ســـيـــاحـــظ الـــــنـــــواب الــــعــــائــــدون إلــــــى الـــبـــرملـــان الـثـاثـاء بـعـد عطلة الـصـيـف الـطـويـلـة لـوحـة صـور جــــديــــدة تــخــلــيــدًا لــــذكــــرى آن ويــــدكــــومــــب، الــــوزيــــرة املحافظة السابقة التي تحولت إلى متحدثة باسم حـــزب «إصــــاح اململكة املــتــحــدة»، والــتــي قُــتـلـت في يـولـيـو (تـــمـــوز) املـــاضـــي. ولـــن يــكــون ذلـــك الـتـذكـيـر الوحيد بتلك الحادثة املأسوية: إذ سيتوافد عشرات من عناصر الشرطة وأفـــراد األمــن إلـى وستمنستر لتسلّم بطاقاتهم التعريفية والـتـعـرّف على معالم املكان. وقـد جـرى تكثيف التدابير األمنية في أعقاب هجوم ويدكومب، ال سيما لزملئها السابقني في حـــزب «إصــــاح اململكة املــتــحــدة»، بـمـن فيهم زعيم الحزب نايجل فـــاراج. وقـد أُفيد في يوليو املاضي بأن شرطة مكافحة اإلرهاب التي تحقق في وفاتها تـــدرس احـتـمـال وجـــود صـلـة بــ الـحـادثـة وحـــادث آخر وقع في أبريل (نيسان) بأحد العقارات املرتبطة بفاراج. (وقد وُجّهت إلى أحد املشتبه بهم تهمة قتل ويدكومب، ومن املرتقب أن يمثل أمام املحاكمة في العام املقبل). إننا مطالبون بتخصيص ما يلزم من مـوارد لـــضـــمـــان ســــامــــة الـــســـيـــاســـيـــ . غـــيـــر أن الــخــشــيــة املفهومة التي قد تنتابهم تنطوي أيضًا على خطر نقل جـوانـب مهمة مـن عملياتنا السياسية بعيدًا عـــن األضـــــــواء وخـــلـــف أبــــــواب مــــؤصــــدة. ومــــن أجــل ديـمـقـراطـيـتـنـا، يـتـعـ عـلـى املــوظــفــ الـعـمـومـيـ مقاومة هذا امليل. فـــي الــــواقــــع، لــيــس الــعــنــف الــســيــاســي بــاألمــر الـــجـــديـــد. فــــأول ضـحـيـة مـسـجّــلـة فـــي الـــتـــاريـــخ كــان ريــمــوش، مـلـك اإلمــبــراطــوريــة األكـــاديـــة فــي الــعــراق، الــــذي يــبــدو أنـــه قُــتــل عـلـى يـــد مـجـمـوعـة مـــن رجـــال قـبـل املـــيـــاد. واالغــتــيــاالت 2270 الــبــاط نـحـو عـــام تميل إلى توليد مزيد من العنف؛ إذ لقي خليفته، شقيقه مانشتوشو، مصرعه هو اآلخر غيلة. وقـــــد اشـــتـــعـــل هـــــذا الـــخـــطـــر فــــي أوروبــــــــا مـــــرارًا وتكرارًا؛ فقد شهدت «سنوات الرصاص» في إيطاليا خـــال سبعينات وثـمـانـيـنـات الــقــرن املــاضــي جيل كامل من السياسيني الذين مارس عليهم التطرف اليساري واليميني أشـد صـور اإلرهـــاب، ثم جلبت تسعينات الـقـرن املـاضـي ومطلع األلفية حملة من االغتياالت السياسية نفذها انفصاليو الباسك من منظمة «إيتا». وقُتل السياسيان السويديان أولوف بامله وتلميذته آنـا ليند فـي حادثتني متشابهتني عامًا، 17 بشكل الفت في شوارع استوكهولم بفارق مشرّعني 4 في حني اغتال الجمهوريون اآليرلنديون ، وكادوا يضعون 1990 و 1979 بريطانيني بني عامي رئيسَي الوزراء مارغريت ثاتشر وجون ميجور إلى قائمة ضحاياهم. واآلن، تـخـضـع بـريـطـانـيـا ملــوجــة جـــديـــدة من تصاعد العنف السياسي. غير أن الجناة هذه املرة، وهــم فـي الـغـالـب أشـخـاص وحّــدهــم الـتـطـرف ذاتيًا عبر اإلنترنت، يبدو أنهم ينجذبون نحو «أهـداف يسهل الـوصـول إلـيـهـا»، أي شخصيات أقــل شهرة قد ال تتوقع أن تجد نفسها في مرمى نيران قاتل مــحــتــرف، ولـــذلـــك ال يـحـظـون عــــادة بـحـمـايـة أمنية كبيرة. على سبيل املثال، لقيت النائبة العمالية جو كوكس مصرعها على يد متعاطف مع أقصى اليمني ؛ وطعن متطرف 2016 خـال حملة «بريكست» فـي إسلمي النائب املحافظ ديفيد أميس طعنًا قاتل . بينما كــاد آخــر يغتال الـنـائـب العمالي 2021 فـي . واآلن انضمت آن ويدكومب، 2010 ستيفن تيمز في عامًا، التي يُزعم أن قاتلها اقتحم منزلها املعزول 78 في «دارتــمــور»، بينما كانت تتناول غـداءهـا وكان الباب مفتوحًا، في أكثر أيام السنة حرارة، إلى هذه القائمة املرعبة. وال عـجـب أن السياسيني مـصـابـون بـالـرعـب. وأنا أيضًا كنت سأكون كذلك. وال عجب أن الشباب يـنـفـرون مــن دخــــول ســاحــة مــن املـــرجـــح، فــي أفضل األحــــــوال، أن تـجـعـل مـنـهـم هــدفــ مـحـتـمـا إلســـاءة بشعة عبر اإلنـتـرنـت - ال سيما إذا كـانـوا نساء أو مـن أقلية إثنية أو مـن املثليني - وتــرفــع، فـي أسـوأ األحوال، احتماالت موتهم عنفًا. وهـذا يمارس تأثيرًا مروعًا على ديمقراطيتنا، فـقـبـل أقــــل مـــن نــصــف قــــرن، كــــان وسـتـمـنـسـتـر مـكـانـ يستطيع فـيـه الـــزائـــر أن يلتقط لنفسه صــــورة أمــام داونينغ ستريت، أو 10 الباب األســود الشهير لرقم يلتقي بنائبه دون موعد مسبق في الردهة املركزية ملجلس العموم (حيث أصبح سبنسر بيرسيفال عام رئيس الوزراء البريطاني الوحيد الذي تعرض 1812 للغتيال). أما اليوم فهناك بوابات في أنحاء داونينغ ستريت كـافـة، وحـواجـز تمنع الـدخـول إلـى البرملان، ولـــوح ضـخـم مــن الـــزجـــاج املــضــاد لـلـرصـاص يحمي شرفة الزوار في مجلس العموم. (ورغم كل ذلك، تمكن محتجون من قذف توني بلير بمسحوق بنفسجي، لحسن الحظ غير مؤذ، خلل جلسة استجواب رئيس .)2004 الوزراء عام إن هــــذه الـــتـــدابـــيـــر األمـــنـــيـــة ضــــروريــــة بطبيعة الحال، لكن من املهم بالقدر نفسه أن نقاوم إغراء نقل الـسـيـاسـة إلـــى الـكـوالـيـس املـــؤصـــدة، بحيث ال يطّلع عــلــى خــبــايــاهــا ســــوى أهــلــهــا مـــن املـــقـــربـــ ، كــمــا هي الـحـال فـي الـصـ أو روسـيـا أو أي دولـــة استبدادية أخرى. فحماية عاداتنا العريقة التي نعتز بها ال تقل أهمية عن حماية أولئك الذين يقفون، لفترة مؤقتة، في واجهة حكومتنا. الـــشـــهـــر املـــــاضـــــي، رفـــــض فــــــــاراج حـــضـــور «فــــرز األصــــــوات»، أي إعــــان نتيجة االنــتــخــابــات الفرعية عديمة الجدوى في كلكتون، التي دعا إليها بنفسه لــصــرف االنــتــبــاه عــن اتــهــامــات بـالـفـسـاد. وقـــد قللت السلطات من شأن تبريره، الذي كان مفاده أن الشرطة أبلغته بوجود «تهديد موثوق» يستهدف الحدث، ما دفـع النقاد إلـى االعتقاد بأنه ببساطة لم يرغب في الـظـهـور بمظهر سخيف بجانب عـشـرات املرشحني الهزليني الـذيـن شـاركـوا فـي االنتخابات. وقـد يكون هـذا صحيحًا بالفعل، لكن ينبغي علينا أن نصدّق كـــام فــــاراج كـمـا هـــو، فـلـمـاذا ال يـكـون حــــذرًا، بـعـد ما جرى للسيدة ويدكومب؟ وبشكل مؤسف، عد بعض أفــــراد الــيــســار أنـــه هـــدف مــشــروع لـهـجـمـات تـتـجـاوز حدود الخطاب املقبول، وهو غالبًا ما يتعرض ألمور كريهة مثل قذفه باملشروبات، وما هو أسوأ من ذلك. غـــيـــر أنـــــه حـــتـــى بـــافـــتـــراض أن مـــخـــاوفـــه عـلـى ســـامـــتـــه كـــانـــت صــــادقــــة، فـــــإن ذلـــــك ال يـــبـــرر قـــــراره بــالــتــنــصّــل مـــن حـــضـــور فــــرز األصــــــــوات. فـالـشـرطـة طمأنته إلى قدرتها على ضمان سلمته، وكان عليه أن يثق بقدرتها على حمايته. إن مثل هذه املظاهر العلنية النتخاباتنا الـحـرة والنزيهة أشــد أهمية بالنسبة لديمقراطيتنا من أن نسمح بتضييعها. وباملنطق نفسه، كـان صائبًا أن الرئيس األميركي دونــالــد تـرمـب أعـــاد إقــامــة عـشـاء جمعية مراسلي الـبـيـت األبـــيـــض بـعـد مــحــاولــة اغـتـيـالـه األولـــــى في أبريل، وإن كان ذلك في مكان أكثر أمنًا. وكان على فاراج أن يُظهر شيئًا من شجاعة صديقه. وقـــد يـكـون مــن قبيل الـتـفـاؤل املــفــرط أن نأمل فـي أن تهدأ موجة العنف الحالية قريبًا. وإلــى أن يحدث ذلك، علينا أن نركز على حماية سياسيينا وسياستنا سواء بسواء. *باالتفاق مع «بلومبرغ» Issue 17446 - العدد Thursday - 2026/9/3 اخلميس لـــم يـعـد الــعــالــم يـعـيـش مــجــرد تـــراكـــم لـــأزمـــات، بل يـبـدو أنـنـا أمـــام أزمـــة عميقة تمس بنية النظام الـدولـي ذاتها. فالنظام الذي تشكل بعد الحرب العاملية الثانية لم يعد قادرًا، باآلليات والقواعد نفسها، على استيعاب التحوالت الجيوسياسية واالقتصادية والتكنولوجية املتسارعة، فـي حـ لـم تتبلور بعد معالم نـظـام عاملي جديد قــادر على تحقيق الـتـوازن بني القوة والشرعية، وبني املصالح الوطنية واملسؤولية الدولية. كـانـت هـــذه إحـــدى األفــكـــار املــركــزيــة الـتـي طرحتُها خــال مشاركتي فـي منتدى «إلـــى أيــن تتجه أوروبــــا؟»، الذي عُقد بمدينة سانتاندير اإلسبانية، بدعوة كريمة مــن جــوزيــب بــوريــل، املـمـثـل األعــلــى الـسـابـق لــ«االتـحـاد األوروبـــــــــي» لـــلـــشـــؤون الـخـارجـيـة والـسـيـاسـة األمــنــيــة، ورئـــيـــس الـــبـــرملـــان األوروبــــــــي. وقــــد شــكــل الــلــقــاء فــضــاء مهم ًا لـلـحـوار بــ مـسـؤولـ ودبـلـومـاسـيـ ومفكرين وأكـــاديـــمـــيـــ بـــشـــأن الـــتـــحـــوالت الـــتـــي يــشــهــدهــا الــعـالــم ومستقبل أوروبا في البيئة الدولية الجديدة. انطلقت في مداخلتي من حقيقة أساسية مفادها بــأنــه ال يــوجــد «جـــنـــوب» واحـــــد، بـــل هــنــاك «جــنــوبــات» مــتــعــددة. فـأفـريـقـيـا لـيـسـت أمــيــركــا الـاتـيـنـيـة، والـعـالـم العربي ليس آسيا، والهند ليست البرازيل، ولكل دولة تاريخها وخصوصياتها ومصالحها االستراتيجية. ومع ذلك، فإن سؤاال مشتركًا يفرض نفسه: ملاذا تستمر دول الجنوب في تَحمّل جزء كبير من تبعات نظام دولي لم تشارك بالقدر الكافي في صياغة قواعده ومؤسساته؟ أوجـــه كـبـرى الخــتــال النظام 5 يمكن الــيــوم رصـــد الـــعـــاملـــي: اخــــتــــال اســـتـــراتـــيـــجـــي، وقـــانـــونـــي وأخــــاقــــي، واقتصادي، وتمثيلي، وتكنولوجي. فعلى املستوى االستراتيجي، عادت القوة العسكرية والتنافس الجيوسياسي إلى صدارة العلقات الدولية. أمـــا عـلـى املــســتــوى الــقــانــونــي، فـــإن مـصـداقـيـة الـقـانـون الـدولـي تتراجع كلما شعر جـزء مـن العالم بـأن املبادئ والـقـواعـد تطبَّق بانتقائية. ومـن منظور الجنوب، فإن االعـــتـــراض عـلـى ازدواجـــيـــة املـعـايـيـر لـيـس رفـضـ للقيم الــكــونــيــة، بـــل مـطـالـبـة بـكـونـيـة أصــــدق وأعـــلـــى اتــســاقــ . فالسيادة، والوحدة الترابية، وحماية املدنيني، واحترام القانون الدولي اإلنساني، ينبغي أن تحمل املعنى نفسه في كل مكان. أمـــــا االخــــتــــال االقــــتــــصــــادي، فــيــتــجــلــى فــــي إعـــــادة تشكيل العوملة وفق حسابات األمن والسيادة الصناعية واالستقلل االستراتيجي. غير أن تكلفة هذه التحوالت لن تتوزع بالتساوي. فـدول كثيرة في الجنوب مطالبة فـــي الـــوقـــت نــفــســه بــتــمــويــل الـتـعـلـيـم والـــبـــنـــى الـتـحـتـيـة والتحول الرقمي والتكيف املناخي وخلق فرص الشغل، بينما تثقل املديونية قدراتها على التحرك. ويــبــرز اخــتــال آخـــر يتعلق بتمثيلية املـؤسـسـات الدولية. فما زالت مؤسسات كثيرة تعكس إلى حد بعيد » أكـثـر مـمـا تعكس «حـقـائـق عالم 1945 «مـــوازيـــن عـالـم ». وال يمكن لنظام دولـي أن يحافظ على شرعيته 2026 على املـــدى الـطـويـل إذا لـم تتطور مؤسساته بـالـتـوازي مع التحوالت الديموغرافية واالقتصادية والسياسية الكبرى. لكن التحول األخطر قد يكون تكنولوجيًا. فالذكاء االصطناعي لم يعد مجرد ثورة تقنية، بل أصبح قضية اقتصادية واستراتيجية وثقافية وتعليمية وحضارية. وستقاس القوة مستقبلً، بصورة متصاعدة، بالقدرة عـــلـــى الــتــحــكــم فــــي الـــبـــيـــانـــات، والـــحـــوســـبـــة، والـــرقـــائـــق اإللــكــتــرونــيــة، والـــنـــمـــاذج الــذكــيــة، واملــنــصــات الـرقـمـيـة، والكفاءات البشرية. لـهـذا أولـيـت فـي سانتاندير أهمية خـاصـة لــ«نـداء فــــاس» بــشــأن مستقبل الــحــضــارة اإلنـسـانـيـة فــي عصر الــذكــاء االصـطـنـاعـي؛ وقــد انطلق هــذا الــنــداء مـن قناعة بسيطة لكنها حاسمة: ال يمكن فصل التقدم التكنولوجي عن املسؤولية األخلقية. فالذكاء االصطناعي ينبغي أن يبقى في خدمة اإلنسان والكرامة والسلم والحوار، وأ يتحول أداة جديدة للهيمنة أو التمييز أو التضليل أو الصدام بني املجتمعات. والــســؤال الحقيقي لـم يعد: هـل تستطيع البشرية تطوير آالت أعلى ذكاء وقدرة؟ فالجواب أصبح معروفًا. الـسـؤال األصعب هـو: هل ستكون البشرية حكيمة بما يكفي لتحدد ما ينبغي لهذه اآلالت فِعله، وما يجب أال يُسمح لها بالقيام به؟ وهنا تلتقي قضية التكنولوجيا مع قضية النظام الـــعـــاملـــي. فــالــعــاقــة بـــ أوروبــــــا والـــجـــنـــوب، خـصـوصـ أفريقيا، تحتاج بدورها إلى إعادة تعريف؛ إذ لم يعد من املمكن اختزال الجنوب في قضايا: الهجرة، أو األزمات، أو املـواد األولية، أو املساعدات التنموية. فاملطلوب هو االنتقال من منطق املساعدة إلى منطق اإلنتاج املشترك. ويمكن للبحر األبيض املتوسط أن يصبح مختبرًا لهذه العلقة الجديدة؛ فهو لم يكن عبر التاريخ مجرد حـــــدود جــغــرافــيــة، بـــل كــــان فـــضـــاء لــتــاقــح الـــحـــضـــارات وانتقال العلوم واألفكار. ويكفي أن نستحضر ابن رشد الـــذي يـذكـرنـا بـــأن الــحــضــارات تـتـقـدم بـالـحـوار وتــبــادُل املعرفة، وابـن خلدون الـذي علمنا أن الظلم، مهما طال، يحمل في داخله أسباب انهيار العمران. كما أن على أوروبا أال تكتفي بالنظر إلى الجنوب، بل أن تتعلم النظر للعالم مع الجنوب. فالفرق جوهري: الـنـظـر إلـــى الــجــنــوب يـحـافـظ عـلـى املــســافــة بـــ املــراقــب واملــــوضــــوع، أمـــا الـنـظـر مـــع الــجــنــوب فـيـعـنـي االعـــتـــراف بــالــشــريــك وتـــقـــاســـم املـــســـؤولـــيـــات وصـــيـــاغـــة املـسـتـقـبـل بصورة مشتركة. ال يــخــتــلــف اثــــنــــان عـــلـــى أن الــــســــودان يــعــيــش مــحــنــة قـــاســـيـــة فـــرضـــتـــهـــا الـــحـــرب وتداعياتها والتدخلت فيها، وأن املواطن الـسـودانـي يدفع الـيـوم الثمن األكـبـر. ومَــن يـــتـــجـــول فــــي شــــــــوارع الــــخــــرطــــوم بــمــدنــهــا الـثـاث يـرى حجم الـدمـار الهائل، ويلمس شــــدة مــعــانــاة الـــنـــاس، وفــــي الـــوقـــت نفسه يـــلـــمـــس تـــمـــســـكـــهـــم بــــأمــــل تـــعـــافـــي الـــوطـــن واستعادة عافيته. مـــن قــلــب هــــذه املـــعـــانـــاة تـــأتـــي مـــبـــادرة لجنة تهيئة الحوار السوداني - السوداني؛ مـــبـــادرة هـدفـهـا إعــــداد وتـيـسـيـر الـــحـــوار ال احتكاره، ومهمتها جمع األطــراف وصوال إلى توافق وطني شامل. وقد أكدت اللجنة، مـنـذ انـطـاقـتـهـا هـــذا األســـبـــوع، انفتاحها على الجميع، بعد أن حصلت على ضمانات مطلوبة من الدولة لتيسير انعقاد الحوار وحماية املشاركني وسلمتهم. وشــــــــــــــــــددت الــــــلــــــجــــــنــــــة فـــــــــي بــــيــــانــــهــــا وتـصـريـحـاتـهـا عـلـى أنــهــا ال تــفــرض على املــؤتــمــريــن أجـــنـــدة جــــاهــــزة، وإنـــمـــا تعمل عـــلـــى تــجــســيــر الــــهــــوة بــــ األطـــــــــراف، عـبـر اللقاءات واملشاورات، للوصول إلى أجندة يتوافقون عليها. كما أن اللجنة ال تحمل مــخــرجــات مـسـبـقـة تـمـلـيـهـا عــلــى أحــــد، بل يــحــدد املــؤتــمــرون مـخـرجـاتـهـم بأنفسهم، بالتوافق. ورغم أن الهدف محدد في حوار يعقد داخل السودان، فإن الدولة لن تكون الجهة الداعية لـه، وال الجهة التي تحدد أجندته أو مخرجاته. ويقتصر دورها على توفير الـدعـم اللوجستي والـضـمـانـات القانونية والسياسية واألمنية اللزمة النعقاده في بيئة آمنة. وقد جرى قوننة هذه الضمانات بمراسيم توثق في الجريدة الرسمية، بما يوفر حماية للمشاركني في الـحـوار ولكل من يريد اإلدالء برأيه من خارج قاعته. الـــحـــوار املـطـلـوب لـيـس مــجــرد مؤتمر أو لـقـاء سـيـاسـي، بــل عملية وطـنـيـة تقوم على املشاركة الحقيقية ملختلف املكونات السياسية واملدنية واملجتمعية، وتسعى إلـــى تحقيق الــتــوافــق ولـــم الـشـمـل. كـمـا أن أي دعـم إقليمي أو دولــي ينبغي أن يكون معينًا للحوار السوداني، وليس بديل عن القرار السوداني. ولـــعـــل الـــافـــت هـــو حــجــم الــتــفــاعــل مع املـــــبـــــادرة، مـــن الـــقـــوى املــخــتــلــفــة والـــشـــارع السوداني ووسائل التواصل االجتماعي، فضل عن االهتمام اإلقليمي والدولي. وقد مـثّــل تـرحـيـب مفوضية االتــحــاد األفـريـقـي السريع بـاملـبـادرة، باعتبارها حـــوارًا يـدار مـــن داخـــــل الــــســــودان وبـــواســـطـــة لـجـنـة من أبنائه، دفعة مهمة لهذا املسار؛ خصوصًا مــــع تـــأكـــيـــد مــــبــــادئ الـــشـــمـــولـــيـــة واملــلــكــيــة والقيادة السودانية. لـــكـــن بـــعـــض األصـــــــــوات انـــتـــقـــدت هـــذا املوقف، وذهبت إلى حد اعتبار دعم الحوار في عاصمة البلد دعمًا لتقسيم السودان. وهــنــا يـحـق طـــرح الـــســـؤال: كـيـف يـمـكـن أن يـكـون دعــم الـحـوار فـي الـخـرطـوم، عاصمة البلد، مدخل إلى تقسيم السودان؟ أليس عــقــد الــــحــــوار فـــي عــاصــمــة الــــدولــــة تـأكـيـدًا على وحدتها وسيادتها؟ وفي املقابل، أال يـنـطـوي إبــعــاد الـعـاصـمـة عــن هـــذا املـسـار، ولـــــو بــــصــــورة غـــيـــر مــــبــــاشــــرة، عـــلـــى خـطـر تكريس واقــع السلطات املـوازيـة ومفاهيم التقسيم؟ املـــــبـــــادرة، فـــي جـــوهـــرهـــا، تـســعـى إلــى جمع السودانيني حول طاولة واحدة لطرح قضايا بلدهم وهمومه، تحت سقف ثوابت وطنية واضحة تحمي سيادته ووحدته. هـــنـــاك أيـــضـــ مَــــن يـــقـــول إن الــــحــــوار ال يـمـكـن أن يــبــدأ قـبـل وقـــف الـــحـــرب، وإنــــه ال معنى للجلوس إلى طاولة سياسية بينما املـــعـــارك مــســتــمــرة. غــيــر أن اشـــتـــراط وقــف الحرب أوال قد يعني عمليًا تعطيل املسار السياسي، وتــرك الـبـاد رهينة للعمليات العسكرية، والـتـدخـات الخارجية، بينما تــتــفــاقــم مـــعـــانـــاة املـــواطـــنـــ . واألجـــــــدى أن يُنظر إلـى الـحـوار باعتباره أحـد املسارات التي يمكن أن تساعد على وقف الحرب، ال نتيجة يجب انتظارها قبل بدء أي حوار. الحرب لم تنشأ من فراغ؛ فقد سبقتها خـــافـــات ومــمــاحــكــات وصــــراعــــات إقــصــاء شلت الفترة االنتقالية وشحنت األجــواء، حـتـى أصــبــح الـتـلـويـح بــالــحــرب أعــلــى من صـــــوت الـــعـــقـــل. ولــــذلــــك فـــــإن الـــتـــوافـــق بـ الـــقـــوى الـسـيـاسـيـة واملـــدنـــيـــة واملـجـتـمـعـيـة حـــول خـريـطـة طــريــق لـلـخـروج مــن األزمــــة، وترتيبات تقود في نهايتها إلى انتخابات وحكم مدني، يمكن أن يهيئ البيئة اللزمة إلنهاء الحرب. وفي ظل أزمة ثقة عميقة، ليس مطلوبًا أن يبدأ الحوار بأكثر القضايا خلفًا. يمكن أن يبدأ بما يجمع السودانيني، لبناء الثقة، ثـــم االنـــتـــقـــال إلــــى املــلــفــات الــشــائــكــة بــرويــة وصــبــر. كـمـا ينبغي أن تشمل املـــشـــاورات الــنــســاء والــشــبــاب والـــنـــازحـــ والـاجـئـ واملـــغـــتـــربـــ ، بــمــا يـعـكـس حـقـيـقـة الـتـنـوع السوداني. املــــغــــزى األعــــمــــق مــــن املـــــبـــــادرة هــــو أن يـــكـــون الــــحــــوار فــــي حـــضـــن الــــوطــــن، ال فـي فـــنـــادق الـــعـــواصـــم األجـــنـــبـــيـــة، وأن يسمع السودانيون بعضهم بعضًا وسط معاناة بلدهم، ال من خلف جدران املسافات. فكلما طـــال أمـــد الـــحـــرب، ازدادت الـحـاجـة إلـــى أن يستعيد السودانيون زمام قرارهم. الـــســـودان ال يـحـتـاج فــي هـــذه اللحظة إلى مماحكات السياسة، بل إلى سودانيني يجلسون معًا ليتحدثوا عن مستقبله. وإذا كـان وقـف الـحـرب هـو الـهـدف العاجل، فإن بـنـاء الـتـوافـق هــو الـطـريـق إلــيــه، وإذا كـان املطلوب أن تكون هذه آخر حروب السودان، فل بد أن يبدأ ذلك بحوار سوداني شامل، ال يـــــفـــــرض وصـــــايـــــة عــــلــــى أحـــــــــد، ويـــضـــع مصلحة الوطن فوق مصالح املتخاصمني. فـربـمـا تــكــون أهـــم خــطــوة نـحـو إنـهـاء الــحــرب هــي أن يـجـد الــســودانــيــون، أخـيـرًا، طاولة تتسع أطرافها للجميع. عبد الحق عزوزي عثمان ميرغني *روزا برنس OPINION الرأي 14 الحوار السوداني... حين يصبح الوطن هو البوصلة من فوضى دولية إلى نظام عالمي جديد... رؤية من الجنوب العنف السياسي في بريطانيا يهدد ما هو أبعد من السياسيين
RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==