issue17443

أربـــع صــدمــات تـاريـخـيـة - صـدمـة الــقــوى العظمى، وصـدمـة الـصـن، وصـدمـة الـذكـاء الاصـطـنـاعـي، وصدمة الولايات المتحدة - تبث هزات عنيفة في المشهد العالمي. وقـــد دفـعـت هـــذه الـصـدمـات الـعـالـم إلـــى مـرحـلـة انتقالية مضطربة، ويُرجح أن تكون طويلة الأجل، من عصر إلى آخر. وفي الوقت الراهن، هناك توقع بالعيش في فترة من الأزمات الدائمة، التي تكون فيها مصادر عدم الاستقرار هيكلية، وتصبح فيها الاضطرابات أمرا مستمراً. لـقـد اتـسـمـت مـعـالـم نــظــام مـــا بـعـد الـــحـــرب الـــبـــاردة بمفهومي الهيمنة والتكامل؛ إذ وفّــرت القوة الأميركية المـهـيـمـنـة، والــتــحــالــفــات الأمــيــركــيــة المــمــتــدة عـبـر الـعـالـم اســـتـــقـــرارا جــيــوســيــاســيــا. كــمــا حــقّــقــت الـــعـــولمـــة تعميقا للترابط الاقـتـصـادي والمــالــي. وكـــان الـعـالـم يـبـدو وكأنه يتجه نحو الاندماج والتقارب حول القيم الديمقراطية؛ فيما بدت مكاسب التقدم التكنولوجي مضمونة. وعملت واشنطن على قمع التهديدات، مثل الإرهاب الـدولـي، بنجاح متباين، بينما كانت تحول دون عودة الـــتـــنـــافـــس بــــن الــــقــــوى الــعــظــمــى عـــبـــر الـــــــردع الــعــســكــري والتكامل الاقتصادي. غير أن كل جانب من جوانب ذلك النظام بات يتعرّض للتحدي، وربما للتحول والتغيير الجذري. تأتي صدمة القوى العظمى في وقت تشن فيه الدول الراغبة في تغيير الوضع القائم - وبشكل رئيسي الصين وروسيا، فضلا عن إيران وكوريا الشمالية - هجوما على النفوذ والتحالفات الأميركية في كل منطقة رئيسية من أوراسيا. وتعمل هذه الدول على تحطيم القواعد العالمية، ســـواء تعلق الأمـــر بـحـريـة المــاحــة الـبـحـريـة أو بانتهاك حظر الغزو والاستيلاء على الأراضي. وفــــي قــلــب هــــذا الــعــصــر المـــلـــيء بــالــتــنــافــس، ينشأ صراع جديد على الهيمنة بين أميركا والصين، وهو نوع الصراعات المُحدد لمعالم الأنظمة، الذي يميل إلى التسبب في حـروب ساخنة كارثية، وحــروب بــاردة تمتد لعقود، وهـــزات أخـــرى تُــحـدث استقطابا حـــاداً، وتُــلـقـي بظلالها على المعمورة بأسرها. وترتبط الصدمة الجيوسياسية بصدمة الصين. ورغم أن سياسات الحمائية الاقتصادية الــتــي ينتهجها الــرئــيــس دونـــالـــد تــرمــب تـحـظـى بـالـقـدر الأكـــبـــر مـــن عــنــاويــن الأخــــبــــار، فــــإن الــفــائــض فـــي الـطـاقـة الإنتاجية الصناعية الصينية هو الاضطراب الاقتصادي الأكـبـر فـي عصرنا الـحـالـي، المتمثل فـي سعي بكين إلى تحقيق الصدارة في مجالات تتنوع من الصلب والألمنيوم إلى بطاريات السيارات الكهربائية وأشباه الموصلات. وتُهدد الاختلالات الناتجة عن ذلك البُلدان في كل مـكـان؛ إذ يمكن لفائض الـطـاقـة الإنـتـاجـيـة الصينية أن يعيق نـمـو الاقــتــصــادات الـنـامـيـة الـتـي تــأمـل فــي إرســـاء قطاعاتها التصنيعية الخاصة. كما يضع الدول المتقدمة، ولا سيما فــي أوروبـــــا، أمـــام تــراجــع صـنـاعـي كـبـيـر، ومـا يمكن أن يجره الضيق الاقتصادي من تطرُّف سياسي. وكانت صدمة الصين السابقة، في مطلع هذا القرن، قــد أغــرقــت الـعـالـم بسلع منخفضة التكلفة. أمـــا صدمة الصين اليوم، فقد ترسخ هيمنة بكين على القطاعات التي تـحـدد مـعـالـم الـنـمـو الـعـالمـي، حـتـى وهـــي تخلق مخاطر تتنوع من الانكماش الصناعي إلى موجة من الحمائية الاقتصادية الانتقامية، على الصين نفسها. وفــــــي الأثــــــنــــــاء ذاتــــــهــــــا، تـــتـــصـــاعـــد أصـــــــــداء صـــدمـــة الـذكـاء الاصطناعي بعنف؛ إذ تُــحـوّل النماذج الجديدة الافـتـراضـات التي كانت خيالية في السابق إلـى حقائق مـلـمـوسـة. ثـــم هــنــاك الــتــحــديــات الـــوجـــوديـــة الأكـــبـــر الـتـي بـــدأت تـلـوح فـي الأفـــق، ومــن أبــرزهــا خطر تـحـول الـذكـاء الاصطناعي والخروج عن السيطرة ضد صانعيه. إن الثورات التكنولوجية تزعزع دائما ميزان القوى بـن المتنافسين الجيوسياسيين. وهــذه الــثــورة، شأنها شــأن الــثــورة الصناعية الـتـي سبقتها، ستؤثر على كل جانب من جوانب المجتمع عبر إربـاك العلاقة بين البشر والآلات. ويتفاقم عــدم الاسـتـقـرار الـنـاجـم عـن ذلــك بفعل صدمة الولايات المتحدة. فعلى مدى عقود خلت، ساعدت الـسـيـاسـة الـخـارجـيـة الأمـيـركـيـة الـعـالـم فــي الـتـعـامـل مع الأخطار الاقتصادية والجيوسياسية. غير أن قدرة البلاد عـلـى أداء هـــذا الــــدور بــاتــت تـخـضـع لاخـتـبـار صـعـب في الوقت الراهن إثر الضغوط المالية المزمنة، والنقص الحاد في الذخائر، والخلل السياسي الوظيفي. ولا تزال القوة الأمـيـركـيـة غير مسبوقة؛ إلا أن الإجــابــة عـن الـتـسـاؤلات العميقة ذات الصلة بالغاية والهدف العالمي لأميركا قد تستغرق عدة دورات انتخابية أخرى. إن تفاعل هــذه الاتـجـاهـات قـد ينتج قائمة واسعة من السيناريوهات المستقبلية. فربما ينتهي بنا المطاف فــي حـــرب بــــاردة جــديــدة - وهـــو سـيـنـاريـو صـعـب ولكنه مــحــتــمــل، يُــعــيــد فــيــه الأطـــــــراف، وهــــم الــــولايــــات المـتـحـدة وحلفاؤها التقليديون، إعـادة صياغة روابطهم لإحباط ودرء الجموح الاقتصادي والجيوسياسي والتكنولوجي لــلــصــن. أو ربـــمـــا تـتـغـلـب الـــنـــزعـــات الــطــائــشــة لأمــيــركــا، ويدخل العالم في عصر من الفوضى، في وقت تسعى فيه جميع القوى العظمى إلى تحقيق مشاريع لتغيير الوضع القائم. ومن الممكن أيضا أن تتضاءل الصدمات الأخرى كــافــة أمــــام صــدمــة الـــذكـــاء الاصــطــنــاعــي، لتشهد مرحلة يـركـز فيها كــل مجتمع بصفة رئيسية عـلـى الـتـداعـيـات الناجمة عن هـذا الانفجار التكنولوجي. أو ربما تؤدي الصراعات الجيوسياسية الممتدة، والتصاعد الحاد في التوترات الأميركية الصينية في نهاية المطاف إلى نشوب حرب عالمية. قد لا تتضح النتائج لعدة سنوات، وربما تمتد إلى عقد أو عقدين من الزمان؛ فعندما يزول النظام الـقـديـم، غالبا مـا تستغرق مـامـح الـنـظـام الـجـديـد وقتا لكي تتشكل وتتكامل. وبين هذا الحين وذاك، لا تتوقعوا صدمات ملحمية من 4 انفراجة كبيرة. ففي ظل ما تحدثه عدم استقرار هيكلي عميق، فإن عصرنا المليء بالأزمات الدائمة قد حل بالفعل. * بالاتفاق مع «بلومبرغ» هل صحيح أن المنطقة عالقة بعد ستة أشهر من المواجهة في معادلة شبه هزيمة وشبه انتصار، وأن شبه الهزيمة لا يكفي لتجرع السم وشبه الانتصار لا يكفي لفرض الاستسلام؟ وأن ترمب لا يستطيع إعادة الأســاطــيــل مـــن دون انــتــصــار، وأن مـجـتـبـى خامنئي لا يستطيع السير بـاتـفـاق يهز صـــورة الـنـظـام ويقلم أظافره الإقليمية؟ لا غـرابـة أن يتحدث جـنـرالات «الـحـرس الـثـوري» عــن قــدر مــن الانــتــصــار. قطعت الـهـجـمـات الأمـيـركـيـة - الإسرائيلية فـي الـيـوم الأول مـن الـحـرب رأس النظام. قـتـلـت المـــرشـــد عــلــي خـامـنـئـي ومـــســـؤولـــن وجـــنـــرالات وعلماء، لكن النظام استوعب الضربة وظـل حيا ورد عـلـى الـهـجـمـات. اخــتــارت إيــــران إغـــاق مضيق هـرمـز، واســـتـــهـــداف دول الــــجــــوار. حـــاولـــت الإمـــســـاك بـخـنـاق الاقتصاد العالمي لإثارة أزمة غير مسبوقة على أمل أن يؤدي ذلك إلى وقف الحرب سريعاً. لم تبلغ الأزمة الحد الذي تمناه النظام الإيراني. وها هو العالم يشهد قدرا من التراجع في أهمية ورقة هرمز. الإغلاق ليس محكما والمنطقة شرعت جديا في البحث عن شيء من البدائل. إذا كـــان يمكن الـحـديـث عــن شـبـه انـتـصـار لمجرد بقاء النظام الإيراني، فإن طهران لم تستطع أن تلحق بالقوات الأميركية ما ألحقته بمنشآتها ومصانعها وبنيتها الـعـسـكـريـة. لــم تستطع مـثـا إغــــراق سفينة أمـيـركـيـة، أو تكبيد الـجـيـش الأمـيـركـي خـسـائـر جدية فــي الأرواح. لــم تستطع أيـضـا مـنـع الـطـيـران الحربي الإسرائيلي من السيطرة على أجـواء طهران والتجول بحرية فيها. ويقول الخبراء إن الضربات العسكرية أدت إلى تأخير البرنامج النووي، وإن إيران ستحتاج إلى سنوات للتغلب على آثار الحرب. هـنـاك مــن يـتـحـدث عــن شـبـه خــســارة أمـيـركـيـة أو شبه هزيمة لأن النظام الإيراني لم يسقط، وتمكن من حرف الأنظار من المنشآت النووية إلى مضيق هرمز. لكن الأيام الأخيرة أظهرت أن أميركا تملك ورقة أخرى لاستكمال الحرب، وهي ورقة خنق الاقتصاد الإيراني. صحيح أن عملية الخنق تحتاج إلى تعاون دول كثيرة، لكن الصحيح أيضا هو أنـه سيكون صعبا على دول عدة خسارة علاقاتها الاقتصادية مع أميركا من أجل إنـقـاذ علاقاتها مـع إيـــران. طبعا للموضوع الصيني خصوصية معقدة فـي هــذا الـسـيـاق. يـضـاف إلــى ذلك أن ترمب الذي كان يستعجل الخروج من الحرب أظهر قــــدرة عـلـى الانــتــظــار رغـــم اقـــتـــراب مــوعــد الانـتـخـابـات الـنـصـفـيـة. طبعا تـرمـب يـتـحـدث عــن انـتـصـار حـاسـم، ويـــذكّـــر بـمـا حـــل بـسـاحـي الـبـحـر والـــجـــو الإيــرانــيــن، ويكرّر أنه أفسد لعبة إيران في مضيق هرمز. في إسرائيل يقول معارضو بنيامين نتنياهو إنه مُني بخسارة لأنه لم ينجح في إسقاط النظام الإيراني. في المقابل، يتحدث أنصار نتنياهو عن انتصار يجب استكماله، لافتين إلى ما حل بـ«حماس» و«حزب الله»، وتقدم الحديث عن نزع سلاح الفريقين في غزة ولبنان. ضـــبـــاب كــثــيــف يُـــخـــيّـــم عــلــى مـــســـرح الـــــصـــــراع. لا الانــتــصــارات كـافـيـة لـفـرض الاسـتـسـام عـلـى الخصم. ولا الـهـزائـم كافية لـفـرض حـسـابـات واقـعـيـة. تـرمـب لا يقبل بحل لا يسمح بالحديث عن انتصار. ومجتبى خامنئي لا يستطيع القبول بحل يكتب بحبر الهزيمة. هـكـذا بـــدت المـواجـهـة مفتوحة عـلـى فـصـل جديد مختلف عـمـا ســـاد فــي الـشـهـور الـسـتـة الأولــــى. اخـتـار تـــرمـــب شــــن حــــرب اقـــتـــصـــاديـــة كـــبـــرى عــلــى الاقــتــصــاد الإيــرانــي، مراهنا أن نتائجها قـد تحقق مـا لـم تحققه الضربات العسكرية. وواضـح أن الغرض هو إضعاف النظام الإيـرانـي وموقع المتشددين فيه؛ كي يأتي إلى طاولة المفاوضات بلغة أخرى ومطالب أقل. حين تتعرض دولة ما لهجوم عسكري من الخارج تستيقظ المشاعر الوطنية وتسهم في تغطية الخلافات الـــداخـــلـــيـــة. يــشــعــر المـــعـــارضـــون بـــالـــحـــرج ويــبــتــعــدون عــن اعـتـبـار الـهـجـوم فـرصـة لـهـم. الــحــرب الاقـتـصـاديـة مختلفة. في الحرب العسكرية هاجمت أميركا وكذلك إسرائيل منشآت نووية ورادارات ومـقـرات لـ«الحرس الـــثـــوري» ومـجـمـعـات صـنـاعـيـة. وردت إيــــران بقصف أهـداف أميركية في المنطقة، وأهــداف في دول الجوار، وأغــلــقــت مـضـيـق هــرمــز. مــواجــهــة الــهــجــوم الـعـسـكـري شـأن يقع على عاتق العسكريين. وفـي هـذا الـنـوع من المواجهات يمكن تغطية الخسائر بشعارات الصمود والاستعداد للاستشهاد. الـحـرب الاقـتـصـاديـة مختلفة. إنـهـا تـدفـع الحرب إلـــى بــيــوت المــواطــنــن. إلـــى أعـمـالـهـم وقـيـمـة رواتـبـهـم وخـــبـــزهـــم ومـــوائـــدهـــم وأســــعــــار الـــطـــاقـــة والـــســـلـــع. في الحرب العسكرية يستطيع «الحرس الثوري» التلويح بــإغــراق المنطقة فــي الـفـوضـى والاضـــطـــراب. يستطيع إطـاق الصواريخ والمسيّرات ولـو بأعذار غير مقنعة. في الحرب الاقتصادية لا يملك جنرالات «الحرس» لا القوة ولا السطوة. لا يستطيع جنرالات «الحرس» لجم تدهور الريال الإيراني إذا تكشف الاقتصاد متهالكاً. ولا يستطيعون لجم الأسعار إذا ارتفعت أسعار الطاقة أو تراجعت السلع المعروضة. الحرب العسكرية تطرح أسـئـلـة عـلـى الـعـسـكـريـن. الــحــرب الاقــتــصــاديــة تطرح أسئلة على الأب والأم والعامل والمدرس والتلميذ. ربما لهذا السبب تـدخّــل المـرشـد للمطالبة بعدم الـحـديـث عـن السلبيات، مـحـذرا مـن إضـعـاف الشعور الـوطـنـي والـتـمـاسـك الاجـتـمـاعـي. يـعـرف المـرشـد وطـأة التدهور الاقتصادي. لا الترسانة الصاروخية توقفه ولا النفخ في جمر الثورة. يعرف أيضا أن السير نحو انهيار اقتصادي واسع قد يفتح الباب لنزول الإيرانيين إلـى الشارع رغـم ذكريات القمع الدموي الـذي أجهض ســابــقــا أكـــثـــر مـــن احـــتـــجـــاج. ورغـــــم كــــام المـــرشـــد وجــد الرئيس مسعود بزشكيان نفسه مضطرا لكشف بعض ملامح الصورة، وبينها أن الحصار الأميركي أدى إلى فـي المائة. 35 انخفاض الــصــادرات والــــواردات بمعدل وقـدّمـت مشاهد الطوابير أمــام محطات الـوقـود دليلا على ما ينتظر إيران من الحرب الاقتصادية. والسؤال هو هل يمكن أن تهرب إيران من الاختناق الاقتصادي إلى التصعيد العسكري مباشرة أو بالواسطة؟ أخـــطـــر مــــا فــــي الأزمـــــــة أنـــهـــا مــفــتــوحــة ومــرشــحــة لمــراكــمــة مـــزيـــد مـــن الأضــــــرار الــهــائــلــة لـطـرفـيـهـا ودول المنطقة والعالم. لا بد من الانتظار لمعرفة ما إذا كانت الحرب الاقتصادية ستغير معادلة شبه هزيمة وشبه انتصار. الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel OPINION الرأي 13 Issue 17443 - العدد Monday - 2026/8/31 الاثنين غسان شربل *هال براندز شبه هزيمة وشبه انتصار العالم بأسره في أزمة

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky