يحتفظ الموسم الحالي بحضور عربي ومتوسطي لافت لا على هامشه بل في صلبه الثقافة CULTURE 18 Issue 17443 - العدد Monday - 2026/8/31 الاثنين جيمس ماكنيل ويستلر... الموسيقى التي تنبعث من الرسوم حين قرأت جملة ناقد الفن جون راسكن الـــــذي اتـــهــم فـيـهـا الـــرســـام الأمـــيـــركـــي جيمس ماكنيل ويستلر بأنه «يرمي دلـوا من الطلاء فــي وجـــه الـجـمـهـور» صـــرت أفــكــر فــي أسـبـاب انـــشـــدادي إلـــى أعــمــال رســــام عـــاش فــي أواخـــر العصر الفيكتوري وبالأخص البورتريه الذي رسـمـه لأمــه والـــذي رأيـتـه فـي متحف أورسـيـه بباريس قبل سـنـوات. على الـرغـم مـن أن لغة السخرية التي أظهرتها عبارة راسكن فإنها تــكــاد أن تــقــتــرب مـــن الـحـقـيـقـة، وإن بطريقة مواربة. فويستلر لم يكن رساما واقعياً، على الأقـل لم تكن واقعيته تلتزم بقواعد تقليدية جــاهــزة. ذلـــك مــا دفـــع الـبـعـض مــن الـنـقـاد إلـى النظر إلى احتفائه بالألوان والخطوط الحرة بمثابة نبوءة لــولادة فن حديث. كـان تأثيره - 1862( عـلـى الــنــمــســاوي غــوســتــاف كـلـيـمـت ) واضحاً، غير أن هناك مَن يذهب بعيدا 1918 لـيـجـازف بـالـقـول إن هــنــاك شـــيء مــن ويسلر باعتباره أميركيا في تحول جاكسون بولوك ) إلى الفن الحركي. 1956 - 1912( جيمس ماكنيل ويستلر الـــذي يقيم له متحف تيت بريتان بلندن معرضا استعاديا هـو الأكـبـر مـن نوعه ويستمر حتى منتصف ديسمبر (كــانــون الأول) المـقـبـل لــم يـكـن جــزءا مــــن مــــدرســــة أســـلـــوبـــيـــة واحـــــــدة ولـــــم يـنـتـسـب إلــــى بــلــد بـعـيـنـه عــلــى الـــرغـــم مـــن ولادتــــــه في الـــولايـــات المــتــحــدة. مـــواطـــن أمــيــركــي ولـــد في ودرس الرسم في 1834 ماساتشوستس عام روســـيـــا بـشـكـل جــزئــي ثـــم انـتـقـل إلـــى بـاريـس فالتقى بكلود مونيه الــذي كـان له أكبر الأثر عليه وتـعـرف هـنـاك على فـن الحفر الياباني عــلــى الــخــشــب ومــــن بــعــدهــا اســتــقــر فـــي لـنـدن ورسم أجمل لوحاته فيها مستلهما ضبابها وجـــســـورهـــا مـــتـــأثـــرا بــــرســــوم ويـــلـــيـــام تـيـرنـر .1903 ليموت فيها عام وبـسـبـب تــعــدد مـــصـــادر إلــهــامــه وتـنـوع الأســــالــــيــــب الــفــنــيــة الـــتـــي تـــأثـــر بـــهـــا وفــكــرتــه عــن فــن يـتـجـاوز الــواقــع فـــإن جيمس ماكنيل ويـــســـتـــلـــر قــــد فـــلـــت مــــن الــتــصــنــيــف المـــدرســـي الـذي لم يقيده بزمنه بحيث صـار النظر إلى الصور الشخصية أو المناظر الطبيعية التي رسمها يتجاوز مسألة الموضوع إلى البحث في الطريقة التي حرر الرسام من خلالها تلك الـــصـــور والمــشــاهــد مـــن مـوضـوعـيـتـهـا ليعيد ترتيبها باعتبارها تكوينا بصريا خالصاً. صورة الأم وهي أشهر لوحاته «ترتيب باللونين الرمادي والأسود رقم » هـو عـنـوان اللوحة الشهيرة التي رسمها 1 لأمه. تذكرني تلك اللوحة بلوحة بول سيزان التي رسم فيها أمـه. رُسمت هذه اللوحة عام وهي الآن معروضة في متحف أورسيه 1871 وتُعتبر من أشهر اللوحات الأميركية خارج الـــولايـــات المــتــحــدة. تنبعث قـوتـهـا مــن ضبط النفس لا من العاطفة. فشخصية آنا ماكنيل ويـسـتـلـر الـجـالـسـة مُــحــاطــة بـالـكـامـل تقريبا بدرجات الـرمـادي والأســـود، القبعة البيضاء والــــيــــدان المــطــويــتــان والـــلـــوحـــة المـــؤطـــرة على الحائط، والستارة الداكنة على الجانب كلها تبدو مدروسة، صامتة ودقيقة. قد لا يعلم الكثير من الــزوار أن ويستلر لـم يُـــرد لـهـذه الـلـوحـة أن تُــقـرأ فـي المـقـام الأول كصورة عائلية، فعنوانها الرسمي له دلالـة. يدعونا ذلك العنوان إلى رؤية العمل كترتيب للألوان، كتكوين تحضر فيه الأمومة والعمر والـــــذاكـــــرة، لـكـنـهـا مُــنــظّــمــة بــالــخــط والـسـطـح والـــتـــوازن. اشــتــرت الــدولــة الفرنسية اللوحة ، وهـــو اعـــتـــراف لافـــت مـبـكـر بفنان 1891 عـــام أميركي. «حتى عندما أرسـم والدتي، فإنني أرتـــبـــهـــا». تـلـك جـمـلـة قـالـهـا ويـسـتـلـر بـعـد أن انضم إلـى حركة الجمالية التي كـان أوسكار وايـــلـــد مـــن أبـــــرز وجـــوهـــهـــا. وهـــنـــا بـالـضـبـط نصل إلى الخلاصة التي انتهى إليها الرسام المعجب بالباروكي الإسباني دييغو فيلاسكز وفـــن الـطـبـاعـة الــيــابــانــي. مـــع الـجـمـالـيـة ومـن خـالـهـا انـفـتـح ويـسـتـلـر عـلـى عــالــم الــفــن من الداخل باعتباره شغفا مستقلا بإعادة ترتيب الأشـــيـــاء فـــي ســيــاق جــمــالــي لا يـثـقـلـه شـعـور بالمسؤولية عـن تصوير الحياة الواقعية أو خدمة أي غرض أخلاقي. ولـــــــو تـــأمـــلـــنـــا عــــنــــاويــــن لــــوحــــاتــــه مــثــل «ترتيب» و«سيمفونية» و«تناغم» لاكتشفنا أنها لم تكن مجرد زخارف لفظية فهي توجه الزائر إلى كيفية النظر إليها، ليس بحثا عن حــكــايــات، بــل عــن الــنــبــرة والـــتـــوازن والإيــقــاع والإحــــــســــــاس. كـــــان هـــنـــاك دائــــمــــا حـــديـــث عـن الموسيقى فـي الـرسـم سبق نظرية الـروسـي/ الفرنسي فاسيلي كاندنسكي عن الروحاني في الفن. من الانطباعية إلى لندن وبالعكس بتأثير مباشر من المكان تنوعت طريقة ويستلر فــي معالجة مـوضـوعـاتـه وأسـلـوبـه فــي الـتـعـامـل مــع جـمـالـيـة الـلـحـظـة الـبـصـريـة، سعيا وراء ترتيبها كما لو أنها حدث خاص لا يتكرر. رسم في لندن وجسور نهر التايمز المــغــطــاة بـــالـــدخـــان والــشــخــصــيــات الشبحية المخفية بـالأبـيـض والألـــعـــاب الـنـاريـة وسـمـاء الـلـيـل وكـلـهـا مستلهمة مــن نــهــايــات العصر الفيكتوري. ذلك ما يكشف عنه المعرض حين يتتبع الخيط الذي أمسك به الفنان في باريس من خلال رسومه الأولية وتجاربه التي طغت عــلــيــهــا تـــأثـــيـــرات كـــلـــود مـــونـــيـــه فــــي رســـومـــه الضبابية التي هي صدى لرحلته إلى لندن، يـوم التقى تيرنر هناك. هكذا يكون ويستلر قد حضر إلى لندن بشحنة إلهام جاهزة. وهو مـا يعني أنـه قـدم إلـى لندن وفيه شـيء مبهم منها. ذلك الشيء الذي استمده من رسومات مونيه الفاتنة التي فتحت أمامه أبـواب رؤية حديثة تتخطى تفاصيل المــوضــوع المـرسـوم إلـــــى مـــحـــاولـــة صـــنـــع أجـــــــــواء، تـــكـــون المــديــنــة حاضرة فيها بروحها الخفية. بــالــنــســبــة لــويــســتــلــر فـــــإن المـــــوضـــــوع لا يـنـحـصـر فـــي دلالاتــــــه الــحــكــائــيــة الـــتـــي تعمد الـفـنـان أن يشتت انـتـبـاه المـتـلـقـي عنها بقدر مــــا هــــو مـــنـــاســـبـــة لإرشـــــــاد ذلـــــك المـــتـــلـــقـــي إلـــى كيفية تعلم النظر بحثا عـن النبرة والإيـقـاع والإحساس والتوازن. كيف اهتدى الرسام إلى الطريقة التي تدفع المتلقي إلى عدم الاهتمام بالموضوع والـخـاص مـن فضول البحث عن مـعـنـى بـعـد أن وقـــع أســيــرا لمـــعـــادلات بصرية تقدم متعة النظر التي تشد الحواس كلها في حزمة واحدة. لن يجد متلقي معنى لأية غاية أو هـدف حـن يشعر أن كـل لوحة مـن لوحات ويستلر لا تشكل أيقونة لوحدها، بل هي جزء من ظاهرة مترفة تتصل به بترف العيش في الرسم بعيدا عن الواقع الحائر بين تفاصيل مشهديته التي لا يمكن أن تقدم سوى احتمال واحــد. في أعمال ويستلر يستمر المشهد في تدفقه ولا يجمد في حالة واحدة. لا ترى الفن بل تعيشه يـــظـــهـــر تـــأثـــيـــر الــــفــــنــــون الـــشـــرقـــيـــة عـلـى ويستلر فـي تـجـارب التصميم الـداخـلـي، ولا سـيـمـا عـــالـــم «غـــرفـــة الــــطــــاووس» الـــــذي حقق مـن خـالـه رغبته فـي أن يتجاوز الـفـن حـدود اللوحة المؤطرة. صُممت هذه الغرفة الشهيرة فــــي الأصـــــــل لمــــنــــزل فــــريــــدريــــك لـــيـــانـــد بــلــنــدن والمحفوظة الآن فـي المتحف الوطني للفنون الآســـيـــويـــة الــتــابــع لمــؤســســة سـمـيـثـسـونـيـان. تنتمي تلك الغرفة إلى العالم الجمالي نفسه الـــذي تنتمي إلـيـه لـوحـاتـه. عـالـم يصبح فيه الفن بيئة ومزاجا وتجربة بصرية متكاملة. أنت لا ترى الفن بل تعيشه حين يحيط بك. فاروق يوسف لوحة أم الرسام آنا ماكنيل من المعرض «فتاة المانجو»... بين الأمكنة والذكريات يـــواصـــل الــكــاتــب الــعُــمــانــي الــخــطّــاب المـــــــزروعـــــــي فـــــي مـــجـــمـــوعـــتـــه الــقــصــصــيــة الأحــــــدث «فـــتـــاة المـــانـــجـــو»، الــــصــــادرة عن «منشورات المتوسط»، بناء عالمه السردي مــن مــفــردات تـبـدو للوهلة الأولــــى متاحة وعـــاديـــة الــحــضــور مـثـل تـفـاصـيـل الـحـيـاة اليومية، ملامح الأمكنة، وطأة الذكريات، غير أنها تتحول داخل نصوص المجموعة إلـــى نــوافــذ لآفـــاق أسـئـلـة أكـثـر عمقا حـول المصير الإنـسـانـي وحقائق الــوجــود، عبر لـــغـــة تـــولـــي اهـــتـــمـــامـــا خـــاصـــا بـالـتـكـثـيـف وتبتعد عن الاستطراد. قـــصـــة، 16 » تــــضــــم «فـــــتـــــاة المـــــانـــــجـــــو مــنــهــا: «شــــــيء مـــن رائـــحـــتـــهـــا»، «مـــســـؤول ثـاجـة المـــوتـــى»، «فــتــاة المــانــجــو»، «ذاكــــرة مــــنــــقــــوصــــة»، «حــــســــن الــــــضــــــحّــــــاك»، «مــــا يـــــحـــــدث»، «فـــانـــنـــتـــازيـــا ســـمـــك كـــــورونـــــا»، «دوائـــــــــر مــــســــعــــود»، «الـــــكُـــــمَّـــــة»، «الـــغـــرفـــة الصفراء»، «زعفرانة»... وغيرها. يـــركـــز المــــزروعــــي عــلــى المـــكـــان، حيث يحتل المكان موقعا بارزا في تجربته، فهو عنصر فـاعـل فـي تشكيل الحكاية وليس مجرد خلفية للحدث، كما يرتبط بالذاكرة ومـا تختزنه من تـجـارب، فضلا عن كونه نقطة الـتـقـاء بـن مـا عاشته الشخصيات وما تواجهه في حاضرها، وهو ما يمنح الجغرافيا المحلية أبعادا تتجاوز حدودها الصارمة. صـــــــدر لـــلـــخـــطـــاب المـــــــزروعـــــــي روايـــــــة «ذاكـــرة الـكـورفـيـدا»، ومجموعة قصصية قــصــيــرة جــــدا بـــعـــنـــوان «ســـيـــرة الـــخـــوف»، فــــضــــا عـــــن المـــجـــمـــوعـــتـــن الــقــصــصــيــتــن «الـــــرائـــــحـــــة الأخـــــيـــــرة لـــلـــمـــكـــان » و«لـــعـــنـــة الأمكنة»، إلى جانب كتابه عن النصوص الأدبية «التباسات»، كما تُرجمت أعماله إلـــى الإسـبـانـيـة والإنـجـلـيـزيـة والـيـابـانـيـة والتركية. ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ من قصة «زعفرانة»: «مـــنـــذ أن فــــرغ مـــن صــــاة الـــفـــجـــر، لم يـــحـــرك ســاكــنـــا، اكــتــفــى بـــمـــد رجــلــيــه على الـــــســـــجـــــادة، مـــلـــقـــيـــا ظــــهــــره عـــلـــى الــــجــــدار الـــخـــارجـــي لـلـبـيـت. عـــــادة فـــي هــــذا الــوقــت يحضر الشاي والقهوة، كان يشعر بشيء أشبه بالكسل أو عـدم الرغبة فـي فعل أي شــــيء، كــأنــه يـفـتـقـد شـيـئـا مـــا مـــن حـيـاتـه، شـــــيء لا يـــعـــرف تـــفـــســـيـــره، يــتــخــيــل مــــواء الـقـطـة، وهـــي تـحـك بـرأسـهـا عـلـى سـاقـيـه، فيشعر بانقباض في صدره كلما تذكرها. مـن يشاهده مـن بعيد وهـو لا يحرك ساكنا يظن أنه شجرة موز ميتة، عدا أنه بـــن الـفـيـنـة والأخــــــرى يـضـغـط بـكـفـه على وجـنـتـيـه الـلـتـن تـشـبـهـان ثــمــرة أفـــوكـــادو متيبسة، ثـم يغرس سبابته وإبهامه في عـيـنـيـه، لـيـخـرج منهما الـعـمـش المتيبس حواليهما. عيناه لا تسعفانه على الرؤية أبـــعـــد مـــن مــتــر عــلــى أكـــثـــر تـــقـــديـــر، إلا أنــه حــاد السمع، لـذا يعتمد على سمعه أكثر مـن بصره فـي كـل خطوة يخطوها، حتى عــنــدمــا يـلـتـقـي بــأحــد مـــا لا يـكـلـف بـصـره التأكد منه، بـل يترك تقدير ذلـك لسمعه، وإذا كان الصوت غريبا عليه، يشنف جهة المتحدث ليتبين ملامحه». القاهرة: «الشرق الأوسط» أغلبية القراء يفضلون الكتب المستعملة على الجديدة رواية وتراجع الترجمة 461 :2026 موسم الأدب الفرنسي بين أغسطس (آب) وأكتوبر (تشرين الأول) تـــصـــدر فــــي فـــرنـــســـا وفـــــق إحـــصـــاء 484 روايــة، مقابل 461 » مجلة «ليفر إبـدو عملاً 344 فـي الـعـام المـاضـي، مـوزّعـة على عـــمـــا مـــتــرجَـــمــا. وإن كــان 117 فــرنــســيــا و الـــرقـــم فـــي ظـــاهـــره وفــــــرة، فـــــإن فـــي بـاطـنـه إنذاراً: فالإنتاج الفرنسي ثابت تقريبا عند ، بينما جاء التراجع كلّه من 2025 مستوى عنواناً 140 جهة الترجمة، التي نزلت من . ويـــأتـــي هـــذا الــحــصــاد فـــي سـنـة 117 إلـــى قاسية على القطاع؛ إذ تراجعت مبيعات 2026 الكتاب الجديد في النصف الأول من فــي المــائــة، فــي خـامـس تـراجـع 6.2 بنسبة متتالٍ، فيما اتّسع سوق الكتاب المستعمل حـتـى صـــار يـنـافـس الــكــتــاب الــجــديــد على شريحة معتبرة من القرّاء. وفي الواجهة، تـــتـــعـــرض المـــكـــتـــبـــات الـــفـــرنـــســـيـــة لمــصــاعــب مــــاديــــة حـــيـــث وُضــــعــــت ســلــســلــة «جـيـبـيـر جوزيف» العريقة تحت التسوية القضائية منذ أبـريـل (نـيـسـان) المــاضــي، كما تواجه المكتبات المستقلّة الصغيرة ضغوطا دفعت كثيرا منها إلى إيقاف نشاطها. غير أن المفارقة التي تستحق التوقّف هي أن الرواية الفرنسية ترد على انكماش سوقها بتوسيع خيالها لا بتقليصه. فحين يضيق الرهان التجاري، يميل الناشرون عــادة إلـى الآمــن والمـجـرَّب. لكن هـذه السنة عـــادت الـــروايـــات الـطـويـلـة الـتـي تـمـتـد عبر الأجيال بقوة، لتستعيد الحبكة والمغامرة. كأن الأدب، إذ يفقد جزءا من جمهوره، يقرّر أن يستعيده بما كان قد تخلّى عنه طويلا وهي المتعة السرديّة. وهو ما أكدته مجلة «لــيــفــر إبــــــدو» الـــتـــي لاحـــظـــت أن مــوضــوع النسب والعائلة هو أقل حضورا من العام المـاضـي، وأن كثيرا من كتب الموسم تدعو إلــــى مـــا سـمـتـه بـــــ«الــــفــــرار»: فــــرار جـغـرافـي وتـاريـخـي، وأحيانا إلـى عـوالـم عجائبية. غير أن الكتابة عن الذات لم تختف تماماً، وإنّــمــا غـيّــرت وجهتها: فـالأعـمـال الأولـــى، وأغـــلـــب أصـحـابـهـا هـــذا الـــعـــام مـــن الـنـسـاء فــي المــائــة مـنـهـا، تــدور 60 إذ شـكـلـن نـحـو حـــــــول مــــوضــــوعــــن اثـــــنـــــن، هــــمــــا الـــبـــحـــث عـــن الأصــــــول وتـــجـــربـــة المـــنـــفـــى. أمــــا الــرقــم الأخطر في حصيلة الموسم فيبقى تراجع الترجمة؛ إذ يعني عمليا أن ثلاثا وعشرين نـــافـــذة عـلـى لــغــات أخــــرى أُغـلـقـت فــي سنة واحدة. ولا تفصّل الإحصاءات المتاحة أي الـلـغـات دفـعـت الـثـمـن، غير أن منطق مثل هـذه الـــدورات يقول إن الانكماش يبدأ من الهوامش لا من المركز: أي من اللغات التي لا تملك سوقا ولا جـوائـز كبرى تسندها. والأدب العربي المترجَم إلى الفرنسية، الذي لـم يكن حـضـوره وافـــرا فـي الأصـــل، معني بهذا السؤال أكثر من سواه. في صــدارة المـوسـم، كالعادة، الكاتبة أمـيـلـي نــوتــومــب، الــتــي أصـــــدرت روايـتـهـا L›adolescence( » الجديدة «مراهقة الببغاء )، فـي مـائـة وسـتـن صفحة، du perroquet وهـي تتناول حكاية «ألــبــان»، اليتيم منذ السابعة عشرة، الذي يتبنّى ببغاء رماديا من الغابون يُدعى «جـو»، فيتحوّل الكائن الألـيـف تـدريـجـا إلــى شـريـك مقلق. وتحت الطرافة الظاهرة نـص عن اللغة والوحدة والــهــيــمــنــة، تــخــتــصــره الــجــمــلــة الــوحــيــدة الـتـي اخـتـارتـهـا الكاتبة لتقديمه: «الـحـب لـيـس حـقّــا مكتسباً». وإلـــى جانبها تـقـدّم ) واحـــــــدا مـن Je( » لــيــلــيــا حـــســـن فــــي «أنـــــــا أذكــــى مـقـتـرحـات المـــوســـم: أن تُــعـيـد الـكـام إلــى أنـطـوانـيـت، زوجـــة روتشستر الأولـــى، «المـــجـــنـــونـــة فــــي الـــعـــلـــيّـــة» الـــتـــي أسـكـتـتـهـا شـارلـوت برونتي في «جـن إيــر» قبل قرن وثلاثة أرباع القرن. وتعيدنا الروائية إلى ، فتصير الشخصية 1831 جـامـايـكـا عـــام الثانوية راويـة، ويصير الجنون المنسوب إليها تاريخا استعماريا كاملاً. أما العمل الأكـثـر حساسية فهو «وحـــدة الأسـاتـذة لا نهاية لها» ليانيك هينيل. والكتاب لا يروي متاعب أستاذ شاب في ضاحية باريسية فحسب، بل يكتب عن اغتيال المدرّسَين صامويل باتي ودومينيك بـرنـار. وهينيل، الــذي درّس خمس عشرة ســـنـــة فــــي مـــنـــاطـــق الــتــعــلــيــم الــــواقــــعــــة فـي الـضـواحـي قبل أن يتفرّغ للكتابة، يعرف مـن الـداخـل مـا يكتب عـنـه، وهـــذا مـا يمنح النص سلطته. وإلى جانب هذه العناوين الـــثـــاثـــة، يـــعـــرض المــشــهــد الأدبـــــي الـجـديـد أسماء راسخة كفيليب جانادا الذي يواصل شـغـفـه بـقـضـايـا الـتـحـقـيـق فـــي «مـجـهـولـة رصـــيـــف جـــافـــيـــل»، وســـيـــرج جـــونـــكـــور في «قــــصــــة غــــرامــــيــــات» حــــــول حـــكـــايـــتَـــي حـــب متشابكتين مــن زمـنـن مختلفين، وكـذلـك متياس إينار الـذي يستعيد سراييفو في «فندق البلقان». ويـــحـــتـــفـــظ المــــوســــم بـــحـــضـــور عـــربـــي ومـتـوسـطـي لافـــت، لا عـلـى هـامـشـه بــل في صلبه. فلدى «جوليار» يفتتح المغربي عبد الله الطايع الموسم بـ«واقفا في أحلامك»، عائدا إلى المنفى بوصفه شرطا لا حادثة. وتــــصــــدر عــــن «ســـــتـــــوك» روايــــــــة «إمــــامــــي» لــلــبــنــانــي ســبــيــل غــــصّــــوب، وهــــي تحقيق متخيَّل فـي اخـتـفـاء الإمـــام مـوسـى الصدر ، يضفر فيه الكاتب سيرة عائلته 1978 عام بـتـاريـخ لـبـنـان. وعـــن الــــدار نفسها تصدر «الـجـزء الغائب»، الـروايـة الثانية للممثلة والمــــخــــرجــــة رشــــيــــدة بــــراكــــنــــي، عــــن امــــــرأة تلاحقها جراح طفولتها وحرب الجزائر. والـــــــجـــــــزائـــــــر تـــــحـــــديـــــدا تــــــعــــــود هـــــذا المـوسـم مـن أكـثـر مـن بـــاب: مـن خــال روايــة سـتـيـفـان جـوسـتـي «أوقـــفـــوا إطـــاق الـنـار» التي تــروي الساعات التي سبقت مجزرة شـــــارع إيــســلــي بــالــعــاصــمــة عــشــيــة نـهـايـة الاستعمار الفرنسي، والـتـجـارب النووية فـــــي الــــصــــحــــراء لــــــدى كـــزافـــيـــيـــه لـــــو كــلــيــر، والملحمة الاستعمارية لدى ماتيو بيليزي. ومن فلسطين يكتب كريم قطّان بالفرنسية في «شمالية». وتتقاطع مع هؤلاء الرواية الشهادية «إل الحدود» لإليزا شوا دوسابان وهي فرنسية من أم كورية جنوبية، تنشر لـــــدى دار «زوي» الـــســـويـــســـريـــة، رحـلـتـهـا إلــى بـيـروت وجـنـوب لبنان ثـم إلــى الأردن . واجتماع 2023 غـــداة السابع مـن أكتوبر هـــــذه الـــعـــنـــاويـــن فــــي مــــوســــم واحــــــد لـيـس مصادفة، فالرواية الفرنسية تكتب اليوم ذاكرتها الاستعمارية والمتوسطية بأقلام أصحابها لا بـأقـام الــوكــاء عنهم، وذلـك في ذاته تحوّل يستحق أن يُسجَّل. أمـــــا الأدب الأجـــنـــبـــي، فـــرغـــم تـقـلّــصـه الكمّي، يبقى خزّان الاكتشافات، وقد اختار هذا العام صيغة الملحمة العائلية تتصدّره 23( «لازار» للسويسري نيليو بـيـدرمـان عـامـا)، الــصــادرة فـي ســت وعـشـريـن دولــة، وهي تتتبّع عبر ثلاثة أجيال صعود سلالة أرسـتـقـراطـيـة وأفــولــهــا، انــطــاقــا مــن طفل وُلـــد فــي هـنـغـاريـا مطلع الــقــرن العشرين. ويغوص الإسباني أرتورو بيريز-ريفيرتي فـي الـحـرب الأهلية فـي «خـط الـنـار»، فيما يـحـمـل الــعــمــل الأول لــأمــيــركــي مـــن أصــل يـابـانـي أ. س. تــامــاكــي، «عـشـيـرة الأوراق المـيـتـة»، أكـبـر طبعة فــي الـخـانـة الأجنبية بثلاثين ألــف نسخة، وهـي حكاية صداقة تُختبَر وسط صراعات عائلات الساموراي. وتـعـود إلـيـزابـيـث ســتــراوت إلــى بلدة كـروسـبـي فــي ولايـــة مــن بـــ«احــكــوا لــي كل شـــيء»، بينما يـحـوّل الآيـرلـنـدي المقيم في نـيـويـورك كــولــوم مــاكــان تحقيقا فــي قطع الـــكـــابـــات الــبــحــريــة قــبــالــة ســـواحـــل غــرب أفريقيا إلـى تـأمّــل في هشاشة ما نحسبه متينا ً. ويـــكـــتـــمـــل المــــشــــهــــد بـــالاســـكـــوتـــلـــنـــدي دوغلاس ستيوارت في «جون، ابن جون»، المُـــدرَج في القائمة الأولــى لجائزة «بوكر» هذا العام، حيث يعود شاب حديث التخرّج إلى جزيرة هاريس في الهبريد الخارجية فيصطدم بأبيه وبجماعة مشيخية مغلقة وبسر عائلي قديم. ويُنهي الإيطالي أنطونيو سكوراتي ملحمته عن موسوليني بجزئها الخامس، فــيــمــا تـــعـــود الأمـــيـــركـــيـــة لــــــورا كــازيــشــكــي إلـــى الـــروايـــة فــي «سـبـاحـة تـحـت المـراقـبـة» عــن حــادثــة غـــرق طـفـل فــي مـسـبـح مـزدحـم مـن دون أن ينتبه إلـيـه أحـــد، بينما تتّجه » نحو القمر. 11 «أبولو الــقــائــمــة الأولــــــى لــــ«غـــونـــكـــور» تُــعــلَــن فـي الـثـانـي مـن سبتمبر (أيـــلـــول)، أي بعد أسبوعين فقط من الموجة الأولــى للموسم الـــجـــديـــد، عـــلـــى أن تــفــتــتــح «مــيــديــســيــس» مـوسـم الإعـــانـــات فــي الـثـانـي مــن نوفمبر (تـــشـــريـــن الــــثــــانــــي)، وتـــلـــيـــهـــا «غـــونـــكـــور» و«رونــــودو» فـي الـيـوم التالي. وحتى ذلك الـــحـــن، يـمـكـن قـــول شــــيء واحــــد بـثـقـة: إن هذا الموسم أضيق سوقا وأوسع خيالا من سابقه. باريس: أنيسة مخالدي
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky