issue17443

الإعلام 17 MEDIA د. ياسر عبد العزيز تتعدّد النماذج الدولية التي تعكس الدور المزدوج للتوثيق الرقمي ترند أين السياسة المحلية؟ تــتــقــدم صــنــاعــة الإعــــــام الـــعـــربـــي بــخــطــى واســـعـــة، ويتسع نفوذ بعض منصاتها لتتجاوز حـدود إقليمها إلى فضاء عالمي تزاحم فيه كبريات المؤسسات الدولية، وتفرض حضورا يصعب تجاهله في صناعة الرأي العام وتشكيل الـوعـي. غير أن هـذا الازدهــــار، رغـم استحقاقه للثناء لا يخلو من مثلبة جوهرية تمس صميم الوظيفة الإعـامـيـة، وتتمثَّل فـي انحسار لافــت فـي تـنـاول الشأن السياسي المحلي، ذلك الحيّز الذي ينبغي أن يظل نبض أي إعلام يزعم تمثيل مجتمعه والتعبير عن همومه. ولهذا الانحسار جذور متعددة تتضافر فيما بينها لـتـصـنـع مـعـضـلـة كــبــيــرة. فـبـعـض المـجـتـمـعـات الـعـربـيـة لــم تمنح الـسـيـاسـة المـحـلـيـة، عـلـى مـــر عــقــود، مساحتها الطبيعية في النقاش العام، فظل الشأن السياسي حكرا على دوائــر ضيقة، وترسّخت فكرة مفادها أن الاقتراب منه مجازفة لا طائل من ورائها. مـــن جـــانـــب آخـــــر، لا يــكــمــن الــســبــب فـــي ضــيــق هــذه المساحة بقدر ما يكمن في شبكة من المحددات القانونية والقيود الإداريـــة التي تفرز، بمرور الوقت، رقابة ذاتية تتغلغل فـي وعــي الصحافي قبل أن تفرضها عليه أي جهة خارجية، فيغدو حارسا على نفسه أشد صرامة من أي رقيب رسمي. وحــــــن يـــفـــشـــل الإعــــــــام المـــحـــلـــي فــــي تــلــبــيــة حــاجــة الجمهور إلـى فهم واقـعـه السياسي، فـإن هـذا الجمهور لا يظل صامتا بانتظار أن يتغير المشهد، بـل ينصرف بحثا عن بديل. فتغدو منصّات «التواصل الاجتماعي»، بخوارزمياتها التي لا تعرف تمييزا بين الغث والسمين، الملاذ الأول لهذا البحث. وتستفيد من الفراغ ذاته بعض المنصّات التي تبث من خارج الحدود، وكثير منها يفتقر إلــى أدنـــى معيار مهني، وبعضها الآخـــر يحمل أجندة مُعادية صريحة، فيجد كلاهما جمهورا جاهزا لتلقي ما يُقدَّم له، بلا مقارنة ولا بديل موثوق يفضح خطله. وتـــزداد المـفـارقـة قسوة حـن يُـــدرك المــرء أن الانكفاء عــن الـسـيـاسـة المـحـلـيـة، بـحـجّــة الـحـفـاظ عـلـى الاسـتـقـرار أو تجنّب الحساسية، إنما يُفضي إلــى نتيجة عكسية تماماً، إذ يفسح المجال أمام روايات أقل انضباطا وأشد قابلية لإثــارة الفتنة والتشويش. فكلما تراجع الإعـام المــهــنــي عـــن ســـاحـــة الــســيــاســة، تـــوسّـــعـــت فـيـهـا مـسـاحـة الشائعات والتحريض، وتحوّل النقاش العام من حوار مُنظم إلــى فـوضـى معلوماتية لا ضـابـط لـهـا. والأدهـــى من ذلك أن المساحة التي يتركها الإعـام المهني لا تبقى فارغة، بل تُملأ سريعا بخطاب مشحون يصعب لاحقا احتواؤه أو تصحيح مساره. مــــن هـــــذا المـــنـــطـــلـــق، تـــغـــدو الـــحـــاجـــة مــلــحــة إلـــــى أن تــســتــعــيــد المـــنـــظـــومـــات الإعــــامــــيــــة الـــعـــربـــيـــة اهــتــمــامــهــا بــمــعــالــجــة الــســيــاســة المــحــلــيــة؛ خـــبـــرا يــومــيــا ومــتــابــعــة تحليلية، بوصف ذلك جـزءا أصيلا من رسالتها وليس تــرفــا يـمـكـن الاسـتـغـنـاء عــنــه. فالتغطية الـــجـــادّة للشأن السياسي تمنح الجمهور أدوات لفهم واقــعــه، وتمنح المسؤول مـرآة نقدية تحفّزه على تحسين أدائــه، وتمنح المـجـتـمـع بـــأســـره مـتـنـفّــسـا سـلـمـيـا يُــعــبــر مـــن خــالــه عن تطلعاته ومخاوفه، بدل أن تتراكم في صمت قد ينفجر يوما بصورة أكثر اضطراباً. وهي أيضا استثمار مباشر فــي مـصـداقـيـة المـؤسـسـة الإعــامــيــة، إذ لا يكتمل وثــوق الجمهور بمنصّة تتحدث عـن العالم كله وتصمت عن شـــؤون بـلـدهـا. وليست هــذه التغطية عبئا يُثقل كاهل المؤسسة الإعلامية، بل هي على العكس مصدر تميزها وسط زحام المنصات. بيد أن هذه العودة إلى الشأن السياسي المحلي لن تحقّق غايتها المرجوّة إلا إذا اقترنت بثقافة راسخة تقبل الاخـتـاف وتستوعب الـــرأي الناقد، ذلـك أن أي معالجة ســيــاســيــة جـــــادة تــفــتــرض بـــالـــضـــرورة تـــعـــدّد الأصـــــوات وتــقــاطــع الــــــرؤىَ، فـــا مـعـنـى لـفـتـح الـــبـــاب أمــــام الـنـقـاش الـسـيـاسـي إذا ظـــل مـسـقـوفـا بــحــدود لا يـجـرؤ أحـــد على تـجـاوزهـا. فـالإعـام الــذي يفسح المـجـال لـلـرأي المخالف، ويمنحه حقه في التعبير إلى جانب الرأي الرسمي، في حـــدود الـقـانـون، هـو وحـــده الـقـادر على أن يستعيد ثقة جمهوره، ويحصّنه من الانجراف نحو بدائل لا تقدّم له سوى مزيد من الاستقطاب والتضليل. وقبول الــرأي الناقد، في هـذا السياق، ليس تنازلا عـــن الـــخـــط الــتــحــريــري، ولا تــهــديــدا لـثـبـات المـــوقـــف، ولا نكوصا عـن الـــولاء الـوطـنـي، بـل هـو بــالأحــرى دلـيـل ثقة المؤسسة بنفسها، وإقرار ضمني بأن الحقيقة أكثر ثراء حين تُعرض من زوايا متعدّدة لا من زاوية واحدة تحتكر تفسير الأحداث. إن معيار النّضج الحقيقي لأي صناعة إعلامية لا يُقاس بحجم انتشارها أو اتساع جمهورها فحسب، بل بجرأتها على مـقـاربـة السياسة المحلية بعين متوازنة ونــــاقــــدة فـــي آن، وبـــاســـتـــعـــدادهـــا لأن تــجــعــل مـــن الــــرأي المُختلف ركيزة من ركائز عملها لا استثناء طارئا عليه. وإذا كـان بعض الإعــام العربي قد أنجز بالفعل شوطا يستحق الاعتراف في بناء حضوره ونفوذه، فإن اكتمال هذا الإنجاز رهين بقدرته على أن يصبح صوت السياسة المحليّة أولاً، قبل أن يكون صوتا لكل ما عداها. مطالب بتحويل المبادرات الفردية من ممارسات عفوية إلى مسؤولة «السوشيال ميديا»... سلاح كشف التجاوزات يتحول «جلاداً» تــجــاوزت «الـسـوشـيـال مـيـديـا» أخــيــرا دورهـــا كمنصات للترفيه والتبادل المعرفي لتتحوّل أداة تتشابك فيها أدوار المواطن ما بين صانع للمحتوى ورقيب و«جلاد» في وقت معين. وجاء هذا التحوّل بعدما غدا الجوّال وسيلة لـ«تنفيذ رقابة ذاتية» من بعض الأشخاص. وكــذلــك، أصـبـح التوثيق الـرقـمـي للمخالفات والتجاوزات وسيلة كشف غير رسمية، تسبق في كثير مــن الأحــيــان الـتـحـرّك المـؤسـسـي مــن الجهات المتخصصة. ظاهرة التصوير الميداني وفق مراقبين، فإنه يُمكن بوضوح رصد نمط متصاعد مـن استخدام التصوير الميداني كسلاح «كشف أو ضغط»، فمثلا السلطات الأمنية المصرية تــكــشــف يـــومـــيـــا عــــن مـــابـــســـات جــــرائــــم مـــصـــدرهـــا، بـــالأســـاس، مـقـاطـع مــصــورة عـلـى مــواقــع الـتـواصـل الاجتماعي. وفـي حـن نجحت مشاهد التصوير هـذه في اســـتـــرداد الـحـقـوق والــتــدخــل الـعـاجـل مــن الأجــهــزة المصرية، كشفت وقائع أخرى عن الوجه المُظلم لهذه الممارسة عندما «تحول التوثيق في بعض الحالات وسيلة للتشهير أو تصفية الحسابات». خبراء يـرون أن «الـصـراع بين فضيلة الكشف وخــــطــــر الانـــــفـــــات يـــعـــكـــس مـــرحـــلـــة انـــتـــقـــالـــيـــة فـي بـنـيـة المــجــتــمــعــات». ويــتــفّــق هـــــؤلاء الـــخـــبـــراء على أن «الــتــحــدّي الحقيقي لـيـس فــي تقييد المـــبـــادرات الـــفـــرديـــة؛ بـــل فـــي تـحـويـلـهـا مـــن مــمــارســات عفوية قــد تـجـنـح نـحـو الـتـشـهـيـر، إلـــى مـمـارسـة مـسـؤولـة تـتـقـاطـع مــع الأطــــر الـقـانـونـيـة وتـلـتـزم بـأخـاقـيـات المهنة الرقمية». سلاح ومحطات بث حــســن مــصــطــفــى، أســـتـــاذ الــتــســويــق الــرقــمــي والــــذكــــاء الاصــطــنــاعــي فـــي فــــرع مـعـهـد روتـشـسـتـر لـلـتـكـنـولـوجـيـا بـــدبـــي، أشــــار فـــي ســيــاق الـــكـــام عن جوهر الأزمــة إلـى «تحول حسابات الأفــراد سلاحا ومحطات بث مستقلة تفتقر إلى المعايير المهنية». وقـــــــــال مـــصـــطـــفـــى لـــــــ«الــــــشــــــرق الأوســـــــــــــط» إن الـحـسـابـات تـحـوّلـت إلـــى مـنـصـات بـــث؛ لأن أدوات الــنــشــر بـــاتـــت مــتــاحــة لــلــجــمــيــع، فـــي حـــن اخـتـفـت الوظيفة التي كانت تؤديها غرفة الأخبار، بداية من الـسـؤال قبل النشر، والتحقّق من المـصـدر، وتقدير الضرر، وموازنة الحق في المعرفة مع كرامة الناس. وحسب مصطفى، «المشكلة الآن أن حسابات كثيرة تعمل بمنطق السرعة والسبق والانـفـعـال؛ ولذا أصبح مقطع قصير بلا سياق قادرا على بناء حـكـم اجـتـمـاعـي كــامــل خـــال دقـــائـــق، وقـــد يـتـحـوّل التوثيق تشهيراً». وأردف مـن ثـم أن «الجمهور لا يــرى دائـمـا الـفـرق بـن النشر والتحقق؛ فالمحتوى المُـــولـــد مـــن قِــبــل المُــســتــخــدمــن يــجــب الــتــعــامــل معه باعتباره مادة غير موثّقة إلى أن يثبت العكس». مـن جهة ثانية، يـرى متابعون أن المسؤولية تمتد لـتـتـجـاوز سـلـوك الأفـــــراد وتـصـل إلـــى جوهر تصميم المنصات الرقمية؛ إذ تضع اعتبارات الربح المــــادي وجـــذب المــشــاهــدات فــي صــــدارة أولـويـاتـهـا، متجاوزة الاعتبارات الأخلاقية والمجتمعية. وهـنـا يلفت مصطفى إلــى أن «الـخـوارزمـيـات ليست أدوات محايدة»؛ فهي ترتّب المحتوى بناء على إشارات التفاعل مثل المشاهدات، والتعليقات، والمـــــشـــــاركـــــات... والمـــحـــتـــوى الـــفـــاضـــح يــنــتــج هـــذه الإشــــارات بسرعة أكـبـر مـن المحتوى الــهــادئ؛ ولـذا يـــحـــدث خــلــل جــــوهــــري. وبـــالـــتـــالـــي، يــشــيــر إلــــى أن «الـــخـــوارزمـــيـــات قــد تــدفــع المـجـتـمـع نـحـو التشهير وتبسيط الوقائع؛ ما يصنع محكمة انفعالية بدلا من وعي عام». وقائع عالمية ومحلية عالمياً، تتعدّد الـنـمـاذج الـدولـيـة الـتـي تعكس الدور المزدوج للتوثيق الرقمي كأداة لإنفاذ القانون وأحـيـانـا كمصدر للضغط. ويظل الـنـمـوذج الأبــرز في قضية جـورج فلويد في الولايات المتحدة، عام ، التي جعلت العدسة الشعبية محركا لتغيير 2020 المسارات القانونية. وأفريقياً، قبل أشهر، تسبّب تصوير أحد المارة في كينيا لشرطي يطلق النار على بائع متجوّل في توقيف الضابط وإحالته للتحقيق. وفي تنزانيا، المجاورة لكينيا، أدت تحقيقات الشرطة في جريمة 2024 اعتداء جنسي جماعي موثقة بالفيديو عام إلــى ملاحقة المتهمين قانونيا مـع إدراج مـصـوّري المقطع ومروّجيه ضمن دائرة التحقيق. وبالتوازي، في مصر، تمكنت السلطات خلال الفترة الماضية مـن توقيف أحــد الأشـخـاص ظهر في مقطع فيديو مـحـاولا سرقة أســاك كهربائية مـن أحـد المـرافـق عقب تــداول فيديو وثَّــق الواقعة، في حين كشفت وقائع أخرى عن «خطورة الادعاء والتشهير» مثل واقعة إقــدام طالبة على تصوير شــاب داخــل عربة مترو «أنـفـاق الـقـاهـرة»، مدعية «تعاطيه مـواد مـخـدّرة» لتثبت التحقيقات لاحقا أن الـشـاب كــان يجهّز سـيـجـارة تبغ عــاديــة؛ الأمـر الــــذي دفــعــه إلــــى تــقــديــم بــــاغ ضـــد الــفــتــاة بتهمة «التشهير». «جلاد» ومحكمة شعبية خـــبـــيـــرة عـــلـــم الـــنـــفـــس الاجـــتـــمـــاعـــي فــــي كـــنـــدا، ندى قـداح، في حـوار مع «الشرق الأوســط»، حذَّرت من «ظهور ما يشبه محكمة شعبية رقمية تحوّل الجماهير جلاّدا وتصدر الحكم في عجالة من دون التحقق في صحة الادعــاء أو الظن». وهـي تـرى أن المجتمعات، قبل منصّات التواصل، «كانت تلتزم بمنظومة غير مكتوبة من الضوابط مثل الحياء، والستر، والـخـوف مـن إيـــذاء الآخـريـن، والإحـسـاس بــــأن كـــرامـــة الإنــــســــان لــيــســت مــلــكــا لا لـــلـــشـــارع ولا للجمهور». وأضـافـت قـــداح: «الـيـوم، بـات الإنـسـان يعيش داخــل اقتصاد جديد تحكمه قيمة الانـتـبـاه... ولم تـعـد بـعـض الأفـــعـــال تُــقــاس فـقـط بـمـعـيـار الـصـواب والــــخــــطــــأ، بـــــل بـــقـــدرتـــهـــا عـــلـــى جــــــذب المــــشــــاهــــدات والــــتــــفــــاعــــل». وأوضـــــحـــــت: «عـــنـــدمـــا يـــتـــحـــول المــــرء مجرّد صـورة، يصبح من السهل أن نفقد الاتصال بـإنـسـانـيـتـه؛ لأن الــشــاشــة تـخـلـق مـسـافـة عاطفية تجعل الآخـر أقـل حضورا ككائن له مشاعر، وأكثر حضورا كمحتوى». وتــابــعــت: «نــحــن بـتـنـا فـــي حــاجــة إلـــى تربية رقمية تعيد تعريف الـحـريـة... فالحرية ليست أن أســتــخــدم قــدرتــي بــا حـــــدود، بــل أن أمـتـلـك الـوعـي الكافي لأعرف متى أتوقف احتراما لكرامة الآخر». تنظيم العلاقة وتحقيق العدالة فــي ســيــاق آخــــر، حـــول كيفية تنظيم الـعـاقـة عند استخدام «التوثيق الرقمي». يشدّد الصحافي والمـراسـل الهولندي المتخصص في شـؤون الشرق الأوسط، يوست شيفيرز، على أن «فاعلية التوثيق الـرقـمـي لا تـتـوقّــف عند لحظة الانـتـشـار أو تصدر الـتـرنـد، بــل تـرتـبـط بـالمـسـار المـؤسـسـي والـقـانـونـي الـاحـق». وأضــاف شيفيرز لـ«الشرق الأوســط» أنه يُمكن لوسائل التواصل الاجتماعي أن تسهِم في تـحـقـيـق الــعــدالــة بــشــرط ضــمــان ســامــة الـضـحـايـا وتـــقـــديـــم الإغــــاثــــة لــهــم أولاً. وأكـــــد عــلــى «ضـــــرورة تـحـويـل هـــذه الأدوات وســائــل لـلـرقـابـة والمحاسبة الـــفـــعـــلـــيـــة... إذ لا يــكــفــي نــشــر صــــور الــقــبــض على المتهمين؛ بل تجب متابعة المسار القضائي بالكامل بدءا من عرض المتهمين على القضاء، ووصولا إلى الأحكام الصادرة ودور الدفاع. ذلك أن الشفافية في إجــــراءات التقاضي هـي المعيار الحقيقي لتحويل المحتوى الرقمي أداة لإنفاذ القانون». نقطة أخـــرى تـطـرق لـهـا المـهـتـمـون والـخـبـراء، هي إمكانية انتقال الإنسان بفعل وسائل التواصل من كونه شاهدا على حدث إلى كونه منتجا لمشهد، ومــــن مــتــلــق لـلـمـعـلـومـة إلــــى مـــشـــارك فـــي صـنـاعـهـا ونـشـرهـا... وبــن هــذه المسافة حــدث تـحـول نفسي واجتماعي، حيث تراجع الحاجز الداخلي الذي كان يجعل الإنسان يتوقف قبل أن ينتهك إنسانا آخر. الحماية القانونية من الناحية القانونية، يضع استشاري حقوق الإنسان والتشريعات الإعلامية، إيهاب سلام، حدا فـــاصـــا بـــن الـتـوثـيـق والــنــشــر. ويـــشـــرح لـــ«الــشــرق الأوسـط» أن «التصوير في حد ذاته مُباح للجميع ولا يُــعـد جـريـمـة، مـا دام لـم يقع ضمن محظورات قـــانـــونـــيـــة، مـــثـــل تـــصـــويـــر أمــــاكــــن مـــحـــظـــورة بـنـص الــقــانــون، أو تـصـويـر أشــخــاص مــن دون رضـاهـم؛ لأن ذلـك يُمثل انتهاكا للخصوصية التي يحميها الدستور والـقـانـون... بصرف النظر عمّا إذا كانت هذه الصور مُسيئة أو غير مسيئة، ولكن يُستثنى من ذلـك حـالات مـحـدّدة، من بينها تصوير جريمة أثـــنـــاء وقـــوعـــهـــا، حــيــث يــعــطــي الـــقـــانـــون الأولـــويـــة لتوثيق الجريمة على حق الخصوصية». ومـــــن ثـــــم، يــــركّــــز ســـــام عـــلـــى أن «الـــنـــشـــر هـو فـعـل آخـــر ولاحــــق لـلـتـصـويـر، ويُــشــتــرَط لــه قـانـونـا الحصول على موافقة صاحب الصورة أو المحتوى، والحماية القانونية هنا تتعلّق بحماية واحترام الـخـصـوصـيـة قـبـل أن تــكــون مـرتـبـطـة بـــالإســـاءة». ويــســتــطــرد قـــائـــا إن «نـــشـــر أي مــحــتــوى يـتـضـمّــن تشهيرا أو إســاءة إلـى شخص بعينه يُعد جريمة مُكتملة الأركـــان، ســواء كانت الوقائع صحيحة أو غير ذلك؛ لأن القانون يَحظُر التشهير ذاته بصرف النظر عن صحة المعلومة». كـذلـك، يتطرّق ســام إلــى حقيقة أن «القانون يعطي الأولـــويـــة لـتـوثـيـق الـجـريـمـة أثــنــاء وقوعها على حق الخصوصية، لكنه لا يبيح النشر للعامة، والإجراء القانوني السليم هو تسليم المادة المصورة للجهات المختصة... وفــي حالة الرغبة فـي النشر بـخـصـوص هـــذه الـحـالـة يـجـب الـتـحـقّــق مــن صحة المـــحـــتـــوى وإخــــفــــاء هـــويـــة الأشــــخــــاص، مـــع تجنب تحويله وسيلة للتشهير أو الإيذاء». ثــم يضيف أن «الــقــوانــن فــي المـقـابـل أبـاحـت، وأكــدت على، حق نقد الشخصية العامة والموظف الـــعـــام والـــكـــشـــف عـــن الــــتــــجــــاوزات، لـكـنـهـا وضـعـت شروطا لاستخدام هذا الحق، من أبرزها أن يكون الـــفـــعـــل مـــحـــل الـــنـــقـــد مــرتــبــطــا بــعــمــلــه ولـــيـــس أمــــرا شخصياً، وأن تكون الوقائع صحيحة ومثبتة، وأن يكون النقد الموجّه يتناسب مع الفعل محل النقد... ولـكـن رغــم ذلــك تظل الـحـيـاة الـخـاصـة لهم محمية حــمــايــة كــامــلــة، ولا يُــعــتــد بــذريــعــة كــــون الـشـخـص شخصية عـامـة لتبرير المــســاس بخصوصيته أو الإساءة إليه». ثـم يلفت الاسـتـشـاري ســام إلــى أن «الـصـراع بـــــن فـــضـــيـــلـــة الــــكــــشــــف وخــــطــــر الانــــــفــــــات يــعــكــس مـرحـلـة انـتـقـالـيـة فــي بـنـيـة المـجـتـمـعـات، فـفـي حين يمثل التصوير الشعبي صـمـام أمـــان ضـد الفساد والتسيب، يظل غياب الضبط التحريري والقانوني مُـــهـــدّدا لــانــفــات الاجــتــمــاعــي. ومـــن ثـــم، لا بـــد من تـعـمـيـم إرشــــــــادات وتــعــلــيــمــات لــلــمــواطــنــن بـطـرق وآلـيـات الإبـــاغ عـن الـجـرائـم ونشرها دون الوقوع فـــي المـــحـــظـــورات الـــقـــانـــونـــيـــة، والــتــعــجــيــل فـــي سَــن الـتـشـريـعـات المتعلقة بـحـمـايـة الـشـهـود والمُــبـلّــغـن لـوضـع مـسـار قـانـونـي واضـــح لطريقة الإبــــاغ عن الـــتـــجـــاوزات مـــن دون الـــتـــعـــدّي عــلــى حــقــوق أخـــرى محمية قانونياً». احتجاجات أمام مقر للشرطة في مينيابوليس الأميركية حيث قتل شرطي أبيض الشاب الأسود جورج فلويد عام ووثَّقت الحادثة بالصور (رويترز) 2025 القاهرة: إيمان مبروك «أبل» تُحفز ناشرين لتعزيز قدراتها في الذكاء الاصطناعي ســــعــــيــــا لــــتــــعــــزيــــز قــــــدراتــــــهــــــا فـــــــي الــــــذكــــــاء الاصــطــنــاعــي، تــــدرس شــركــة «أبـــــل» دفـــع أمـــوال لمؤسسات الإعلام مقابل استخدام ما تنشره من محتوى في نسختها الجديدة المدعومة بالذكاء الاصطناعي من «سيري»، في محاولة لتحفيز الناشرين على دعم خدمة هذا المساعد الصوتي الذكي. صحيفة «وول سـتـريـت جـــورنـــال» أشـــارت في تقرير نشرته أخيرا إلى أن شركة «أبل» بدأت بالفعل التواصل مع عدد من الناشرين لمناقشة إمـكـانـيـة اســتــخــدام مـحـتـواهـم الإخـــبـــاري داخــل «سـيـري»، وأن «أبـــل» عرضت مبالغ مالية تبدأ مليون دولار. 100 من نحو يُتوقع أن تطرح «أبـــل» نسختها الجديدة «سيري» خلال العام الجاري، ومن المفترض ألا تعتمد النسخة الجديدة على معلومات عامة أو قديمة، بل ستحتاج إلى معلومات حديثة تجيب بها عن أسئلة المستخدمين. مــهــران كـيـالـي، الخبير فــي إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بـالإمـارات العربية المــتــحــدة، عــــدَّ، فـــي لــقــاء مـــع «الـــشـــرق الأوســـــط»، اتــجــاه «أبــــل» الـجـديـد بـمـنـزلـة «جـــزء مــن صــراع قــــديــــم مــــتــــجــــدد». وقــــــــال إن «مـــعـــظـــم مــنــصــات الـتـواصـل الاجـتـمـاعـي دخـلـت فـي مناقشات مع الناشرين بشأن أحقيتهم في عوائد مالية على المـــحـــتـــوى الـــــذي يــتــم نـــشـــره أو اســتــهــاكــه على المنصات». ثــــم أردف أنـــــه «نــتــيــجــة هـــــذه المـــنـــاقـــشـــات، خضعت بعض منصات الـتـواصـل الاجتماعي لاتـفـاقـيـات مـالـيـة فــي بـعـض الـــــدول، وبــعــد ذلـك بـــــدأت المـــنـــصـــات فـــي الــتــضــيــيــق عــلــى المــحــتــوى الإخــبــاري لتقليل أي فـوئـد مالية للناشرين... أما بشأن ما تخطط له (أبل) فإن النظرة الأولى العامة تشير إلى مكاسب وعوائد للناشرين». من جهة ثانية، ذكر كيالي أنه «من الممكن أن تعتمد (أبـــل) الأسـلـوب نفسه الـــذي اعتمدته مـــنـــصـــات الــــتــــواصــــل الاجــــتــــمــــاعــــي، وتــــبــــدأ فـي التضييق عـلـى الـنـاشـريـن، إضــافــة إلـــى أنـــه من الممكن ألا ينجح هذا المشروع، بمعنى ألا تكون هناك عوائد مالية تُذكر من (سيري)». وأشـــار إلــى أن «تعميم فـكـرة (أبـــل) يحتاج لـــفـــتـــرة قــــد تـــتـــجـــاوز الــــعــــام، وذلــــــك بـــعـــد نــجــاح الـــتـــجـــربـــة واخـــتـــبـــارهـــا فــــي الـــــولايـــــات المــتــحــدة وأوروبـــــا»، متوقعا أن «يمتد هــذا المــوضــوع أو تـأثـيـره عـلـى الأقـــل إلـــى بـاقـي شــركــات الـتـواصـل الاجتماعي». ومــــن ثــــم، أوضـــــح أن «الـــنـــاشـــريـــن يـعـانـون حـالـيـا مــن اســتــحــواذ الـــذكـــاء الاصـطـنـاعـي على مــعــظــم عــمــلــيــات الــبــحــث والـــــقـــــراءة، ولا يـوجـد بشكل عـام أي إعــادة توجيه للمحتوى الأصلي بــعــيــدا عـــن إجـــابـــات بـــرامـــج وتـطـبـيـقـات الــذكــاء الاصطناعي». وحـسـب «وول سـتـريـت جـــورنـــال»، اقترحت «أبـــــــل» نـــمـــوذجـــا لــــ«تـــعـــويـــضـــات مــتــغــيــرة حـسـب الاسـتـخـدام»، مما يعني أن المؤسسات الإعلامية لـــن تـحـصـل عـلـى مـبـلـغ ثــابــت مـقـابـل مـنـح «أبـــل» حق الوصول إلى أرشيفها أو محتواها بالكامل، بــل تحصل عـلـى أمــــوال كلما اسـتـخـدم «سـيـري» محتواها، وهو ما يختلف عن اتفاقيات الترخيص الــتــي وقَّــعــتــهــا شـــركـــات الـــذكـــاء الاصــطــنــاعــي مع المــؤســســات الإعــامــيــة خـــال الــســنــوات الأخـــيـــرة، والــتــي تــقــوم غـالـبـا عـلـى دفـــع مـبـلـغ ثــابــت مقابل الحصول على نطاق واسع من المحتوى. لــلــعــلــم، هــــذا الـــنـــمـــوذج لــيــس جـــديـــدا على «أبــــــل»، فــهــو مـــا تـطـبـقـه حــالــيــا فـــي خــدمــة «أبـــل نيوز»، حيث يجري احتساب الإيـرادات بصورة تتناسب مع نسبة القراءات التي تحققها مواد كل ناشر على «أبل نيوز». القاهرة: فتحية الدخاخني النص الكامل على الموقع الإلكتروني Issue 17443 - العدد Monday - 2026/8/31 الاثنين #

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky