issue17432

سوف ترى وأنـت تتطلع إلى قطاع غزة على الــخــريــطــة، ثـــم وأنــــت تـتـابـع أخـــبـــاره الـبـائـسـة في وسائل الإعلام، أنه بات يمثل حاجة عملية لإدارة الــرئــيــس الأمــيــركــي دونـــالـــد تــرمــب فــي واشـنـطـن، وأيضا لحكومة التطرف الإسرائيلية في تل أبيب. ولكن المفارقة أن الحاجة التي يمثلها القطاع لإدارة ترمب تقف على النقيض من الحاجة التي يمثلها الـقـطـاع نفسه لحكومة نتنياهو ورفـــاق التطرف في حكومته. الرئيس ترمب مقبل على انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، وهو يـريـد الـسـام فـي غــزة مـن خــال خطته المطروحة عـبـر مجلس الــســام الـــذي يــرأســه، وهـــو إذن أراد الانـــتـــقـــال فـــي الــخــطــة مـــن مــرحــلــتــهــا الأولــــــى إلــى الثانية، لأجل أن يبيع ذلك للناخب الذي سينتظر حزبه الجمهوري على أبــواب الاقـتـراع حين يأتي أوان الـــســـبـــاق الـــنـــصـــفـــي. ولــــهــــذا الـــســـبـــب أرســــل مستشاره وصـهـره جـاريـد كوشنر يـدعـو رئيس الحكومة الإسرائيلية إلى عدم وضع العراقيل في طريق الخطة، أو في طريق انتقالها المنتظر من مرحلة إلى مرحلة تالية. وسوف تضحك بينك وبين نفسك وأنت تقرأ أن هذا ما جاء كوشنر يطلبه من رئيس الحكومة فـــي إســـرائـــيـــل. فــالــرئــيــس، وصـــهـــره ومـسـتـشـاره، وأعـضـاء إدارتـــه جميعاً، يعرفون أن نتنياهو لم يــدخــر أي جـهـد فــي سـبـيـل نـسـف الـخـطـة، وليس فــــي ســبــيــل وضـــــع الـــعـــراقـــيـــل فــــي طــريــقــهــا فــقــط، ويعرفون أنه إذا جاز له أن يتوقف عن نسفها، أو عـن وضـع العراقيل فـي طريقها، فليس الآن على 27 الأقل، وبالأدق ليس في الفترة من هنا إلى يوم أكتوبر (تشرين الأول) المقبل الـذي سينطلق فيه سـبـاق انتخابي إسـرائـيـلـي، يــتــوازى مـع السباق النصفي في الولايات المتحدة، أو على وجه الدقة يسبقه بقليل. وهنا نجد أنفسنا أمام الحاجة النقيضة التي يمثلها القطاع بالنسبة للحكومة الإسرائيلية، الـــتـــي يـــريـــد رئـــيـــس الــحــكــومــة بــــــدوره أن يبيعها لناخبيه عندما يأتي موعد سباق الكنيست! وترمب يريد أن يبيع لناخبيه السلام الذي تحقق على يديه في القطاع بعد حرب دامت عامين كاملين متصلين، ثم دامت عاما ثالثا أو ما يقرب مــن الــعــام، ولـكـن بشكل متقطع، وبـطـريـقـة تبدو وكأنها خفية عن عالم بأسره لا يريد أن يراها. يـــريـــد تـــرمـــب أن يــبــيــع الــــســــام فــــي الــقــطــاع للناخبين في بلاده، ويراهن على أن ذلك يمكن أن يُحسن من حظوظ حزبه الجمهوري في مواجهة الــــحــــزب الـــديـــمـــقـــراطـــي، ولـــكـــن رئـــيـــس الــحــكــومــة الإســرائــيــلــيــة لا يـبـالـي بـــذلـــك، ولا يــكــاد يـضـع له اعـتـبـاره المـفـتـرض، لأنـــه يـريـد أن يبيع الــحــرب لا الـسـام لناخبيه، ولـهـذا، فـإنـه لـم يجد حـرجـا في أن يـصـارح المستشار جـاريـد بـأن إحـــراز تقدم في خطة السلام الآن يمثل إشكالية بسبب انتخابات الكنيست! وبالعربي الفصيح أراد أن يقول له إن إحراز تـــقـــدم مـــعـــنـــاه ســـقـــوطـــه فــــي الـــســـبـــاق، وهــــــذه هـي الإشكالية التي لا يجد لها حلا سوى أن يواصل الحرب والضرب! وتـــــكـــــاد تــــشــــم رائـــــحـــــة صـــفـــقـــة يــــرغــــب فــيــهــا نـتـنـيـاهـو مــع تــرمــب، وتــــراه يــكــاد يـنـطـق بـهـا في حديثه مع جاريد، وليست الصفقة سوى أن يعلن ترمب دعمه في سباق الكنيست، فيتوقف هو من ناحيته عن وضـع العراقيل في طريق الخطة، أو يـحـاول ذلــك مـن حيث الشكل أمـــام العالم فـي أقل القليل. ولكن الرئيس ترمب يعرف من جانبه أن دعما من نوع ما يطلبه نتنياهو ليس سهلاً، وأنه دعم محفوف بالمخاطر الكثيرة، وهي مخاطر تبدأ من الـشـك فـي قـــدرة نتنياهو على أن يجتاز السباق الانتخابي هــذه المـــرة، وتنتهي بــأن ساكن البيت الأبيض سبق له أن تدخل لدعم رئيس الحكومة الإسرائيلية داخلياً، فأصابه من جـراء تدخله ما كان هو في غنى عنه تماماً. سبق لترمب أن دعا الرئيس الإسرائيلي إلى العفو عن رئيس حكومته في أربع قضايا جنائية يقف فيها أمـــام الـقـضـاء الإسـرائـيـلـي، فلم يلتفت الـرئـيـس الإسـرائـيـلـي إلـــى وســاطــة تــرمــب، وأشـــار بإدخال طلب العفو إلـى ثلاجة مكتبه، فضلا عن أن إسرائيليين كثيرين ضجوا من تدخل الرئيس الأميركي ولفتوا انتباهه إلى أن ما يتكلم فيه شأن إسرائيلي داخلي وأن عليه ألا ينسى ذلك! مؤلم أن يتحول القطاع إلى سلعة معروضة في مزاد انتخابي منصوب، والمؤلم أكثر أن يكون المــزاد مـزاديـن في عاصمتين، ولكن ما يخفف من الألم قليلا أن ثماني دول عربية وإسلامية رفضت ذلك وأعلنته في بيان جامع، ويبقى أن يتواصل العمل العربي والإســامــي فـي الاتـجـاه ذاتـــه، وأن يكون باللسان الجامع نفسه الـذي صدر به بيان الدول الثماني. Issue 17432 - العدد Thursday - 2026/8/20 الخميس قد يكون مؤتمر الحوار السوداني - السوداني أفضل فرصة، وأحسن ما يمكن أن يحدث للسودانيين مـنـذ انــــدلاع الـــحـــرب. فـــالأوضـــاع الـصـعـبـة والمـعـانـاة المـتـفـاقـمـة والمــخــاطــر الــتــي تــواجــه الــبــاد لا تحتمل استمرار المماحكات السياسية، ولا تسمح بمزيد من إضاعة الوقت في صراعات النخب. الــــــحــــــوار، فــــي الـــــظـــــروف الــــراهــــنــــة، لـــيـــس تــرفــا سياسياً، بـل ضـــرورة وطنية لإخـــراج الــســودان من مـحـنـتـه، مـــع دخــــول الـــحـــرب عـامـهـا الـــرابـــع. وهـنـاك مـا يشبه الاتـفـاق على أن الحل العسكري وحــده لن ينهي أزمة عدم الاستقرار، ولن يضمن أل تكون هذه الحرب آخـر الـحـروب. أمـا المسار السياسي الشامل، فـيـظـل الـطـريـق الأكــثــر قـابـلـيـة لـبـنـاء ســـام مـسـتـدام ودولة مستقرة. لماذا؟ أولاً، لأن وقف الحرب وحماية الدولة من التفكك يتطلبان مسارا سياسيا موازيا للمسار العسكري. فــاســتــمــرار الــقــتــال يـــهـــدد وحـــــدة الــــســــودان ويـعـمّــق الانقسامات الجغرافية والاجتماعية. ويمكن للحوار أن يـوفـر إطـــارا للتوافق يمهد ويـسـاعـد على إنهاء الحرب. ثانياً، لأن السودان يحتاج إلى استعادة قراره الـوطـنـي. فكلما طــال أمــد الـحـرب، ازدادت أهمية أن يـكـون الــسـودانـيــون هــم أصــحــاب الكلمة الأسـاسـيـة في تحديد مستقبل بلادهم. ويمكن للدعم الإقليمي والـــدولـــي أن يــوفــر الـتـيـسـيـر والـــضـــمـــانـــات، لـكـنـه لا يــنــبــغــي أن يـــحـــل مـــحـــل الإرادة الـــســـودانـــيـــة. وهــــذا هـو جـوهـر الــدعــوات المـتـزايـدة إلــى عملية سياسية سودانية القيادة والملكية. ثالثاً، لأن الـحـوار الجاد يجب ألا يقتصر على تقاسم السلطة أو وقـف القتال. فـالأزمـة السودانية أعــمــق مـــن ذلــــك، وتــحــتــاج إلــــى نــقــاش حــــول طبيعة الــــدولــــة والمـــواطـــنـــة والـــعـــدالـــة الانــتــقــالــيــة والـتـنـمـيـة وقضايا الأقـالـيـم، إلــى جـانـب معالجة المظالم التي راكمتها عقود من الأزمات. رابـــــعـــــا، لأن نــــجــــاح الـــــحـــــوار يــتــطــلــب تــوســيــع دائــــــرة المـــشـــاركـــة. لا يـنـبـغـي أن يـــكـــون حـــــوار نخبة ســـيـــاســـيـــة مـــــحـــــدودة، وإنــــمــــا مــنــصــة تـــضـــم الـــقـــوى المــدنــيــة والمـجـتـمـعـيـة، والـــنـــســـاء والـــشـــبـــاب، وســائــر مكونات المجتمع السوداني، ولا تغيب أيضا أصوات الـــنـــازحـــن والـــاجـــئـــن. الــــســــودان أكـــبـــر مـــن أحـــزابـــه ونــخــبــه، ومـسـتـقـبـلـه لا يـمـكـن أن يـــقـــرَّر بــمــعــزل عن شعبه. وهناك، بطبيعة الحال، لغط كثير حول طبيعة الــحــوار: هـل هـو مـبـادرة وطنية مستقلة، أم ترتيب خفي بين الداعين إليه والدولة، هدفه هندسة المشهد وتهيئة الأجــــواء لتعزيز مـوقـع الـفـريـق عبد الفتاح البرهان في السلطة؟ الحقيقة أن الساحة السودانية كانت، وما زالت، مهيأة لأي جهد سوداني خالص يسعى إلى الوفاق الوطني. وهذا ليس أمرا جديدا على السودانيين. بل إن الجهات الإقليمية والدولية نفسها باتت مقتنعة بأن أي حل مستدام يجب أن يكون سودانياً، بقيادة وملكية سودانية. ومـــــن الــــكــــام المــــطــــروح حـــتـــى الآن، فـــــإن لـجـنـة تهيئة الـحـوار مهمتها تيسير الـحـوار لا احتكاره، وجمع الأطـــراف للوصول إلـى تـوافـق وطني شامل. وإذا كـــان الـــحـــوار سـيُــعـقـد فـــي الـــداخـــل، فـــإن ذلـــك لا يــؤدي بالضرورة إلـى أنها هي التي تحدد أجندته أو مـخـرجـاتـه. المـطـلـوب مــن الـــدولـــة، وفـــق مــا طُـــرح، تـوفـيـر الـــدعـــم الـلـوجـسـتـي والــضــمــانــات الـقـانـونـيـة والسياسية والأمـنـيـة الــازمــة. وقــد أعلنت بالفعل اسـتـعـدادهـا لتوفير هــذه الـضـمـانـات ودعـــم الـحـوار وتنفيذ مخرجاته، مـن دون التدخل فـي أعماله، أو إملاء مخرجاته. وهـــنـــا تــحــديــدا يــجــب اخــتــبــار الــنــيــات بـالـفـعـل لا بـــالافـــتـــراضـــات. فـــــإذا كـــانـــت الــضــمــانــات مـتـاحـة، وكان الباب مفتوحا أمام المشاركة، فإن الأجـدى هو الدخول إلى الحوار واختبار ما يمكن أن ينتج عنه، بـــدلا مـن إصـــدار أحـكـام مسبقة عليه. فالمتحاورون هم الذين سيقودون الحوار، ويوجهون مخرجاته، وبذلك يسهمون بتحديد معالم الطريق لاستعادة مسار الفترة الانتقالية. الـــحـــوار المــطــلــوب لـيـس مـحـاصـصـة سـيـاسـيـة، ولا يمنح أي طـــرف بـطـاقـة تلقائية لـتـولـي السلطة أو الــحــصــول عـلـى المــنــاصــب. هــدفــه حلحلة الـعـقـد، وتـــقـــريـــب وجـــهـــات الـــنـــظـــر، ووضـــــع خــريــطــة طـريـق لمرحلة انتقالية تنتهي بانتخابات حــرة ونزيهة، يمكن أن تحسم بصورة ديمقراطية مسألة الشرعية وتختار من يحكم السودان. يـقـول البعض إن الـحـوار لا يمكن أن يـبـدأ قبل وقف الحرب. لكن اشتراط وقف الحرب مسبقا يعني عمليا تعطيل المسار السياسي، وترك المواطن تحت وطأة معاناة تتفاقم يوما بعد يوم. فالحرب لم تنشأ مـن فـــراغ، وإنـمـا انـدلـعـت فـي ظـل خـافـات سياسية وصــــــــراع صــــفــــري ومــــنــــاخ مــــن الإقـــــصـــــاء والـــتـــوتـــر. ولذلك فإن التوافق على خريطة طريق للخروج من الأزمـــة، وترتيبات انتقالية تنتهي إلــى حكم مدني وانـــتـــخـــابـــات، كـــل ذلــــك يــمــكــن أن يــســهــم فـــي تهيئة الظروف السياسية لوقف القتال. وقــــد ســبــق لــلــســودانــيــن، بــعــد ثـــــورة ديـسـمـبـر ، أن انـــخـــرطـــوا فــــي حــــــوارات 2018 ) (كــــانــــون الأول سياسية مع المكون العسكري، انتهت إلى ترتيبات دستورية ومشاركة في السلطة، من دون أن يشترط أحد يومها توقف كل الحروب في أطراف البلاد قبل بدء العملية السياسية. السلطة ليست هدفا في حد ذاتـهـا، بل وسيلة لخدمة البلاد والعباد، أو هكذا ينبغي أن تكون. وقد اكـتـوى الــســودان طـويـا بخلافات النخب والـصـراع الصفري على الكراسي. آن الأوان لأن تتجه الجهود إلى إنقاذ البلد. الـــســـودان، فــي أزمــتــه الــراهــنــة، لا يملك رفاهية الفشل، ولا إضـاعـة فـرصـة أخـــرى لـلـوفـاق. فالشعب الصابر يراقب وينتظر، ومـا يحتاج إليه الآن ليس مزيدا من المزايدات، وإنما نافذة أمل حقيقية. السودان في أزمته الراهنة لا يملك رفاهية الفشل ولا إضاعة فرصة أخرى للوفاق عثمان ميرغني سليمان جودة OPINION الرأي 14 الحوار السوداني... لماذا؟ غزة التي باتت تمثل حاجة في عاصمتين مؤلم أن يتحول القطاع إلى سلعة معروضة في مزاد انتخابي صخب الشاشات ووهم التحليل الرغائبي يــــتــــابــــع المــــشــــاهــــد الــــعــــربــــي فـــــي الـــفـــضـــاء الإعـــامـــي والـــبـــرامـــج الـــحـــواريـــة تــصــاعــدا لافـتـا لـــظـــاهـــرة الــتــفــكــيــر الـــرغـــائـــبـــي، حـــيـــث تــتــراجــع القراءات الاستراتيجية والعسكرية الموضوعية لصالح الترويج للأمنيات وتزيين الأوهــام. لم يعد التحليل السياسي لدى شريحة واسعة من المتصدرين للشاشات جهدا معرفيا يستند إلى مـوازيـن الـقـوى، وحسابات الـــردع، والإمكانات الواقعية على الأرض؛ بل تحول إلى محاولات مستمرة لإعادة تشكيل الواقع وفق ما يشتهيه المـعـلـق أو مــا يطلبه الـجـمـهـور، متجاهلين أن إدارة الصراعات وبناء السياسات لا تخضعان لمنطق الرغبات. هـــــذا الـــنـــمـــط مــــن الـــتـــنـــاول لا يـــعـــدو كــونــه نـقـا مـبـاشـرا لأحــاديــث المـجـالـس وتجاذباتها الــعــاطــفــيــة إلــــى الـــفـــضـــاء الــــعــــام. وبــــــدلا مـــن أن تــــــؤدي وســــائــــل الإعـــــــام دورهـــــــا المـــفـــتـــرض فـي تقديم خلاصات رصينة ترتكز على المعلومات الموثقة وسياقاتها الاستراتيجية، بات بعض المحللين عالة على المتلقي، يكررون انطباعات شائعة ويغذون فهما قاصرا للأحداث. يفترض بالمتابع أن يجد في هذه المنابر منصات ترفع من مستوى وعيه، وتشرح له المشهد كما هو، لا كما يتمنى أن يكون، ليتشكل لديه إدراك ناضج يعينه على فهم تحديات مجتمعه وأداء واجبه الوطني بمسؤولية وثبات أمام الأزمات. وفـــي الـعـديـد مــن الــبــرامــج الــحــواريــة التي تـسـتـضـيـف وجـــوهـــا مـــتــعــددة، نــجــد الـضـيـوف ينخرطون في معارك لفظية بحماسة مفرطة، يـصـور للمتابع أن الانـتـصـار فـي هــذا الـجـدال، عبر إفحام الخصم، سيؤثر فعليا على الحقائق الصلبة القائمة على الأرض. ويمثل هذا المشهد إحـــدى أخـطـر الـنـقـاط تـأثـيـرا على الـوعـي العام للجماهير، التي تجد نفسها تتابع حربا لفظية استعراضية كبديل زائف عن الحرب الحقيقية الــدائــرة على الأصــعــدة العسكرية والسياسية والاقتصادية، وكأن كسب الجولة على الشاشة يعادل كسبها في الميدان. تـتـفـاقـم خـــطـــورة هــــذا الــخــطــاب الإعـــامـــي حــن يـتـقـاطـع مــع نـقـاشـات مـنـصـات الـتـواصـل الاجــــتــــمــــاعــــي؛ فــــالــــشــــاشــــات تــــغــــذي المـــنـــصـــات بـالـرغـبـات المــؤدلــجــة، وتــعــود المـنـصـات لتعيد تـدويـرهـا بـحـدة واستقطاب أعـلـى، مما يخلق بيئة رقمية مغلقة تـرفـض الحقائق الصادمة وتـــطـــارد الأصـــــوات المــتــزنــة. وفـــي هـــذه الــدائـــرة المغلقة، يتحول التقييم الواقعي للأخطار إلى ما يشبه التخاذل في نظر العوام، بينما يُحتفى بــالــتــهــويــل والــــوعــــود الـــجـــوفـــاء بـوصـفـهــا قمة الشجاعة والوعي. ورفـــع المـعـنـويـات أو الـواقـعـيـة فــي النظرة للخصم كلاهما لا يتعارض متى ما استند إلى قـــراءة رصـيـنـة، غير أن الخلط بـن رفــع الــروح المــعــنــويــة وتــخــديــر الــعــقــل الـجـمـعـي بـــالأوهـــام يمثل خيانة للمسؤولية الإعلامية. فالمعنويات الصلبة لا تُبنى على استصغار قدرات الخصم أو إنكار معطيات الميدان، بل تتأسس على إدراك حجم التحديات والتعامل معها بشفافية. وفي المقابل، فـإن الواقعية لا تعني الانهزامية بأي حــال، بـل تعني التقييم الدقيق لمـوازيـن القوى بما يتيح تجنب المغامرات غير المحسوبة التي قد تكلف المجتمعات أثمانا باهظة. إن تــزيــيــف الــــواقــــع بـــاســـم الـــتـــفـــاؤل يمثل خطرا حقيقيا على الأمــن المجتمعي والفكري؛ فالأمم الواعية تبني استراتيجياتها على أسوأ السيناريوهات المحتملة، وتتعامل مع موازين الــقــوى بـحـسـابـات دقـيـقـة لا تحتمل المـجـامـلـة. والـواجـب الوطني يقتضي اليوم مواجهة هذا الـــطـــوفـــان مـــن الـتـحـلـيـات الــرغــائــبــيــة، وإعــــادة الاعتبار للعقلانية والموضوعية كمدخل وحيد لفهم الأزمــات ورفـع مستوى الوعي العام لرفد المتلقي بمادة فكرية تساعده في أداء واجباته الوطنية. الواجب الوطني اليوم يقتضي مواجهة طوفان التحليلات الرغائبية وإعادة الاعتبار للعقلانية والموضوعية عبد الله فيصل آل ربح

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky