سبعة أسابيع فقط في داوننغ ستريت، ورئيس الوزراء، أندي بيرنهام، يثير الجدل حول إصلاح آخر مـــن نــــواب «الــعــمــال» 100 لـلـنـظـام الــســيــاســي. فــقــرابــة يـطـالـبـون بلجنة لـبـحـث إصــــاح الـنـظـام الانـتـخـابـي، واستبدال التمثيل النسبي بنظام الدوائر؛ فكرة سبق لبيرنهام التعاطف معها. هل التمثيل النسبي أكثر ديمقراطية؟ فلماذا لا في المائة من الأصــوات 15 يضمن حصول حـزب على توفر نسبة مماثلة من مقاعد البرلمان؟ لأن الانتخابات ليست كل الديمقراطية، بل مجرد إحـــدى آلـيـاتـهـا الـتـي تشمل ســيــادة الــقــانــون، وحـريـة التعبير، واستقلال المؤسسات، ومحاسبة الحكومة، ووجود معارضة قادرة على أن تحل محلها، وقواعد وتقاليد انتقال السلطة سلمياً. وهـنـا الــســؤال: مـا الـغـرض مـن الانـتـخـابـات؟ هل إنتاج برلمان يعكس حسابيا كل اتجاهات الرأي العام؟ أم حـكـومـة قــــادرة عـلـى الـحـكـم ومـعـارضـة قــــادرة على محاسبتها واستبدالها؟ ولــدى الإنجليز مثل قديم يقول: «مـا دامــت الآلة تعمل، فلا تعبث بها»؛ والمقصود إصلاح الخلل فقط حين يظهر، لا هدم النظام لمجرد الرغبة في التغيير. الـــدرس لا يخص بريطانيا وحــدهــا، فالتجارب الأكـــثـــر اســـتـــقـــرارا كــانــت تـلـك الــتــي اعــتــمــدت الإصـــاح الـتـدريـجـي، وبـنـت عـلـى المــؤســســات الـقـائـمـة بـــدلا من هدمها وإعادة بنائها من الصفر. لـــم يـــدع أحـــد أن الــنــظــام الانــتــخــابــي الـبـريـطـانـي مــثــالــي، فــالــحــزب قـــد يـحـصـل عــلــى نـسـبـة كــبــيــرة من الأصوات، ولا يفوز إلا بعدد قليل من المقاعد، في حين يستطيع حـــزب آخـــر الـحـصـول عـلـى أغـلـبـيـة برلمانية كـــبـــيـــرة بــــا أكـــثـــريـــة أصـــــــوات الـــنـــاخـــبـــن، وهـــــي حـجـة يستخدمها دعاة التمثيل النسبي. لكن للنظام القائم ميزة عملية: يعرف الناخب مَن يحكم، ومَن يعارض، ومَن يتحمل المسؤولية. مفهوم يتجسد في شكل مجلس العموم نفسه. فـــالـــحـــكـــومـــة عـــلـــى مـــقـــاعـــد تــــواجــــه مـــعـــارضـــة تُـــعـــرف بـــ«حــكــومــة ظــــل» تــســتــعــد، نــظــريــا وعــمــلــيــا، لـلـحـلـول محلها، فالنظام يـقـدم حكومة وبديلها يـأتـي خيارا للناخب. الـتـمـثـيـل الـنـسـبـي نـــــادرا مـــا يـمـنـح حــزبــا واحــــدا أغلبية للحكم، فتظهر مساومات الائتلافات، ما يعطي أحزابا صغيرة، تمسك بميزان الأغلبية، نفوذا يفوق حجمها الانتخابي. والحكومة الضعيفة مشكلة للديمقراطية، لكن المـعـارضـة الضعيفة قـد تشكل خـطـرا أعـظـم، إذ تفتح المجال أمام تيارات شعبوية تقدم نفسها بديلا خارج العلاقة التقليدية البرلمانية. وقــــد قـــدمـــت أوروبــــــا أمــثــلــة عـــديـــدة عــلــى مشكلة الـحـكـومـات الائـتـافـيـة الـدائـمـة، وعـرفـت إيطاليا بعد الـــحـــرب الــعــالمــيــة الــثــانــيــة تـغـيـر الــحــكــومــات بــصــورة متكررة، وأمثلة أحزاب صغيرة تفرض سياسات على شركاء أكبر منها، لأن بقاء الحكومة الائتلافية يعتمد على أصواتها. ولا نجادل بـأن الائتلافات غير ديمقراطية؛ فقد عـرفـت بريطانيا نفسها حكومة ائتلافية بـن عامي .2015 و 2010 لـكـن الـــفـــارق بـــن اخــتــيــار الــنــاخــب حــكــومــة، وأن يُــحـدد فقط أحـجـام الأحـــزاب ثـم يترك لزعمائها -بعد إغــاق صناديق الاقــتــراع- التفاوض على مَــن سيدير البلاد. قدّمت ميزة 2024 ولعل انتخابات بريطانيا عام أخـــرى للنظام الـحـالـي. أغلقت صـنـاديـق الاقــتــراع في العاشرة مساء الخميس. وظهر الجمعة قــدّم رئيس وزراء المــحــافــظــن اســتــقــالــتــه لــلــمــلــك، ثـــم كـــلّـــف زعـيـم «العمال» بتشكيل الحكومة الجديدة. وخـال أقل من يوم انتقلت السلطة كاملة بلا حاجة إلى أسابيع من المفاوضات بين الأحـــزاب، أو المساومة على الـــوزارات. عـــرفـــت الــبــلــد الـــفـــائـــز، ومَـــــن سـيـحـاسـبـه الـــنـــاخـــب في الانتخابات التالية قبل انتهاء الليل. كـمـا تـكـمـن فـــي الــنــظــام الـبـريـطـانـي قـيـمـة أخـــرى كثيرا ما تضيع وسط حصر نسب الأصوات والمقاعد، وهي «المحاسبة». حكومة الأغلبية قـــادرة على تنفيذ برنامجها، ويـسـتـطـيـع الـــنـــاخـــب مـحـاسـبـتـهـا مـــن دون أن يـكـون بوسعها الاحـتـجـاج بـــأن الـسـيـاسـة الـفـاشـلـة فرضها شريك صغير في الائتلاف. والتاريخ الدستوري البريطاني تأسس إلى حد بعيد على الإصلاح التدريجي. وتوسع حق الانتخاب، وتغيّرت صلاحيات المؤسسات، وتطورت العلاقة بين الملكية والـبـرلمـان والحكومة عبر أجـيـال. الإصـــاح لم يكن رفضا لما سبقه بقدر ما كان بناء عليه. وقد أظهرت الاضطرابات التي اجتاحت المنطقة أن هدم النظام القائم لا يضمن بالضرورة 2011 منذ بناء نظام أكثر ديمقراطية أو اسـتـقـراراً. ففي بعض الـحـالات تراجعت الديمقراطية، وفـي أخــرى تراجعت الدولة نفسها. ولا يعني ذلك أن الاستقرار عذر لرفض الإصلاح؛ فــالأنــظــمــة الـــتـــي لا تــتــطــور تـتـجـمـد، ومــــا يـتـجـمـد قد ينكسر. لكن هناك فـارقـا بـن التطور والـهـدم وإعــادة البناء كلما ظهرت نظرية دستورية جديدة. ولـــهـــذا، فــــإن الـــجـــدل الــبــريــطــانــي حــــول الـتـمـثـيـل النسبي أكـبـر مــن مـجـرد مـعـادلـة حسابية بــن نسبة الأصـــــــوات وعـــــدد المـــقـــاعـــد. الإصــــــاح ضــــــرورة عـنـدمـا يعالج خللا حقيقياً، لكنه ليس غاية في ذاته. وقــبــل تـغـيـيـر نــظــام خــــدم بـريـطـانـيـا أجـــيـــالاً، وأتــــــاح انــتــقـــال الــسـلــطــة بــســرعــة وســلــمــيــة، يـجـدر بالمصلحين أن يجيبوا أولا عـن الــســؤال الأبـسـط؛ مـا الـغـرض مـن الانـتـخـابـات: أن يمثل الـبـرلمـان كل لـــون مـــن ألـــــوان الـــــرأي بـالـنـسـب الـصـحـيـحـة؟ أم أن ينتج أيضا حكومة تستطيع أن تحكم ومعارضة تستطيع أن تحل محلها؟ Issue 17442 - العدد Sunday - 2026/8/30 الأحد متابعة تطورات الشأن الدولي والعربي والمـحـلـي فـي مختلف وسـائـل الإعـــام تتطلب مواظبة وانضباطا دائمين؛ وبهما يظل المرء على صلة بما يحدث حوله في مختلف بقاع العالم، وقادرا على التكهن بالمسارات التي من الممكن أن تتجه إليها الأحداث. تلك المتابعة لا تقتصر على التقارير الإخـبـاريـة فحسب، بل لا بد لها من الامتداد واللحاق بما يصدر من مقالات وتحليلات في صفحات الرأي بالعديد مـــن الــصــحــف، حـتـى يـتـحـول الأمــــر إلـــى عـــادة مكتسبة. كُــــــتّــــــاب صــــفــــحــــات الـــــــــــرأي فــــــي مــخــتــلــف الصحف يتفاوتون في خلفياتهم وتوجهاتهم الــــســــيــــاســــيــــة. بـــعـــضـــهـــم كُـــــــتّـــــــاب مـــحـــتـــرفـــون معروفون، وآخرون جاءوا من خلفيات مهنية وأكـاديـمـيـة مـتـنـوعـة. ومـنـهـم مـمـن عـمـلـوا في الأروقـة السياسية وخبروا كواليسها وتولوا فـيـهـا مــهــام ومــنــاصــب رفـيـعـة؛ مـمـا يـمـنـح ما ينشرونه مـن مـقـالات عمقا لا تبلغه الكتابة الـنـظـريـة الـبـحـتـة كـونـهـا تـسـتـنـد إلـــى تجربة مباشرة وخبرات اكتسبوها. فـــي هـــذا الــســيــاق يـمـكـن الإشــــــارة إلـــى ما يــنـشــره وزيـــــرا خــارجــيــة ســابــقــان لـــم يـعــد أي منهما يشغل منصبا سياسياً؛ الأول عربي من ليبيا وهـو عبد الرحمن شلقم، الـذي كان وزيـــــــرا لــــإعــــام وتـــســـنَّـــم مـــنـــاصـــب سـيـاسـيـة مـرمـوقـة أخـــرى وتـــرأس لجانا مـتـعـددة داخـل البلاد وخارجها. ثم شغل حقيبة الخارجية لـقـرابـة عـقـد مــن الــزمــن، وكـــان قـبـل هـــذا سفير ليبيا لـــدى إيـطـالـيـا لمـــدة طــويــلــة، ثــم مـنـدوب ليبيا في الأمم المتحدة. الــوزيــر شلقم يـحـرص منذ سـنـوات على كـتـابـة مـقـالـة أسـبـوعـيـة فــي صحيفة «الـشـرق الأوسط». أمــا الثاني فبريطاني وهــو ولـيـام هيغ، الـــــــذي كـــــان يــــومــــا زعـــيـــمـــا لــــحــــزب المــحــافــظــن البريطاني، وتـولـى مناصب وزاريـــة عــدة في حكومات المحافظين، أبرزها وزارة الخارجية في حكومة ديفيد كاميرون، ورئاسته الحالية لجامعة أكسفورد، ويكتب مقالا أسبوعيا في صفحات الرأي بصحيفة «التايمز» اللندنية. الأول يـعـيـش خــــارج ليبيا مـنـذ سـنـوات لأســـبـــاب لــيــســت خـــافـــيـــة، والـــثـــانـــي مــقــيــم في بريطانيا ويمارس حياته وفق هواه. المتابع لما ينشره الاثـنـان من مقالات في الـصـحـيـفـتـن المـــذكـــورتـــن لا تــفــوتــه مـاحـظـة أن عــبــد الـــرحـــمـــن شــلــقــم رغــــم وجــــــوده خـــارج الــبــاد، مما يمنحه ملجأ مـريـحـا، يعمد إلى الابـتـعـاد فـي مـقـالاتـه عـن الـخـوض فـي الشأن المحلي الليبي، علما بـأنـه سـاهـم بـــدور كبير ، ويظل 2011 في التغيير الــذي حـدث في عـام من بين قلة من الساسة الليبيين القادرين على تـحـلـيـل الأزمـــــة بـعـمـق، وربـــمـــا الأقـــــدر مـــن بين الموجودين على تصميم منافذ للخروج منها إلى بر الأمان، لو أتيحت له الفرصة. فــــي الـــجـــهـــة الأخــــــــرى يــــاحــــظ أن ولـــيـــام هــيــغ غـــــارق لأذنـــيـــه فـــي مـــقـــالاتـــه فـــي مـتـابـعـة ورصــد وتحليل الشأن السياسي البريطاني ومساراته وعلى نحو مثير للإعجاب. فلماذا ينحو عبد الرحمن شلقم إلى تفادي التعرض للشأن الليبي وهو الأعلم بأروقته ومساراته وينحو إلى الكتابة في أمور وشؤون تاريخية تتعلق بالوضع العربي أو الــدولــي، فـي حين يـــغـــوص نـــظـــيـــره فــــي لـــجـــة الـــعـــمـــق الــســيــاســي البريطاني؟ جـــــزء مـــن الإجــــابــــة، فـــي الــحــقــيــقــة، ليس مــســتـعــصــيــا عـــلـــى كــــل مــــن اقــــتــــرب بــالمــتــابــعــة والـــــدراســـــة مـــن الــســاحــتــن الــســيــاســيــتــن في ليبيا وبريطانيا. فعبد الرحمن شلقم يعيش منذ سنوات في خارج البلاد، بعد أن تبي أن لا مكان له في ساحة يستند الحوار فيها إلى لغة السلاح. على العكس من ذلك، نجد أن وليام هيغ موجود في ساحة ليبرالية متعددة الأحـزاب لا تــســتــهــجــن اخـــــتـــــاف الآراء ولا تـــحـــظـــره. وبـالـتـالـي، فـــإن خـروجـه مـن العمل السياسي المباشر لا يحول دون مساهماته في الحوارات السائدة وطــرح ما يــراه مناسبا من حلول لما يعترضه من مشاكل وأزمات. وقـــــد فـــاتـــنـــي أن أقــــــول إن عـــبـــد الــرحــمــن شـلـقـم، رغـــم كـونـه ذا خـبـرة سـيـاسـيـة واسـعـة جـال فيها مـن كونه وزيـــرا ثـم سفيرا ثـم وزيـر خارجية فمندوباً، فإن تكوينه العلمي يشير إلى أنَّه صحافي متمرس وكاتب كبير تخرج فـي جامعة القاهرة قسم الصحافة فـي أوائـل السبعينات. وإثر تخرجه من جامعة القاهرة عـــاد إلـــى لـيـبـيـا لـيـعـمـل صـحـافـيـا ثـــم أسـنـدت إليه فيما بعد رئاسة تحرير صحيفة «الفجر الجديد» ثم «الأسبوع الثقافي» ثم تولَّى مدير وكالة الأنباء الليبية، وهكذا بدأ في الترقّي. وأرى أن انــــصــــراف الأســــتــــاذ شــلــقــم عن الخوض بمقالاته في الشأن السياسي الليبي المــــــأزوم يــتــرك فـــراغـــا كــبــيــرا واضـــحـــا، وأيــضــا عـــامـــة اســتــفــهــام بــــــارزة تــفــتــح الأبـــــــواب أمـــام تـفـسـيـرات عــديــدة، أغلبها مـجـانـب لـلـصـواب. وبالتالي، يكون من الأفضل ترك الخوض في الـتـكـهـنـات، واحـــتـــرام خصوصيته. لـكـن يظل مهما الإقرار والاعتراف بأن الساحة السياسية الليبية خسرت بغيابه وخروجه منها واحدا من أقــدر اللاعبين. لكن يبدو أن عبد الرحمن شـلـقـم تـــرك الـــخـــوض فــي الـسـيـاسـة فــي بــاده لأنَّها لم تعد بها سياسة. عـــنـــدمـــا تـــجـــد أي شـــركـــة تــقــلــيــديــة أن تـكـالـيـف سـلـسـلـة الــتــوريــد الــخــاصــة بـهـا قـــد ارتــفــعــت، فإنها عـــــادة مـــا تـتـحـمـل هـــذه الـــزيـــادة لـلـحـفـاظ عـلـى رضـا عملائها. غير أن «إنفيديا» ليست شركة تقليدية؛ في 75 إذ تتمتع بـهـوامـش ربــح إجمالية تصل إلــى في 90 و 70 المائة، وتستحوذ على حصة تتراوح بين المائة من السوق العالمية لشرائح الذكاء الاصطناعي. لذا، فعندما رفعت الشركات المصنِّعة لمكونات الذاكرة أسعارها، مررت «إنفيديا» تلك الزيادة إلى عملائها. وهـــي تـبـاشـر الآن رفـــع أســعــار الـــخـــوادم الــتــي تضم 15 معالجات التسريع الخاصة بها بنسبة تتجاوز في المائة، وفقا لشبكة «بلومبرغ». ولن يُثني هذا الارتفاع كبار العملاء في قطاع التكنولوجيا -وهـــم مــن أكـثـر الـشـركـات تـمـويـا في الـــتـــاريـــخ- عـــن شـــــراء شـــرائـــح «إنـــفـــيـــديـــا». ولـــكـــن من المـــرجـــح أن يـجـبـر شـــركـــات مـثـل «مـيـتـا بـاتـفـورمـز» و«مايكروسوفت» و«أوبن إيه آي» على إعادة تقييم كيفية استخدامها لـهـذه الـشـرائـح. وسيتعين على الشركات الأميركية أن تبدأ التفكير على نحو أقرب إلـى نظيراتها فـي الـصـن، التي تعلمت مـن سنوات حظر التصدير كيفية الالتفاف على قيود الشرائح عبر ابتكار برمجيات أكثر كفاءة. ولنأخذ شركة «ديب سيك» ومقرها هانغتشو، مـثـالاً. بعد أن منعتها ضوابط التصدير الأميركية من شراء أقوى شرائح «إنفيديا»، تمكنت الشركة من إيجاد طريقة لضغط متطلبات الذاكرة لنماذج الذكاء الاصـطـنـاعـي الـخـاصـة بـهـا مــن خـــال كـتـابـة صيغة رياضية ذكية تُعرف باسم «الاهتمام الكامن متعدد الـــــرؤوس». وقــد خفض ذلــك احـتـيـاجـات الـشـركـة من في المائة تقريباً، 96 ذاكرة الشرائح بنسبة تصل إلى مما أتاح لها بناء منتج بمستويات عالمية بتكلفة لا تقارَن بالتكاليف المعتادة للأجهزة والمعدات. وكــــان بــإمــكــان وادي الـسـيـلـيـكـون الـسـعـي وراء ابتكارات مماثلة لاستخدام أشباه الموصلات بكفاءة أكـــبـــر؛ بـــل كــــان يـنـبـغـي عـلـيـه فــعــل ذلــــك بــالــفــعــل. إن استخدام شرائح «إنفيديا» لمعالجة المهام للعملاء النهائيين يتسم بعدم كفاءة لافتة. وقد صرح لي أحد مؤسسي شركة ناشئة لشرائح الذكاء الاصطناعي مــؤخــرا بـــأن شــركــات الـــذكـــاء الاصـطـنـاعـي تستخدم فــي المــائــة مــن الـــقـــدرة الـنـظـريـة لــوحــدات 15 أقـــل مــن مـعـالـجـة الــرســومــيــات الــخــاصــة بـــ«إنــفــيــديــا»، فيما يقدِّر آخــرون هـذه النسبة بأنها قد تنخفض لتصل فـي المـائـة فقط. ولا تكمن المشكلة فـي وحـدات 5 إلـى معالجة الرسوميات ذاتها -وهي أجهزة فائقة القوة يمكنها إجــــراء مـايـن الـحـسـابـات الـريـاضـيـة دفعة واحدة- وإنما في تدفق المعلومات الهائل الذي يتعي عليها معالجته عـنـد تجميع الآلاف منها مـعـا في مركز بيانات واحــد. فالبرمجيات التي تُشغّل هذه الشرائح تتميز بكفاءتها في توجيه شريحة واحدة حول كيفية معالجة الرسوميات أو إجراء العمليات الـــحـــســـابـــيـــة، لــكــنــهــا لــــم تُـــصـــمَّـــم لـــتـــوزيـــع الــبــيــانــات الخاصة بنموذج ذكاء اصطناعي ضخم عبر الآلاف مـن الـشـرائـح بـالـتـزامـن. ويـــؤدي ذلــك إلــى اختناقات مرورية هائلة في نقل البيانات، وبقاء الشرائح في حـالـة خـمـول بـانـتـظـار أن تنقل الـبـرمـجـيـات الأرقـــام فيما بينها. وحـــتـــى الآن، تــعــامــلــت شـــركـــات الـتـكـنـولـوجـيـا الـعـمـاقـة مــع هـــذه المـشـكـلـة بـمـجـرد شـــراء المــزيــد من الـشـرائـح لتعويض مـظـاهـر الـقـصـور تـلـك، إذ كانت تـمـتـلـك الـــقـــدرة المــالــيــة عــلــى ذلـــــك، كــمــا أن خـوضـهـا سباقا سريعا في مجال الذكاء الاصطناعي جعل من الصعب استغراق الوقت لإعادة كتابة ملايين الأسطر البرمجية الراسخة لتشغيل المعالجات، لا سيما مع مواصلة «إنفيديا» وباستمرار طرح بنيات هندسية جديدة للشرائح. ولــأمــانــة، فـقـد حــاولــت شـركـتـا «أوبــــن إيـــه آي» و«مـيـتـا» بـنـاء أدوات برمجية جـديـدة ولـغـة برمجة لـــتـــعـــزيـــز الأداء وزيـــــــــادة كــــفــــاءة وحــــــــدات مــعــالــجــة الرسوميات. غير أن هذه المحاولات تبين أنها جهود مجزأة لم تعالج المشكلات البنيوية الأوسع المتعلقة ببرمجيات مراكز البيانات. ورغـم كل الحديث عن الطلب المستمر والشديد على القدرات الحوسبية الكفيلة بإبقاء طفرة الذكاء الاصــطــنــاعــي قــائــمــة، فـــإن الــعــارفــن بـكـوالـيـس هـذه الـصـنـاعـة يـــؤكـــدون أن قــــدرات الـحـوسـبـة اصـطـدمـت بـــحـــدود فــيــزيــائــيــة صـــلـــدة مــنــذ ســــنــــوات. وفــــي هــذا الصدد، صرح لي أحد رواد الأعمال في مجال أشباه المـــوصـــات المـخـصـصـة لـلـذكـاء الاصـطـنـاعـي مـؤخـرا قـائـاً: «نعيش حاليا فـي عالم نحتاج فيه إلـى أداء أعـلـى مــن أي وقــت مـضـى، إذ إن حـــدود الـفـيـزيـاء قد نفدت تماماً». ولا تـسـتـطـيـع شـــركـــات الـتـكـنـولـوجـيـا الـتـريـث وانـــتـــظـــار أن تـصـبـح الـــشـــرائـــح أكــثــر ســـرعـــة؛ (إذ لن تـصـبـح بـــأي حـــال مـــن الأحـــــوال أقـــل تـكـلـفـة). وتـــدرك «إنفيديا» جيدا كيف يمكن أن تنتهي هــذه المسألة -بـــوجـــود شــركــات صـيـنـيـة تـعـلـمـت كـيـفـيـة الالـتـفـاف على قيود التصدير عبر بناء أدوات ذكاء اصطناعي فـــائـــقـــة الـــكـــفـــاءة بـــاتـــت تــحــظــى بـــإقـــبـــال مـــتـــزايـــد فـي الـغـرب. وتُشكل نـمـاذج الـذكـاء الاصطناعي القوية، الـتـي لا تتطلب قـــدرات كبيرة مـن الـشـرائـح، تهديدا جـلـيـا لـــ«إنــفــيــديــا». ولـــهـــذا الــســبــب، أنـفـقــت الـشـركـة مـلـيـارات دولار للحصول عـلـى تراخيص 6 ً مــؤخــرا من شركة «بولسايد إيه آي» الناشئة، ومقرها سان فرنسيسكو؛ حيث تعمل برمجيات الأخيرة بمنزلة شرطي مــرور «مُــنـظـم» للبيانات المـتـداولـة بـن آلاف وحـدات معالجة الرسوميات في مراكز البيانات، إذ تعيد تنظيم تدفقاتها لتعمل بكفاءة أكبر. وصـــــرح لـــي إيـــســـو كـــانـــت، الـــرئـــيـــس الـتـنـفـيـذي المــشــارك لـشـركـة «بـولـسـايـد»، مــؤخــراً، بـــأن الطبيعة الفوضوية بالبنية التحتية لمراكز البيانات تعني أنه إذا كانت عملية بناء نماذج الذكاء الاصطناعي تُعد عملية صناعية، «فإنك تقضي جُل وقتك في تحسين المصنع نفسه». وأضـــاف: «يــرى الـنـاس هـذه الـجـولات الضخمة لجمع الـتـمـويـات، والـتـي تبلغ عـشـرات المـلـيـارات... ويعتقدون أن هذا هو ما يلزم لتدريب نموذج كفء للغاية، غير أن هـذا الاعتقاد غير صحيح». ويشير كانت إلى أن «بولسايد» تمكنت من تدريب نموذجها أسـابـيـع تقريباً، 8 الـبـرمـجـي «لاغـــونـــا» فــي غـضـون مستخدمة تقنيات الكفاءة لبناء نظام يتفوق على نـــمـــاذج أكـــبـــر بـكـثـيـر قـــد تـتـكـلـف مـــئـــات المـــايـــن من الدولارات لتطويرها. ويُـــظـــهـــر نـــهـــج «بـــولـــســـايـــد» الاتــــجــــاه الــــــذي قـد تتحول إليه سباقات الـذكـاء الاصطناعي؛ إذ نجح الـــفـــائـــزون فـــي المـــرحـــلـــة الأولــــــى مـــن المـــعـــركـــة بفضل القوة المالية الهائلة: فمن يمتلك أكبر قـدر من المال لشراء كميات هائلة من القدرات الحوسبية يظل في الصدارة. غير أن النفوذ الصيني المتزايد في مجال الذكاء الاصطناعي أثبت أن رأس المال وحده لم يعد يضمن الـهـيـمـنـة، كـمـا أن رفـــع «إنـفـيـديـا» أسـعـارهـا يجعل تبرير هـذا النهج أكثر صعوبة. ويُظهر بيع مـلـيـار دولار 5.5 شــركــة «ألـــفـــابـــت» لــســنــدات بـقـيـمـة مليار دولار أميركي) في وقـت سابق 3.9( أسترالي من هذا الشهر لتمويل مراكز البيانات الخاصة بها، أن شركات التكنولوجيا العملاقة نفسها قد تكون اقتربت من بلوغ الحدود القصوى للسيولة المتاحة لديها للإنفاق. ولــــــم يـــعـــد بــــوســــع وادي الـــســـيـــلـــيـــكـــون مـــجـــرد ضـخ الأمــــوال فـي الــذكــاء الاصـطـنـاعـي للحفاظ على الــصــدارة؛ وإنـمـا يتوجب عليه، بــدلا مـن ذلــك، تبني دليل العمل البرمجي الصيني المقتصد والـبـدء في كتابة برمجيات أكثر ذكاءً. * بالاتفاق مع «بلومبرغ» جمعة بوكليب *بارمي أولسون عادل درويش OPINION الرأي 14 وادي السيليكون... التفكير مثل الصين بين عبد الرحمن شلقم ووليام هيغ بريطانيا تتساءل: ما الغرض من الانتخابات؟
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky