تُرجمت مقالات محفوظ إلى الإنجليزية ونُشرت في مجلدات اعتمدت المنهج 4 الزمني بعكس الطبعة العربية الثقافة CULTURE 17 Issue 17442 - العدد Sunday - 2026/8/30 الأحد قراءة حصاد عدة سنوات من المقالات يسهِّل رصد الفرق بين محفوظ الروائي المبدع ومحفوظ كاتب العمود الصحافي عقدان على رحيل نجيب محفوظ والجدل لم ينته حولها محمد بدوي يعيد «أولاد حارتنا» إلى أرض النقد الأدبي بعد عشرين عاما على رحيل نجيب محفوظ، الذي غادر عالمنا في الثلاثين من ، يمعن الناقد المصري 2006 أغسطس عام الـدكـتـور محمد بـــدوي النظر والـتـأمـل في عـــالـــم أديـــــب نـــوبـــل، وتـــحـــديـــدا فـــي روايـــتـــه الإشــكــالــيــة «أولاد حـــارتـــنـــا»، الــتــي أثـــارت كثيرا من الجدل على مـدار عقود، فيُصدر عـنـهـا كـتـابـا نـقـديـا بــعــنــوان «مـمـلـكـة الـلـه: نجيب محفوظ فـي أولاد حـارتـنـا»، الـذي يأتي في إطار مشروع نقدي كبير لمقاربة أدب نجيب محفوظ، فحسبما أعلن الناقد فـــي نــهــايــة مــؤلــفــه، هـــنـــاك أكـــثـــر مـــن كـتـاب آخـــــر تـــحـــت الـــطـــبـــع عــــن المــــدونــــة الـــروائـــيـــة المـحـفـوظـيـة. وأهـــم مــا فــي هـــذا الـكـتـاب أنـه يخلص الــروايــة مما تجاذبها طـويـا من قـراءات آيديولوجية، وتحيزات سياسية، ومـن استدراجها إلـى أرض الفقهاء حينا والـسـيـاسـيـن حـيـنـا آخــــر، ويُــعــيــدهــا مـرة أخرى إلى أرض العمل الأدبـي، الذي يجب قراءته وفهم حمولاته في هذا السياق دون غيره، وبمعايير النقد الأدبــي ومناهجه، ولـــيـــس وفــــق أهــــــواء وتـــحـــزبـــات وقــنــاعــات مسبقة قادمة من حقول أخرى. الــكــتــاب صــــدر فـــي الـــقـــاهـــرة عـــن «دار الـــــعـــــن لــــلــــنــــشــــر»، فــــــي مــــائــــتــــن وثــــاثــــن صفحة، ويسعى لقراءة الـروايـة بوصفها «ســــردا ألـيـجـوريـا ذا حــمــولات تـرمـيـزيـة»، بـمـا يجعلها ذات طبيعة أمـثـولـيـة تمثل شــوق الإنـسـانـيـة إلــى الــعــدل، واحتياجها مـن آن لآخــر إلــى ثـــورة تعيده بعد فقدانه وضياعه، وتعيدها إلى مسارها الصحيح كلما ضلت الطريق. لم يتوقف بدوي عند قراءة الرواية فقط، بوصفها نصا منغلقاً، بل كـان دائما في مـراوحـات بندولية: أولا بــن الـنـص الـــروائـــي وشـخـوصـه وأمكنته الــــدنــــيــــويــــة كـــمـــا رســـمـــهـــا الــــــســــــارد، وبـــن الشخصيات الأصلية التي تحاكيها هذه الــشــخــوص الـــروائـــيـــة. وثــانــيــا؛ مـــراوحـــات دائمة بين الرواية موضوع الكتاب وغيرها مـــن روايــــــات مــحــفــوظ الــســابــقــة عـلـيـهـا أو الـتـالـيـة لـهـا، مـشـيـرا إلـــى وجـــود امــتــدادات لــفــكــرة أو أســـلـــوب هــنــا أو هـــنـــاك، وتــمــدد حـــــضـــــوره مـــــن عــــمــــل لآخــــــــر، أو لانـــقـــطـــاع أو تـــحـــول أو اخـــتـــاف بـيـنـهـا وبــــن بقية الأعـــمـــال. وثـالـثـا؛ مــراوحــة بــن الــســارد أو المؤلف الضمني داخل الرواية الذي تحكمه تقاليد النوع الأدبي، وبين نجيب محفوظ الإنـــــســـــان الــــواقــــعــــي، المـــحـــكـــوم بــســيــاقــات ســيــاســيــة واجــتــمــاعــيــة فـــي لــحــظــة كـتـابـة الـــروايـــة، بما يـؤشـر على قفز الـنـاقـد فوق مقولة «مـــوت المــؤلــف»، الـتـي ظلت حاكمة للنقد الأدبـي منذ بـزوغ البنيوية وصرعة مناهج الحداثة النقدية. هذه المراوحات، استلزمت من المؤلف قدرا هائلاً، ومثيرا للإعجاب، من المعارف، خــصــوصــا المــعــرفــة الـعـمـيـقـة بـالـنـصـوص المــقــدســة، الــتــي يـصـعـب فـهـم الـــروايـــة دون الرجوع إليها، سواء كانت الكتب المقدسة (الـــقـــرآن الــكــريــم، والإنــجــيــل، والـــتـــوراة) أو الــنــصــوص الــثــانــويــة الـــشـــارحـــة، مـــن كتب فقه وغيرها، فهذه النصوص تمثل الأصل الذي انبنت عليه الرواية، للوقوف على ما حاكاه السارد، وكيف حاكاه، ومن ثم كان الناقد ينطلق من تفاصيل السرد الروائي إلــــى تـتـبـع أصـــولـــه فـــي الـــســـرود المــقــدســة، وكــــيــــف أعـــــــاد مـــحـــفـــوظ تـــقـــديـــمـــهـــا بـشـكـل فني، وفقا لتقاليد الـروايـة الواقعية، بما يـخـدم بنيتها الــروائــيــة، بـــدءا مــن اختيار المـكـان الواقعي (حـارتـنـا)، بكل التفاصيل الواقعية التي اعتادها قارئ أدب محفوظ، وفـي الوقت نفسه ترميز هـذه الـحـارة بما يــجــعــلــهــا فــــضــــاء كـــونـــيـــا صـــالـــحـــا لإنـــتـــاج أمثولة كونية عن العدل وغيابه والكفاح لاستعادته. يـــتـــكـــون الــــكــــتــــاب مــــن أربــــعــــة فــصــول وخاتمة. الفصل الأول، «الكتابة والتّقنُّع»، يــــركــــز عـــلـــى وضـــعـــيـــة الــــــســــــارد وعـــاقـــتـــه بالمؤلف، وكيف بدأ السارد حكايته، مرتديا عــــدة أقـــنـــعـــة، أحـــدهـــا قـــنـــاع «الـــحـــكـــواتـــي»، الأقــــــرب إلــــى شـــاعـــر الـــربـــابـــة، الـــــذي يـــروي حكاية الحارة بعد أن انتقلت إليه شفاهة من جيل لآخر، على عادة الرواة الشعبيين. والقناع الثاني قناع المؤرخ المحايد، وأول مــن تعلم حـرفـة الـكـتـابـة فــي الـــحـــارة، ومـن ثــم يـخـايـل بـقـنـاع الـحـيـاد الـتـاريـخـي هــذا، وبقناع الـسـارد المـراقـب فقط أحـيـانـا، لكن مع التوغل في السرد كثيرا ما يتوارى هذا الحياد، وتبزغ انحيازات المؤلف الإنسان، الـــــــذي يـــتـــدخـــل أحــــيــــانــــا بــــوجــــهــــات نـــظـــره وقناعاته خـال مسارات السرد، ويتجلى هـذا الانحياز منذ العنوان، خصوصا في كـلـمـة «حـــارتـــنـــا»، الــتــي تـشـيـر إلـــى انـتـمـاء الــســارد إلــى الـعـالـم المــــروي عـنـه، واتـخـاذه موضعا محددا فيه. تتداخل هذه الأقنعة معاً، ومع وضعية المؤلف المنحاز، لتشكل في كلّيتها جزءا مهما من البنية الروائية، ووجهات النظر السردية. يـنـقـسـم الــفــصــل الـــثـــانـــي، «الـــقـــادمـــون مــــن أقـــصـــى الــــزمــــن والـــــســـــرد»، إلـــــى ثــاثــة مـــبـــاحـــث؛ أولــــهــــا يـــعـــالـــج كــيــفــيــة الإمـــســـاك الــســردي بــ«نـغـمـة» الانــطــاق، وفــي الوقت نفسه تمثيل حقبة ما قبل بداية البشرية سـرديـا، إذ «اسـتـخـدم الـسـرد كلمة الخلاء لتمثيل الهيولي والـفـراغ، وهـو أقصى ما تقدر الواقعية على قوله، لتمثيل ما قبل الخلق، ما قبل امتلاء الفضاء بالكائنات». والمبحثان الثاني والثالث يقاربان كيفية صـــوغ الــحــدث المـــركـــزي فــي الـــروايـــة، وهـو «هبوط لإنسان من جنة عدن إلى الأرض، بـعـد أن اقـــتـــرف آدم وحـــــواء جـــرم عصيان الــلــه»، وكـيـف صـــاغ مـحـفـوظ هـــذا الـحـدث، والـشـخـصـيـات، والــفــروقــات بـن الصياغة الـروائـيـة ومــا ورد فـي النصوص المقدسة على اختلافها. الـــفـــصـــل الــــثــــالــــث، «ســـــرديـــــة الــــثــــورة، خــطــيــئــة الــــنــــســــيــــان»، يـــشـــيـــر فـــيـــه المـــؤلـــف بــــــــوضــــــــوح إلــــــــــى أنــــــــــه «خــــــلــــــف المــــشــــاهــــد والـتـفـاصـيـل المـتـدفـقـة، مـعـنـى صـلـب بالغ الوضوح، يمكن صوغه على نحو بسيط، وربــــمــــا بــصــيــغــة شــــعــــاريــــة: الــــعــــدالــــة هـي الأصل. هي توق الناس القار في أجسادهم ولا وعـيـهـم إلـــى الــتــحــرر والانـــعـــتـــاق. هـذا التوق يخبو حين يغرق الفضاء في ركام مـن التفاصيل الصغيرة، وربـمـا المبتذلة، ويقترف الناس إثم النسيان». هذا المعنى الرئيس يجعل الـروايـة تخلق صراعا بين سرديتين: سردية الثورة من أجل الانعتاق، ويــمــثّــلــهــا مــهــمــشــو وحـــرافـــيـــش الــــحــــارة/ الـــعـــالـــم، وســـرديـــة الـــثـــورة المــــضــــادة، الـتـي تـريـد سـلـب ثــــروات المهمشين وحـريـاتـهـم، ويمثلها «الفتوات» و«ناظر الوقف»، الذين يسعون للسيطرة على مـقـدرات الشعوب وثرواتها من إرث الجد «الجبلاوي». الــــفــــصــــل الــــــرابــــــع والأخــــــيــــــر بـــعـــنـــوان «شـــعـــريـــة المــــحــــاكــــاة»، يـتـتـبـع فــيــه المــؤلــف جماليات مـحـاكـاة الـنـص الــروائــي للسرد المقدس. «أولاد حـــــارتـــــنـــــا» مـــــن وجــــهــــة نــظــر الناقد، ليست رواية تاريخية، بل «كنائية، أساسها إنتاج مشابهة، تأتي بشخصية من السرد الأسطوري أو السرد التاريخي، وتقوم بتجذيرها في فضاء غير فضائها، أي في فضاء مختلف في زمانه ومكانه». إنها روايـة تبحث عن اليوتوبيا، وتتبنى منطقها، وهـــذه «معضلة الأمــثــولــة، التي تــعــنــي أن ثـــمـــة مــعــنــى تـــقـــوم كــــل أدواتــــهــــا بصقله وتزيينه عبر صهر التناقضات، لـيـصـبـح المــعــنــى واضـــحـــا جــلــيــا، يـقـيـنـيـا، سابقا على الـكـتـابـة، وتـتـم البرهنة عليه بكل أدوات السرد»، هذا المعنى هو العدل، والتحرر، والبحث عن عالم مثالي. عمر شهريار عقود ونيف 3 مقالة عبر 1500 كتب ما لا يقل عن نجيب محفوظ صاحب العمود الأسبوعي يـــصـــادف الـــيـــوم مــــرور عــشــريــن سنة عـلـى رحــيــل نـجـيـب مـحـفـوظ فــي الـثـاثـن ، ومع ذلك، ما زال 2006 ) من أغسطس (آب تأثيره طاغيا في المشهد الروائي المصري والـعـربـي، ولا تـكـاد تمر سنة مـن دون أن يــصــدر كــتــاب يــتــنــاول تـجـربـتـه الــروائــيــة وأعـمـالـه وحـيـاتـه، بـالإضـافـة إلــى عشرات المقالات النقدية. وبـهـذه المناسبة، ننشر هنا مقالين. الأول، هـو قـــراءة فـي الأعــمــدة الأسبوعية الـــتـــي كــــان يـنـشـرهـا مــحــفــوظ فـــي جــريــدة «الأهــــــــرام» المـــصـــريـــة، واســـتـــمـــرت عـشـريـن ، وتـوقـفـت بعد 1994 إلــى 1974 سـنـة، مـن محاولة اغتياله. وفي المقال الثاني، عرض لـكـتـاب مـــكـــرَّس لـــروايـــة مـحـفـوظ الـجـدلـيـة «أولاد حـارتـنـا». والـكـتـاب، وهــو جــزء من مــشــروع نــقــدي سـتـصـدر أجـــــزاؤه الأخـــرى قريباً، هو بمنزلة إعادة قراءة تقارب هذه الـروايـة مقاربة نقدية أدبية بحتة، بعيدا عـــن الـــتـــأويـــات الـــتـــي أُســـقـــطـــت عــلــى هــذا العمل الكبير من خارجه. مــــن جــــوانــــب نـــجـــيـــب مـــحـــفـــوظ الــتــي يقل الالتفات إليها جانب الكاتب صاحب الـعـمـود الأســبــوعــي فــي صحيفة يـومـيـة. الــــكــــاتــــب المـــنـــشـــغـــل بــــــالأحــــــداث الــــجــــاريــــة، والــــــوقــــــائــــــع الــــيــــومــــيــــة -فــــــــي الــــســــيــــاســــة، والاجــــتــــمــــاع، والاقــــتــــصــــاد- الـــتـــي تـشـغـل الــنــاس، والـحـكـومـات، وتـصـنـع العناوين الـرئـيـسـة فـــي الــصــحــافــة، وســـائـــر وسـائـل الإعـــــام. هـــذا مــا كـــان يـشـغـل مـحـفـوظ في عــمــوده الأســبــوعــي فــي جــريــدة «الأهـــــرام» المسمّى «بوجهة نـظـر»، والـــذي كــان عـادة كــلــمــة تـــتـــنـــاول الأحــــــداث 300 فــــي حــــــدود ،1974 الــجــاريـــة وقــتــهــا، والـــــذي بــــدأه فـــي واســـتـــمـــر يـكـتـبــه أســبـــوعــيـــا حــتـــى حــــادث أكـــتـــوبـــر 14 الاعــــــتــــــداء عـــلـــى حـــيـــاتـــه فـــــي ، فــانــقــطــع لــفــتــرة، 1994 ) (تـــشـــريـــن الأول ثــم لــم يلبث أن عـــاد لمـواصـلـة الـعـمـود عن طريق حوار يجريه معه أسبوعيا الكاتب محمد سـلـمـاوي. المــقــالات جمعها فتحي الـــعـــشـــري فــــي عـــــدة كـــتـــب، إلا أنـــــه اخـــتـــار أن يـــبـــوب المــــقــــالات حــســب مــوضــوعــاتــهــا (حــــول الـــديـــن، الــديــمــقــراطــيــة، الـتـعـلـيـم... إلــــخ)، ضــاربــا عـــرض الـحـائـط بالتسلسل الـزمـنـي لـلـمـقـالات حـسـب تــاريــخ نـشـرهـا. لـكـن مــن حـسـن الـحـظ أنـــه عـنـدمـا تُرجمت المقالات إلى الإنجليزية، ونُشرت في أربعة مـــجـــلـــدات عـــن دار «جـــنـــكـــو» الـبـريـطـانـيـة بـــعـــنـــوان: «كـــتـــابـــات نـجـيـب مــحــفــوظ غير الـــقـــصـــصـــيـــة»، فـــــإن الـــنـــاشـــر والمــتــرجــمــن اعتمدوا المنهج الزمني، فأعادوا للمقالات تسلسلها حسب تـاريـخ الـنـشـر، مـا يتيح لـــلـــدارس رصــــد الــفــكــر المــحــفــوظــي، رصـــدا يـتـتـبـع تــجــاوبــه مـــع أحـــــداث الــســاعــة كما وقعت حين كتابة المقالات، وهو ما لمسته حـن كتبت بتكليف مـن الناشر المقدمات للأجزاء الأربعة. تــــــرى مـــــا الـــــــذي يـــمـــيـــز تـــلـــك المــــقــــالات الأسـبـوعـيـة القصيرة الـتـي كتب محفوظ مـــقـــالـــة عـبـر 1500 مـــنـــهـــا مــــا لا يـــقـــل عــــن ثـــاثـــة عـــقـــود ونـــيـــف؟ قــــــراءة حـــصـــاد عــدة سنوات من المقالات مجتمعة اليوم يسهِّل رصــد الـفـرق بـن محفوظ الــروائــي المبدع ومــــحــــفــــوظ كــــاتــــب الــــعــــمــــود الـــصـــحـــافـــي، والمــعــلــق عــلــى الأحــــــداث الـــعـــامـــة، والمـحـلـل السياسي الهاوي. أعدت على سبيل المثال قراءة المقالات التي كتبها في الفترة ما بين ، والـتـي تمثل الـجـزء الثالث 1988 و 1982 مـن السلسلة، والمُــعَــنــوَن: «سـنـوات مبارك » (صــــــدرت الـطـبـعـة 1988-1982 : المـــبـــكـــرة الـورقـيـة مـنـه هــذا الــعــام). نُــشـرت المـقـالات أسبوعيا على مدى ست سنوات في الفترة الــحــرجــة مــن تــاريــخ مـصـر المــعــاصــر التي أعـقـبـت اغـتـيـال الـــســـادات، وتـصـاعـد فيها الإرهــــــــاب، واشــــتــــدت الأزمــــــة الاقــتــصــاديــة فـي أعـقـاب سياسة الانـفـتـاح الاستهلاكي الـتـي مـيـزت عصر الـــســـادات... إلـــخ. كانت الصورة قاتمة تماماً، إلا أن ما لفتني في المقالات أنك تجد التفاؤل يقطر من مقالات مـحـفـوظ، والــــروح الإيـجـابـيـة تنبض بها كلماته أسبوعا بعد أسبوع. كانت مقالاته على وعي تام بالعيوب، والسلبيات، وإرث الديكتاتورية، والهزائم، والديون، والفقر، وأزمات الحياة اليومية، وضياع الشباب، وتــــفــــتــــت الــــــوحــــــدة الــــوطــــنــــيــــة، وانــــتــــشــــار الـــتـــعـــصـــب، والــــتــــفــــرق الــــعــــربــــي، وحـــــروب المنطقة، وتعثر التحول الديمقراطي... إلى آخـر القائمة الطويلة، إلا أن روح القنوط لـم تتسلل أبــدا إلــى مـقـالاتـه. كــان يتجاوز هـذا كله مقترحا الـحـلـول، وطالبا العبرة من الماضي، ومتطلعا إلى مستقبل أفضل، وباثّا العزيمة والأمل دائما في مَن يقرأه. أدهشتني هذه الروح الشابة المتفائلة في غير هــوادة في كاتب شيخ عاصر تراجع الــنــهــضــة المـــصـــريـــة مـــن أوائــــــل الـــقـــرن إلــى أواخـــره. ازددت إعجابا بـه، إلا أنني كنت على وعــي بالمفارقة الكبيرة بـن كتاباته الـصـحـافـيـة وكـتـابـاتـه الـقـصـصـيـة. إذا ما تـركـنـا هـــذه المــقــالات وعــدنــا إلـــى روايــاتــه، وقصصه القصيرة مـن نفس الفترة، فلن نجد فيها بارقة أمل. تلك هي الفترة التي نُــشــرت فـيـهـا «الــبــاقــي مــن الــزمــن ســاعــة»، «أمـــــــــام الــــــعــــــرش»، «يــــــــوم قُــــتــــل الــــزعــــيــــم»، «قشتمر»، وغيرها. هنا يصدمنا الواقع، والإحباط القومي والفردي بكل شراسته. أي الـــصـــورتـــن نـــصـــدق؟ الـــصـــورة الفنية بطبيعة الحال. ولكنني أكبرت فيه القدرة عـلـى الـتـفـرقـة بــن الـتـنـاول الـفـنـي حـيـث لا مــنــاص مــن تـصـويـر الــوضــع الـبـشـري في أحـلـك صــــوره، والــتــنــاول الـيـومـي المباشر أمام الجمهور الذي يحتاج حلولا وأفكارا تعينه على مواجهة الحياة، ولا تدفع به نحو اليأس الكامل. فــــــي ســـــيـــــاق الـــــحـــــديـــــث عــــــن عـــمـــود الأحــــداث الـجـاريـة لمحفوظ أحــب أن أقف عــنــد مـــثـــال مـــن اســـتـــخـــدامـــه الــــخــــاّق لــه. كتب 1987 ) أبــريــل (نــيــســان 23 بــتــاريــخ مـحـفـوظ مستشرفا عـيـد تـحـريـر سيناء أبـــــريـــــل) مـــــن آخــــــر فــــلــــول الاحــــتــــال 25( الإسرائيلي قائلاً: «ولتكن أيضا مناسبة نذكر فيها أبطال التحرير، مثل أحمس، وعمر مـكـرم، وعـرابـي، ومصطفى كامل، ومحمد فريد، وسعد زغلول، ومصطفى الــنــحــاس، ومـحـمـد نـجـيـب، وجــمــال عبد الـــنـــاصـــر (وكــــــــان قــــد ذكـــــر الـــــســـــادات فـي مـــوضـــع آخـــــر مــــن المــــقــــالــــة)، الأحــــيــــاء فـي قلوبنا، وفي رحاب ربهم». أي عبقرية، وأي نظرة شمولية، وأي حـس وطـنـي ذلــك الـــذي يـقـرن اســم أحمس الأول الـفـرعـون المـصـري العظيم، مؤسس الأســـرة الثامنة عـشـرة، ومـحـرر مصر من رعـــاة الـشـمـال، الـهـكـسـوس، الـذيـن احتلوا مــصــر الــســفــلــى لــنــحــو مـــائـــة عـــــام، بينما انـحـصـر حـكـم الـفـراعـنـة فــي مـصـر العليا فـــــي طـــيـــبـــة، إلــــــى أن شـــــن أحــــمــــس حـمـلـة عليهم طـردتـهـم مــن مـصـر الـسـفـلـى، ومـن سيناء، معيدا مجد الإمبراطورية المصرية الـقـديـمـة. وكـــان ذلـــك مــن نـحـو ثـاثـة آلاف وخمسمائة سـنـة. إلا أن نجيب محفوظ (الــــذي كـتـب روايـــتـــه الـتـاريـخـيـة الشهيرة ) يـقـرن 1944 ، «كـــفـــاح طـيـبــة» عـــن أحـــمـــس اسمه بأسماء قــادة مصر المعاصرين من الـقـرن العشرين. هــذه هـي وحـــدة التاريخ الوطني. هـذا هـو الفهم الحقيقي لتاريخ مــــصــــر، وتـــســـلـــســـلـــه عـــبـــر الــــعــــصــــور. هـــذا هــو الــوعــي الــــذي يــــدرك الـصـلـة والـتـشـابـه والـقـدوة الصالحة عبر آلاف السنين. هذا هـــو الــحــس الــــذي لـــم يـفـقـد وعــيــه بـتـاريـخ الــوطــن المـمـتـد فــي الـــزمـــان حـتـى بــدايــاتــه. وهــــي رســـالـــة مــحــفــوظ لــكــل حـــاكـــم مطلق مزهو بنفسه يظن أن تاريخ مصر يبدأ به، وأن ما قبله كان عدماً. للسبب نفسه يذكر محفوظ في نفس القائمة اسمي مصطفى الــنــحــاس، ومـحـمـد نـجـيـب، وقـــد كــانــا من الأسماء المحرمة الممحوة من تاريخ مصر في الفترة الناصرية، وكانت كتب التاريخ تـعـلـم الــتــامــذة أن عـبـد الــنــاصــر كـــان أول رئــيــس لـلـجـمـهـوريـة المــصــريــة (مـتـجـاهـلـة مــحــمــد نـــجـــيـــب)، وأنــــــه كـــــان أول مــصــري يـحـكـم مـصـر مـنـذ عـهـد الــفــراعــنــة. لــو كـان لدى الدولة وجهازها الإعلامي والتعليمي حـس بالتاريخ المصري لكان اسـم أحمس تـردد عاليا يوم تحرير سيناء، فما حدث وحـــتـــى اكـــتـــمـــال تـحـريـر 1973 فــــي حـــــرب هـــو بالضبط 1989 ثـــم 1982 سـيـنـاء فـــي قـرنـا من 35 مــا قـــام بــه أحـمـس الأول قـبـل الــــزمــــان. لــكــن هــــذا لـــم يـــحـــدث، فـلـيـس في وعي الدولة المصرية الحديثة هذه الصلة الوطنية الممتدة في الماضي البعيد. لكن مـــا انــقــطــع فـــي فــهــم الــــدولــــة يـعـيـد وصـلـه نجيب محفوظ في مقالة صحافية عابرة. ليس مـن عجب أنــه كثيرا مـا وُصـــف بأنه ضمير مصر الحي. لا يكف نجيب محفوظ عن إدهاشي كــلــمــا أعـــــدت قــــراءتــــه بــمــعــاصــرتــه لـهـمـوم الـــــيـــــوم، حـــتـــى فـــــي هــــــذه المـــــقـــــالات الآنـــيـــة الـوجـيـزة المـواكـبـة لأحـــداث يـومـهـا. وكأنه حـــي بـيـنـنـا لـــم يُـــــوار الـــتـــراب مـنـذ عشرين 1990 ) سبتمبر (أيــلــول 27 عـامـا. بتاريخ كتب مقالة بـعـنـوان: «الــــدروس القاسية» فــــي مــــعــــرض الـــحـــديـــث عـــلـــى غـــــزو صــــدام حــســن لــلــكــويــت الـــــذي لـــم يــكــن قـــد مضى عليه شـهـران بـعـد، وكـانـت الأزمـــة لا تـزال فــي ذروتـــهـــا، كـتـب قـــائـــاً: «الــبــلــوى تكمن عادة في زعيم مستبد يفرض ذاته بالقوة، ويهيمن على أجهزة الإعلام حتى يتراءى لنفسه وقومه كأنه فوق البشر، وينطق عن الوحي، ويتصرف بالإلهام. ولا يثوب إلى رشده إلا وهو في قاع الهاوية. متى تبرأ الأوطان العربية من ذلك الداء القاتل؟ متى تُعد بيتها للحياة في هـذا العصر؟ متى تؤمن بالحرية واحترام حقوق الإنسان؟». لا نــزال نسأل معه «مــتــى؟»، نسأل بنفس السخط، وبنفس الإلـحـاح «مـتـى؟»، وكأن ثلاثين عاما لم تمض على سؤاله. إمـا أن محفوظ كـان يتمتع برؤية تنبئية تجعل كــامــه صـالـحـا لــقــادم الأزمــــــان، وإمــــا أننا قــد تـجـمـدنـا عـنـد لـحـظـة ســـؤالـــه. تحولنا إلى أصنام. توقفت ساعاتنا عن الدوران، بينما تـــدور الـسـاعـات فـي كـل مـكـان آخـر. صــرنــا مـــأســـوريـــن فـــي زمــــن مــــاض قـبـيـح، وكــلــمــا حـــاولـــنـــا الــخــطــو خــــارجــــه، وكـلـمـا حاولنا فـك الحصار، رُددنـــا على أعقابنا مـحـسـوريـن إلـــى داخـــل الـــدائـــرة المـسـحـورة الشريرة. رشيد العناني
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky