علوم SCIENCES 16 Issue 17429 - العدد Monday - 2026/8/17 الاثنين الانقسام المقبل يدور حول من يملك القدرة على تطويره وتنظيمه وجني ثماره الذكاء الاصطناعي يُسرّع وتيرة اتساع الفجوة الرقمية واشنطن: «الشرق الأوسط» لحظة تلو الأخـــرى، يرسخ الذكاء الاصـطـنـاعـي سـريـعـا وجــــوده بصفته جزءا من البنية التحتية اليومية - لكن فــي بـعـض الأمــاكــن فـقـط؛ فـهـو يساعد في كتابة الرسائل الإلكترونية ورموز البرمجيات، ويُستخدم في فرز طلبات التوظيف، ودعم أنظمة التوصية. كما يـجـري دمــجــه، عـلـى نـحـو مـتـزايـد، في مـــجـــالات الـتـعـلـيـم والـــرعـــايـــة الصحية والــتــمــويــل والإدارة الـــعـــامـــة. والـــيـــوم، ترفع قـيـادات الصناعة شعار «الـذكـاء الاصطناعي للجميع»، في حين تسارع الــحــكــومــات إلــــى نــشــر اسـتـراتـيـجـيـات وطـــنـــيـــة، وبــــنــــاء قــــدراتــــهــــا الـــســـيـــاديـــة بمجال الحوسبة. غـــيـــر أن الـــتـــجـــربـــة عـــلـــى امــــتــــداد الـعـقـد المـــاضـــي، مــن خـــال الـعـمـل على مـــشـــروعـــات الـــشـــمـــول الـــرقـــمـــي ومــحــو الأمـــيـــة الـرقـمـيـة فـــي مـنـاطـق تـمـتـد من أوروبــــا إلــى أفريقيا جـنـوب الصحراء وجــــــنــــــوب شــــــــرق آســــــيــــــا، تـــكـــشـــف عــن نــمــط مــتــكــرر: فــكــل مـــوجـــة جـــديـــدة من الــتــكــنــولــوجــيــا «الـــتـــحـــويـــلـــيـــة»، تـصـل إلـــى واقـــع قـائـم بالفعل عـلـى تـفـاوتـات فـــــي الاتـــــصـــــال والمـــــــهـــــــارات والـــــقـــــدرات المــــــؤســــــســــــيــــــة، كـــــمـــــا كــــتــــبــــت دانــــيــــكــــا رادوفـانـوفـيـتـش فـي مجلة «سبكترم» الـــــــصـــــــادرة عــــــن جـــمـــعـــيـــة المـــهـــنـــدســـن الكهربائيين الأميركية. إن المــــوجــــة الـــحـــالـــيـــة مــــن الــــذكــــاء الاصطناعي ليست استثناءً، بل إنها تُــفـاقـم هـــذه الانـقـسـامـات الـقـائـمـة على صعيد الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، تستكشف بعض الدول ســـبـــل المــــشــــاركــــة فـــــي تـــطـــويـــر الــــذكــــاء الاصــطــنــاعــي، دون الـــدخـــول مـبـاشـرة فــــي ســـبـــاق الـــنـــمـــاذج المـــتـــقـــدمـــة، الــــذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين. وتكشف التطورات الأخيرة في جنوب أفريقيا وإندونيسيا، عن حجم الفرص والـتـحـديـات فـي آن واحـــد؛ فالمسألة لا تتعلق فقط بإتاحة الوصول إلى الذكاء الاصــطــنــاعــي؛ إذ إن الــــدول الــتــي تظل مجرد مستهلكة له، لا منتجة، تخاطر بـفـقـدان فــرص بـنـاء منظومات ابتكار محلية، وتعزيز قــدرات القطاع العام، وضــــمــــان تــمــثــيــل لــغــاتــهــا وثــقــافــاتــهــا وأولـــويـــاتـــهـــا المــجــتــمــعــيــة داخــــــل هـــذه الأنــــظــــمــــة. وبـــــذلـــــك، تـــتـــحـــول الـــفـــجـــوة على صعيد الــذكــاء الاصـطـنـاعـي، إلى فجوة على صلة بالفرص الاقتصادية والنفوذ التكنولوجي. تمركز القدرات وتفاوت المهارات • تمركز قـــدرات الـذكـاء الاصطناعي. تـــشـــيـــر تـــحـــلـــيـــات حــــديــــثــــة صــــــــــادرة عــن جامعة ستانفورد في تقرير مؤشر الذكاء ، إلـى أن الولايات 2026 الاصطناعي لعام مركز 5000 المتحدة وحدها تضم أكثر من بيانات، أي مـا يزيد على عشرة أضعاف أي دولــة أخـــرى. ومـع تـزايـد اعتماد أعباء الـــعـــمـــل المـــرتـــبـــطـــة بــــالــــذكــــاء الاصــطــنــاعــي على المنصات السحابية، بــدلا من البنية التحتية المحلية، يتحول هـذا التركز إلى تـركّــز فـي التبعية كـذلـك. وحـسـب بيانات البنك الدولي، استحوذت الولايات المتحدة في المائة من مجمل 87 على نحو 2023 عام صــــــادرات خـــدمـــات الــحــوســبــة الـسـحـابـيـة وتخزين البيانات عالمياً. وفــيــمــا يــخــص مـعـظـم الــــــدول، يعني ذلك أن تطوير الذكاء الاصطناعي يجري إســنــاده خـارجـيـا، ليس فقط مـن الناحية الـتـكـنـولـوجـيـة، بـــل كــذلــك مـــن الـنـاحـيـتـن الــتــجــاريــة والـجـيـوسـيـاسـيـة، بـمـا يضعه خـــارج نـطـاق سـيـطـرتـهـا. ويـنـتـج مــن ذلـك نـظـام بيئي يتركز فيه تشغيل المحركات الحاسوبية، التي تدعم الأنظمة العالمية، في أيدي عدد محدود من الدول والشركات. أضـــــف إلـــــى ذلــــــك، أن الأنـــظـــمـــة الــتــي يــــجــــري تـــدريـــبـــهـــا وتــــوحــــيــــد مــعــايــيــرهــا وإدارتـهـا ضمن بيئات مؤسسية ولغوية مـــحـــدودة، قـــد تـجـابـه صـعـوبـة فـــي خـدمـة جمهور عالمي حقيقي. • تفاوت عميق في المهارات والمعرفة بــالــذكــاء الاصــطــنــاعــي. حـتـى فــي الأمــاكــن الــــتــــي تــــتــــوافــــر فـــيـــهـــا خـــــدمـــــات الاتــــصــــال والـــــوصـــــول إلـــــى الـــحـــوســـبـــة الــســحــابــيــة، لا يـتـمـتـع الـجـمـيـع بـــالـــقـــدرة نـفـسـهـا على الاســــتــــفــــادة مـــنـــهـــا. وعـــلـــى ســبــيــل المـــثـــال، عــبــر دول مـنـظـمـة الـــتـــعـــاون الاقـــتـــصـــادي في المائة 40 والتنمية، لا يمتلك سوى نحو مـــن الــبــالــغــن مـــهـــارات تــتــجــاوز المـسـتـوى الأســاســي فـي حـل المـشـكـات الـرقـمـيـة، في حـن تظل الـكـفـاءات المتقدمة فـي مجالات الحوسبة والذكاء الاصطناعي متركزة بين العاملين ذوي التعليم العالي، والقطاعات كثيفة الاعتماد على التكنولوجيا. وبــــــالــــــتــــــزامــــــن مـــــــع ذلـــــــــــك، تـــتـــســـابـــق الــحــكــومــات لإدمـــــاج الـــذكـــاء الاصـطـنـاعـي فــي التعليم، وغـالـبـا مــا تـبـدأ مــن المـراحـل الـتـعـلـيـمـيـة الــعــلــيــا. وقــــد أفــــــادت منظمة «يونيسكو» بوجود جهود متزايدة عالميا لدمج الذكاء الاصطناعي في التعليم، في حين لا يزال دعم ثقافة الذكاء الاصطناعي في صفوف التعليم الابتدائي والإعـدادي، وكـــذلـــك تـــدريـــب المــعــلــمــن عــلــى الــجــوانــب الأخلاقية المرتبطة به، متفاوتا بين الدول. بـــــوجـــــه عـــــــــام، يـــــعـــــد الأفـــــــــــــراد الــــذيــــن يتمتعون بتعليم قـــوي، ومــهــارات رقمية مـــتـــقــدمـــة، واتــــصــــال مــســتــقــر بـــالإنـــتـــرنـــت، الأكــــثــــر قـــــــدرة عـــلـــى الـــتـــعـــامـــل مــــع الــــذكــــاء الاصـــــطـــــنـــــاعـــــي، بـــصـــفـــتـــه أداة لـــتـــعـــزيـــز قـدراتـهـم. وتُظهر بيانات حديثة صــادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أن المشاركة في التدريب المرتبط بالذكاء الاصطناعي لا تزال متفاوتة بشكل واضح في 36 تبعا للمستوى التعليمي؛ إذ أفـاد المـائـة مـن الحاصلين على تعليم جامعي بـمـشـاركـتـهـم فــي تــدريــب متعلق بـالـذكـاء 18 الاصطناعي خلال العام الماضي، مقابل في المائة فقط من أصحاب شهادة التعليم الثانوي. اللحاق بركب الذكاء الاصطناعي • الاستثمار والحوكمة: ضعف الدول الــــنــــامــــيــــة. تـــظـــل ســـلـــطـــة تـــحـــديـــد الأجــــنــــدة الأســــاســــيــــة مــــحــــصــــورة فــــي يــــد مــجــمــوعــة ضــيــقــة مـــن الــفــاعــلــن داخـــــل قـــطـــاع الـــذكـــاء الاصطناعي، بجانب عدد محدود من الدول المــتــقــدمــة تــكــنــولــوجــيــا. فـــي المـــقـــابـــل، تبقى معظم الـــدول الأخـــرى فـي حـالـة سعي دائـم للحاق بالركب، مـع حرصها المستمر على تكييف النماذج والمعايير وقوالب «الذكاء الاصــطــنــاعــي الــجــديــر بـالـثـقـة» المــســتــوردة مــع سـيـاقـاتـهـا المـحـلـيـة، فــي ظــل مـحـدوديـة قدرتها على تقييم المفاضلات أو طرح بدائل مستقلة. وفــــي دول مــثــل إنــدونــيــســيــا وجــنــوب أفــريــقــيــا، تُــنــتــج المـجـتـمـعـات بــيــانــات على نــــطــــاق واســـــــــع. ومــــــع ذلـــــــك، لا تـــــــزال تـمـلـك حضورا محدودا في تحديد كيفية تصميم أنـظـمـة الـــذكـــاء الاصــطــنــاعــي أو حوكمتها أو نــشــرهــا. كــمــا أن لـغـاتـهـا مـمـثـلـة بشكل ضــعــيــف فــــي بـــيـــانـــات الــــتــــدريــــب، فــــي حـن تعاني مؤسساتها من نقص المــوارد داخل المـنـتـديـات التنظيمية. ونــــادرا مــا تنعكس تجاربها في مجموعات البيانات المرجعية. وفــيــمــا يـتـعـلـق بـالـكـثـيـر مـــن دول الـجـنـوب الــعــالمــي، يـظـل الانـــخـــراط فــي مــجــال الــذكــاء الاصـطـنـاعـي قـائـمـا بــصــورة أسـاسـيـة على تكييف أنظمة مستوردة، لا على التأثير في تصميمها أو إدارتها أو توجيهها. فــــي جـــنـــوب أفـــريـــقـــيـــا، أطـــلـــقـــت وزارة الاتصالات والتكنولوجيا الرقمية مشروع سـيـاسـة وطـنـيـة لــلــذكــاء الاصــطــنــاعــي، في أبريل (نيسان) هذا العام، تضمن مقترحات لإنــــشــــاء مـــؤســـســـات رقـــابـــيـــة جــــديــــدة. غـيـر أن المـــشـــروع سُــحــب بـعـد أيــــام قـلـيـلـة، عقب اكــتــشــاف صـحـافـي أن سـتـة عـلـى الأقــــل من المراجع الأكاديمية الواردة فيه لا وجود لها، ويُرجح أنها نتاج هلوسات أفرزها الذكاء الاصطناعي. ووصف الوزير الواقعة بأنها «خطأ غير مقبول». ويـــســـلـــط هـــــذا الـــــحـــــادث الــــضــــوء عـلـى الــــفــــجــــوة بــــن طــــمــــوحــــات حـــوكـــمـــة الــــذكــــاء الاصـطـنـاعـي والـــقـــدرات المـؤسـسـيـة الـازمـة لـتـنـفـيـذهـا، رغـــم أن الـلـجـنـة الــجــديــدة التي جــــــرى تــشــكــيــلــهــا لاحــــقــــا قــــد تـــمـــثـــل فــرصــة لــاســتــفــادة مـــن خـصـوصـيـة مــوقــع جـنـوب أفريقيا. أمـــــــا إنــــدونــــيــــســــيــــا، فــــتــــقــــدم نـــمـــوذجـــا لمـحـاولـة واعــيــة، وإن كـانـت مـقـيـدة، لتعزيز دور الــــقــــطــــاع الــــــعــــــام. وفــــــي هــــــذا الإطــــــــار، عملت الوكالة الوطنية للبحث والابتكار، الـــتـــي تـــقـــود تــنــفــيــذ اســـتـــراتـــيـــجـــيـــة الـــذكـــاء الاصــطــنــاعــي، عــلــى تــطــويــر أدوات عملية تــســتــهــدف المـــجـــتـــمـــعـــات الأقــــــل حـــظـــا، بــــدلا مـــن الــتــركــيــز عــلــى الــــقــــدرات المـــتـــقـــدمـــة، من بـيـنـهـا تـطـبـيـق يـسـتـخـدم بــيــانــات الأقـــمـــار الاصـــطـــنـــاعـــيـــة وتـــقـــنـــيـــات الـــتـــعـــلـــم الآلــــــي، لمـــــســـــاعـــــدة الـــــصـــــيـــــاديـــــن الــــتــــقــــلــــيــــديــــن فــي تحديد مواقع تجمعات الأسـمـاك، ونماذج لـغـويـة مـتـعـددة الـلـغـات مــدربــة عـلـى اللغة الإندونيسية ولـغـات محلية مثل الجاوية والسوندية، إضافة إلـى روبـوتـات محادثة تُستخدم في الخدمات الحكومية. ،2025 وفــــــــي أغــــســــطــــس (آب) عــــــــام أصدرت وزارة الاتصالات والشؤون الرقمية خريطة طريق وطنية للذكاء الاصطناعي، ألف عامل سنويا على 100 تستهدف تدريب المهارات المرتبطة بهذا المجال. فـــي الــــواقــــع، فــــإن الــخــيــار لــيــس مـجـرد الاختيار بين «قوة عظمى في مجال الذكاء الاصـطـنـاعـي» و«مـتـلـق سـلـبـي»؛ فالتعاون الإقليمي يكتسب أهمية متزايدة. وفي عام ، اعـتـمـد وزراء أفـــارقـــة اسـتـراتـيـجـيـة 2024 قـاريـة لـلـذكـاء الاصـطـنـاعـي وميثاقا رقميا أفــريــقــيــا. واســتــكــشــف المـــشـــاركـــون فـــي قمة الذكاء الاصطناعي العالمية لأفريقيا، التي ، كيف 2025 عُــقــدت فــي كـيـغـالـي فــي أبــريــل يمكن للتنسيق الإقليمي، ونـمـاذج الـذكـاء الاصطناعي باللغات المحلية، والجامعات الــحــكــومــيــة، وأنـــظـــمـــة المــــصــــادر المــفــتــوحــة، أن تُقلل مـن الاعـتـمـاد، على المـــدى الطويل، عــلــى أنــظــمــة الـــذكـــاء الاصــطــنــاعــي المــطــورة بالخارج. • طـريـقـة مختلفة للتفكير فــي فجوة الذكاء الاصطناعي. لا يعني أي من هذا أن على الناس إبطاء وتيرة الذكاء الاصطناعي أو الــتــخــلــي عـــنـــه، ولا أن تـــركّـــز الـحـوسـبـة الـسـحـابـيـة أو رأس المــــال الاســتــثــمــاري أمـر سـيـئ بطبيعته، وإنــمــا ينبغي لـنـا عندما نتحدث عن «ثورة الذكاء الاصطناعي»، أن نتساءل كذلك: من يستطيع تشكيلها، ومن يستطيع التكيف معها فقط؟ فــيــمــا مـــضـــى ركــــــزت الـــنـــقـــاشـــات حـــول الفجوة الرقمية على الأجهزة والاتصال، ثم توسعت لاحقا لتشمل المـهـارات والنتائج. إلا أن مـوجـة الــذكــاء الاصـطـنـاعـي الحالية تُضيف بعدا آخـر: التفاوتات المتعلقة بمن يستطيع المشاركة بفاعلية في تحديد غاية الذكاء الاصطناعي، والمشاكل التي يُفترض أن يـحـلـهـا، والأولــــويــــات الاجـتـمـاعـيـة التي يخدمها في نهاية المطاف. وفــيــمــا يـتـعـلـق بــالمــهــنــدســن وصــنــاع الـــســـيـــاســـات، يـــطـــرح هـــــذا الأمــــــر تـــســـاؤلات صعبة، لكنها ضــروريــة: هـل يجب عليهم أن يـصـمـمـوا أنـظـمـة وبــنــى تـحـتـيـة لـلـذكـاء الاصـــطـــنـــاعـــي تُــــوسّــــع نـــطـــاق المـــشـــاركـــة في تـشـكـيـل الـتـغـيـيـر الــتــكــنــولــوجــي، بـــــدلا من تضييقه؟ وكذلك وعندما تُطلق الحكومات استراتيجيات وطنية للذكاء الاصطناعي أو تُدمجه في الخدمات العامة، فما القيود واللغات والواقع المؤسسي الذي تضعه في الحسبان؟ مـــن جـهـتـهـم، يـــصـــور الـكـثـيـر من المــــراقــــبــــن الـــــوضـــــع الــــحــــالــــي لـــلـــذكـــاء الاصــطــنــاعــي بـوصـفـه مـنـافـسـة، لكن فـــي واقـــــع الأمـــــر لا تـقـتـصـر المـنـافـسـة التكنولوجية على الـسـرعـة فحسب، بل تتعلق كذلك بمن يستطيع التأثير على مسار التغيير. اليوم، ينتشر الذكاء الاصطناعي بالفعل على مستوى العالم. ومع ذلك، يبقى الــســؤال الأعــمــق: هــل سيضمن خـــــــبـــــــراء الــــتــــكــــنــــولــــوجــــيــــا وصـــــنـــــاع الـسـيـاسـات المــســؤولــون عــنــه، توسع رقــعــة المـــشـــاركـــة الــفــعّــالــة فـــي صـيـاغـة المستقبل؟ الخلل ليس فيه... بل في طريقة طيّه فقدان نسخة واحدة من جين رئيسي يسبب عيوبا خلقية في القلب لطالما حـيّــرت العلماء قـــدرة بعض الـــطـــفـــرات الــــوراثــــيــــة عـــلـــى الــتــســبــب فـي عـــيـــوب خــلــقــيــة خـــطـــيـــرة رغـــــم احــتــفــاظ المـــصـــابـــن بــنــســخــة ســلــيــمــة مــــن الــجــن نفسه. واليوم توصل باحثون أميركيون إلى تفسير جديد قد يغيّر فهمنا لكثير من الأمراض الوراثية، مفاده أن المشكلة لا تــكــمــن دائــــمــــا فــــي الـــشـــفـــرة الـجـيـنـيـة ذاتها، بل في الطريقة التي يُطوى بها الحمض النووي داخل الخلايا. جين محوري لنمو القلب وكــــــشــــــف بــــــاحــــــثــــــون مـــــــن مــــعــــاهــــد غــادســتــون فــي الـــولايـــات المــتــحــدة، عن أن جينا محوريا في نمو القلب يُعرف يعمل كمهندس معماري TBX5 باسم يـنـظـم الـبـنـيـة ثـاثـيـة الأبـــعـــاد للحمض داخل الخلايا DNA ) النووي (دي إن إيه القلبية. وأظـهـرت الـدراسـة التي نُشرت يوليو (تموز) 23 في Science في دورية أن فـقـدان نسخة واحـــدة فقط من 2026 هذا الجين يكفي لإحداث اضطراب واسع في تنظيم الحمض النووي؛ ما يؤثر في نشاط عدد كبير من الجينات الضرورية لتطور القلب بصورة طبيعية. وتقدم النتائج تفسيرا جديدا لأحد أكـــثـــر الــعــيــوب الـخـلـقـيـة شــيــوعــا، وهــو مرض القلب الخلقي الذي يصيب نحو طــفــل واحـــــد مـــن كـــل مـــائـــة مـــولـــود حــول العالم. • مــا وراء الـشـفـرة الــوراثــيــة. غالبا ما يُنظر إلـى الحمض الـنـووي بوصفه مــخــطــط الـــحـــيـــاة أو دلـــيـــل الـتـعـلـيـمـات الـــخـــاص بــالــجــســم. لــكــن هــــذا الــدلــيــل لا يقتصر على محتواه الـوراثـي فحسب، بـــل يـعـتـمـد أيـــضـــا عــلــى الــطــريــقــة الـتـي يُــــطــــوى بـــهـــا داخــــــل نــــــواة الـــخـــلـــيـــة. فـلـو جرى فَرد الحمض النووي الموجود في خلية واحـــدة بالكامل لبلغ طوله نحو مـتـريـن. لــذلــك؛ يـجـب ضغطه وتنظيمه بـدقـة شـديـدة داخـــل حيز مجهري. غير أن هــــذا الـتـنـظـيـم لــيــس مـــجـــرد وسـيـلـة لتوفير المساحة، بل إنه يحدد أيضا أي الجينات يمكن تشغيلها وأيـهـا يبقى خاملاً. وتــوضــح الـــدراســـة الــجــديــدة أن جين يـــؤدي دورا أسـاسـيـا فـي بـنـاء هذا TBX5 الـتـنـظـيـم المــعــقــد؛ إذ يـنـسـق الـــروابـــط بين الـــجـــيـــنـــات والـــعـــنـــاصـــر الـتـنـظـيـمـيـة الــتــي تتحكم فـي نشاطها. ويـقـول البروفسور بــيــنــوا بــــرونــــو، مـــديـــر مـعــهــد غــادســتــون لأمــــراض الـقـلـب والأوعـــيـــة الــدمــويــة وأحــد TBX5 كبار الباحثين في الدراسة، إن جين لـيـس ســـوى مـثـال واحـــد لفئة واســعــة من الجينات التي تؤدي خسارة نسخة واحدة منها إلى عيوب خلقية. وما يثير الحماس فـي نتائجنا أنها تشير إلـى أن كثيرا من هذه الاضطرابات قد تنشأ للسبب نفسه، أي طـــي خــاطــئ لـدلـيـل الـتـعـلـيـمـات ثلاثي الأبعاد داخل الخلية. • رسم خريطة ثلاثية الأبعاد للحمض النووي. ولاختبار هذه الفرضية استخدم الباحثون خلايا جذعية بشرية تحتوي عــلــى نـسـخـتـن سـلـيـمـتـن مـــن الـــجـــن، أو نسخة واحـــدة، أو لا تحتوي عليه إطلاقا ثم حفزوها لتتحول خلايا عضلة قلبية. وبــالاســتــعــانــة بـتـقـنـيـات مـــتـــطـــورة لـرسـم الخرائط ثلاثية الأبعاد للحمض النووي، تمكن الفريق من تتبع كيفية تنظيم المادة الوراثية داخـل آلاف الخلايا الفردية. كما اســـتـــعـــانـــوا بـــنـــمـــاذج حــاســوبــيــة مـتـقـدمـة لـتـحـلـيـل مـــايـــن الـــبـــيـــانـــات الــنــاتــجــة عن التجارب. وأظــــهــــرت الــنــتــائــج أن فـــقـــدان الـجـن يـــــــــؤدي إلـــــــى انــــهــــيــــار واســـــــــع فــي TBX5 تنظيم الجينوم على مختلف المستويات مــن الـبـنـى الــوراثــيــة الـكـبـيـرة وصــــولا إلـى الــحــلــقــات الــدقــيــقــة الـــتـــي تـــربـــط الـجـيـنـات بالعناصر المسؤولة عن تشغيلها. واكـتـشـف الـبـاحـثـون أن الـجـن يعمل بـــمـــثـــابـــة نــــظــــام تـــحـــديـــد مـــــواقـــــع جــزيــئــي يـــوجـــه بــروتــيــنــا يُــعــرف molecular GPS إلـــى مـواقـع Cohesin » بــاســم «كــوهــيــســن مـــحـــددة عــلــى الــحــمــض الـــنـــووي لتشكيل هـــــــذه الــــحــــلــــقــــات الـــتـــنـــظـــيـــمـــيـــة. وعـــنـــدمـــا تنخفض مستويات الجين يفشل الحمض الـــــنـــــووي فـــــي تـــكـــويـــن الــــــروابــــــط الــــازمــــة فتتعطل الجينات الحيوية المسؤولة عن نمو القلب. والـــــافـــــت، أن وجــــــود نــصـــف الـكـمـيـة الـطـبـيـعـيـة فـقـط مـــن الــبــروتــن كـــان كافيا لإحــداث اضـطـراب كبير في البنية ثلاثية الأبعاد للحمض النووي. رؤية جديدة للأمراض الوراثية • لماذا تختلف الحالات المرضية؟ كما كشفت الدراسة عن أن تأثير فقدان الجين لا يكون متماثلا في جميع خلايا القلب. فـقـد لاحـــظ الـبـاحـثـون اخـتـافـات واضـحـة بين الخلايا الأذينية والبطينية، بل وحتى بين خلايا تنتمي إلى النوع نفسه. ويرى العلماء أن هــذه النتيجة قـد تفسر سبب ظهور عيوب قلبية مختلفة لدى أشخاص يحملون الطفرة الوراثية ذاتها. • رؤيــــة جـــديـــدة لـــأمـــراض الــوراثــيــة. ولا تــقــتــصــر أهـــمـــيـــة هـــــذه الـــنـــتـــائـــج عـلـى العيوب الخلقية فـي القلب، بـل تمتد إلى طـيـف واســــع مــن الاضـــطـــرابـــات الـنـمـائـيـة. فالكثير مـن هــذه الأمـــراض يرتبط بحالة تُـــــعـــــرف بــــــ«قـــــصـــــور الــــجــــرعــــة الـــجـــيـــنـــيـــة» ، حيث لا يمتلك الفرد Haploinsufficiency ســـــوى نــســخــة وظــيــفــيــة واحـــــــدة مــــن جـن معين. وتشير النتائج الجديدة إلى أن هذه الاضـــطـــرابـــات قــد لا تـنـجـم فـقـط عــن تغير نـشـاط بعض الجينات، بـل لأن انخفاض مستويات بروتينات رئيسية يــؤدي إلى اضطراب التنظيم ثلاثي الأبعاد للحمض النووي داخل الخلية. ويرى الباحثون أن هـــذه الـنـتـائـج قــد تكشف عــن آلـيـة جـديـدة تماما لحدوث الأمراض الوراثية. وبــــــدلا مـــن الــنــظــر إلــــى الاضـــطـــرابـــات الوراثية بصفتها مجرد خلل في تسلسل الـحـمـض الـــنـــووي، قــد يتجه الـعـلـمـاء إلـى التركيز على كيفية طي الجينوم وتنظيمه داخل الخلايا. ومن شأن فهم هذه التغيرات البنيوية أن يمهد الطريق لتطوير أساليب جديدة لتشخيص الاضطرابات النمائية والوقاية منها وربما تصحيحها قبل أن تُحدث أضرارا دائمة. ومع استمرار الباحثين في استكشاف في TBX5 الكيفية التي يسهم بها الجين تشكيل البنية المـعـمـاريـة للجينوم خلال المراحل المبكرة من نمو الجنين تفتح هذه الــــدراســــة نـــافـــذة جـــديـــدة لـفـهـم أحــــد أكـثـر الأســـئـــلـــة جـــوهـــريـــة فـــي عــلــم الأحــــيــــاء هي كيف تسهم البنية ثلاثية الأبعاد للحمض الـــنـــووي فـــي تـحـديـد صـحـة الإنـــســـان قبل الولادة بوقت طويل. لندن: د. وفا جاسم الرجب كل موجة جديدة من التكنولوجيا «التحويلية» تقود إلى واقع قائم على تفاوتات في الاتصال والمهارات والقدرات المؤسسية
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky