ثلاثة انتخابات مهمة في شهري أكتوبر (تشرين الأول) ونوفمبر (تشرين الثاني) المقبلين، تُعقد على الترتيب في كل من البرازيل، وإسرائيل، وأميركا. ففي الرابع من أكتوبر، تُعقد في البرازيل الجولة الأولـى من الانتخابات العامة: رئاسية، وبرلمانية. جميع مقاعد مجلس من 54( مقعداً)، وأغلبية مقاعد مجلس الشيوخ 513( الـنـواب مـــقـــعـــداً)، فـــضـــا عـــن حـــكـــام الــــولايــــات. وهـــنـــاك جـولـة 81 أصــــل أكـتـوبـر فــي حـــال فـشـل أي 25 ثـانـيـة مــن المحتمل أن تُــعـقـد يـــوم من المرشحين للرئاسة في الحصول على الأغلبية في الجولة الأولـــى. تُشير الترجيحات إلـى أن الجولة الثانية ستكون بين الرئيس الحالي للبلاد لويز إيناسيو لـولا دا سيلفا عن حزب «الــعــمــال»، وفـافـيـو بـولـسـونـارو نـجـل الـرئـيـس الـسـابـق جاير بولسونارو. استطلاعات الـرأي العام تميل لصالح الرئيس دا في المائة. 42 مقابل 48 سيلفا بنسبة أكــتــوبــر، تـبـدأ انـتـخـابـات الكنيست الإسـرائـيـلـي 27 وفـــي عــضــوا فــي الــبــرلمــان، يعقبها تشكيل الائــتــاف 120 لانــتــخــاب الـحـكـومـي، واخــتــيــار رئــيــس الـــــوزراء الــجــديــد. تُــشـيـر الـتـقـاريـر الإعــامــيــة الـغـربـيـة إلـــى مـنـافـسـة حـامـيـة بــن حـــزب «الـلـيـكـود» بقيادة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، وحــزب بـرز مؤخرا «يـشـار» يتزعمه ضـابـط سـابـق فـي الجيش الإسـرائـيـلـي برتبة رئيس أركـــان مـن أصــول مغربية اسمه غــادي آيـزنـكـوت، والـذي يتقدم القائمة في استطلاعات الـرأي العام. وكما هو معروف، فــــإن الانـــتـــخـــابـــات الإســـرائـــيـــلـــيـــة الــقــائــمــة عــلــى نـــظـــام الـتـمـثـيـل التناسبي لا تمنح فرصة لحزب للحصول على أغلبية تتيح له الحكم منفرداً، بل لا بد من ائتلاف حزبي. وفـــــي الـــثـــالـــث مــــن نـــوفـــمـــبـــر، تـــدخـــل أمـــيـــركـــا الانـــتـــخـــابـــات الـتـشـريـعـيـة الـنـصـفـيـة لانــتــخــاب كــامــل مـقـاعـد مـجـلـس الــنــواب مقعدا مـن مقاعد مجلس الشيوخ 35 مقعداً) و 435( الأميركي ولايـة، 39 ، بـالإضـافـة إلـى انتخابات حكام الــولايـات فـي 100 الـــــ وإقــلــيــمــا. وتـكـتـسـب هــــذه الانـــتـــخـــابـــات أهــمــيــة كـــبـــرى لـتـحـديـد موازين القوى في الكونغرس، وشكل السيطرة البرلمانية على التشريعات والسياسات العامة خلال النصف الثاني من الولاية الرئاسية للرئيس الجمهوري دونالد ترمب. تـــعـــد الانـــتـــخـــابـــات الـــثـــاثـــة المـــرتـــقـــبـــة، فــــي آراء الـــخـــبـــراء والمـعـلـقـن، ذات أهـمـيـة جيواستراتيجية مفصلية؛ إذ تعكس صراعات عميقة حول الحكم، والتوازن بين السلطات، ومستقبل التحالفات الدولية. ففي الـبـرازيـل، يُنظر إلــى الرئيس الحالي لــولا دا سيلفا في حزب «العمال» باعتباره الشخصية الوحيدة القادرة على حشد تحالف واسع ومتنوع لمواجهة اليمين الراديكالي. ورغم أن الرئيس لولا دا سيلفا تجاوز الثمانين من العمر، فإنّه يتمتع بلياقة بـدنـيـة جــيــدة. وهـــو يـــرى أن تـرشـحـه تـفـرضـه الــضــرورة لحماية التجربة الديمقراطية، ومنع عودة اليمين البولسوناري ممثلا فـي الابــن فلافيو، ويــرى كذلك أن إنـجـازاتـه الاقتصادية والاجتماعية تمنحه المشروعية لقيادة البلاد في هذه المرحلة الحاسمة. وفــــي إســـرائـــيـــل، كــمــا أشــــرنــــا، يــتــوقــع المــحــلــلــون احــتــمــال خـــســـارة حـــزب «الــلــيــكــود»، وســـقـــوط نـتـنـيـاهـو؛ حـيـث تـخـوض أحــــــزاب المـــعـــارضـــة والــتــكــتــات المــنــافــســة مــعــركــة شـــرســـة ضد ائتلاف «الليكود»، مستفيدة من التوتر حـول ملفات التجنيد الـعـسـكـري لـلـحـريـديـم، والأزمـــــات السياسية والأمـنـيـة المـمـتـدة. وتـفـضـي خــســارة «الـلـيـكـود» وخــــروج نتنياهو مــن الـحـكـم إلـى تغيير خريطة الائتلافات، بفتح الباب أمام حكومة أكثر اعتدالاً، كما تــؤدي إلـى تجريد نتنياهو من الحصانة السياسية التي كانت تحميه، وتحول دون مقاضاته في قضايا الفساد المرفوعة ضده. وفـــــي أمــــيــــركــــا، ســـتـــكـــون الانـــتـــخـــابـــات بـــمـــثـــابـــة اســتــفــتــاء مباشر على أداء إدارة الرئيس تـرمـب. وفـي حـال فـوز «الحزب الــديــمــقــراطــي» بـالأغـلـبـيـة فـــي مـجـلـس الـــنـــواب أو الــشــيــوخ (أو كليهما)، ستصاب إدارة الرئيس بالشلل، ويفقد الـقـدرة على تـمـريـر الــقــوانــن والـتـشـريـعـات الـرئـيـسـة بـسـهـولـة، وسيضطر للاعتصام بـالـقـرارات التنفيذية. ويبقى مـن المهم الإشـــارة إلى أن الأغلبية في الكونغرس تمنح اللجان البرلمانية صلاحيات عــــديــــدة، مــــن أهـــمـــهـــا اســـتـــدعـــاء المــــســــؤولــــن، وطـــلـــب الـــوثـــائـــق، وتمحيص سياسات الإدارة المالية والخارجية بشكل صارم. موسما حاسما في المشهد السياسي 2026 يبدو خريف الــدولــي. ثـاثـة انـتـخـابـات، وإن اختلفت سياقاتها ودوافـعـهـا، تــتــقــاطــع فـــي أنـــهـــا قـــد تُــعــيــد رســــم مــــوازيــــن الـــقـــوى فـــي أمـيـركـا اللاتينية، والشرق الأوسط، والولايات المتحدة على حد سواء. يواجه الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا اختبار الاستمرارية فــــي ظــــل انـــقـــســـام بــــرازيــــلــــي حــــــاد، ويــــخــــوض رئـــيـــس الــحــكــومــة الإسرائيلية نتنياهو أهم انتخابات في حياته السياسية، فيما تترقب واشنطن بقلق نتائج الانتخابات، لأنها قد تُعيد تشكيل موازين الكونغرس في منتصف ولاية الرئيس ترمب الثانية. اللافت للاهتمام أن نتائج هـذه الاستحقاقات، مجتمعةً، لن تقتصر تداعياتها على حدود كل بلد، بل ستمتد لتؤثر في مسار السياسة الدولية خلال السنوات المقبلة. قــبــل أن يـــغـــوص فـــي الـتـجـربـة الـاتـيـنـيـة، يــذهــب الـكـاتـب لورانس هاريسون إلى الشرق الآسيوي. الاقتصادي السويدي غونار ميردال نشر كتابا بعنوان «الدراما الآسيوية: بحث في فقر الأمم» شرح فيها أسباب التنمية والفقر. الــخــاصــة الــتــي خــــرج بـهـا مـــيـــردال أن الـــعـــوامـــل الثقافية تشكّل العائق الأكبر أمام التحديث. الثقافة تتغلغل عميقا في البنية الثقافية والسياسية والاقتصادية وتهيمن على النظام الاجتماعي بالكامل. علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا أخفقوا في فهم الدور الكبير للثقافة، وارتكبوا خطأ كبيرا عندما استبعدوها. يكتب مــيــردال عـن هــذا الإخــفــاق: «قــد يـبـدو أن هـنـاك تفسيرا واضحا لـذلـك، وهــو أن الـعـوامـل الـتـي يـجـري استبعادها مـن التحليل الاقـــتـــصـــادي - مــثــل المـــواقـــف الــذهــنــيــة، والمـــؤســـســـات، وأنـــمـــاط ومستويات المعيشة، والثقافة بصورة عامة - أصعب بكثير في الفهم والتحليل المنهجي من العوامل الاقتصادية المزعومة». قــيــم الــتــحــديــث مــثــل الـعـقـانـيـة والمــــســــاواة والاجـتـمـاعـيـة والاقـــتـــصـــاديـــة، جـــــاءت مـــن خـــــارج الــثــقــافــة الــتــي تـشـكّــلـهـا قـيـم تقليدية أخرى مختلفة تماما تتحكَّم في سلوك الجماهير. هذه القيم شكَّلت العقول ولكنَّها مثَّلت عقبة كبيرة أمام التغيير. رئــيــس الـــــوزراء الـهـنـدي نـهـرو الـــذي كـــان ينتمي للنخبة الفكرية والسياسية، كتب عن هـذا التَّصادم بين نظامَي القيم القديم والجديد: «إن البلد الـخـاضـع لهيمنة أجنبية يـحـاول الــهــروب من حـاضـره مـن خـال الأحــام بعصر ذهبي مضى، ويجد عــزاءَه في رؤى العظمة الماضية. وهذا موقف أحمق وخطير يقع فيه كثيرون منا. من الممارسات المشكوك فيها كذلك أن نتخيل أنَّنا ما زلنا عظماء روحيا رغم تراجعنا في الجوانب الأخرى. فلا يمكن أن تقوم العظمة الروحية أو أي عظمة أخرى على غياب الحرية والفرص أو على الجوع والبؤس». لا أوافق إطلاقا على تمجيد حياة الفلاح البسيطة. بل أكاد أشعر بالنفور منها. فما الذي يستحق التمجيد في ذلك الفلاح الذي سحقته واستغلته أجيال لا تحصى؟ ورغــم السلبيات التي جلبها الاستعمار البريطاني إلى الـهـنـد، فـإنـه حقق مـن جـانـب آخــر قـــدرا مـن التحديث لـم يعرفه الـهـنـود سـابـقـا. ويــقــول غــونــار مـــيـــردال إن كـــارل مــاركــس أشــار إلــــى شــــيء مــشــابــه لــذلــك بـحـديـثـه عـــن الـــثـــورة الــتــي حــدثــت في الهند. بريطانيا أدخلت الجيش الحديث والصحافة والتعليم والتقنيات الحديثة، وأسهمت بشكل كبير في تشكيل مفهوم الأمـــة. رغــم كـل أوجــه الـقـصـور، فإنه أيضا حقق مـن جانب آخر منافع وتحديثات في بنية المجتمع. ميردال يقول إن غياب الولاء للأمة والوطن يحدِث أضرارا جسيمة فــي المـجـتـمـع. ينتشر الـفـسـاد والمـحـسـوبـيـة وتُستغل السلطة لمصلحة العائلة والجماعة والطائفة. أي أن المجتمع يتعرض للتفتيت الكامل. ومـع هــذا، فــإن الثقافة ليست عصيَّة على التغيير، حيث يمكن تغييرُها من خلال التعليم والإعــام وإصـاح الاقتصاد. ويـضـيـف الـكـاتـب: «مـــن مـنـظـور التنمية، يـجـب أن يــكــون هـدف التعليم لـيـس فـقـط نـقـل المـعـرفـة والمـــهـــارات، بــل عقلنة المـواقـف والاتـجـاهـات الثقافية». بكلمة أخـــرى، عقلنة الثقافة لجعلها داعما للتنمية وليس عقبة في وجهها. إذا كـان المجتمع يمتلك المــال والتاريخ والمـــوارد الطبيعية والموقع الجغرافي المميز، ولكن الثقافة تشجع على المحسوبية وازدراء العمل، والـخـوف مـن التغيير، والإحـسـاس بالضحية، وإلقاء اللوم على عوامل خارجية، والولاء للعائلة والقبيلة على حساب الدولة، فإن التنمية ستظل متعثرة والمجتمع لن يعرف ثمرات التقدم. العالم الاقتصادي آرثـر لويس كـان من أوائـل الاقتصاديين الـــذي اهـتـمـوا بـــدور الثقافة فـي الازدهــــار الاقــتــصــادي. بالنسبة لــه ليست فـقـط الأرقـــــام مهمة ولـكـن الـقـيـم الثقافية أيــضــا. وفـي كتاباته يشير لويس إلى أن التنمية الاقتصادية مرتبطة بالموقف الاجتماعي تجاه العمل وتشكيل الثروة والادخار وإنجاب الأطفال وغير ذلك من المبادئ التي تشكل العقل الجمعي لمجتمع ما. الدين أيضا يلعب دورا عميقا في بنية الثقافة. قد يكون دورا إيـجـابـيـا أو سـلـبـيـا. إيـجـابـيـا إذا عــــزَّز قـيـمـا مـثـل الـصـدق والادخار والتفكير العقلاني، وسلبيّا إذا شجَّع على العكس من كل ذلك. ويلاحظ الكاتب نمطا متكررا من الإنجاز لدى جماعات دينية معيَّنة، مثل الطائفة المسيحية «الهوغونوت» التي برعت في صناعة الزجاج والنسيج. وقيم الالتزام والانضباط واحترام العمل وقيمة الوقت قادت أفرادَها إلى النجاح. ما يقوله لويس إن الفقر لا يُفسَّر دائما بأسباب اقتصادية محضة، بل إن الثقافة التي يتشربها الفرد منذ الصغر هي التي تـقـوده إلــى الـنـجـاح الاقـتـصـادي أو الـتـعـثـر. فـي أحـيـان كثيرة، الثقافة تسبق الاقتصاد وتقوده. زرع الـــقـــيـــم الـــتـــي تـــحـــض عـــلـــى الـــعـــمـــل الــــجــــاد والادخـــــــار والابتكار والمخاطرة المحسوبة والسعي القوي لتحقيق الذات، كلها عوامل تساعد الأمم على النهوض حتى لو كانت مواردُها الطبيعية ضئيلة. كوريا الجنوبية واليابان وسنغافورة، أمثلة ساطعة على ذلك. في المقابل، تدخل أمم عدّة لديها وفرة من الموارد الطبيعية في دوَّامة من الفشل؛ وذلك لأنَّها لا تملك القيم الثقافية المشجعة على النجاح والتميز. من النقاط المثيرة التي يطرحها هو أن الـعـائـلـة الـكـبـيـرة قــد تعيق التنمية. الــــولاء للعائلة أو القبيلة يـصـبـح أقــــوى مــن الــــولاء لــلــوطــن. ولــهــذا تنتشر المـحـسـوبـيَّــات والفساد والتوظيف بـنـاء على أواصـــر القربى وليس الكفاءة. الدَّم يتفوق على الرابطة الوطنية. نقطة أخـرى مهمة حـول المكانة التي يخصصها المجتمع للنجاح الــفــردي ولـيـس فقط وظـائـف معينة. إذا كــان المجتمع يقدّر المبتكر والتاجر والمخترع والخلاق والمبدع ورائد الأعمال، فسيتحرك المجتمع فــي هـــذا الاتـــجـــاه، وفـــي حـــال دعـــم المجتمع الوظيفة الـبـيـروقـراطـيـة، فـسـوف يميل إلــى تعظيم مكانة هذه الوظائف ويؤثر على المجتمع ككل. الأحـــــاف الـعـسـكـريـة مهمتُها تـوفـيـر مــــظــــلــــة أمــــنــــيــــة أو عـــــامـــــل ردع، لــيــتــيــقَّــن المعتدي أن مضار عـدوانـه تغلب منافعه؛ والـتـحـالـف ليس مـقـصـورا على الـصـداقـة؛ بل هو مقايضة تحقق بها كل دولة هدفها؛ فالسياسة ليست بـــازارا خيرياً، إنَّــمـا هي مـصـالـح. والاتـفـاقـيـة بــن المملكة العربية الـسـعـوديـة وبـاكـسـتـان وتـركـيـا تستهدف تــــلــــك المــــصــــالــــح المــــفــــتــــرضــــة، وتــحــقــيــقــهــا يـقـوي الاتـفـاقـيـة، ويُــحـفـز دولا أخـــرى على الانضمام. وهـذا ما قاله موقعو الاتفاقية بأنها مفتوحة لدول أخرى، وليست بديلا لأي تحالف آخر. وإذا نـظـرنـا لمـنـطـقـة الـــشـــرق الأوســـط فـــســـنـــرى دولــــتــــن تـــرغـــبـــان فــــي الــســيــطــرة والـــــنـــــفـــــوذ، وتـــتـــســـلـــحـــان بـــآيـــديـــولـــوجـــيـــة توسُّعية، ولا تقيمان وزنا للقانون الدولي، وحـسـن الــجــوار: الأولـــى إسـرائـيـل المرتكبة لفظائع فـي غــزة ترقى لمستوى «الإبــــادة»، وتـحـتـل أراضـــــي فـــي لـبـنـان وســـوريـــا، ولـم تـــســـلـــم مـــــن عـــــدوانـــــهـــــا حــــتــــى دولــــــــة قـــطـــر. والـثـانـيـة إيــــران المــؤدلــجــة، بميليشياتها المــســلــحــة، والـــتـــي تـسـتـهـدف دول الخليج بــذريــعــة مــحــاربــة أمـــيـــركـــا. ولا عــجــب إذن أن تـتـوجـه لهما الأنــظــار بـمـا تـقـومـان بـه، ويرتسم تساؤل: كيف يمكن الردع؟! المـــــمـــــلـــــكـــــة تــــســــعــــى مــــــــن خــــــــــال هـــــذه الاتـفـاقـيـة لتحقيق ســـام فــي المنطقة عبر استعادة تــوازن الـقـوى، وبناء منظومتها الدفاعية، والانصراف إلى تحقيق رؤيتها الاقــــتــــصــــاديــــة الــــكــــبــــرى. وتــــركــــيــــا تـطـمـح لــــــدور أكـــبـــر فــــي المـــنـــطـــقـــة، وتـــعـــزيـــز أمـنـهـا فـــي الــبــحــر الأحـــمـــر، وتــطــويــر صـنـاعـاتـهـا بـاسـتـثـمـارات مـالـيـة تـنـطـوي عـلـى قبولها بـنـقـل الــتــكــنــولــوجــيــا لــلــشــريــك المـسـتـثـمـر، علاوة على ترويج سلعها في سوق المنطقة الـواسـع. أمَّــا باكستان المتحالفة أصـا مع المملكة فستكسب بانضمام تركيا تعاونا أوســـع فـي الـصـنـاعـات العسكرية، والـدعـم الاقتصادي، وستحظى بثقل سياسي في مـنـطـقـة اسـتـراتـيـجـيـة تـكـسـب بـهـا احــتــرام دول كبرى كأميركا والصين. بهذا التحالف سيتغير وجه المنطقة، لـــوجـــود لـــوجـــود روادع قــويــة إذا تـهـربـت أمـــيـــركـــا مـــن الـــتـــزامـــاتـــهـــا. وهـــــذا الـتـطـابـق بـالمـصـالـح دفـــع مـوقِّــعـي الاتـفـاقـيـة لـلـقـول: «أي اعــــتــــداء عــلــى دولـــــة ســيــكــون بـمـثـابـة اعـتـداء على الـــدول الأخــــرى». وهـــذا النَّص يـحـاكـي المـــــادة الـخـامـسـة لـحـلـف «الــنــاتــو» الـتـي تـشـتـرط أن لـلـدولـة الــحــق فــي اتـخـاذ «الإجــراء الـذي تـراه ضرورياً»، ومعناه أنَّه لا يوجد الـتـزام عسكري فـــوري. وبما أننا لا نعرف تفاصيل الاتفاقية الثلاثية، فقد لا يكون هذا الاشتراط موجوداً، وإذ وُجد فهو من باب الغموض الاستراتيجي الأكثر نــفــعــا، لمـنـحـه مــوقِّــعــي الاتــفــاقــيــة قـــــدرا من الاستقلالية، كما أنه يربك حسابات الدولة المعتدية لغموض كيفية الرد. وبـــــمـــــا أن إيـــــــــــران وإســــــرائــــــيــــــل هــمــا المــزعــزِعــتــان لـلـمـنـطـقـة، فـــإن ردَّيــهــمــا على الاتـفـاقـيـة اختلفا فـي الشكل وتــوحَّــدا في المضمون: وزير الخارجية الإيراني عباس عـراقـجـي اعـتـبـر الاتـفـاقـيـة مـفـيـدة لـوحـدة الــــدول الإســامــيــة، ونــافــذة تـمـهـد لـخـروج الــــغــــربــــاء (أمــــيــــركــــا) مــــن المـــنـــطـــقـــة، ولـــكـــن متشددي إيـران صنفوها تهديدا مباشرا لــجــمــهــوريــتــهــم الــــثــــوريــــة. أمـــــا إســـرائـــيـــل فرأتها خطرا عليها وعلى مصالحها في المنطقة. ومهما كان ردهما فهما يدركان أن التحالف يُضيِّق خياراتهما العسكرية. قد تـؤدي الاتفاقية إلـى تحالفات مضادة في المنطقة، ولكن ذلك لن يؤثر في الهدف الاستراتيجي وهو تحقيق توازن القوى؛ فـالـتـحـالـفـات المــتــضــادة، خـــاف الاعـتـقـاد، تـقـلـل الـــحـــروب، وتــفــتــح آفــــاق تـــعـــاون بين الخصوم؛ ففي قمة الـحـرب الـبـاردة أطلق الأمـــــن الـــعـــام لــلــحــزب الــشــيــوعــي لـيـونـيـد بريجنيف نـظـريـة الـتـعـايـش الـسـلـمـي مع أميركا الرأسمالية. وهذه النظرية لم تأت من فراغ؛ بل من معرفة الجميع بأن الحرب مكلفة للجميع، والأفــضــل التعايش بـدلا من التحارب. الثابت أن موازين القوى في المنطقة مختلة لصالح إيـــران وإسـرائـيـل، والــتــدخــل الأمــيــركــي لــم يــــردع إيـــــران، ولـم يوقف التوغل الإسرائيلي، وهـذه المنطقة حـــيـــويـــة بـــحـــيـــث لا تــحــتــمــل حــــروبــــا غـيـر مــتــوازنــة. والـتـحـالـف يــعــد بـــاكـــورة مهمة لإعـــــادة الــــتــــوازن، بــعــدمــا تــبــيَّــنــت الـحـيـرة الأميركية، والغياب الصيني، والانسحاب الروسي من المنطقة. وارتــــــبــــــاط دول الـــتـــحـــالـــف مـــــع دول صــديــقــة ومـــعـــاديـــة يــخــدمــهــا دبـلـومـاسـيـا وسياسياً؛ فالمملكة علاقتها قوية بالهند غريمة باكستان، وكذلك تركيا وباكستان بـإيـران وأمـيـركـا، وهــذا يوفر منصة حـوار دبلوماسي، وعلاقات تجارية، تساهم في نزع فتيل عدوان محتمل، وتقلل من فرص المـــواجـــهـــة الــعــســكــريــة. فـالمـمـلـكـة قـــد تـكـون وسيطا بين الهند وباكستان، وباكستان قد تكون وسيطا بين إيران ودول الخليج، وتــــركــــيــــا قــــد تــــكــــون ســــــدا أمـــــــام تـــهـــديـــدات إســرائــيــلــيــة فـــي لــبــنــان أو ســــوريــــا. ودول الاتــفــاقــيــة قـــــادرة عـلـى مــمــارســة الـضـغـوط عـلـى أمـيـركـا لحمل إسـرائـيـل عـلـى القبول بتسوية عــادلــة لقضية فلسطين؛ وقـــادرة كــذلــك عـلـى حـمـل الــصــن -وحــتــى روســيــا- وغـــيـــرهـــا عــلــى الانـــضـــمـــام لــتــســويــة تعيد التوازن لمنطقة الشرق الأوسط. اتــفــاقــيــة مــكــة نـقـلـة نــوعــيــة، كــمــا قــال المــــــؤرخ الـــرومـــانـــي فـــافـــيـــوس ريـــنـــاتـــوس، لكسب الـحـرب قبل خوضها؛ لأن المعتدي سيدرك نظريا أن خصومه أكثر استعداداً، وردعـــا، وسيعرف عمليا إذا ما غامر ماذا سينتظره من مفاجآت. OPINION الرأي 12 17430 - العدد Tuesday - 2026/8/18 الثلاثاء التَّخلف حالة ثقافية... الثقافة قبل الاقتصاد! خريف الصناديق اتفاقية مكة حصار للحروب وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com أحمد محمود عجاج ممدوح المهيني جمعة بوكليب
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky