issue17446

Issue 17446 - العدد Thursday - 2026/9/3 اخلميس كتب BOOKS 17 «حين يلتقي الفارابي بشي جينبينغ» لوارف قميحة حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة صـــدر عـــن «الـــــدار الـعـربـيـة للعلوم ناشرون» كتاب الباحث اللبناني وارف قـمـيـحـة «حــــن يـلـتـقـي الـــفـــارابـــي بشي جــيــنــبــيــنــغ: حـــكـــايـــة مـــديـــنـــتـــن تـفـصـل بــيــنــهــمــا ألـــــف ســـنـــة ويــجــمــعــهــمــا حـلـم واحـــــد»، فـــي تـجـربـة فـكـريـة تـنـتـقـل إلـى مساحة مختلفة مـن مشروعه البحثي فــــي الــــشــــأن الـــصـــيـــنـــي، وتـــفـــتـــح حـــــوارًا حـضـاريـا بــن فلسفة املـديـنـة الفاضلة لدى أبي نصر الفارابي ورؤية الرئيس الـــصـــيـــنـــي شـــــي جــيــنــبــيــنــغ لــلــحــوكــمــة والتنمية وبــنــاء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية. يـقـوم الـكـتـاب على لـقـاء فـكـري بي عـــاملـــن تــفــصــل بـيـنـهـمـا أكـــثـــر مــــن ألـــف ســــنــــة، ويـــنـــطـــلـــق مــــن ســـــــؤال مــــحــــوري: كـيـف يـمـكـن لفلسفة صـاغـهـا الـفـارابـي قـبـل أكـثـر مــن ألـــف عـــام أن تـتـحـاور مع مــشــروع الـحـوكـمـة الـحـديـث فــي الصي املعاصرة؟ ويحاول املؤلف اإلجابة عن هـــذا الــســؤال مــن خـــال قــــراءة تحليلية ملفاهيم اإلنسان وغاية الدولة، والقيادة املسؤولة، واألخلق في الحكم، والعدالة االجـــتـــمـــاعـــيـــة، والـــتـــنـــمـــيـــة، والـــتـــعـــاون واالنسجام املجتمعي. وال يـفـتـرض الـكـتـاب وجـــود تأثير مباشر أو اقتباس فكري بـن الفارابي وشــي جينبينغ، وال يسعى إلــى إقامة تــطــابــق بـــن فـلـسـفـة نـــشـــأت فـــي سـيـاق تــــاريــــخــــي قـــــديـــــم وتــــجــــربــــة ســـيـــاســـيـــة مـــعـــاصـــرة، بــــل يـــقـــرأ املـــســـافـــة الــزمــنــيــة والــحــضــاريــة بـيـنـهـمـا بـحـثـا عـــن القيم واألســـئـــلـــة اإلنـــســـانـــيـــة الـــتـــي يــمــكــن أن تتقاطع رغم اختلف األزمنة والبيئات. فــــالــــفــــارابــــي رأى أن غــــايــــة الـــســـيـــاســـة تــــتــــجــــاوز إدارة الـــحـــكـــم إلــــــى تـحـقـيـق سعادة اإلنسان وبناء مجتمع تسوده الـفـضـيـلـة والـــعـــدالـــة والـــتـــعـــاون، بينما يـــتـــنـــاول الـــكـــتـــاب رؤيـــــة شـــي جينبينغ بوصفها مـشـروعـا مـعـاصـرًا للحوكمة والسياسات العامة يضع خدمة الشعب والــتــنــمــيــة والـــنـــزاهـــة واالنـــضـــبـــاط في صميم بناء الدولة. ويتوقف قميحة عند عدد من نقاط اللقاء واالختلف، من مكانة اإلنسان في الدولة وصفات القائد ودوره األخلقي واملـــعـــرفـــي، إلــــى الـــعـــاقـــة بـــن الــقــانــون واألخـــــــــــاق واالنـــــســـــجـــــام االجـــتـــمـــاعـــي والتنمية املوجهة نحو تحسي حياة اإلنــســان. كما ينتقل مـن حـــدود الـدولـة إلـــى املـــجـــال الـــدولـــي، مــقــاربــا بـــن فـكـرة االجتماع اإلنساني الهادف إلى تحقيق الـــســـعـــادة عــنــد الـــفـــارابـــي ورؤيــــــة بـنـاء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية التي طرحها شي جينبينغ. ويـــقـــول قـمـيـحـة فـــي كــلــمــة املــؤلــف إن الكتاب لـم يولد مـن رغبة فـي إجـراء مــــقــــارنــــة ســـريـــعـــة بـــــن اســــمــــن تـفـصـل بينهما قـــرون طويلة، وال مـن محاولة للجمع بصورة مصطنعة بي الفلسفة والــــســــيــــاســــة، وإنــــمــــا مــــن ســـــــؤال حـــول قـــــدرة الــقــيــم اإلنـــســـانـــيـــة الـــتـــي صـاغـهـا الـــفـــكـــر الـــفـــلـــســـفـــي فـــــي مـــــراحـــــل ســابــقــة مــن الــتــاريــخ عـلـى املـسـاهـمـة فــي قـــراءة قضايا الحاضر. ويشدد على أن العمل ال يسعى إلـــى تـقـديـم تـجـربـة سياسية بوصفها نموذجا جاهزًا، بل إلى الفهم والـتـحـلـيـل وفــتــح مـسـاحـة لـلـحـوار بي التراث والواقع املعاصر. كتب تقديم الكتاب الدكتور شوي تــشــيــنــغ قــــــوه، املــــعــــروف عـــربـــيـــا بــاســم بـسّــام، أسـتـاذ كلية الــدراســات العربية في جامعة الـدراسـات األجنبية ببكي، ونـائـب رئيس جمعية دراســـات الشرق األوســـــــط فــــي الــــصــــن، وعـــضـــو اتـــحـــاد كتّاب الصي. ووصــف شـوي الكتاب بأنه إنجاز فــــكــــري وإضـــــافـــــة جــــديــــدة إلـــــى املــكــتــبــة الـعـربـيـة وإلــــى مــســار الـــحـــوار الـثـقـافـي والـفـكـري بـن الـصـن والـعـالـم العربي، مـــشـــيـــرًا إلـــــى أن الـــتـــأمـــل فــــي تـــصـــوّري الــــفــــارابــــي وشـــــي جـيـنـبـيـنـغ لـلـحـوكـمـة والسياسة يكشف عن تقاطعات فكرية عـــمـــيـــقـــة تـــتـــصـــل بــــــاألخــــــاق والــــعــــدالــــة وخـدمـة اإلنـسـان والـقـيـادة واملسؤولية االجتماعية. وأوضــــح أن الــفــارابــي يـنـطـلـق، في كتابه «آراء أهـل املدينة الفاضلة»، من تصور يـرى أن السياسة ليست مجرد تـدبـيـر لـــشـــؤون الــحــكــم، بـــل عـلـم غايته إســـعـــاد اإلنـــســـان، وأن الـــدولـــة الـعـادلـة تـــقـــوم عـــلـــى االنــــســــجــــام بــــن الـفـضـيـلـة الـفـرديـة والـنـظـام الـجـمـاعـي. فالحاكم، وفـــق تــصــوره، ال يُــقــاس بـقـوة سلطته، بـل بـقـدرتـه على توجيه املجتمع نحو الكمال األخلقي والعقلي. وفي املقابل، يرى الدكتور شوي أن رؤيــة شي جينبينغ، التي تبلورت في مؤلفاته وخطاباته حول الحكم وإدارة الــــدولــــة، تـــؤكـــد أن الــحــوكــمــة الــرشــيــدة ال تــنــفــصــل عــــن الــــعــــدالــــة االجــتــمــاعــيــة والـنـزاهـة وخـدمـة الـشـعـب، وأن مفهوم «الـــحـــوكـــمـــة مــــن أجـــــل الـــشـــعـــب» يـشـكـل أســـاســـا مـهـمـا فـــي مــمــارســة املـسـؤولـيـة العامة. ويــــتــــوقــــف الـــتـــقـــديـــم عـــنـــد صـــــورة «الرئيس الفاضل» لدى الفارابي، الذي يـجـمـع بــن الـحـكـمـة واملــعــرفــة والــقــدرة عــلــى الـــقـــيـــادة ويـــكـــون قـــــدوة أخــاقــيــة قبل أن يكون صاحب سلطة، ويقارب ذلــــك مـــع نـــمـــوذج الـــقـــائـــد املــــســــؤول في الــــــدولــــــة الـــصـــيـــنـــيـــة الــــحــــديــــثــــة، حــيــث يــشــدد شــي جينبينغ عـلـى مـسـؤولـيـة املسؤول تجاه الشعب، وعلى ضرورة مكافحة الفساد ومحاسبة املسؤولي بـاعـتـبـار ذلـــك شـرطـا السـتـقـرار الـدولـة واستمرارها. ويـــرى الـدكـتـور شــوي عــدم وجـود أدلـة على أن شي جينبينغ اطّلع على كتابات الفارابي أو تأثر بها، موضحا أن التقاطعات الـتـي يتناولها الكتاب ال تــــقــــوم عـــلـــى فـــرضـــيـــة االقــــتــــبــــاس أو الـتـأثـيـر املــبــاشــر. فــالــرؤيــة السياسية واألخلقية لدى شي جينبينغ تستند أساسا إلى التراث الحضاري الصيني، حــيــث يــظــهــر األثـــــر الــكــونــفــوشــيــوســي فــــي الـــتـــركـــيـــز عـــلـــى الـــحـــكـــم بــــاألخــــاق ونــــــزاهــــــة املـــــــســـــــؤول، وتــــحــــضــــر فـــكـــرة مـــركـــزيـــة الــشــعــب املـــتـــجـــذرة فـــي الـفـكـر الـــكـــونـــفـــوشـــيـــوســـي، وال ســـيـــمـــا لـــدى مـنـشـيـوس، إلـــى جـانـب الـتـشـديـد على سيادة القانون واالنضباط املؤسسي والجمع بي القانون واألخلق. ويــــرى الـــدكـــتـــور شــــوي أن حـوكـمـة شي جينبينغ تمثل نموذجا معاصرًا لـــدمـــج الــــتــــراث الـفـلـسـفـي الــصــيــنــي في مـــــــشـــــــروع ســـــيـــــاســـــي حــــــديــــــث يـــعـــكـــس اســتــمــراريــة حــضــاريــة أكــثــر مـمـا يمثل قطيعة مـع املـاضـي. وإذا كـان الفارابي مــــــن أبــــــــــرز مـــمـــثـــلـــي الـــــــتـــــــراث الــــعــــربــــي اإلسلمي في الفكر السياسي، فإن شي جينبينغ يمثل وريثا للتراث الصيني املتعلق بالسياسة والحكم، مع اختلف جوهري يتمثل في أن شي قائد لدولة كبرى، مما يتيح له تحويل التصورات إلى سياسات وممارسات ملموسة. بيروت: «الشرق األوسط» رواية سورية عن «زلزال الثورة» و«زلزال األرض» أمـــضـــى الــصــحــافــي الـــســـوري محمد أمــــن أكـــثـــر مـــن ثـــاثـــة عـــقـــود فـــي مـاحـقـة الـــوقـــائـــع ومـــحـــاولـــة اإلمــــســــاك بـــهـــا بـلـغـة الـــخـــبـــر، لـــكـــن مــــع تــــراكــــم أحـــــــداث الـــثـــورة السورية والغربة والزلزال، بدت الصحافة أضيق من أن تتسع ملا خلّفته التجربة في الــداخــل اإلنــســانــي؛ األمـــر الـــذي دفـعـه إلـى االنتقال إلـى الـروايـة. وفـي باكور إنتاجه «كـــــأن الـــريـــح تـــحـــتـــي»، يــكــتــب أمــــن مـــا ال تستطيع التقارير قوله عن الخوف والفقد واالقـتـاع، وعـن إنسان فقد ثبات األرض كما فقد استقرار املكان. عــن «دار 2026 صــــدرت الـــروايـــة عـــام نــيــنــوى لـــلـــدراســـات والـــنـــشـــر والـــتـــوزيـــع» بــــدمــــشــــق، واتـــــخـــــذت مـــــن زلـــــــــزال فـــبـــرايـــر الــذي ضــرب جنوب تركيا 2023 ) (شـبـاط وشمال سوريا لحظة مفصلية، تتكشف عـنـدهـا حــيــوات شـخـصـيـات مثقلة أصــا بالخوف والغربة، وفي مقدمتها محمود الغريب وندى الشوّا. عـنـوان الــروايــة ليس تسمية عـابـرة، فهو يستدعي قول املتنبي: ًعــلــى قــلــق كــــأن الـــريـــح تحتي أوجــــهــــهــــا جـــنـــوبـــا أو شـــمـــاال لـــكـــن الـــقـــلـــق يــنــتــقــل هـــنـــا مــــن حــركــة الـــشـــاعـــر وتــــرحــــالــــه إلـــــى حـــالـــة وجـــوديـــة يـعـيـشـهـا الـــســـوري الـــــذي لـــم تــعــد األرض تحته مستقرة، ال باملعنى الجغرافي وال الـنـفـسـي، حـيـث يـحـيـل الــعــنــوان إلـــى تيه الـسـوري بعد أن خلخلت سـنـوات الحرب واالنــتــمــاء معنى املــكــان، ثــم جـــاء الــزلــزال لـــيـــضـــاعـــف فــــقــــدان الـــيـــقـــن. كـــمـــا تـكـشـف التجربة عن انتقال أمي من لغة الصحافة إلـــى فــضــاء أرحـــــب، مـــن دون أن يتخلص كــلــيــا مــــن أثـــــر املـــهـــنـــة، فــحــضــر األســـلـــوب الصحافي في تقديم بعض الشخصيات والــتــفــاصــيــل، بــمــا يـمـنـح الـــســـرد ملمحا توثيقيا وواقعية قريبة من الحياة. قــــــــوة الــــــــروايــــــــة األســــــاســــــيــــــة تــــقــــوم عـــلـــى جـــدلـــيـــة زلــــــزالــــــن: زلــــــــزال طـبـيـعـي ،2023 يـــــهـــــدم الــــــــجــــــــدران فــــــي فـــــبـــــرايـــــر وزلـــــزال سـيـاسـي واجـتـمـاعـي سـبـق ذلـك بسنوات وأعــاد تشكيل حياة السوريي ومــصــائــرهــم، فــالــحــدث الـطـبـيـعـي انتقل من كونه مجرد خلفية درامية، إلى لحظة فارقة تكشف عما تراكم في الشخصيات مـن خــوف واغــتــراب وخـيـبـات، فـالـزلـزال، كما تقدمه الرواية، يحرّك األرض ويوقظ الذاكرة. ومن خلل هذا التداخل بي الحاضر وذاكـــرة الـثـورة، يتحول املكان في جنوب تـركـيـا مـــن مـــاذ بـعـد الـــنـــزوح إلـــى فـضـاء مهدد بـــدوره؛ وكــأن الشخصية السورية تــكــتــشــف أن الـــنـــجـــاة مــــن مـــكـــان ال تـعـنـي الوصول إلى مكان آمن، وهي مفارقة تضع الرواية ضمن سرديات الكارثة واللجوء، لكن خصوصيتها تأتي من جعل الكارثة الطبيعية مرآة لكارثة إنسانية سبقتها. فـــــــي تـــــصـــــريـــــح لــــــــ«وكـــــــالـــــــة األنــــــبــــــاء الـــســـوريـــة» (ســـانـــا)، أوضــــح مـحـمـد أمـن أن الـــــروايـــــة تــمــثــل تـــجـــربـــتـــه األولـــــــى فـي عــالــم الـــســـرد بــعــد أكــثــر مـــن ثــاثــة عـقـود مــن الـعـمـل الـصـحـافـي، وأنـــه كتبها على مـــدى عـــام فــي أربــيــل عـقـب انـتـقـالـه إليها بـعـد أيــــام مـــن الـــزلـــزال. وقــــال: «كــــان لـدي الكثير مما ولّــد الـزلـزال وسنوات الغربة وفــــقــــدان األمـــــل فـــي نــفــســي، فــلــم أجــــد إال الرواية مجاال أدبيا يسمح لي بأن أعبّر عن مكنوناتي الداخلية». وأشـار إلـى أن عـــددًا مــن شخصيات الـعـمـل يستند إلـى تجارب إنسانية حقيقية عاش أصحابها تـــفـــاصـــيـــل الـــــثـــــورة والــــلــــجــــوء والـــــزلـــــزال، مـــوضـــحـــا أن الـــــروايـــــة تـــقـــوم عـــلـــى فــكــرة «الــــزلــــزالــــن»: زلـــــزال الـــثـــورة ومــــا أحــدثــه من تحوالت إيجابية في الوطن، وزلـزال األرض ومـــــا خـــلّـــفـــه مــــن أثـــــر مـــبـــاشـــر فـي الفرد. ويـرى أمي أن إنقاذ بطلة الرواية مــــن تـــحـــت الـــــركـــــام يـــحـــمـــل داللـــــــة رمـــزيـــة تـــتـــجـــاوز الــــحــــدث املـــبـــاشـــر، لــيــحــيــل إلـــى إمكانية إنقاذ وطن كامل من آثار سنوات طويلة مـن األلــم، مـؤكـدًا أن الـروايـة، على الـرغـم مـن ثقل موضوعاتها، تبحث عن نـور في نهاية النفق وعـن قـدرة اإلنسان على النهوض. وفي قلب الرواية يقف محمود الغريب وندى الشوّا، شخصيتان تحملن الخوف والحب والتردد والخيبة، وتمنحهما هذه الهشاشة بـعـدًا إنسانيا يـتـجـاوز تقسيم الشخصيات إلى منتصرين ومنكسرين. عــلــى الـــرغـــم مـــن ثــقــل املــــوت والــغــربــة والــــــخــــــســــــارة، ال تـــنـــتـــهـــي الـــــــروايـــــــة عــنــد الـــخـــراب، فـنـجـاة إحـــدى شخصياتها من تحت الركام تفتح بابا رمزيا على إمكان الـــنـــهـــوض، وتــجــعــل األمـــــل فـــعـــا مــضــادًا للفقد ال خاتمة له. وهـكـذا، تتحرك «كـــأن الـريـح تحتي» بـــن تـوثـيـق ذاكـــــرة الـــســـوري وتخييلها، وبــــــن صـــــرامـــــة الـــصـــحـــافـــي وحـــســـاســـيـــة الــروائــي، لتطرح ســـؤاال أبـعـد مـن الـزلـزال ذاتــــــــه: مــــــاذا يــبــقــى لـــإنـــســـان حــــن تـهـتـز األرض الــتــي يـقـف عـلـيـهـا والـــوطـــن الـــذي يـنـتـمـي إلـــيـــه مـــعـــا؟ وربـــمـــا تــكــمــن إجــابــة الـــروايـــة فــي أن الـنـجـاة ال تعني الـخـروج مـن تحت الـركـام فحسب، بـل الـقـدرة على استعادة معنى الحياة بعده. دمشق: «الشرق األوسط» دالل البزري تسرد سيرتها على إيقاع التعلُّم والنضال السياسي ثم الكتابة بالعربية «الغار والزيتون»... معنى االنتماء إلى اللغة حـــن كـتـبـت عــاملــة االجــتــمــاع اللبنانية دالل الـــبـــزري ســيــرتــهــا: «الـــغـــار والـــزيـــتـــون» ) كانت تتأمل 2026 ، (منتدى املعارف، بيروت مــــرة أخـــــرى فـــي مـعـنـى االنـــتـــمـــاء إلــــى الـلـغـة، بالتوازي مع شرط الترحل املـازم لحياتها، ومـــســـالـــك الـــجـــدل بـــن مـــدونـــتـــن مـتـقـابـلـتـن مـن املـــفـــردات، بـاعـتـبـاره قـــدرًا يحتمه محيط الـتـواصـل مـن جـهـة، وأيـضـا بما هـو اختيار واع يــعــتــمــده املــتــكــلــم زمــنــيــا عــبــر مـحـطـات مساره. فتُعْمِل الفكر في الوجود األول حيث يـدرك الفرد العالم عبر مفردات ال يختارها، وإنما توهب له مع املولد والنشأة والتدرج في سلم اإلدراك، وحي يعي محدودية اللغة الـواحـدة، تتنامى تدريجيا مسيرة ترويض الوعي اللغوي، والتنازل عما كان قدرًا بدئيا لصالح االختيارات الطارئة. تـــؤكـــد الـــــســـــاردة فــــي مــطــلــع الـــســـيـــرة أن الـطـفـلـة الــتــي ولــــدت فـــي «دكــــــار» بـالـسـنـغـال، ألبـــويـــن لـبـنـانـيـن، كــانــت تـتـحـدث فـــي الـبـدء بالفرنسية، كباقي السنغاليي، كما أن أمها كـــانـــت تـــتـــحـــدث بــــاإلضــــافــــة إلـــــى الــفــرنــســيــة، العربية واإلنجليزية، ولغة املحليي «الوُلف»، أمــا األب الـــذي رغــم هـــواه الـعـروبـي الناصري فــكــان يكلمها وأخــتــهــا (نـــاريـــمـــان) وأخــوهــا (سعيد)، في البيت والشارع بالفرنسية، كسل و«اســتــعــجــاالً». فتجلَّت الفرنسية بوصفها بداهة ال فكاك منها، أما العربية التي تنبهق من أسطوانات محمد عبد الوهاب ونقاشات األبوين، فكانت أقرب ألرشيف عائلي خاص، يستعمل بـاقـتـصـاد شــديــد، ويٌــتـلـقـى لوقعه، مـفـعـمـا بـاملـشـاعـر الــغــامــضــة، ومـبـهـمـا. بـدت الــفــرنــســيــة أداة طــيــعــة فــــي امــــتــــاك املــعــنــى، وصــــوغــــه، وســــرعــــان مـــا شـكـلـت الـــقـــاعـــدة في اإلدراك واملرجع في املقارنة، واملنطلق الذهني لتكوين املـــفـــردات، حتى فـي الـلـغـات األخـــرى. قبل أن تطل العربية فـجـأة، على نحو أقـرب لـلـوقـائـع الـيـومـيـة، حــن انتقلت الـعـائـلـة إلـى الدار البيضاء للقامة والعمل في التجارة. صــــحــــيــــح أن الــــطــــفــــلــــة الــــتــــقــــطــــت عــبــر رحـــــات عـــابـــرة إلــــى صـــيـــدا وبــــيــــروت بعضا مـن فيض الـرطـانـات اللبنانية، غير مساكنة الـــعـــربـــيـــة، عـــلـــى نـــحـــو مـــســـتـــرســـل، ألزيــــــد من أربـــع سـنـوات، فلم يتيسر إال بعد االستقرار فـي الــــدار الـبـيـضـاء، إذ اخـتـزنـت فيها أصــداء مفردات اللهجة املغربية املدببة، وتشربتها، وهـــي تـنـهـمـر مـــن أعـــطـــاف األزقــــــة، بـــن املـنـزل »، حيث Mirabeau واملدرسة «الليسيه ميرابو تجلى الـكـون الـلـغـوي، وكـأنـمـا فـي قطعة من فرنسا: «كل شيء فرنسي: املعلمون، املنهج، وباللهجة الباريسية الصافية. نسمع أحيانا اللهجة املغربية التي يتكلمها املغاربة فيما بينهم. وهم على كل حال أقلية، إذا ما قورنوا .)20 بالفرنسيي. وعدد قليل من اليهود» (ص تـتـدرج وقـائـع السيرة وفصولها، على إيقاع التعلُّم والنضال السياسي، ثم التخرج والــتــعــلــيــم الـــجـــامـــعـــي الـــعـــابـــر، ثــــم الــتــألــيــف والكتابة للصحافة بالعربية. وكــان الخيط الـــنـــاظـــم فــــي تـــطـــور وقــــائــــع الـــحـــيـــاة الـغـنـيـة والـطـريـفـة، لـلـوافـدة مـن املـهـجـر، إلــى بيروت التنوع اللغوي والثقافي والطائفي، ثم مدينة الحرب األهلية؛ هكذا تتدرج على سلم الرغبة في الخروج من الفرنسية، بأصول تعبيرها ومــــفــــرداتــــهــــا، (دون مــرجــعــيــاتــهــا ونـسـقـهـا الـذهـنـي)، إلـى العربية التلقائية املستوعبة ملـا حـولـهـا. لـم تكن البطلة، الـتـي تحكي عن وجودها عبر املفردات، مسيحية، حتى تكون فرنسيتها جزءًا من أركان انتمائها اللبناني، بـــل مــنــحــدرة مـــن بـيـت مـسـلـم ضـــم املـذهـبـن، أب سني وأم شيعية، أصـل يكرس االعتقاد فـي العربية، مرجعا فـي التنشئة والتعليم، وسبيل إلى التكوين الفكري والوجداني. وتـدريـجـيـا تـجـلَّــى الـسـعـي الـلـغـوي إلـى الـخـروج مـن الـقـدر إلــى االخـتـيـار، ومــن سنن النخبة إلى اللسان االجتماعي، بما هو جزء من أبجدية التزام سياسي، رسمت ملمحه رحلة االنغمار في التنظيم اليساري الجذري: «منظمة العمل الشيوعي اللبناني»، خلياها ولجانها ومدارجها التنظيمية، ومـا اتصل بتلك املـــدارات الحياتية والذهنية من نقاش آيـــديـــولـــوجـــي يـــومـــي، واشـــتـــبـــاك ســيــاســي... والــتــطــلــع إلــــى أخــــذ الــكــلــمــة أمـــــام الـجـمـهـور باللغة املشتركة املعجونة بالعرق والجهد واألحــــــام، جـنـبـا إلـــى جـنـب مـــع الـسـعـي إلـى إثبات الذات العربية في صفوف الرفاق وفي أتـون الشغب النضالي. كانت املفردات تبدو أشـبـه بــبــلــورات تنحت عـلـى مـهـل قــادمــة من قـعـر سحيق إلـــى سـطـح مـتـقـلـب، ســرعــان ما تتبدد فيه تحت أمواج الكلم الهادر. وبـــقـــدر مـــا كـــان الـــخـــروج مـــن الفرنسية مواكبا للنمو واالرتقاء في التعليم والتدرج فــــــي مــــســــتــــويــــات الــــــــدراســــــــة، مــــــن «مـــــدرســـــة الــفــرانــســيــســكــان»، إلــــى «مــــدرســــة الـــراهـــبـــات األنـطـونـيـات» ومــن «ثـانـويـة مــدام عــون» إلى «املدرسة الحسينية» ومن «املركز التربوي» إلى «الجامعة اللبنانية»، وهو التدرج الذي واكـــب النضج الـفـكـري والـسـيـاسـي، غير أنه تـجـلَّــى أيــضــا بـوصـفـه سـمـة لـتـبـديـل املــراتــع واألوطــــــان، والـتـقـلـب بــن الــبــلــدان، لـيـس في اليفاعة فـقـط، الـتـي تنقلت فيها الطفلة بي املدينتي الفرونكوفونيتي «دكـــار» و«الــدار الـبـيـضـاء»، وإنـمـا أيـضـا فـي سـنـوات التنقُّل بـــن الــعــواصــم املــشــرقــيــة: بـــيـــروت والــقــاهــرة والــــكــــويــــت، الــــتــــي رعــــــت مـــــســـــارات الــتــألــيــف والـــبـــحـــث والـــتـــدريـــس الـــجـــامـــعـــي، والــكــتــابــة للصحافة العربية. لـقـد مـثـل الــتــأرجــح الـلـغـوي وجــهــا آخـر للتنقل بـن الـبـلـدان التي كــان فيها اكتساب الـهـويـة الـثـابـتـة «الـلـبـنـانـيـة»، أســاســا لرغبة تطويع العربية والتعبير بها، دون أن يلغي ذلــك «الـكـيـنـونـة» الفرنسية األصـيـلـة، تقول: «أحـــــب الــفــرنــســيــة، أسـتـمـتـع بــأدبــهــا وحـتـى بخطابات زعـمـائـهـا، أنـاقـة لغتهم وثـرائـهـا. وأستفيد كثيرًا من ترجماتها.... وأنا أتنقل بـــن الــلــغــتــن، الــعــربــيــة والــفــرنــســيــة. أبـحـث عــن الكلمة األصـــح واألدق... واملـقـصـود من هــــذا الـــتـــجـــول بـــن الــلــغــتــن إغـــنـــاء عـربـيـتـي وتهذيبها، وأحيانا تخصيبها، ومع الوقت انقلبت اآليـــة وبـــدل أن أبـحـث عــن تفسير أو معنى لهذه الكلمة أو تلك من الفرنسية إلى العربية، صرت أبحث عن معنى من العربية .)196 إلى الفرنسية» (ص تـثـبـت الـــســـاردة فـي كـل مـــرة أن الــوجــود هبة للمفردات التي تصوغه، وتكيف أحواله، بــالــتــوصــيــف والــــســــرد، قــــوال وكــــتــــابــــة... ففي السيرة إيحاء العج برغبة النهوض من عطب التوصيل بلغة األصــــل، بـاملـواجـهـة واملـثـابـرة والــــتــــحــــدي، بـــعـــيـــدًا عــــن ذهـــنـــيـــة األصـــولـــيـــات اللغوية العربية، وقريبا من اليومي املعجون بالتولع واالشتباك. إنها اللحظة التي تكون فيها العربية، ولهجاتها املترامية األعطاف، «توأما للحياة». وعلى النقيض مما كانه واقع الكتابة الفكرية العربية في النصف الثاني من القرن املاضي، عندما مثَّلت الكتابة بالفرنسية واإلنـــجـــلـــيـــزيـــة نــــمــــوذجــــا لـــلـــتـــفـــوق، ومــــدعــــاة للهتمام والتبجيل بي املثقفي الـعـرب؛ فإن سعي املؤلفة إلى تحقيق الذات عبر لغة املنشأ، املـحـدودة التأثير، واملحصورة االنتشار، في الـجـغـرافـيـا الـلـغـويـة واملــعــرفــيــة، مــثَّــل مظهرًا سلوكيا ال يمكن فصله عن الطبيعة الشخصية لصاحبة السيرة، التي وسمها واضع مقدمتها الطاهر لبيب بـ«املتمردة» التي «ال تتردد في إظهار عدم الرضا عن الذات». كــتــبــت دالل الــــبــــزري ســيــرتــهــا بـعـد أن غادرت بيروت، إثر تفجير املرفأ، إلى تورنتو الكندية، بهدف االستقرار النهائي، إلى جوار ابنتها. أنجزته لتستعيد خرائط مسار بات في عقده السابع، دون أن يتوقف عن تبديل املــواطــن والـتـرحـل بـن املـــدن. خطته بعربية مكتسبة، لم تكن تمتلكها في البداية، وباتت هي مسكن وجودها. فسكبت في مفرداتها كل شفافيتها في قول الوقائع، حول الوطن الذي مزقته الحروب والصراع الطائفي، وتناسل أسباب التراجع في املحيط العربي الواسع، الذي عبرت تضاريسه الفكرية واالجتماعية. فــتــجــلــى الـــنـــص املــــوضــــوع بـــرائـــحـــة «الـــغـــار والـزيـتـون»، السـعـا، صريحا، وغـيـر مـهـادن. مقتصدًا، كثيفا، ال تـزيُّــد فـي كلماته. كتاب يـشـبـه صــاحــبــتــه، الـــتـــي ســـرعـــان مـــا أعـلـنـت، بعد نشره بأشهر قليلة، على صفحتها في «فيسبوك»، عن إصابتها بالسرطان، فمَثُل ككشف حساب، تخفَّفت فيه من وطأة السني على الجسد واللسان. * كاتب مغربي *شرف الدين ماجدولين سعي المؤلفة إلى تحقيق الذات عبر لغة المنشأ مثَّل مظهرا سلوكيا ال يمكن فصله عن الطبيعة الشخصية لصاحبة السيرة

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==