Issue 17432 - العدد Thursday - 2026/8/20 الخميس كتب BOOKS 17 «بـين الجسر والجرس»... نص متخيل ينهض على تجربة واقعية تختم ميمونة الشيشاني روايتها الــــجــــديــــدة «بـــــــــن الـــجـــســـر والـــــجـــــرس»، بـصـفـحـة عـنـونـتـهـا بــــ«أخـــيـــراً»، تـخـرج فــيــهــا مــــن صـــــوت الـــــراويـــــة «آلاء» إلـــى صوتها هي، الروائيّة التي تُعنى - كما تصف نفسها - بنقل التجربة الإنسانية على الصعيدين الفردي والجمعيّ، وفي هذه الصفحة توجّه شكرها وامتنانها لمحارِبة السرطان السيدة آلاء آسندر، التي بُــنِــي أســاس الـروايـة على قصتها الحقيقية مع المرض. جـــاءت الــروايــة الــصــادرة عـن «الآن نــــاشــــرون ومـــــوزعـــــون» فــــي الأردن فـي صفحة من القطع المتوسط، وتقدم 188 خــالــهــا ســـــردا ذاتــــيًّــــا حـمـيـمـا بضمير المتكلم، هو في جوهره «رواية شهادة»: نــــــص مـــتـــخـــيَّـــل يـــنـــهـــض عـــلـــى تـــجـــربـــة إنــســانــيــة واقــعــيــة، خـضـعـت، كـمـا ورد في صفحة «تنويه» في افتتاح الكتاب، لمعالجة فنية وتخيُّيل روائــي يخدمان السياق الأدبي للعمل. وتـــــــــــــروي «آلاء»، بــــطــــلــــة الـــعـــمـــل وراويــــتــــه، رحـلـتـهـا مـــع ســـرطـــان الـثـدي مــــنــــذ لــــحــــظــــة الاشــــــتــــــبــــــاه الأولــــــــــــى فــي الـفـحـص الإشـــعـــاعـــي، مـــــرورا بـالـخـزعـة والـتـشـخـيـص، فالعمليات الـجـراحـيـة، والــــــــعــــــــاج الـــــكـــــيـــــمـــــاوي والإشـــــعـــــاعـــــي والـــهـــرمـــونـــي والـــبـــيـــولـــوجـــي، وصـــــولا إلـى إعلانها «ناجية» بعد سـنـوات من المتابعة. وتـفـتـتـح الـــروايـــة بـمـشـهـد مباغت بصيغة الحاضر: لحظة سريرية أقرب إلى الاحتضار، تسمع فيها آلاء صافرة جــهــاز المــراقــبــة وإعــــان الـطـبـيـب ساعة الوفاة، في حين تشعر روحها بانفصال خــــفــــيــــف عــــــن جـــــســـــدهـــــا. هـــــــذا المـــشـــهـــد الاستهلالي – الــذي يتكشَّف لاحقا أنه رؤيــــا مـنـامـيـة لا واقــعــة فعلية – يمنح الـــروايـــة إطــــارا دائـــريًّـــا؛ إذ يـعـود صــداه في فصل متأخر بعنوان «موت زائف»، قـبـل أن تُــغـلَــق الـــدائـــرة بـمـشـهـدَي «قــرع الجرس» و«ولادة» في ختام العمل. ويشكّل الفضاء الرقمي - حسابات «فـــيـــســـبـــوك» و«ســـنـــابـــشـــات» و«إكـــــس» - مـــســـرحـــا فـــرعـــيًّـــا لــــلــــروايــــة؛ إذ تـــوثّـــق آلاء تـــفـــاصـــيـــل رحـــلـــتـــهـــا بـــمـــنـــشـــورات وصــور وتعليقات، فتتحوّل صفحتها الشخصية مساحة تضامن افتراضي مــــع نـــاجـــيـــات أخــــريــــات ومـــتـــابـــعـــن مـن بـــــلـــــدان عـــــــدة، وتـــصـــبـــح الـــكـــتـــابـــة عـلـى «الجدار» امتدادا لصوتها الداخلي حين يعجز الجسد عن الفعل. مــــن أجــــــــواء الــــــروايــــــة نــــقــــرأ الــنــص الآتي: «العالم هنا تحت قدميَّ؛ تمر من تحتي جحافل الـسَّــيـارات المتّجهة إلى حـيـواتـهـا المختلفة، وأنـــا أُحــلِّــق فوقها كغيمة تائهة فضوليَّة. قد لا يتنبَّهون لوجودي، وقد يمرُّون بي مرور الجُهَّال، لكنِّي الجبل الذي يتعجَّب النُّجباء من شموخه وثباته على الـرغـم مـن سياط الـــبـــرق الـــتـــي تــخــتــرق جـــوفـــي، وســهــام المطر التي تنغرز في أكثر اﻷماكن رقَّــة وضعفاً. ظلِّي يسكن مراياهم العابرة، وطـــيـــفـــي حـــــر يـــســـبـــح فــــي فـــــضـــــاءات لا حدود لها». وهــو مقطع يكشف عـن جـانـب من اللغة الـتـي تـراهـن عليها الـــروايـــة؛ لغة تتجاور فيها صورة الجسد المتألم مع اتــســاع المـخـيـلـة، ويـصـبـح المــــرض، رغـم قسوته، نافذة لرؤية العالم من عــلٍ، لا مجرد تجربة تستنزف صاحبها. والرواية امتداد لمشروع الشيشاني فـــي الــكــتــابــة عـــن الـــتـــجـــارب الإنــســانــيــة الـواقـعـيـة، لكنها تضع هــذه المـــرة وجع الــــجــــســــد فــــــي مـــــواجـــــهـــــة مـــــبـــــاشـــــرة مــع واحــدة من أكثر رغبات الإنـسـان بداهة وإلحاحاً: أن يعبر إلى الضفة الأخرى، وأن يـــقـــرع الـــجـــرس مـعـلـنـا أنــــه مـــا زال هنا... حيّاً. وكانت المؤلفة قد أصـدرت من قبل روايـتـن: «دمـعـة ذئــب» و«كـزهـر اللي»، إضــــافــــة إلــــــى مـــجـــمـــوعـــة مــــن الــقــصــص الموجَّهة للأطفال. عمّان: «الشرق الأوسط» تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء» صدر أخيراً، عن «دار الشروق» في القاهرة، المجموعة القصصية «تخفيف أحمال»، للروائية والقاصة المصرية شيرين سـامـي. تتكون المجموعة مـن ثــاث عشرة قصة قـصـيـرة، تسعى إلـــى تـشـريـح وتـفـكـيـك فلسفة «أنـصـاف الأشــــيــــاء»، وتـكـشـف عـــن الـــعـــوز الـعـاطـفـي الــخــافــت الـــذي يتسلل إلـــى تـفـاصـيـل الـحـيـاة الـيـومـيـة لــأبــطــال، الـذيـن يـرتـضـون بنصف دفء ونـصـف حــب، ونـصـف طمأنينة لا تكتمل أبداً. وتتحول القصص مرآة للإنسانية شديدة الـهـشـاشـة، نـابـشـة فــي مــــرارة الــخــذلان وفـــراغـــات الـــروح، ليكتشف الأبطال مع آخر ضوء ينطفئ أن العتمة المؤقتة قد تصبح أحيانا مساحتهم الوحيدة والآمنة للنجاة. تتقاطع حكايات المجموعة وتتباين عوالمها، معتمدة لــغــة بـــصـــريـــة. وتــــــدور الــقــصــة - الـــتـــي تـحـمـل المـجـمـوعـة عنوانها - حول فتاة تستعيد مزاج التسعينات ورسائل الشرفات وشرائط الكاسيت القديمة. وفــــي قــصــة «يـــومـــيـــات امــــــرأة غــيــر جـــديـــرة بـالـحـب» تستعيد البطلة ذكرياتها الطويلة مع العلاقات السامة. بينما فــي «شـقـة رقـــم عــشــرة» يجلس الـبـشـر محبوسي الأنــفــاس أمـــام الـشـاشـات فـي انـتـظـار نـيـزك ينهي العالم خلال أربع وعشرين ساعة. وكـــــــــــــــــــــــــــــــــــان قــــــــــــــــد صــــــــــــــــدرت لشيرين سامي ثــــمــــانــــيــــة كـــتـــب، مــنــهــا روايــــــــات: «قــيــد الــفــراشــة» و«حــــــــــنــــــــــة»، و« مَـــن ذاق عـــرف»، و«الــــحــــجــــرات»، وكـــــــــــــــان أحـــــــــدث إصــــــــــداراتــــــــــهــــــــــا روايـــــة «الـسـيـدة الـــــــكـــــــبـــــــرى» فـــي يـــنـــايـــر (كــــانــــون ،2025 ) الـــثـــانـــي وروايــــــة للنشء بعنوان «ابْتَسِم لأكــــــــــون أقــــــــوى» الـتـي وصـلـت إلــى القائمة القصيرة لــ«جـائـزة اتـصـالات طريقة لقول 154« لكتاب الطفل» عن فئة اليافعين، وكتاب أفتقدك». مــن أجــــواء المـجـمـوعـة، نــقــرأ: «كـثـيـرا مــا تتمشى في الشوارع، قديما كان الغرض من التمشية هو حب الحركة مـــع مــشــاهــدة الـطـبـيـعـة والـــنـــاس والمـــحـــال والأحـــــــوال، ثم أصبحت تفعلها حتى تضعف، بعد أن عـلَّــق علي أنها تـحـتـاج إلـــى أن تـفـقـد بـعـض الـــــوزن، لــم يـكـن أول تعليق تسمعه عن جسدها الذي يقترب من النحافة، أبوها قال تعليقا مشابها ذات مــرة لكن بحسه الـسـاخـر، وحبيب سابق قاله أيضا بحسِّه المُدمِّر. أمـا هو فقالها بحسه اللطيف، كمشرط دقيق يظن به البعض أنه يعالج. لكن في تمشياتها الأخيرة، أشياء بــدأت تتبدَّى لها، قائمة طويلة من الأمــور التي تؤلمها، هــــذا الألــــم الـشـفـيـف الــــذي لا تـسـتـطـيـع أن تــصــرخ وتـهـد العالم وتقول بسببه: «يجب أن أرحل».. أو «قف!»، ألم له قـوام هلامي، لا تستطيع أن تمسك به أو تكرهه أو تريه للآخرين، لكنك أيضا لا تستطيع أن تتغافل عن حركته في يدك، ترسل له رسالة تقول: «أريد أن أحتضنك جدّاً»، ترسلها دون أن تفكر، لـو فكرت فربما استبدلت الآن بـ جــدّاً، تتذكر رسالة مشابهة أرسلتها قبل سنوات وأتى على أثرها من غيابه ليحقق لها رغبتها، لكنها تعلم أنه لن يأتي هذه المرة، لن يأتي كل مرة. ورغــم ذلـك عندما تضعه بـجـوار قائمة الأمـــور التي تؤلمها، فإنها تقرر أن تختاره. القاهرة: «الشرق الأوسط» رائد العيد يدعو إلى الاعتراف بمراجعات الكتب كممارسة ثقافية فن «الكتابة عن الكتابة» بــــــــن الأكـــــــاديـــــــمـــــــيـــــــة والانـــــطـــــبـــــاعـــــيـــــة والمـــزاجـــيـــة، بـقـيـت مـــراجـــعـــات الــكــتــب على أنـــواعـــهـــا مـــمـــارســـة ثــقــافــيــة، مـــتـــحـــررة من أي قيد يحددها فـي إطــار أو يكبح جماح كـاتـبـهـا. كـــل يــمــارس مـراجـعـتـه بالطريقة التي يـراهـا مناسبة، وهــذا أهـم مـا يكشفه كتاب رائــد العيد الـصـادر عـن «دار كلمات للنشر والـتـوزيـع» بعنوان «دفـاتـر المكتبة الــكـونــيـة... فــن مـراجـعـة الـكـتـب». وهـــو من خلال هذا المؤلَّف التوثيقي والأدبي في آن، يقوم بما يشبه التأريخ والتحليل لنوع من الكتابة نادرا ما تصدى له كاتب عربي، أو اعـتـبـره صنفا يستحق العناية بـه لـذاتـه. المـــيـــزة الأســـاســـيـــة أن الــعــيــد يـتـتـبـع أنــــواع هـذا الفن وضـروبـه ويعمل على لـم شمله، وفهمه وتوضيح الفوارق بين أصنافه. لـــهـــذا؛ فـــإن «فـــن المـــراجـــعـــات»، يخضع هذه المرة لتفحص وتتبع وتفنيد وتحليل واستخلاص نتائج. وعلى عكس ما يخطر لــــك، فــــإن مــــوت الــكــتــاب الـــورقـــي أو خـفـوت نـجـمـه، كـمـا يـقـول الـعـيـد، لا يعني تـراجـع هـذا الفن، بل تعزيز دوره، وبــروزه بصور مـخـتـلـفـة لـــم تــكــن مـــعـــروفـــة؛ مـــا يـجـعـلـنـا لا نتنبه له بالضرورة. إذ لا يمر يوم إلا وتقرأ تقييما لكتاب أو برنامج أو مداخلة، على إحـــــدى وســـائـــل الـــتـــواصـــل، وتـــتـــرك نجمة أو إعــجــابــا، أو تعليقا طــويــا أو قصيراً. فـــالـــتـــقـــيــيـــم جــــوهــــر فـــــي اقــــتــــصــــاد وســـائـــل الـــتـــواصـــل وجـــــزء أســـاســـي مـــن حـيـويـتـهـا وعــــجــــلــــة دورانـــــــهـــــــا. وهـــــــو أمـــــــر لا يــــقــــارن بالضرورة بالمراجعات الجادة للكتب، لكن قرابة الوصل موجودة، والربط واجب. يــــــحــــــاول الــــعــــيــــد تــــقــــديــــم «مــــراجــــعــــة لــلــمــراجــعــات»، عــلــى طــريــقــة «عـــلـــم الـعـلـم» أو «تـفـسـيـر الـتـفـسـيـر»، بـحـيـث يـبـحـث في هذا الفن محاولا تحديد ماهيته، وتأريخ بــدايــتــه، وتـوضــيــح المـصـطـلـحـات المتعلقة بــــه ودوافـــــــــع كـــتـــابـــتـــه، ومـــعـــرفـــة مــكــونــاتــه وأساليبه، ومتطلباته، وخيارات مؤلفيه، كــمــا يـبـحـث فـــي حــجــم اقـــتـــصـــاده وتـبـعـات نشره، ومحاذير قراءته، وصولا إلى ادعاء موته. حسب العيد، فـإن الكتابة عـن الكتب، وُجــــــــدت مــــع انـــتـــشـــار الــــكــــتــــاب، بــحــيــث إن مــــن يـــتـــعـــذر عــلــيــه الـــحـــصـــول عـــلـــى مــؤلــف مـــا، كـــان يـمـنّــي الـنـفـس بـــقـــراءة جـــزء مـنـه، أو شـــيء عــنــه، فـــي مــؤلــف جــامــع يتصدى لـهـذه الــغــايــة. وبـالـتـالـي، فـــإن المــراجــعــة أو التلخيص يقدمان خدمة جليلة. وهذا هو السبب الأول لولادة المراجعات: «أن تعـرّف بالكتـاب النــادر الــذي يصعـب الحصــول عليــه أو تُقـرّب البعيــد وتنشر الفريد. ففــي بدايات الكتابة والنشر كان الكتاب صعـب التشـكيل عســير النسـخ، وليــس بمقـدور الجميـع الحصـول عليه؛ فيكتفي النـاس منــه بالقليل». ثــــمــــة كــــتــــب لــــــم تــــصــــل إلــــيــــنــــا أصــــــــاً، لكننا عـرفـنـا بــوجــودهــا وبـمـحـتـواهـا من المـــراجـــعـــات. يـلـفـت الــكــتــاب إلــــى أن بعض المـراجـعـات نجدها فـي حــــوارات أفـاطـون، وفـــــــي رســــــائــــــل ســـيـــنـــيـــكـــا، وفـــــــي كـــتـــابـــات بلوتارك، ومجادلات شيشيرون، وتأملات مــــاركــــوس أوريـــلـــيـــوس وأبــــحــــاث أرســـطـــو. وعند العرب لم يقصّر الجاحظ في الكتابة عـن الكتب ونقدها والتشجيع على قـراءة بعضها أو نقل محتوى بعضها الآخر. ويـــــرى الــعــيــد أن كـتـــــاب «الـفـهـرســـت» لابــن النديم هو نموذج لحقبــة طويلة فــي تاريـخ مراجعات الكتــب. فابن النديــم كان شاغله الأكبـر أن يحـوي كتابه فحوى كتب زمانه، بحيث يجمــع فيــه ما قــرأه وعرفــه وســمع عنه. وتأتي أهميته من أن الكثير من الكتــب التــي تحدث عنها اندثرت، ولم تـعـد بـيـــن أيـديـنـــــا الــيــــــــوم. وبــالــتــالــي، فـإن مـراجـعـات ابـن النديــم هـي التي أدخلتهــا التاريــخ، ومنعتهـا مــن الاختفاء الكلي. يـقـتـفـي الـــكـــتـــاب أثــــر المـــراجـــعـــات عبر التاريخ شرقا وغـربـا، وصــولا إلـى العصر الـــحـــديـــث. فــقــد ظــهـــــرت فـــي شـــكـلـهـا الـــذي نعرفه اليوم في الصحف الفرنسية خـلال الـقـــــرن الـســـــابـع عـشـــــر، ومـــن حينها بــدأت أشكال المراجعات ومناهجها تتطور، من الاكــتــفــاء بـالـتـعـريـف بـالـكـتـب، إلـــى نقدها والـحـكـم عليها. وهــو مـا تسبب فـي حـراك ونـقـاشـات لـيـس حـــول دورهــــا فـحـسـب، بل حـول حـدودهـا التي يفترض أن تلتزمها؛ إذ إن الــــكــــتّــــاب تـــــجـــــاوزوا الـــتـــعـــريـــف إلـــى الـنـقـد والــتــقــريــظ. ويـــــروي كـلـيـمـان مـــوزان فــــي كـــتـــابـــه «مـــــا الــــتــــاريــــخ الأدبـــــــــــي؟»، «أن الـصـحـافـيـن الأدبـــيـــن فـــــي تـلـــك الـفـتـرة لم يكتفوا بالتلخيص والاستشهاد بما ورد فــي الأعـــمـــال الـتـي يـعـرضـونـهـا، بــل أخـــذوا يـــطـــلـــقـــون الأحـــــكـــــام ويـــنـــتـــقـــدون الأعــــمــــال، معتبرين أنـهـم يـقـومـون بـواجـبـهـم اتـجـاه القارئ في مهمة إرشاده». وفـــــــي الــــــقــــــرن الـــــتـــــاســـــع عـــــشـــــر، بــــــدأت المجلات بتخصيص فصول وأبواب تواكب مـــســـتـــجـــدات الـــكـــتـــب وتـــتـــابـــع الإصـــــــــدارات وتعرضها وتنقدها. عربياً، ظهرت مجلة وفيها «بـاب الهدايا 1883 «المقتطف» عـام والتقاريظ» بعد سبع سنوات من تأسيس المـجـلـة، عـلـى اعـتـبـار أن الـتـعـريـف بالكتب ومـــراجـــعـــتـــهـــا، هــــي هــــدايــــا لــــلــــقــــارئ. لـكـن اســم الـبـاب تغير، ليصبح «بـــاب التقريظ والانتقاد» مع تحول مهماتها، واتخاذها مـنـاحـي جـــديـــدة فـــي الـتـحـلـيـل والــنــقــد. ثم جـــــــاءت مـــجـــلـــة «الـــــزهـــــــــــور» وأســـــمـــــت بـــاب مراجعات الكتب «ثمرات المطابع» منتهجـة العـرض الموجــز والتعريــف الســـريع بجديــد المؤلفات. وهــو مــا أكملته مجلة «أبولــو» تحت عنـوان «ثمــار المطابع». وعندما جـاء إبراهيــم اليازجي إلى مجلة «البيــان» ومن بعدهـا «الضياء» اختار تقديـم مراجعات الــكــتــب الــتــي كــــان يـسـطـرهـا تــحــت عـنـــــوان «آثـار أدبية»، عـادَّا أن المراجعة وصلـت لأن تـكـون نصا أدبـيـا مستقلاً. والــذيــن كتبوا نــصــوصــا أدبـــيـــة فـــي المـــراجـــعـــات كـــثـــر، من بينهم طـه حسين وعـبـاس محمود العقاد والمازني، وغيرهم كثير. أعلنت صحيفة «نيويورك 1896 عــام تايمز» عن ملحق متخصص في مراجعات الــكــتــب. بــــدأ المــلــحــق بــالــظــهــور كـــل صـبـاح سبت، ثم تحول صدوره إلى صباح الأحد لـزيـادة عـدد الـقـراء، ولتسليتهم وإفادتهم في عطلتهم. وعاش الملحق أكثر مما يتوقع 125 الجميع؛ إذ احتفلت الصحيفة بمرور ، مــــع كــتــاب 2021 ســـنـــة عـــلـــى ولادتـــــــه عـــــام توثيقي لهذه المغامرة الأدبية والفكرية. كــانــت المـــراجـــعـــات حـــن تـكـتـبـهـا إدارة التحرير، وتقتصر على التعريف بالكتاب ووصــــــفــــــه دون جــــهــــد كــــبــــيــــر، لا تــحــمــل بالضرورة اسم الكتّاب، لكن الوضع تغير بعد أن أصبحت مقرونة بالرأي والتحليل، وتسطر بأقلام مؤلفين معروفين للصحف مصلحة في إبراز أسمائهم. أمــــــــا الـــــــيـــــــوم، وقــــــــد تـــشـــعـــبـــت الــــطــــرق والمــنــاهــج، وتــعــددت الأسـالـيـب والمــــدارس، وظهرت المصطلحات المتخصصة وتنوعت المــــنــــابــــر، فـــــإن المــــراجــــعــــات لــــم تـــعـــد مــجــرد كــتــابــات هـامـشـيـة، بـــل صــــارت أهـــم مـــن أن يتم تجاهلها، أو تستبعد مـن القواميس والمــعــاجــم الأدبـــيـــة والــلــغــويــة. لا، بـــل يـرى مؤلف الكتاب أن المراجعات تحولت «جنسا أدبـــيـــا مـسـتـقـا قــائــمــا بـــذاتـــه لـــه مفاهيمه وأبــــــعــــــاده، كـــمـــا لــــه مـــمـــارســـاتـــه المـــتـــعـــددة الــواســعــة». وهــو يـدعـو إلــى الاعــتــراف بما يمكننا تسميته «أدب المراجعات». فليست الـغـايـة عـنـد كــل مــن كـتـبـوا فــي هـــذا المـجـال مــجــرد الاقـــتـــصـــار عـلـــــى الـتـعـريـــــف بكتــب فـي حقــل معين، بــل إن البعض عمل فعلا على كتابـة مراجعات أدبية يمكن وضعها فــي مـصـــاف الأدب الـرفـيـع، وقـــد أعـلـت مــن شــأن الكتابــة علــى الكتابــة كفعــل أصيــل وليس مجرد ردة فعــل سريعة، أو تعليقات متعجلة. ما يفوتنا أحياناً، أن ثمة بعدا تجاريا واقتصاديا للمراجعات. إذ إن مقالة واحدة تلفت القراء وتجذبهم، يمكنها أن تعلي من شــأن الكتاب فـي عـيـون الـنـاس، وتجعلهم يتهافتون للحصول عليه. مـن هنا يقول العيد بدأنا نسمع عن شركات متخصصة في تسويق الكتب، واستكتاب كتّاب أعمدة فـــي الــصــحــف الـــرائـــجـــة. وهـــنـــاك دور نشر مـتـعـاقـدة مــع أبـــرز مـراجـعـي الـكـتـب، وثمة مـؤلـفـون ينسجون عـاقـات مـع يوتيوبرز ونجوم وسائل التواصل للترويج لكتبهم، ولا غرابة أن نجد بأنه ما أن تنطلق الحملة حتى تنفد الكتب عن رفوف المكتبات. يحاول رائـد العيد، إذن، تقديم مسار المـراجـعـات منذ عرفها الإنـسـان إلــى اليوم بشمولية وانـفـتـاح على مختلف الأشـكـال والمـــعـــارف. إنـهـا دراســــة بنفح أدبـــي تشبه مـــــا يـــمـــكـــن أن نـــســـمـــيـــه «أنـــثـــروبـــولـــوجـــيـــا المـــراجـــعـــات»، مــن خـــال اســتــعــراض سيرة هـذا الفن في المجلات والـدوريـات الثقافية الــــورقــــيــــة وصـــــــــولا إلــــــى الـــعـــصـــر الـــرقـــمـــي المنفتح، حيث أصبحت منصات التواصل الاجـــتـــمـــاعـــي والمـــــدونـــــات الــوســيــلــة الأكــثــر رواجــــا لتقييم الـكـتـب ومـشـاركـة أخـبـارهـا وتبادل الآراء حولها. والـــــكـــــتـــــاب يــــســــد ثـــــغـــــرة فــــــي المـــكـــتـــبـــة الـعـربـيـة، ويـمـأ فـراغـا تنظيريا بـشـأن فن اعـتـبـر بـاسـتـمـرار أقـــل مــن أن يلتفت إلـيـه، لا، بــل لــم يـعـتـرف بقيمته الأدبـــيـــة ودوره بصفته محركا حيويا لحركة البيع وسببا أساسيا في فتح المعارك الأدبية والفكرية. لهذا؛ اعتبر المؤلف كتّاب المراجعات الذين أهـــداهـــم الــكــتــاب بـأنـهـم «صـــنّـــاع الـجـسـور الثقافية، وأمناء المكتبة الكونية». يــرســم الــعــيــد بـــدايـــة طــريــق لمــجــال لم يؤخذ بالجدية الكافية؛ آمــا أن يأتي من بـــعـــده مـــن يـــطـــوره ويــبــحــث فـــي مـــزيـــد من التفاصيل، خاصة وأن المجال نفسه يشهد تحولا في الشكل والمضمون والوسيلة، في وقـــت واحــــد. وهــــذا انــقــاب كـبـيـر، تتوجب متابعته. وهــنــا يستشهد الــكــتــاب بـمـا خـتـم به ابــن خـلـدون مقدمته الـشـهـيـرة: «ولـعـل من يأتي بعدنا ممن يؤيده الله بفكر صحيح وعلم متين، يغوص من مسائله على أكثر مــمــا كــتــبــنــاه، فـلـيـس عــلــى مـسـتـنـبـط الـفـن إحصاء مسائله، وإنما عليه تعيين موضع الــعــلــم وتـــنـــويـــع فــصــولــه ومــــا يـتـكـلـم فـيـه، والمتأخرون يلحقون المسائل شيئا فشيئا إلى أن تكمل». سوسن الأبطح مقالة واحدة تلفت القراء وتجذبهم يمكنها أن تعلي من شأن الكتاب في عيون الناس وتجعلهم يتهافتون للحصول عليه
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky