا إنه كتبه لكل ناطق بلغة تُقرأ وتُكتب وتتسع للترجمة والنقل. ونحن نجد فيما لدينا من كتابات عن ابن خلدون أن مقدمته الشهيرة وكتابات أخرى له تُرجمت إلى الفرنسية، والألمانية، والإيطالية، والروسية، والإنجليزية، والإسبانية طبعاً، واللاتينية، والتركية وسواها. وقد ذكرت في المقالة السابقة أن ابن خلدون وُلد في تونس، وتنقَّل في مدن المغرب والمشرق من غرناطة إلى القاهرة ودمشق؛ ولهذا يقول عنه بعض الذين أرّخـــوا لـه: «وكـــان كثير التنقل كالظل»! لكنه كـان طرفا مشاركا فـي حياة هذه البلاد خيرها وشرها. وهي تجربة حافلة بالمعرفة أتاحت له أن يؤسس العلم الــذي سبق إليه بكل مـا حصّله مـن مـعـارف وخـبـرات. فهو فيلسوف، ومــؤرخ، وفقيه، وقاضٍ، ولغوي، وكاتب، وشاعر. (وهو سفير سلطان غرناطة إلى بيدرو الـقـاسـي ملك قشتالة الـــذي تلقاه بالترحيب والاحـــتـــرام، ووهـبـه «بغلة فارهة بمركب ثقيل ولجامين ذهبيين» أهـداهـمـا ابــن خـلـدون عند عـودتـه للسلطان، سلطان غرناطة). وهــــو بــعــد اســـتـــقـــراره فـــي مــصــر واحــــد مـــن كــبــار الــفــقــهــاء الـــذيـــن صـحـبـوا السلطان الناصر فـرج في حملته التي رد بها على هجوم التتار على المنطقة بقيادة تيمورلنك، وفي هذا الهجوم استولوا على مدن عدة في الشام أعملوا في أهلها السيف وخرَّبوها فارتاعت مصر، وخرج جيشها لملاقاتهم وطردهم. لكن السلطان سمع بمؤامرة تدبر لخلعه فعاد إلى مصر، وترك الجيش يواجه التتار فـي سـاحـات القتال وفــي المـفـاوضـات التي دارت بـن الفريقين، وأدى فيها ابن خلدون دورا مشهودا غامر فيه بحياته؛ إذ وجد من واجبه وهو مع المصريين المتحصنين في أبراج قلعة دمشق أن يتحدث مع تيمورلنك، لكن كيف والقلعة محاصرة بـالأعـداء، وأبوابها مغلقة بإحكام. وهنا خطرت لابـن خلدون الذي كــان فـي الثامنة والستين مـن عمره فكرة لا تخطر إلا لشاب مغامر. طلب من الجند المصريين أن يربطوه بحبل ويـدلـوه حتى يصل إلــى حيث يقف التتار الذين يحاصرون القلعة. وبهذه المغامرة المزيفة استطاع أن يقابل تيمورلنك ويفاوضه، ويحصل منه على مرسوم بالأمان! *** أردت بما قلته في السطور السابقة أن أشير بعبارات خاطفة إلـى العالم الذي عاش فيه ابن خلدون، عالم القرن الثامن الهجري – الرابع عشر الميلادي – الذي كانت فيه الدول الكبرى التي بناها العرب المسلمون في المشرق والمغرب من إسبانيا إلى الصين - هذا العالم تحوَّل بالصراعات الدائمة على السلطة فرقا وفتنا شـارك فيها أهله في الـداخـل: العرب، والبربر، والشراكسة، والصقالبة، فضلا عن الفرنجة والصليبيين، والنورمانديين الذين انهالوا عليه من الخارج. والنتيجة هي هذه الدول والدويلات التي كانت تزداد كل يوم تمزقا وانقساماً. العباسيون، والفاطميون، والحمدانيون، والأيوبيون، والأتــراك، والمماليك في المشرق، والمرابطون، والموحدون، وخلفاؤهم في المغرب والأندلس. نحو عشرين دولـة! في مثل هذا العدد من المدن الأندلسية: بنو جهور في قرطبة، وبنو عباد في إشبيلية، وبنو زيري في غرناطة. وفي غرناطة استطاع الوزير اليهودي إسماعيل بن نغزالة في القرن الحادي عشر أن يتولى السلطة بعض الوقت، في الوقت الذي قامت فيه الإمارات الصليبية في مدن الشام! ومـــن الـغـريـب أن يـكـون هـــذا الانـهـيـار المـتـواصـل الـــذي ضـاعـت فــي نهايته الأنــدلــس كلها بعد تـاريـخ حـافـل ممتد استمر أكـثـر مـن ثمانية قـــرون تعرَّبت خلالها إسبانيا واعتنقت الإسلام كما حدث في غيرها من بلاد المشرق والمغرب الـتـي فتحها الـعـرب المسلمون – مـن الغريب أن يـكـون هــذا الانـهـيـار السياسي مصحوبا بازدهار ثقافي أصيل ما زال إلى اليوم حيا ناضراً! يكفي في الفكر والفلسفة أن نذكر ابن طفيل، وابـن رشـد. وفي الشعر ابن هانئ، وابن زيـدون، فضلا عن الفن الشعري الذي أبدعه الأندلسيون، وهو فن الموشح الـذي اتحد بفن الموسيقى والغناء. وفي العصور الوسطى كان أشهر الجغرافيين أندلسيا وهو الإدريسي، والفلكيين المجريطي. ونحتاج إلى صفحات وصفحات لنحصي مشاهير الأندلسيين في الطب، والزراعة، والرياضيات. ومن الطبيعي فـي الأنـدلـس وفـي غيرها مـن بـاد الـعـرب المسلمين أن يفوز التاريخ باهتمام الكثيرين؛ لأن الـــدول تتتابع، والـنـظـم تتغير، والمجتمعات تتطور، والتفكير في الحاضر يستدعي التفكير في الماضي والمستقبل، أي في التاريخ الذي ظهر فيه من الأندلسيين ابن القوطية، وابن الفرضي، وابن بشكوال. ومن المشارقة الطبري، والمسعودي، وابن تغري بردي وسواهم. لكنه لم يصبح علما تُفهم به حياة الإنسان إلا على يد ابن خلدون الذي شارك في صنعها أيضاً. ابـــن خــلــدون لــم يــشــارك فــي صـنـع الــتــاريــخ بـالـكـتـابـة وحـــدهـــا، بــل بالفكر وبالعمل مع سلاطين المغرب والأندلس الذين استعان به معظمهم فرأى كل شيء من قريب ومن بعيد؛ وبهذا تمكّن من اكتشاف علم العمران أو الاجتماع. كيف نفسر هذه المفارقة التي تبدو أمامنا غريبة؟ انهيار الـدول، وازدهار الثقافات؟ أن يظهر ابن خلدون في الوقت الذي كانت فيه الدول تتهاوى وتتمزق في الداخل، وتتعرض للحصار والسقوط والضياع؟! تحولات المكان في «دارة بلقيس» للأردني المدادحة تـتـبـع روايــــــة «دارة بـلـقـيـس» لـلـكـاتـب الأردنــــــي عبد الهادي المدادحة التحولات الدرامية العميقة التي تعصف بالمكان العمّاني وهويته التراثية، مبرزة التنازع الأزلـي بـن سحر الـذاكـرة الحميمة وأطـمـاع الاستثمار العقاري الـجـاف. ويأخذنا الكاتب في رحلة لاستكشاف تفاصيل الــحــيــاة الــيــومــيــة فـــي جــبــل الــلــويــبــدة الـــعـــريـــق، وتــحــديــدا » فــي شـــارع كلية الـشـريـعـة، رابــطــا بين 4 عــمــارة «جـيـهـان مصائر أبطاله وحركة النجوم والأبـراج الفلكية في القبة التنجيمية بأوتادها الأربعة، ليعكس من خلالها تقلبات الـنــفــس الـبـشــريـة ومــشــاعــر الـعـجــز الــبــشــري أمــــام ويـــات الواقع وقسوة التغيير. ويمكن إدراج هذه الرواية الصادرة عن «الآن ناشرون صــفــحــة مـــن الــقــطــع المـــتـــوســـط، في 135 ومـــــوزعـــــون» فـــي إطــار الـروايـة الاجتماعية الفلسفية التي تتوسل بالفلك الأســــطــــوري لـتـفـكـيـك الــــواقــــع؛ حــيــث تُــســلــط الـــضـــوء على قــصــص إنــســانــيــة مـتـشـابـكـة لــجــيــران يـتـقـاسـمـون المــكــان والذكريات، كالسيدة أليس بركات الشغوفة بعالم الفلك، وصـديـقـة طـفـولـتـهـا الــدكــتــورة ســعــاد الــصــبّــان الــتــي تقع ضحية لــشَــرَك عــقــاري يــقــوده أحـــد الـسـمـاسـرة المغامرين بهدف هـدم دارتها التراثية، ليمثّل الكتاب صرخة أدبية تـــدافـــع عـــن أصـــالـــة الأحـــيـــاء الــعــريــقــة فـــي مــواجــهــة زحــف الأسمنت الحداثي. بــــــدأت الـــــروايـــــة الـــتـــي صـــمـــم غـــافـــهـــا «عـــيـــد بـــنـــات»، باستهلال أسـطـوري لافـت مستوحى من المـــوروث الفلكي العربي حول قصة مقتل رجل غدرا في الأسـواق البعيدة، فـيـأخـذك فـي رحـلـة بحث وثـــأر أبـديـة مـن الـقـاتـل «سهيل» الذي فر نحو السماء الجنوبية. ومن هذا الفضاء السديمي الفسيح، يهبط المدادحة بسرديته بسلاسة نحو جغرافية عمّانية شـديـدة الـواقـعـيـة والــدقــة، ليتجول بـالـقـارئ بين شارع كلية الشريعة، وكلية تيراسانتا، وساحة باريس، ومـسـتـشـفـى لـــوزمـــيـــا، عـــارضـــا تــفــاصــيــل دراســــــة بطلته للطب في القاهرة، ومسترجعا أحداثا تاريخية وإقليمية مأساوية تركت ندوبا في وعي الشخصيات ونفسياتها. من أجواء الرواية «تـتـعـدد رغباتنا وتـتـنـوع وربـمـا تتناقض، فليست كـل رغبة ثبت وجـودهـا، يثبت عـدم وجــود رغـبـات أخـرى مـعـاكـسـة لـهـا فـــي الاتـــجـــاه، فـالـحـيـاة كـأنـهـا مـــيـــدان حـرب وســــاحــــة صــــــراع بــــن رغـــبـــاتـــنـــا مــــن جـــهـــة ومـــــا يــنــازعــهــا ويعارضها مـن جهة أخـــرى، ففي الحياة ثمة متسع لكل هذا. ثم تضيف: كثيرة هي الأشياء التي تجري في حياتنا بلا حساب أو مراجعة، تصبح شيئا يشبه العادة، نؤمن بها ونعمل بمقتضاها ولا نبحث لها عن دليل عقلي يثبت الفائدة منها أو الضرر. أحيانا تصبح الفكرة مثل العادة أيضاً، تؤتى بلا دليل عقلي قاطع على صحتها. نـــفـــرح ونــشــعــر بـــوجـــودنـــا عــنــد زيــــــادة قـــدرتـــنـــا على التأثير في العالم من حولنا، ونحزن عندما تنقص القدرة على الفعل والتأثير. نلجأ إلى التنجيم سعيا وراء الفرح أو هربا من حزننا الذي يشعرنا بالعجز». وكان قد صدر للمدادحة: «قالت لي العرافة»، قصص )، «على جمر الغضا.. قـراءة في تاريخ الحكومات 2015( )، «هــوامــش البساط 2016( ، الأردنـــيـــة»، دراســــة سـيـاسـيـة )، «كــرك مــوبــا... رسـائـل المدينة»، 2018( ، الأحــمــر»، روايـــة )، و«رعــــاش 2022( ، )، و«حــــارســــة»، روايـــــة 2021( ، روايـــــة .)2026( ، المدينة»، رواية عمّان: «الشرق الأوسط» قسّمت فصول كتابها وفق موضوعات كبرى تشمل القتل والجنون والمناورات إيميلي إيكين... شهادة استثنائية تجمع بين سيرتها والتاريخ الفكري فــي كـتـابـهـا الـــبـــاذخ «الـفـرنـسـيـون: أو حـيـاتـي فــي ظــل الــنــظــريــة»* تــقــدم الكاتبة والمحررة الأكاديمية إيميلي إيكين شهادة استثنائية تجمع بين سيرة تطوّر وعيها الشخصي والتأريخ الفكري الدقيق لحركة الفكر البنيوي والتفكيكي التي اجتاحت الكليات والمعاهد الأميركية في ثمانينات القرن الماضي، فتستعيد تجربتها الفتية عندما وصلت إلى جامعة هارفارد طالبة يـافـعـة قــادمــة مــن أوســــاط الــغــرب الأوســـط الأميركي المحافظ، لتجد نفسها مأخوذة بسحر الأفـــكـــار الآتــيــة مــن بـــاريـــس، والـتـي شـكـلـت الـشـيـفـرة الـسـريـة والـــرمـــز الثقافي المميز للنخب الفكرية المـتـمـردة فـي الثلث الأخير من القرن الماضي. تـرسـم إيـكـن عبر كتابها الممتد على أربعمائة وتسعين صفحة صورة مجموعة مـن الفلاسفة ومحللي النفس واللغويين الـفـرنـسـيـن الــذيــن أحـــدثـــوا زلـــــزالا معرفيّا في الغرب زحزح المسلمات التقليدية حول المعنى والــــذات، متتبعة تفاصيل الرحلة المـــعـــقـــدة الـــتـــي قـطـعـتـهـا هـــــذه الأفــــكــــار مـن مـقـاهـي حـــي الـــســـوربـــون وأروقــــــة المــدرســة الــعــلــيــا لـــأســـاتـــذة بـــبـــاريـــس إلـــــى قـــاعـــات المحاضرات في ييل وهارفارد وكولومبيا. وتــــصــــف الـــكـــاتـــبـــة حــــالــــة الانـــــجـــــذاب العاطفي والفكري الشديد نحو «النظرية الفرنسية»؛ إذ كانت تمثل لطالبة قادمة من بيئة بروتستانتية محافظة العالم المغاير والأنــــــمــــــاط شــــديــــدة الــــخــــطــــورة والمــفــعــمــة بالشحنات المعرفية والحسية في آن واحد، حيث كــان تعلّم المــفــردات الـتـي تتضمنها هـــــذه الــنــظــريــة أشـــبـــه بـــاســـتـــبـــدال لـلـهـويـة والمـــــوطـــــن الأصــــلــــي بـــمـــنـــظـــومـــة مـعـجـمـيـة شـــاســـعـــة تــمــنــح صــاحــبــهــا بـــطـــاقـــة عــبــور فورية إلى عوالم الوجاهة الذهنية. وتعبّر عـن تلك اللحظة الاستثنائية بتوصيف الشغف الـــذي ينتاب المـــرء عند رؤيــــــة الــــواقــــع والـــلـــغـــة والـــنـــفـــس الــبــشــريــة وهــي مـوضـع التفكيك والـتـشـريـح جـهـاراً، حـيـث كـانـت مــفــردات مـثـل «المــفــارقــة» - أي الـتـنـاقـض الـظـاهــري -، و«الـــــدال الـعـائــم» - أي المـفـهـوم أو الــرمــز المنفصل عــن مـدلـول مـــحـــدد، مــمــا يـجـعـلـه قـــابـــا لــامــتــاء بــأي مـــعـــنـــى يُـــســـقـــط عـــلـــيـــه مـــثـــل مــصــطــلــحــات (الحرية) أو (الشعب)، و«الحاضر - أبداً» - أي البنى المسبقة التي تشكل وعينا قبل أن ندركها - تشكل ترسانة الأسلحة الفكرية الأبرز لطلاب الدراسات العليا الراغبين في الانـفـصـال عـن النمطية الثقافية السائدة والتحرر من الدوغمائيات التقليدية. يتناول الكتاب ثمانية أعلام محوريين شكلوا القوام الصلب لهذه الحركة الفكرية، وهـــم مـيـشـيـل فــوكــو وجــــاك دريـــــدا ورولان بـــارت وجـــاك لاكـــان ولـــوي ألتوسير وجيل دولــــوز وفيلكس غــوتــاري وبـــول دي مــان، مــع اسـتـحـضـار كــاشــف لــرمــوز مـبـكـرة من قــــمــــاش جــــــان بــــــول ســــارتــــر وكــــلــــود لـيـفـي سـتـروس. وتتجلى المفارقة المركزية التي يقيم عليها النص بنيانه السردي في كون هؤلاء المفكرين الذين أعلنوا قاطبة «موت المــــؤلــــف» واعــــتــــبــــروا الـــســـيـــرة الـشـخـصـيـة مجرد وهم آيديولوجي، قد عاشوا بالذات حياة طافحة بالدراما والفضائح المدوية والمـآسـي الإنسانية المفجعة. ترسم إيكين بأسلوب مفعم بالحيوية صورا تفصيلية لهؤلاء الأعـام، كاشفة عن جوانب شديدة الـتـنـاقـض فــي سلوكياتهم الـيـومـيـة التي تــــجــــاور فــــي غـــرابـــتـــهـــا نــصــوصــهــم الأشــــد تعقيدا واستغلاقاً. ثـــــمّـــــة تـــفـــاصـــيـــل مـــفـــجـــعـــة عـــــن حـــيـــاة ألـــتـــوســـيـــر الــــــذي أقــــــدم فــــي لــحــظــة جــنــون عـــاصـــفـــة عـــلـــى خـــنـــق زوجـــــتـــــه فـــــي سـكـنـه بـــالـــجـــامـــعـــة وتــــجــــنــــب المــــحــــاكــــمــــة بــســبــب اضـطـرابـه العقلي، فـي حـن تشير السيرة إلــى ارتـبـاكـه العاطفي العميق فـي شبابه الأولـــــي واحــتــفــاظــه بــعــزلــة نـفـسـيـة حــــادة. هناك كذلك تفاصيل الـرحـات الأكاديمية لميشيل فوكو في كاليفورنيا حيث مارس طــــقــــوس الـــتـــجـــريـــب الــــذهــــنــــي والـــجـــســـدي واخــتــبــر المـــشـــروبـــات الأمــيــركــيــة، وانـهـمـك فـي تقطيع حطب التدفئة مـع الـطـاب في الـجـبـال، بـالـتـوازي مـع تـطـويـره لنظريات الشمولية السلطوية والهيمنة المؤسسية. ويـــنـــقـــلـــنـــا الــــنــــص إلــــــى الــــعــــالــــم المـــســـرحـــي للمحلل الـنـفـسـي جـــاك لاكـــان الـــذي ابـتـدع أسـلـوب جلسات علاجية خاطفة ينهيها فـــي غــضــون دقـــائـــق مـــعـــدودة لـيـحـصـد من ورائـهـا ثـــروات هائلة، واضـعـا مريديه في حــالــة ذهــــول دائــــم عــبــر رســــم عــقــد ورمــــوز مبهمة على السبورة ثم المـغـادرة الفورية القاطعة للقاعة. يـــتـــوقـــف الــــكــــتــــاب عـــنـــد مـــحـــطـــة جـــاك دريــــــــدا، المـــفـــكـــر الــــجــــزائــــري الــــجــــذور الــــذي حمل جراح التهميش والتمييز الإثني في صغره، ليشيد بنيان التفكيك الذي حاصر اليقينيات الغربية، متعرجا نحو واقعة اعتقاله المأساوية في بـراغ بتهم مخدرات كاذبة حُبكت ضد هويته الفكرية. كما يفرد الــنــص مــســاحــة واســـعـــة لـلـسـقـوط المــــدوّي لـبـول دي مـــان، الأب الــروحــي للتفكيك في جامعة ييل، حيث كشفت الوثائق المتأخرة بعد وفاته عن كتاباته الصحافية المؤيدة لــاحــتـــال الــــنــــازي فـــي بـلـجـيـكـا فـــي أثــنــاء الــحــرب الـعـالمـيـة الـثـانـيـة، وهـــي الفضيحة التي وجهت ضربة قاضية لسمعة المدرسة التفكيكية فــي أمـيـركـا، وأعــطــت الخصوم الـــســـيـــاســـيـــن والـــفـــكـــريـــن أســـلـــحـــة فــتــاكــة لتقويض الـهـالـة الحصينة الـتـي أحـاطـت بالنظريات الفرنسية لسنوات طويلة. وتعتمد إيكين منهجا أنثروبولوجيا فــــــريــــــدا فــــــي تـــفـــكـــيـــك هــــــــذه الـــشـــخـــصـــيـــات عـــبـــر تــقــســيــم الـــفـــصـــول وفـــــق مـــوضــوعـــات كــبــرى تـشـمـل الــقــتــل والــجــنـــون والـكـلـمـات والمناورات، مفضلة استكشاف الأفكار عبر الوقائع الملموسة والسلوكيات الشخصية لمـبـدعـيـهـا ومـــجـــاوزة الـتـحـلـيـل الأكــاديــمــي الـصـرف، مظهرة قــدرة فائقة على إيضاح المفاهيم المعقدة الشديدة الاستغلاق مثل «الــســلــطــة الـــحـــيـــويـــة» و«الــبــانــوبــتــيــكــون» و«الاســــتــــجــــواب الآيـــديـــولـــوجـــي»، فتفسر كـــيـــف أضـــحـــت هـــــذه الــــطــــروحــــات مـفـاتـيـح أســـــاســـــيـــــة لــــفــــهــــم الــــــتــــــحــــــولات الـــثـــقـــافـــيـــة والتكنولوجية الكبرى في العصر الحالي، كما في مفهوم فوكو حـول البانوبتيكون أو «المـراقـبـة الشاملة» كتشخيص فصيح ومــبــكــر لــشــبــكــات المـــراقـــبـــة الــرقــمــيــة الـتـي تحيط بالإنسان المعاصر عبر المؤسسات والشركات التكنولوجية العملاقة، وتدفعه لمــمــارســة الـــرقـــابـــة الـــذاتـــيـــة الـــصـــارمـــة على سلوكياته وأفكاره. يــمــتــد الــتــحــلــيــل إلــــى تـــنـــبـــؤات رولان بـارت في مقالته الشهيرة «مـوت المؤلف»؛ إذ يـجـد الـــقـــارئ المــعــاصــر أن فــكــرة إنـتـاج الــــنــــصــــوص المـــســـتـــقـــلـــة عــــن وجـــــــود الــــــذات الإنــــســــانــــيــــة قــــــد تــــجــــســــدت واقــــعــــيــــا عــبــر نـمـاذج اللغويات الكبيرة وأنـظـمـة الـذكـاء الاصطناعي التوليدي التي تفرغ الكلمات والــخــطــابــات فـــي هـيـئـة نــصــوص متدفقة تعمل فيها الـلـغـة لـذاتـهـا وبـذاتـهـا. تشير الكاتبة إلى أن الأفكار التفكيكية التي بدأت كـنـزعـة تـمـرديـة فــي المـحـتـرفـات الجامعية المـغـلـقـة قـــد انـحـلـت تـدريـجـيـا فـــي النسيج الـــثـــقـــافـــي الـــــعـــــام، فـــأصـــبـــحـــت الـــفـــرضـــيـــات القائلة إن الحقيقة مجرد سردية تصنعها موازين القوى، وإن اللغة تملك طاقة إعادة تشكيل الواقع من القناعات المستقرة لدى الــحــركــات الاجـتـمـاعـيـة ورجـــــال الـتـسـويـق وأقـسـام العلاقات العامة وحتى الخصوم الآيـــديـــولـــوجـــيـــن فــــي الـــــحـــــروب الــثــقــافــيــة المحتدمة. جاك دريدا ميشيل فوكو لوي ألتوسير جيل دولوز ندى حطيط النص الكامل على الموقع الإلكتروني

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky