issue17443

اقتصاد 15 Issue 17443 - العدد Monday - 2026/8/31 الاثنين ECONOMY الخام الثقيل والبنية المتهالكة تعرقلان الاستثمار... وواشنطن تستعين بـ«البنتاغون» نفط فنزويلا يحتاج سنوات لوعود ترمب تــــحــــتــــاج الــــصــــفــــقــــة الـــنـــفـــطـــيـــة الـــتـــي أعلنها الـرئـيـس الأمـيـركـي دونــالــد ترمب مـــــع فــــنــــزويــــا، والـــــتـــــي قــــــال إنــــهــــا تـمـنـح الــــولايــــات المـــتـــحـــدة ســيــطــرة أغــلــبــيــة على مليار برميل من الاحتياطيات 65 أكثر من النفطية المــؤكــدة فــي الــبــاد، إلـــى سـنـوات مـــن الاســتــثــمــارات وإعـــــادة تـأهـيـل البنية الـــتـــحـــتـــيـــة قـــبـــل أن تـــتـــحـــول إلــــــى كــمــيــات إضــافــيــة مـلـمـوسـة فـــي الـــســـوق، فـــي وقــت تــواجــه فـيـه خـطـة إعــــادة إحــيــاء الصناعة الـنـفـطـيـة الـفـنـزويـلـيـة تـــــرددا مـــن شــركــات النفط الكبرى بسبب المخاطر السياسية والـقـانـونـيـة وارتـــفـــاع كلفة تـطـويـر الـخـام الثقيل. وتـراهـن إدارة ترمب على جـذب أكثر مــلــيــار دولار مـــن الاســتــثــمـــارات 100 مـــن الـــــخـــــاصـــــة لإعـــــــــــادة بـــــنـــــاء قـــــطـــــاع الـــنـــفـــط الفنزويلي، الذي تراجع إنتاجه إلى نحو مــلــيــون بــرمــيــل يـــومـــيـــا، رغــــم امــتــاك 1.2 البلاد أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم. ومـع إحجام الشركات عن ضخ رأس المـــال بالسرعة والـحـجـم الـلـذيـن تريدهما واشــــنــــطــــن، اتـــجـــهـــت الإدارة إلـــــى إشـــــراك الـحـكـومـة الأمـيـركـيـة نفسها فــي المـشـروع عــــبــــر الــــبــــنــــتــــاغــــون، فــــــي خـــــطـــــوة تــعــكــس حـــجـــم الـــتـــحـــديـــات الـــتـــي تــــواجــــه تــحــويــل الاحتياطيات الهائلة إلى إنتاج فعلي. وفـــــــــي المــــــقــــــابــــــل، كــــشــــفــــت الــــرئــــيــــســــة الــفــنــزويــلــيــة المـــؤقـــتـــة ديــلــســي رودريـــغـــيـــز تـفـاصـيـل جــديــدة عــن الاتـــفـــاق، مــؤكــدة أن المـــشـــروع الــثــنــائــي مـــع الــــولايــــات المـتـحـدة عـــــــام، وأن 100 عــــامــــا ولــــيــــس 25 يـــمـــتـــد فــــنــــزويــــا ســتــحــتــفــظ بــمــلــكــيــة مـــــواردهـــــا وسـيـادتـهـا عليها، مـع اسـتـهـداف تطوير حقلا استراتيجيا ورفع الإنتاج بأكثر 17 مليون برميل يوميا ضمن الاتفاق. 1.5 من إحجام الشركات وتهالك القطاع بــحــســب «وول ســـتـــريـــت جــــورنــــال»، أمــضــت إدارة تــرمــب أشـــهـــرا فـــي مـحـاولـة إقــنــاع شــركــات الـنـفـط الأمـيـركـيـة الـكـبـرى بالعودة إلى فنزويلا، لكن كثيرا منها بقي على الـهـامـش بسبب المـخـاطـر السياسية والقانونية، إلـى جانب المـخـاوف المتعلقة بأمن المنشآت وحجم الاستثمارات اللازمة لإعادة تأهيل القطاع. ولا تـقـتـصـر المــشــكــلــة عــلــى المــنــشــآت المتهالكة. فأغلب الاحتياطيات الفنزويلية تــتــكــون مـــن خــــام ثــقــيــل جــــدا يــحــتــاج إلــى عمليات اسـتـخـراج ومـعـالـجـة ونـقـل أكثر تـــعـــقـــيـــدا وكـــلـــفـــة مــــن كــثــيــر مــــن الـــخـــامـــات الـخـفـيـفـة الــتــي تنتجها دول أخـــــرى، بما فيها دول الخليج. 1.2 وتـــنـــتـــج فــــنــــزويــــا حـــالـــيـــا نـــحـــو مـــلـــيـــون بـــرمـــيـــل يـــومـــيـــا، مـــقـــارنـــة بـــــذروة مـــلـــيـــون بـــرمـــيـــل يــومــيــا 3.5 بــلــغــت نـــحـــو ، فــي تــراجــع ارتــبــط بنقص 1998 فــي عـــام الاســـتـــثـــمـــارات والـــتـــأمـــيـــم وســــــوء الإدارة والعقوبات الأميركية. وبـــالـــتـــالـــي، فـــــإن ضــــخ رأس المــــــال لا يعني تلقائيا عودة الإنتاج إلى مستوياته السابقة. فالقطاع يحتاج إلى إعادة تأهيل الآبار والمنشآت وشبكات النقل والخدمات النفطية، إلى جانب تطوير حقول جديدة، وهي عملية قد تستغرق سنوات. وقـــــال خـــبـــراء فـــي الـــقـــطـــاع إن زيــــادة الإنــــــتــــــاج عــــلــــى نــــطــــاق واســــــــع لـــــن تــظــهــر ســـريـــعـــا، وإن تــطــويــر الــصــنــاعــة يتطلب اسـتـثـمـارات ضخمة وفــتــرات طـويـلـة قبل أن تبدأ الكميات الإضافية بالوصول إلى الأسواق. «البنتاغون» يدخل على خط النفط مــــــع اســــــتــــــمــــــرار إحــــــجــــــام الــــشــــركــــات الخاصة، اتجهت إدارة ترمب إلـى صيغة غير تقليدية، بإشراك الحكومة الأميركية نفسها في المـشـروع. ووفــق تقرير لــ«وول ستريت جورنال»، شارك مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع للبنتاغون في هيكلة الاسـتـثـمـار، مــع خـطـة لـحـصـول الحكومة 35 الأمـــيـــركـــيـــة عــلــى حــصــة سـلـبـيـة تــبــلــغ فـي المـائـة فـي شـركـة «نـــورث أمـيـركـان بلو إنــــرجــــي بــــارتــــنــــرز»، الـــتـــي يـــقـــودهـــا رجـــل الأعمال الفنزويلي أليخاندرو بيتانكور، في 20 إضافة إلى حقوق تفضيلية لشراء المــائــة مــن إنــتــاج الـشـركـة بـسـعـر التكلفة، وفق أشخاص شاركوا في المفاوضات. وكان من المقرر استخدام أدوات مالية penny تعرف باسم «مـذكـرات الأسـهـم» أو لمنح الحكومة الأميركية حصة warrants فـــي الـــشـــركـــة مـــن دون الـــحـــاجـــة إلــــى ضخ رأسـمـال كبير، مستفيدا مـن الصلاحيات المــحــدودة لمكتب رأس المــال الاستراتيجي في تمويل مشروعات تعتبرها واشنطن مرتبطة بالأمن القومي. ويمثل دخول البنتاغون في مشروع نفطي تجاري تحولا لافتا في دور وزارة الـــدفـــاع الاقـــتـــصـــادي، ويـعـكـس فــي الـوقـت نـفـسـه صـعـوبـة جـــذب رأس المــــال الـخـاص إلى قطاع ما زال محاطا بمخاطر سياسية وقانونية وتشغيلية كبيرة. مليار برميل 65 صفقة الـ كــــــان تــــرمــــب قـــــد أعــــلــــن أن الـــــولايـــــات المـتـحـدة دخـلـت فـي مـا وصـفـه بـأنـه «أكبر صفقة نـفـط فــي تــاريــخ الــعــالــم»، وقـــال إن واشـــنـــطـــن، مـــن خــــال شـــراكـــة مـــع الـقـطـاع الخاص، حصلت على سيطرة أغلبية على مليار برميل من الاحتياطيات 65 أكثر من الـنـفـطـيـة المـــؤكـــدة فـــي فـــنـــزويـــا، مـــن دون تكلفة على دافعي الضرائب الأميركيين. وقـــــــال وزيـــــــر الــــخــــارجــــيــــة الأمـــيـــركـــي ماركو روبيو إن الاتفاق سيؤمّن للولايات المــــتــــحــــدة إمـــــــــــدادات مـــســـتـــقـــرة مــــن الــنــفــط ويساعد على خفض أسعار البنزين، فيما أشارت تقديرات أميركية إلى أن الاتفاق قد مليار دولار 100 يجلب إلى فنزويلا نحو من الاستثمارات الخاصة. لكن ضخامة الاحتياطيات لا تعني أن تلك الكميات ستتحول إلى إنتاج في وقت قــريــب. فـالاحـتـيـاطـيـات الـفـنـزويـلـيـة تبلغ مـلـيـار بـرمـيـل وفـــق الـتـقـديـرات 300 نـحـو المتداولة، لكن قسما كبيرا منها يتكون من خـام ثقيل جــداً، مـا يجعل تطويرها أكثر تكلفة وتعقيداً. ولهذا فإن التحدي الحقيقي للصفقة لا يـكـمـن فـــي حـجـم الـنـفـط المـــوجـــود تحت الأرض، وإنما في القدرة على توفير رأس المـــــال والــتــكــنــولــوجــيــا والــبــنــيــة الـتـحـتـيـة ًاللازمة لاستخراجه ومعالجته ونقله. عاما 25 رودريغيز: الاتفاق في المقابل، كشفت رودريغيز تفاصيل تختلف فــي بـعـض جـوانـبـهـا عــن الــروايــة الأميركية الأولية. وقالت في خطاب متلفز إن المشروع الثنائي مع الـولايـات المتحدة حقلاً 17 عاماً، ويستهدف تطوير 25 يمتد 1.5 استراتيجيا ورفــع الإنـتـاج بأكثر مـن مليون برميل يومياً. ويـــأتـــي ذلــــك بــعـدمــا تـحـدثــت تـقـاريـر 100 أميركية أولـيـة عـن حـقـوق تمتد إلــى عـام، وهو ما أثـار تساؤلات بشأن طبيعة الترتيبات التي ستمنح للشركة الخاصة وعلاقتها بالاتفاق الحكومي بين واشنطن وكاراكاس. وشــــددت رودريــغــيــز عـلـى أن الاتـفـاق لا يعني انتقال ملكية الموارد النفطية إلى الولايات المتحدة. وقالت: «يجب أن يكون أمر واحد واضحا تماماً: فنزويلا تحتفظ بملكية مواردها وسيادتها عليها». مليون برميل يوميا إضافية 1.5 حقلاً 17 وتستهدف الصفقة تطوير اسـتـراتـيـجـيـا ورفـــع الإنــتــاج إلـــى أكـثـر من مليون برميل يوميا ضمن المـشـروع 1.5 الثنائي، بحسب رودريـغـيـز، فيما تشمل الخطة الأوســـع تطوير حقول جـديـدة في منطقة أورينوكو. لكن تحقيق هــذا الـهـدف سيستغرق ســـنـــوات، ولــيــس أشـــهـــراً، فـــي ضـــوء حجم الاســـتـــثـــمـــارات المــطــلــوبــة وطــبــيــعــة الــخــام الفنزويلي الثقيل. وتشير تـقـديـرات إلى أن زيــــــادة الإنــــتــــاج عــلــى نـــطـــاق واســـــع قد تــحــتــاج إلــــى ثــــاث أو أربــــع ســـنـــوات على الأقــــل. وهـــذا يعني أن الـصـفـقـة، حـتـى في أفضل سيناريوهاتها، لن توفر للولايات المـتـحـدة كـمـيـات ضخمة مــن الـنـفـط خـال الأشـــهـــر المـقـبـلـة، ولـــن تــكــون أداة سريعة لخفض أسعار البنزين. مليارات دولار لفنزويلا 209 وكشفت رودريغيز أيضا عن العائد المالي المتوقع من الاتفاق، قائلة إنه يمكن مليارات دولار لفنزويلا، 209 أن يولد نحو اســتــنــادا إلـــى افـــتـــراض سـعـر للنفط يبلغ 19 دولارا للبرميل. وأضـافـت أن نحو 65 دولارا مـن كـل برميل منتج ومـبـاع ضمن الاتـــــفـــــاق ســـيـــذهـــب مـــبـــاشـــرة إلـــــى الـــدولـــة الفنزويلية. ويعكس ذلك محاولة كاراكاس تقديم الـصـفـقـة بـاعـتـبـارهـا وسـيـلـة لإعــــادة بناء الإيـرادات العامة إلى جانب إعادة تشغيل الـصـنـاعـة النفطية. غـيـر أن حـجـم العائد الفعلي سيعتمد على مستويات الإنتاج والأســعــار وتكاليف التطوير والضرائب والإتـــــــــاوات وآلـــيـــة تـــوزيـــع الإيـــــــــرادات بين الدولة والشركات المشاركة. هل تعود شركات النفط الكبرى؟ يـــبـــقـــى اخــــتــــبــــار الـــصـــفـــقـــة الــحــقــيــقــي فــــي قـــدرتـــهـــا عـــلـــى جـــــذب شــــركــــات الـنـفـط الـــكـــبـــرى إلـــــى فـــنـــزويـــا، بـــعـــدمـــا أحـجـمـت هــذه الـشـركـات عـن الـعـودة بالسرعة التي كانت واشنطن تأملها. وقـد يكون دخول الحكومة الأميركية إلـى المشروع محاولة لتهيئة الـــظـــروف الــتــي تـشـجـع رأس المــال الخاص على المشاركة، عبر تقليل المخاطر الـــتـــي تـــــرى الــــشــــركــــات أنـــهـــا لا تـسـتـطـيـع تحملها منفردة. لـكـن هـــذه المــشــاركــة تـفـتـح فــي الـوقـت نـفـسـه تـــســـاؤلات جـــديـــدة حـــول المـنـافـسـة، خـصـوصـا إذا حـصـلـت الـشـركـة المـدعـومـة حكوميا على مزايا أو ضمانات لا تتوافر لـلـمـسـتـثـمـريـن الآخــــريــــن. كــمــا يــظــل قـــرار الـشـركـات الـكـبـرى مـرهـونـا بـمـدى وضـوح الــعــقــود وضـــمـــان اسـتـمـراريـتـهـا وحـمـايـة استثماراتها على المدى الطويل. وبالتالي، فإن نجاح الصفقة لا يقاس فقط بحجم الاحتياطيات التي أصبحت تـــحـــت مـــظـــلـــتـــهـــا، وإنـــــمـــــا بـــقـــدرتـــهـــا عـلـى تحويل هذه الاحتياطيات إلى مشروعات استثمارية فعلية تـجـذب شـركـات النفط الـــكـــبـــرى وتــــوفــــر رأس المــــــال الـــــــازم لــرفــع الإنتاج. اختبار الصفقة ولا تــــخــــلــــو الــــصــــفــــقــــة مــــــن مـــخـــاطـــر ســـيـــاســـيـــة داخـــــــل فــــنــــزويــــا، إذ واجـــهـــت انتقادات من معارضين يــرون أنها تمنح واشـنـطـن نــفــوذا واســعــا عـلـى أهـــم ثـــروات الـــبـــاد، فـيـمـا تـعـتـبـرهـا الـحـكـومـة فـرصـة لإعــــادة تشغيل قــطــاع تفتقر إلـــى المــــوارد اللازمة لتمويله. كما يبقى مستقبل الاتــفــاق مرتبطا بــــقــــدرتــــه عـــلـــى الــــصــــمــــود أمـــــــام أي تـغـيـر سياسي فـي كــاراكــاس، وبـمـدى استعداد شــركــات الـنـفـط الأمـيـركـيـة لـلـمـشـاركـة في مشروعاته على المدى الطويل. وبذلك، فإن إعلان ترمب عن السيطرة مــــلــــيــــار بــــرمــــيــــل مــن 65 عــــلــــى أكـــــثـــــر مــــــن الاحتياطيات لا يعني تدفق هذه الكميات إلــــى الـــســـوق الأمـــيـــركـــيـــة فـــي وقــــت قــريــب؛ فـــالـــرهـــان الــفــعــلــي ســيــكــون عــلــى تـحـويـل الاحتياطيات إلى إنتاج، وهو ما يتطلب جذب الاستثمارات والشركات القادرة على تطويرها. ومـــــن هـــــذه الــــــزاويــــــة، يــعــكــس دخــــول البنتاغون إلى المشروع حجم الفجوة بين طموح واشنطن في الاستفادة سريعا من النفط الفنزويلي وبين الواقع الاستثماري لقطاع يحتاج إلى سنوات قبل أن يتمكن من زيادة الإنتاج بصورة كبيرة. واشنطن - كاراكاس: «الشرق الأوسط» ألسنة اللهب تتصاعد من مداخن الاحتراق في مصفاة أمواي في لوس تاكيس بفنزويلا (أ.ب) كاراكاس كشفت تفاصيل جديدة عن اتفاق عاماً 25 يمتد وأكدت الاحتفاظ بملكية مواردها الطريق الذي يمر فوق العالم فـي الـثـانـي عشر مـن أغسطس (آب)، غـــادرت سفينة حــاويــات ميناء «نينغبو» الصيني متجهة إلـــى أوروبـــــا، لكنها لــم تسلك الـطـريـق الــذي تسلكه آلاف السفن كـل عـام نـــزولا إلـى مضيق ملقا، ثـم المحيط الهندي، فالبحر الأحـمـر وقـنـاة السويس، بـل اتجهت شـمـالا لتلتف فـوق سواحل سيبيريا وتصل إلى روتردام في نحو عشرين يوما بدل أربعين. والـجـديـد هنا ليس الـعـبـور فـي حـد ذاتـــه، فسفن صينية عـبـرت هذا الممر من قبل رحلات متفرقة كلما سمح الجليد، بل الجديد أن شركة «سي ليجند» الصينية أعلنت أول خـط منتظم بـجـدول أسبوعي عبر القطب الشمالي؛ ثماني رحلات حتى أواخر أكتوبر (تشرين الأول) تنقلها سبع سفن إلى موانئ بريطانيا وهولندا وألمانيا وبولندا. ومنذ ذلك اليوم صار على من يقرأ خريطة التجارة العالمية أن يقلبها رأسا على عقب، فالطريق الذي اعتدنا أن نقرأه من أسفل الخريطة بات له نظير يمر من أعلاها. ولم يأت هذا الخط من فراغ، بل تلاقت فيه ثلاثة عوامل؛ أولها الجليد الذي يذوب صيفا فيفتح نافذة ملاحية تمتد نحو أربعة أشهر. وثانيها الاضطراب الذي أصاب البحر الأحمر ومضيق هرمز في السنوات الأخيرة، فأعاد شركات الشحن إلى حساب المخاطر من جديد. وثالثها حاجة روسيا بعد العقوبات الغربية إلى زبون كبير للممر البحري الشمالي الذي تديره شركة «روساتوم»، فهي التي تصدر تصاريح العبور وتتقاضى رسومه وترافق السفن بكاسحات الجليد. ويصف معهد «بروجل» الأوروبي في تحليل نشره قبل أيام هذا الخط بأنه تكامل بين حاجتين، فروسيا تملك الممر ولا تملك السفن ولا الأسواق، والصين تملك السفن والبضائع ولا تملك ساحلا قطبياً، وما تدفعه بكين مقابل العبور ليس رسـومـا فحسب، بـل شـراكـة فـي بناء السفن وتدريب الأطقم وتنسيق سياسي يمنح موسكو ما تفتقده في زمن العزلة. غير أن هذا التكامل يُقرأ في واشنطن قراءة مختلفة تماماً، فالولايات المتحدة ترى منذ عقود أن الممر الشمالي مضيق دولي مفتوح للجميع لا مياه روسية تخضع لتصاريح موسكو، وحين تعبره سفن الصين وتدفع رسومه فإنها تمنح الموقف الروسي شرعية عملية لا تمنحها المواثيق. والمـفـارقـة أن أميركا التي تـنـازع روسـيـا فـي القانون لا تنازعها في القدرة، فروسيا تملك أكثر من أربعين سفينة قطبية، والصين ثلاثا وتبني رابعة تعمل بالطاقة النووية، أما الولايات المتحدة فلا تملك سوى كاسحة جليد ثقيلة واحدة صالحة للعمل، ولذلك لجأت إلى فنلندا لتشتري منها إحـــدى عـشـرة كاسحة متوسطة بتكلفة تـزيـد على ستة مـلـيـارات دولار، وتبحث في الوقت نفسه عن طريق بديل عبر الممر الشمالي الغربي في كـنـدا، وهــو طـريـق ضحل متقلب الطقس ومـحـل خــاف سـيـادي مـع كندا يشبه خلافها مع روسيا. والــدرس الـذي يخرج به المراقب أن التنافس في القطب ليس تنافسا عــلــى الــجــغــرافــيــا بــقــدر مـــا هـــو تــنــافــس عــلــى مـــن يـسـتـطـيـع أن يـصـنـع ما يصلح للجليد. لكن الحماسة لهذا الطريق تحتاج إلى شيء من التهدئة، فالمتشككون في صناعة الشحن يـذكّــرون بـأن الأرقـــام ما زالـت متواضعة حاوية؛ أي نحو 5000 و 1500 إلى حد بعيد، فالسفن السبع تحمل ما بين خُمس ما تحمله السفن العملاقة التي تعبر قناة السويس، وموسم عام رحلات عابرة للممر بحمولة تزيد قليلا 103 بأكمله لم يشهد سوى 2025 ملايين طن، وهو ما تنقله قناة السويس في أيـام معدودة، ثم إن 3 على النافذة الملاحية لا تتعدى أربعة أشهر، وكانت المياه المفتوحة كليا من الـجـلـيـد فــي المــوســم المــاضــي لا تـزيـد عـلـى أسـبـوعـن فــي أواخــــر سبتمبر (أيلول)، وعاصفة واحدة أخّرت إحدى السفن يومين كاملين، يضاف إلى ذلـك تحفظ شـركـات التأمين وقلق الشركات الغربية مـن الاقـتـراب مـن أي نشاط تديره شركة روسية خاضعة للعقوبات، ولذلك يصف هؤلاء الممر بأنه طريق موسمي له لحظات زخم لا بديل شاملا لطريق الجنوب. وهنا يبرز السؤال عن قناة السويس التي تتعافى من صدمة البحر مليار 4.5 الأحمر، فقد عادت إيراداتها في السنة المالية الأخيرة إلى نحو ؛ أي إنها لم 2023 مليارات في ذروة عام 10 دولار بعد أن كانت تجاوزت تسترد بعد نصف ما فقدته، وأي طريق بديل مهما كان صغيرا يُضعف مـوقـعـهـا حــن تــفــاوض شــركــات الـشـحـن عـلـى رســــوم الــعــبــور، وقـــد بــدأت هيئة القناة فعلا تعديل رسومها على الحاويات والغاز المسال لتستعيد الخطوط دون أن تنفّرها، وفي المقابل تحتفظ القناة بما لا يملكه القطب، فهي تعمل على مدار العام لا أربعة أشهر، وتقع على طريق تتناثر عليه أســـواق جـنـوب آسـيـا وأفريقيا والــشــرق الأوســــط، فـي حـن لا يـخـدم الممر الشمالي سوى خط واحد بين شرق آسيا وشمال أوروبا، وهو ما يجعله منافسا على شريحة محددة من التجارة لا على التجارة كلها. إن الطرق التجارية الكبرى في التاريخ لم تُهزم يوما بطريق أفضل ظهر بـن ليلة وضـحـاهـا، بـل بتراكم الـبـدائـل الصغيرة الـتـي تتحول مع الوقت من نافذة موسمية إلى عادة تجارية، فطريق رأس الرجاء الصالح لم يُنه تجارة البحر المتوسط في عام واحـد، لكنه أعاد رسم مراكز الثقل خلال قرن. والسؤال الذي يطرحه الخط الجديد ليس هل يحل الجليد محل الرمال؟ فالجواب اليوم: لا، بل من يملك السفن والكاسحات والموانئ حين تتسع النافذة عاما بعد عـام، ومن يكتفي بالاعتراض القانوني في حين يمضي غيره في الإبحار. د. عبد الله الردادي

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky