issue17437

تُمثّل «دورة جـاك تاتي» التي تقيمها سينما «متروبوليس» فـي بـيـروت، وتضم من أفلامه بنسخ مرمَّمة، فرصة تتجاوز 5 استعادة مخرج فرنسي كبير، إلـى معاينة مـــشـــروع سـيـنـمـائـي نــمــا لأكـــثـــر مـــن عـقـديـن حـول هاجس واحـد تغيَّر شكله باستمرار؛ الإنــســان وهـــو يــحــاول الـعـثـور عـلـى مقاسه داخل عالم صمَّمه بنفسه، ثم اكتشف أن هذا العالم أخــذ يُــحـدّد لـه كيف يمشي ويجلس ويعمل ويستريح ويرى الآخرين... من «اليوم الكبير» إلى «حركة المرور»، يكبر الـعـالـم الـــذي يضعه جـــاك تـاتـي تحت مجهره. يبدأ من ساعي بريد يُريد أن يُسرِع، وينتقل إلـــى سـائـح يــحــاول أن يـجـد مكانه بـــن طــقــوس الــجــمــاعــة، فــإلــى مــنــزل حـديـث يـــرســـم لــســاكــنــيــه طــريــقــة عــيــشــهــم، ثـــم إلــى مدينة مُكوَّنة من الزجاج والفولاذ، وصولا إلـى الطريق حيث تصبح الحركة نوعا من الــتــعــطُّــل. وبــــن المـــحـــطـــات، تــولــد شخصية «مــســيــو أولــــــو». تـــتـــطـــوَّر، وتـــكـــاد تـتـاشـى، لتجعل العالم من حولها البطل الحقيقي. )، كان تاتي قد 1949( » في «اليوم الكبير وضع النواة الأولى لفكره، من دون أن تكون قد نضجت بعد إلى تعقيد أفلامه اللاحقة. ساعي البريد «فرنسوا»، الذي يؤدّيه أيضاً، يــــرى نــمــوذجــا أمــيــركــيــا لــلــكــفــاءة الـبـريـديـة فيقرّر أن يجعل من جسده آلة أسرع. الـفـيـلـم أقــــل تـركـيـبـا مـــن الأعـــمـــال الـتـي ستليه، وفـكـرتـه تُــقـرأ بـسـرعـة أحـيـانـا، لكن أهميته تكمن فـي اكـتـشـاف تـاتـي المُــبـكـر أن الـكـومـيـديـا تستطيع أن تـنـشـأ مــن اخـتـال النسبة بـن الجسد والـنـظـام. مـا يهمّه هو لـحـظـة تَـــحـــوُّل الــكــفــاءة مــن أداة إلـــى معيار يقيس الإنــســان. منذ الـبـدايـة، يلتقط تاتي وما 20 شيئا سيتضخَّم لاحقا في القرن الـــ بــعــده، وهـــو أن الــتــقــدُّم قــد يخلق إيـقـاعـا لا يعود الإنسان قادرا على السكن فيه براحة. )، يتغيَّر 1953( » مع «إجازة السيد أولو مركز الثقل. يصل «أولو» إلى منتجع بحري حـيـث يــمــارس المـصـطـافـون طــقــوس الــراحــة وفـــق انـتـظـام يــكـاد يـجـعـل الإجـــــازة وظـيـفـة. حـتـى الاســـتـــرخـــاء يــبــدو سـلـوكـا اجتماعيا ينبغي إتقانه. نــــــعــــــرف «أولـــــــــــــــــو» مـــــــن طــــــــــول قــــامــــتــــه وانـــحـــنـــاءتـــه وعـــــدم قـــدرتـــه عــلــى الانــســيــاب داخـــل المجتمع. لا يتقن الـقـواعـد، ومــن هذا «النقص» تتولَّد رؤيته. الآخرون ينسجمون مع النظام إلـى حـد أنهم لا يعودون يرونه، أما «أولو» فيصطدم به، ولذلك يراه الجميع. )، تتّضح أفكار تاتي 1958( » في «خالي أكثر... وربما أكثر مما ينبغي أحياناً. يضع الحي الذي يسكنه «أولو» في مواجهة الفيلا الحديثة حيث تقيم عائلة شقيقته. المقارنة البصرية حــــادّة. فـي جـانـب؛ هـنـاك اختلاط وأطـــفـــال وكـــاب ومـــســـارات غـيـر مستقيمة، وفــي الجانب الآخــر أسطح نظيفة وأجهزة لامــعــة وحــديــقــة هـنـدسـيـة ونــــافــــورة سمكة تُشغَّل وفق أهمية الزائر. الفيلا آلة اجتماعية. المَمر يقرّر المسار، والمقعد يفرض هيئة الجلوس، وتكنولوجيا المطبخ تُعقِّد إنجاز المَهام العادية. العلاقة بين «أولو» وابن أخته «جيرار» تمنع الفيلم من الانغلاق داخل هجاء التصميم الحديث. مع الخال، يستعيد الطفل اللعب الذي يبدو في عالم تاتي فعلا مضادا لمنطق الكفاءة. «أولو» يحمل بدوره شيئا من الطفولة. فيه مساحة لم تُروَّض بعد. ثــــم «وقــــــت الـــلـــعـــب (بــــــاي تــــايــــم)» عـــام ، وفيه يبلغ مشروع تاتي ذروة جرأته 1967 ونضجه. الحداثة صارت مدينة، والمُشاهد يعيش شيئا مــن حـالـة «أولـــــو». يــحــاول أن يفهم نظاما أكبر منه من دون الحصول على خريطة. يبدأ «أولو» فقدان امتيازه. الرجل الذي كــان مـحـور الفيلم السابق يمكن أن يضيع بين أجساد تُشبهه، ويظهر بعيداً، ويغيب لفترات. هذا اكتمال لمعنى الشخصية. منذ البداية كان «أولــو» أداة للكشف عن العالم، وحـن يصبح العالم قــادرا على الكَشْف عن غـرابـتـه بـنـفـسـه، لــم يـعـد ضـــروريـــا أن تبقى الأداة في مركز الصورة. فـــي المـطـعـم يـبـلـغ هـــذا المـنـطـق أقــصــاه. المكان، نموذج الكمال، يبدأ بالتفكُّك. تنهار أجـزاء من الديكور وتتعثَّر الخدمة... فتبدأ الحياة. الموسيقى والضحك والتقارُب تظهر مــع فـشـل الـنـظـام فــي المـحـافـظـة عـلـى شكله. تـلـك مــن أعــمــق أفــكــار تــاتــي. الـتـعـطُّــل يفتح إمكانا للعيش. ومع ذلك، لا يمكن عدّه عدوا للحداثة. صُــوَره تؤكد افتتانه بها. الزجاج والانعكاسات والـفـولاذ والـسـيـارات تمنحه مادة بصرية أخّاذة، وصناعته السينمائية شـــديـــدة الــــدقّــــة إلــــى حــــد المـــفـــارقـــة. الــعــمــارة والـــــصـــــوت عــــنــــده يــــشــــاركــــان الــشــخــصــيــات حياتها ويُغيّران إيقاعها وحركتها. بـــعـــد ضـــخـــامـــة «وقــــــت الـــلـــعـــب»، يــبــدو ) أصغر حجماً. ينتقل 1971( » «حركة المرور «أولـــو» مع سيارة تخييم نحو معرض في أمستردام، في رحلة تتعطَّل باستمرار بفعل الطرق والحدود والحوادث والزحام. ما كان في «اليوم الكبير» حلما بالسرعة صار في «تـرافـيـك» عـالمـا بلغ السرعة ثـم وجــد نفسه عالقا ً. الـــــــدائـــــــرة الـــــتـــــي يـــقـــطـــعـــهـــا تـــــاتـــــي بــن الفيلمين لافتة. في البداية كـان رجـل واحد يـــحـــاول الــلــحــاق بــعــالــم أســـــرع. فـــي «حــركــة المرور» أصبح الجميع داخل آلات الحركة ولا يكاد أحد يصل في الوقت المطلوب. السيارة، وهــــي وعــــد بــالاســتــقــال والـــحـــرّيـــة، تصبح حُجرة صغيرة ينتظر فيها الإنسان وسط صف طويل من الحُجرات المماثلة. فــــــي مــــشــــهــــد حــــــــــادث الـــــســـــيـــــر، تَـــظـــهـــر الأجساد التي أخفتها السيارات. كما حدث في المطعم، تأتي لحظة إنسانية بعد عُطُل. يـتـكـرَّر لــدى تـاتـي الإيــمــان بـــأن الـنـظـام حين يتوقّف عن العمل يسمح للبشر باستعادة أنفسهم. بذلك يتحقَّق فَهْم «أولو» خارج صورة الشخصية الكوميدية الشهيرة. أهم ما فيه أنــه خـــارج المــقــاس... طـويـل أكـثـر مـمّــا يلزم، ومــتــأخّــر عـــن إيـــقـــاع المـــكـــان وغــيــر بــــارع في تقديم نفسه. الفيلم القصير «افتح الباب من فضلك» لجوانا حاجي توما وخليل جريج، الــــذي عــرضــتــه «مــتــروبــولــيــس» قــبــل «وقـــت اللعب»، تناول هذه الفكرة من طفولته. مـراهـق بـالـغ الـطـول يقف أمـــام مُــصـوّر يـــــحـــــاول تـــنـــظـــيـــم الــــتــــامــــذة داخــــــــل صـــــورة مــدرســيّــة مـثـالـيـة. جــســده يُــفـسـد الـتـكـويـن، فـــيـــبـــحـــث عـــــن طــــريــــقــــة لـــيـــجـــد مــــكــــانــــا فـــيـــه. استعادة تضع تحية المخرجَي اللبنانيَي لتاتي بمحاذاة أحد أكبر أفلامه تعبيرا عن تلك الفكرة. «أولـــــو» هــو الـجـسـد الــــذي لا يـتّــسـع له التصميم. فـي البداية يبدو أن المشكلة في عدم قدرة الرجل على التأقلم، ولاحقا تنتقل الشُّبهة إلى النظام. تتغيَّر رمزية الشخصية مـــن غـــريـــب يـــخـــرج عـــن نــســق المــجــتــمــع إلــى مقياس يُظهِر مقدار ما خسره المجتمع من قـدرة على احتمال الاخـتـاف. كـان يكفي أن يـمـر فـي العالم بطريقته، فيختل كــل شيء قليلاً... ويستقيم شيء في الإنسان. عــــلــــى المــــــنــــــحــــــدرات الــــشــــرقــــيــــة لـــجـــبـــال الـــحـــجـــاز، تـــقـــف واحــــــة «قُـــــريّـــــة» فــــي مـنـطـقـة آلاف سنة مـن التراكم 4 تـبـوك شـاهـدة على الحضاري. وأظهرت أعمال التنقيب أن هذه المـسـتـوطـنـة الــقــديــمــة، بـــأســـوارهـــا الـحـجـريـة الــحــصــيــنــة، كـــانـــت مـــركـــزا صــنــاعــيــا ونـقـطـة وصل استراتيجية لحركة التجارة بين شمال الجزيرة العربية وجنوبها. وتــــكــــشــــف بــــقــــايــــا أفـــــــــــران الــــــخــــــزف عــن ازدهــــار صـنـاعـة الـفـخـار وتـصـديـر منتجاته إلــى الأقـالـيـم المــجــاورة، فـي حـن يعمل فريق مشترك من هيئة التراث السعودية وجامعة فيينا على فـك أســـرار الــواحــة وإعــــادة قــراءة شواهدها، التي توثق فصلا مهما وغامضا من تاريخ الاستيطان البشري في المنطقة. من أبرز المستوطنات الأثرية يُعد موقع «قُريّة» من أكبر المستوطنات الأثرية الموثقة في الجزيرة العربية، ويمتد هـكـتـار. وأظـــهـــرت أعـمـال 300 عـلـى مـسـاحـة الـتـنـقـيـب أن تــاريــخ نـشـأتـه يــعــود إلـــى نحو ألــــف عــــام قــبــل الـــتـــقـــديـــرات الـــســـابـــقـــة، وذلـــك بــــاســــتــــخــــدام أحــــــــدث الأســـــالـــــيـــــب الــبــحــثــيــة المتعددة التخصصات. وتــــضــــم المـــســـتـــوطـــنـــة مـــديـــنـــة سـكـنـيـة ومـنـطـقـة زراعـــيـــة، وتـمـكـن الــفــريــق المـشـتـرك من تأريخها إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد، قبل 2600 و 2900 وتــحــديــدا مـــا بـــن عــامــي المـيـاد تقريباً، أي خــال العصر الـبـرونـزي المـبـكـر. وتــوصــل الـفـريـق إلـــى ذلـــك مــن خـال 13 دراســـــــــة ســــــور الــــــواحــــــة، الــــبــــالــــغ طــــولــــه كـــيـــلـــومـــتـــراً، وجــــمــــع عـــيـــنـــات مــنــتــظــمــة مـنـه وتأريخها بالكربون المشع وتقنية الوميض المحفّز. وكشفت أعمال التنقيب أيضا عن مقبرة دائـريـة مشيدة بالحجارة على قمة هضبة شخصا من علية 12 الموقع، دُفن فيها أكثر من القوم، من نساء ورجال وأطفال. وعُثر معهم قلائد متنوعة، 8 على أكثر من ألـف خــرزة و مصنوعة من الطين والخزف المزخرف ومواد مـسـتـوردة، مـن بينها أم الـلـؤلـؤ والأصـــداف والعاج والأحجار الكريمة. تاريخ التجارة والابتكار ووفـــق دراســـة علمية دولـيـة حديثة أجرتها هيئة التراث بالتعاون مع جامعة فيينا، تشير أدلـة جديدة إلـى أن واحـات شـمـال غـربـي الـجـزيـرة الـعـربـيـة شـهـدت، مــنــذ الــعــصــر الــــبــــرونــــزي، نـــشـــوء أنـظـمـة إنــتــاجــيــة مـتـخـصـصـة يــمــكــن اعــتــبــارهــا شــــكــــا مـــبـــكـــرا مـــــن الــــهــــويــــة الإنـــتـــاجـــيـــة للمنتجات. ونُـــشـــرت نـتـائـج الـــدراســـة فــي مجلة »، واســـتـــنـــدت إلـــــى أعـــمـــال PLOS One« التنقيب الأثري في واحة «قُريّة» بمنطقة تـبـوك. وأظـهـرت أن الفخار ثنائي اللون المــكــتــشــف فــــي المــــوقــــع كـــــان نـــتـــاج تـقـلـيـد إنـــتـــاجـــي مـــتـــمـــاســـك، تــمــيــز بـخـصـائـص ثابتة أسهمت في انتشار منتجاته على نطاق واسع. وشارك في الدراسة فريق علمي دولي ضـم باحثين مـن معهد ماساتشوستس للتقنية، ومتحف هارفارد للشرق الأدنى الــــقــــديــــم، والمـــعـــهـــد الأثــــــــري الـــنـــمـــســـاوي، والأكاديمية النمساوية للعلوم، وجامعة فـيـيـنـا لـلـتـقـنـيـة، وجــامــعــة ســيــدنــي، في إطـــار شــراكــة هـدفـت إلـــى تـوظـيـف أحــدث الـــتـــقـــنـــيـــات فـــــي دراســـــــــة الـــلـــقـــى الأثــــريــــة وتحليلها. واعتمد الفريق على تحليلات أثرية ومخبرية متقدمة لمجموعة مـن الأوانــي الفخارية المكتشفة فـي الـواحـة، أسهمت فـي تصحيح تـصـورات سابقة بـشـأن ما كان يُعرف بـ«الفخار المديني»، ورجحت أن منشأ هذا النوع من الفخار يعود إلى واحـــة «قُـــريّـــة» فـي شـمـال غـربـي الجزيرة العربية. وأوضـــحـــت الـــدراســـة أن مجتمعات العصر البرونزي كانت جزءا من شبكات تـــفـــاعـــل إقــلــيــمــيــة واســـــعـــــة، تـــبـــادلـــت مـن خلالها المعرفة التقنية مع مجتمعات في جـنـوب بــاد الـشـام وســوريــا، فيما طـوّر سـكـان الـــواحـــات تقاليد فـخـاريـة محلية ذات طــــابــــع مــتــمــيــز يـــعـــكـــس مـــهـــاراتـــهـــم الإنتاجية. وأظــــهــــرت الـــنـــتـــائـــج أن أقــــــدم إنـــتـــاج لـلـفـخـار المـــلـــوّن فـــي واحــــة «قُــــريّــــة» يـعـود عـــام، قبل أن يبلغ ذروة 3600 إلــى نحو عـام؛ إذ وصلت 3200 انتشاره قبل نحو منتجاته إلـى جنوب بـاد الشام ومصر وشــــمــــال الــــجــــزيــــرة الـــعـــربـــيـــة. واســـتـــمـــر إنتاجه حتى نهاية العصر الحديدي في منتصف الألف الأولى قبل الميلاد. يوميات الشرق ASHARQ DAILY 22 Issue 17437 - العدد Tuesday - 2026/8/25 الثلاثاء في «حركة المرور» الطريق أطول من فكرة الوصول (متروبوليس) في «وقت اللعب» الزجاج يرى الجميع (متروبوليس) حرفية عالية تجعل الواحة محط أنظار علماء الآثار (هيئة التراث) مجسّم آدمي من موقع قُريّة الأثري (الشرق الأوسط) «متروبوليس» تستعيد مسيرة المخرج الفرنسي وتطوُّر مشروعه السينمائي أفلام جاك تاتي في بيروت... «أولو» يعبُر زمن الحداثة بيروت: فاطمة عبد الله آلاف عام 4 أدلة أثرية تكشف أسرار التجارة والاستيطان البشري منذ نحو واحة «قُريّة»... عاصمة لصناعة الفخار في الجزيرة العربية الرياض: عمر البدوي الواحة نقطة وصل تاريخية واستراتيجية ربطت شمال الجزيرة العربية بجنوبها (هيئة التراث)

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky