issue17446

يوميات الشرق ASHARQ DAILY 22 Issue 17446 - العدد Thursday - 2026/9/3 اخلميس معرضان متزامنان في صالتَي «صفير ــ زملر» خليل رباح يُعيد تركيب العالم بتجهيزاته التي حطَّت في بيروت يـــعـــود الـــفـــنـــان الـتـشـكـيـلـي خــلــيــل ربـــاح ســنــوات، بمعرض 8 إلـــى بــيــروت بـعـد غـيـاب مــــن جــــزأيــــن، فــــي صـــالـــتَـــي «صـــفـــيـــر - زمـــلـــر» فـــي الــكــرنــتــيــنــا ووســـــط بــــيــــروت. املــعــرضــان مــــتــــكــــامــــان مــــــن حــــيــــث الــــــــــــروح والــــنــــكــــهــــة، ومختلفان في الوسائل واألساليب. لكن هذا الـفـنـان الفلسطيني اآلتـــي مـن رام الـلـه، الـذي بقي طيلة مسيرته التشكيلية ملتزمًا أوجاع شعبه، يزداد عمقًا وأملًا وبحثًا هذه املرة، بعد مأساة غزة، محاوال سبر أغوار جراح شعبه وتشتته، بعدما سالت شلالت الدماء. هكذا أصــبــحــت الـــلـــوحـــة، كــمــا الـتـجـهـيـز، فـــي تـحـد خاسر سلفًا مع واقـع يستحيل التعبير عنه بالسبل املتاحة. فـي الكرنتينا، تجهيزات مللمها ربــاح، كعادته، من مخزونه األرشيفي الكبير، الذي يجمعه من يوميات الناس وأدواتهم املعتادة. عـــنـــد املــــدخــــل، تـسـتـقـبـلـك قــــــدور الـطـبـخ الـكـبـيـرة املـصـنـوعـة مــن األملــنــيــوم، موضوعة داخل قفص أسود، وعلى طرفيه إطارا سيارة أسودان. وإلى جانب هذا العمل، تجهيز آخر عبارة عن كاميرات فيديو اصطفت على طاولة لكي املـابـس، وتـدلّــت شرائطها بعضها إلى جـانـب بـعـض كـأنـهـا أغــصــان شـجـر. وأُحـيـط التجهيز كله بإطار زجاجي شفاف. لكن التجهيز اللفت في هذه املجموعة هــو بـيـت الــــزرع الـبـاسـتـيـكـي الـــواســـع، الــذي يُــــفــــتــــرض أن يـــحـــمـــي الـــنـــبـــاتـــات مــــن عـصـف الـشـتـاء، لكنه يتحول هـنـا، بحجمه الكبير، مكانًا خربًا ال مجال فيه للخصب أو الثمر. فالبذور التي نُــثـرت فـي األحـــواض لـم تنبت، والنباتات الخضراء التي اشرأبت فعل تعاني الــذبــول، كأنها عُــذِّبـت وأُنـهـكـت. وفــي حوض آخــــر أكـــــوام مـــن الـــزجـــاج املــهــشــم، وفــــي ثــالــث ألعاب أطفال قديمة مكدسة، وفي رابع ملعق وأوان مطبخية، وحـوض به أدوات نجارة... وغـيـره فيه صـــوان. فـي كـل مـربـع يُفترض أن يكون فيه موضع لألمل حلّت أكوام من بقايا قــديــمــة. ولــــم يــعــد الــبــيــت الـبـاسـتـيـكـي رمـــزًا للخضرة والحياة، بل مكانًا لدفن املخلفات املهملة التي قد تُنسى إلى األبد. وبـــذلـــك يـبـقـى ربـــــاح، كـمـا فـــي مـعـارضـه الـــســـابـــقـــة، حـــريـــصـــ عـــلـــى تـــطـــويـــر أســـلـــوبـــه املـفـاهـيـمـي ومــشــروعــاتــه الـفـنـيـة الــتــي تنهل مــن الــواقــع الــفــجّ، بـأبـسـط أشـيـائـه وأوسـعـهـا تـــــــداوالً؛ فـيـخـرجـهـا مـــن سـيـاقـاتـهـا املــعــتــادة ويمنحها بُعدًا آخر. هذا ما فعله في تجهيزه الــذي تتراكم فيه عشرات الكراسي الخشبية الـتـقـلـيـديـة املـتــقـشــفـة، الـــتـــي تُــســتــخــدم عــــادة للجلوس على قارعة الطرقات. وكــــذلــــك الــــحــــال بــالــنــســبــة إلـــــى ســلّــمــن مـعـدنـيـن ثُــبِّــتـا عـلـى جــــدار، وتـــدلّـــت مــن أحـد جـانـبـيـهـمـا مَــــكَــــاو لــلــمــابــس، ومــــن الـجـانـب اآلخـــر مـرشّــات للستحمام، فـي لعبة عبثية تشبه الطريقة التي يُعاد بها تركيب العالم بفوضوية. أما التجهيز األكبر في املعرض، فيحتل ثــلــث صـــالـــة الــــعــــرض، ويـــتـــكـــوّن مـــن حــواجــز معدنية ممتدة لُفّت قضبانها بأقمشة ملونة، وخـلـفـهـا عـــربـــات مـــطـــارات مـخـصـصـة لحمل الــحــقــائــب، وقــــد اســتُــخــدمــت هــــذه املــــرة لنقل الدراجات الهوائية التي تمأل املكان. تـــــبـــــديـــــل الــــــوظــــــائــــــف وتــــغــــيــــيــــر وجــــهــــة االستخدام يمنحان األشياء طعمًا آخـر. هذا مــا تـقـولـه تـجـهـيـزات خليل ربـــاح فــي منطقة الكرنتينا، بينما يقدم املعرض الثاني نمطًا مختلفًا يصب في املجرى نفسه. هــنــا يـطـالـعـك رداء نــســائــي مـــن الــتــراث الــفــلــســطــيــنــي؛ شــــاهــــق بـــحـــجـــم الــــبــــاب الــــذي تـلـج مـنـه إلـــى الــصــالــة. هـــذا الــثــوب املـشـغـول بعناية هو رد حضاري من الفنان على سرقة أستراليا موزاييك من فلسطي خلل الحرب العاملية األولى، وجده جنود أستراليون خلل حفر أحــد الـخـنـادق فـي غـــزة، فحملوه معهم إلـى بلدهم، ومـن ثم عُــرض في أحـد متاحف أستراليا. وخـــــال إجــــرائــــه أبـــحـــاثـــ عـــن أســتــرالــيــا تـمـهـيـدًا لـلـمـشـاركـة فـــي «بـيـنـالـي سـيـدنـي»، عثر الفنان على هـذه املعلومة املـؤملـة، فقرر أن يــذهــب إلـيـهـم بــــرداء مــن بــــاده، حـيـك من بقايا أثواب قديمة وبالية جمعها من جدات فلسطينيات قــرويــات، ليذكّرهم باملوزاييك املسروق. إنه نوع من املقاومة الفنية في وجه مستعمر يباهي بالسرقة، ويرى أن ما سلبه حق مكتسب ال يخجل منه. وبالقرب من الرداء التراثي الفلسطيني الـعـمـاق، تظهر إبـــرة خـيـاطـة تـحـت مجهر؛ سُلّطت عدسته على ثقبها الـــذي تـدلّــى منه خــيــط. هـــذا هـــو الـخـيـط الــســحــري الــــذي منه يُصنع إبداع التراث الفلسطيني، حيث تحاك الغرز؛ واحدة تلو األخرى. وفي لوحات اصطف بعضها إلى جانب بـعـض، نـــرى فــي كــل منها قطعة قُــطـعـت من جـــــذع شـــجـــرة زيــــتــــون مـــعـــمّـــرة. ومـــــن يــعــرف مـتـانـة جــــذوع الـــزيـــتـــون، وكـــم هـــو مــوجــع أن تُقطّع ويُعتدى عليها كأنما هذا قتل لعشرات السني والذكريات، يفهم كيف رسمها رباح، وقـــد اتــخــذت أشــكــال قـلـوب وأعـــضـــاء بشرية نـــابـــضـــة. وفــــي لـــوحـــات أخـــــرى أُنــــجــــزت بعد إبــادة غـزة، نـرى الجذوع املقطعة وقـد مُزِّقت بعد رسمها وأعيد لصقها بتقنية الكوالج، في لعبة تحطيم املحطَّم، بعد كل ما شهدته فلسطي من تمزقات. اســتــعــارة الـــرمـــوز وتـوظـيـفـهـا جـــزء من عـــمـــل خـــلـــيـــل ربـــــــــاح، حـــيـــث تـــصـــبـــح شـــجـــرة الـزيـتـون كائنًا حـيـ، ويتعامل مـع جذوعها وأغــصــانــهــا وزيـــتـــهـــا، كــمــا يـسـتـعـيـر خـيـوط التطريز للتعبير عن الهوية واالنتماء. وفي إشارة إلى األرض وغصة فقدانها، يلجأ إلى عــنــاصــر مــثــل الـــتـــراب ونــبــتــة الـــعـــدس وحـبـة القمح. وهو فنان عاشق لألرشيف، يعود إلى مجموعاته التي رتّبها ونظّمها ليبني منها تجهيزاته، معيدًا تعريف العناصر األولــى ومــانــحــ إيـــاهـــا وظـــائـــف أخـــــرى، ال تحرمها معناها األصـلـي، وإنـمـا تضفي عليها بُعدًا أعمق حي تلتصق بمواد جديدة. ســـنـــوات مـــن عــمــره في 10 قـضـى ربــــاح أميركا، حيث درس الهندسة املعمارية، التي تتجلى بوضوح في بنيان تجهيزاته، وعمل هناك قبل أن يختار العودة إلى رام الله. عاش تـجـربـة االسـتـعـمـار والـغـربـة والـفـقـد وتـمـزق الهوية وانشطار االنتماء، وعبّر عن كل هذا بـأعـمـال تحكي فلسطي بأسلوبه الـخـاص، مـسـتـلـهـمـ عــنــاصــر بـيـئـتـه الــــخــــام، ومــقــدمــ إيـاهـا فـي تركيبات سـوريـالـيـة، مثل لفائف النايلون التي تكدست في معرضه البيروتي واخـــتـــرقـــتـــهـــا أســــنــــان املـــنـــاشـــيـــر الـــحـــديـــديـــة الصدئة. وقـــــد وصـــفـــه أحـــــد الـــنـــقـــاد بـــأنـــه «يـــجـــر األشجار إلى داخل صاالت العرض، ويطحن الزيتون بالحجر، ويبتكر، بعبثية، متحفًا وشـــركـــة طـــيـــران وبــيـنــالــيــ»، عــــــادًّا أن عمله يــقــف عــلــى الـــخـــط الـــفـــاصـــل بـــن االســتــهــاك الفني واالنـــخـــراط الـجـاد فـي قضايا الهوية واالنتماء. تَغيُّر الوظائف في العمل الفني يُبدِّل المعنى (غاليري صفير - زملر) تجهيز الكراسي الملونة لخليل رباح (غاليري صفير - زملر) في أحد التجهيزات لُفّت قضبان الحواجز بقطع من األقمشة البالية (غاليري صفير - زملر) بيروت: سوسن األبطح يبقى رباح حريصا على تطوير أسلوبه المفاهيمي ّومشروعاته الفنية التي تنهل من الواقع الفج من صاالت المزادات إلى مقاعد الدراسة ماذا يفعل األثرياء أمام لوحة ال يفهمونها؟ لم يعد اقتناء لوحة ثمينة وتعليقها على جدار املنزل كافيًا بالنسبة إلى كثير من جامعي األعمال الفنية األثـريـاء. فمع اتساع سـوق األعمال الفنية، يتزايد عدد الراغبي في العودة إلى مقاعد الدراسة، ال بهدف الحصول على شهادة، وإنما لتعلم كيفية النظر إلى العمل الفني وفهم قصته وقيمته، واألهم تطوير ذائقتهم الخاصة. فــقــد يــشــعــر الــشــخــص املـــثـــقـــف، بعد جولة طويلة في متحف كبير، بشيء من الحيرة أمام لوحة ال يفهم سبب أهميتها. قد يعرف مونيه وتيتيان، ويميز أسلوب كارافاجيو، لكنه يتساءل: ملاذا تعد لوحة بوتيتشيلي مهمة إلى هذا الحد؟ ما الذي يـجـعـل عــمــا فـنـيـ اسـتـثـنـائـيـ ، ال مـجـرد لوحة جميلة؟ ووفقًا لصحيفة «التايمز»، أصبحت اإلجـابـة عـن هــذه األسئلة جـــزءًا مـن متعة االقـتـنـاء نفسها. فامتلك عمل فني مهم ال يـعـنـي بـــالـــضـــرورة مــعــرفــة تــاريــخــه أو الــظــروف الـتـي أحــاطــت بــإنــجــازه، أو فهم ســبــب اخـــتـــاف قـيـمـتـه عـــن أعـــمـــال أخـــرى تبدو مشابهة. ولــــهــــذا تــشــهــد دورات تــــاريــــخ الــفــن املـوجـهـة إلــى البالغي ازدهــــارًا ملحوظًا، بـــــدءًا مـــن دروس قــصــيــرة عــبــر اإلنــتــرنــت يـمـكـن مـتـابـعـتـهـا خــــال دقـــائـــق، وصــــوال إلـــــى بــــرامــــج مـتـخـصـصـة تــشــمــل زيــــــارات للمتاحف وصاالت العرض ودور املزادات. وتــســتــقــطــب هـــــذه الـــبـــرامـــج جـامـعـي األعــــمــــال، إلــــى جــانــب مــحــامــن ومـمـولـن ورواد أعــــمــــال وأشــــخــــاص يـــرغـــبـــون فـي تغيير مساراتهم املهنية. وتقول لويزا كولبرت، نائبة الرئيس لــــشــــؤون الــــبــــرامــــج املـــهـــنـــيـــة والــجــامــعــيــة فــي مـعـهـد «ســـوذبـــيـــز»، إن هــنــاك «شهية متزايدة» للتعليم الذي يجمع بي املعرفة األكاديمية والتجربة العملية. ولـــــكـــــن مــــــا يــــبــــحــــث عــــنــــه كــــثــــيــــر مــن الجامعي ليس املعرفة وحدها، بل الثقة. فـــقـــد يـــدخـــل أحــــدهــــم صـــالـــة عـــــرض وهـــو يـتـسـاءل عما إذا كــان اآلخــــرون يـــرون في لــوحــة مـــا شـيـئـ ال يـسـتـطـيـع هـــو رؤيــتــه. وتساعد الدراسة املنظمة على طرح أسئلة تتجاوز اسـم الفنان وتـاريـخ اللوحة: من طلب إنـجـازهـا؟ مــاذا كــان يحدث فـي ذلك الــوقــت؟ ومــن امتلكها قبل وصـولـهـا إلى السوق؟ وتـــقـــول فـيـولـيـت غــــارنــــوك، مـؤسـسـة «هيريتيج إكسبلور»، إن جمع الفن يمكن أن يصبح «رحلة شخصية جدًا الكتشاف الـــــــذات». وتـــــرى أن مــعــرفــة تـــاريـــخ الـعـمـل واألشــــخــــاص الـــذيـــن امــتــلــكــوه والـــظـــروف الـتـي صـنـع فـيـهـا، يمكن أن تـحـول قطعة معلقة في املنزل إلى جزء من قصة أكبر. وال تقتصر دراسة الفن على األثرياء. فـمـؤسـسـات مـثـل «سـيـتـي لـيـت» و«معهد كـورتـولـد لـلـفـنـون» تـقـدم دورات بأسعار مــــيــــسَّــــرة، بــيــنــمــا تــــوفــــر مـــنـــصـــات أخــــرى تعليمًا عـبـر اإلنــتــرنــت. وتــقــدم «دراســــات لندن للفنون»، على سبيل املثال، دروسًا قصيرة ال يتجاوز بعضها ثـاث دقائق، فـي مـحـاولـة لجعل تـاريـخ الـفـن جـــزءًا من الحياة اليومية. وتــــــــــرى كــــيــــت غـــــــــــــــوردون، مـــؤســـســـة «دراســــــــات لـــنـــدن لـــلـــفـــنـــون»، أن االهــتــمــام املـــتـــزايـــد بـــالـــفـــن يـــرتـــبـــط أيـــضـــ بـالـبـحـث عــن املـعـنـى والـــراحـــة فــي عـالـم يـبـدو أكثر هشاشة، وربـمـا يـــزداد هــذا االحـتـيـاج مع انتشار الذكاء االصطناعي. املـــــفـــــارقـــــة أن املــــعــــلــــومــــات عـــــن الـــفـــن أصـــــبـــــحـــــت مـــــتـــــاحـــــة لــــلــــجــــمــــيــــع تـــقـــريـــبـــ وبــــاملــــجــــان. لـــكـــن املـــشـــكـــلـــة الــــيــــوم لـيـسـت نقص املعلومات، بل كثرتها. وكما تقول كـــولـــبـــرت: «املـــعـــلـــومـــات والــتــعــلــيــم لـيـسـا الشيء نفسه». فالتعليم الجيد ال يكتفي بإخبارك بـــمـــن رســــــم الــــلــــوحــــة ومــــتــــى؛ بــــل يـعـلـمـك كــيــف تـنـظـر إلـــيـــهـــا. ومــــع الــــوقــــت، وكــثــرة الوقوف أمام األعمال األصلية ومقارنتها، تــــبــــدأ الــــعــــن فــــي الـــتـــمـــيـــيـــز بــــن الــجــمــيــل واالستثنائي. وفـــي الـنـهـايـة، ربـمـا ال تـكـون القيمة الحقيقية لهذه الدورات في جعل الشخص خبيرًا في الفن، وإنما في مساعدته على الوصول إلى اللحظة التي يستطيع فيها أن يقول: «أعرف ملاذا أحب هذه اللوحة»... وأن يثق بأن هذا الحكم يخصه هو. لندن: «الشرق األوسط» الرفاهية الجديدة تكمن في معرفة ما تنظر إليه وفهم سبب أهميته (بيكسلز)

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==