issue17429

اقتصاد 15 Issue 17429 - العدد Monday - 2026/8/17 الاثنين ECONOMY حريق الجار واتجاه الريح فـي نهاية يوليو المـاضـي بلغ الــن الياباني أضـعـف مستوى لـه منذ أربـعـن عـامـا، حتى صـار الـــدولار الـواحـد يـسـاوي أكثر من يناً، فنزلت وزارة المالية اليابانية إلى السوق تشتري عملتها 164 بعشرات المليارات في يومين متتاليين، وهو تصرّف مألوف تكرّر منها مرات عديدة، لكن ما جاء بعده لم يكن مألوفا في شيء: نزلت الولايات المتحدة إلى السوق معها، تشتري الين هي الأخرى، وحين سُئل الرئيس الأميركي عن السبب أجـاب بجملة عابرة كأنها في شـأن جيرة لا في شـأن مـال: «أرادوا مساعدة يسيرة، ونحن دائما هناك من أجل اليابان». والغرابة هنا لا تحتاج إلى خبير ليراها، فالدول عـادة تدافع عن عملاتها، لا عن عملات غيرها، وأميركا تحديدا لم تفعل هذا إلا 1998 مرتين في ربـع قـرن، وآخـر مـرة اشترت فيها الـن كانت سنة في ذروة الأزمــة الآسيوية، ثم إن تفصيلين في العملية زادا حيرة المتابعين: أن واشنطن اشترت الين مقابل اليورو لا مقابل الدولار، ودون أن تُخبر البنك المركزي الأوروبـي بشيء؛ وأن ما أنفقته كان قليلا جدا قياسا إلى ما أنفقته طوكيو، ومع ذلك تحرّك السوق، أي أنها أنفقت القليل وحصدت الكثير، لأن الذي بيع في تلك الجلسة لم يكن مالا بل رسالة. فـلـمـاذا تـدفـع دولـــة مــن خزينتها لـتـرفـع سـعـر عملة غيرها؟ الــجــواب ليس فـي طـوكـيـو، بـل فـي واشـنـطـن نفسها، الـيـابـان من أكبر مالكي السندات الحكومية الأميركية، تملك منها ما يقارب تريليون دولار، وحـن تريد أن تشتري عملتها فإنها تبيع 1.1 بعض تلك السندات لتوفّر السيولة، وبيعها بكميات كبيرة يرفع كلفة الاقتراض على الحكومة الأميركية ذاتها، وهي كلفة كانت قد ارتفعت هذا العام أصلاً، إذ هي أشبه بحالة أن يحترق بيت جارك فتهرع بالماء، لا شفقة عليه وحده، بل لأن الريح تهب نحو بيتك. وقـد رصـد محلّلو أحـد أكبر بنوك وول ستريت ثـاث علامات تكشف عن الدافع الأميركي، أولها أن واشنطن تسعى إلى توسيع تـرتـيـب يـتـيـح لـلـيـابـان اقـــتـــراض الـــــدولار مـقـابـل سـنـداتـهـا بـــدل أن تبيعها؛ وثانيها أنها شـاركـت طوكيو فـي المـــرّات التي اضطربت فيها تكلفة اقـتـراضـهـا هــي، وتركتها وحـدهـا حـن كـانـت هـادئـة؛ وثالثها أن صغر حجم عمليتها يكشف عن أنها أرادت التلويح لا الدفع، ويلخّص الاقتصادي (كارتيك سانكاران) المسألة في جملة: الخطر لم يكن في سوق العملة، بل في سوق السندات. أما في الداخل الياباني، فالين الرخيص يرفع فاتورة البقالة والكهرباء والوقود على الأسرة اليابانية، لأن البلد يستورد طاقته وكثيرا من غذائه بأسعار مقوّمة بـالـدولار، وهـو في المقابل نعمة على المـصـانـع الـتـي تــصــدّر، وعـلـى فـنـادق امـتـأت بـسـيّــاح وجــدوا اليابان فجأة رخيصة، ولذلك لم يكن ضعف العملة مصيبة على الجميع، بـل إعـــادة تـوزيـع للربح والـخـسـارة داخـــل البلد الـواحـد، وسببه المباشر بسيط لا يحتاج إلــى تعقيد: الـفـائـدة فـي اليابان نحو واحد في المائة، وفي أميركا تزيد على ثلاثة ونصف في المائة، والمال يتجه حيث العائد الأكبر. ثم إن فريقا من المختصين يشكّك في الذريعة كلها، فالسبب المعلن للتدخّل أن الـسـوق صــارت مضطربة، والـواقـع أنها لـم تكن كذلك، فالأسعار تسير بانتظام، والصفقات تُنجز، ولا توجد أي حالة من الذعر، ومعنى ذلك أن العملة لم تكن مضطربة بل مقوّمة بأقل من قيمتها الحقيقية، وهذا داء لا يعالجه شراء العملة ليوم أو يومين، بل تعالجه سياسة اقتصادية تتغيّر، ويضاف إليه أن غياب الأوروبيين عن العملية أضعف هيبتها، لأن التهديد الذي لا يصدّقه أحد لا يخيف أحداً. وثـمّــة وجــه إضـافـي أكـثـر إثـــارة للقلق، يــرى أسـتـاذ الاقتصاد (إسوار براساد) أن سياسة العملات اكتسبت لونا سياسيا واضحاً؛ فالخزانة الأميركية نفسها، ومن الصندوق نفسه، كانت قبل أقل من عام قد مدّت الأرجنتين بعشرين مليار دولار لتثبيت عملتها عشيّة انتخاباتها، أي أن الأداة تُمنح لمن تراه واشنطن صديقا وتُحجب عمّن ســواه، وعــودة إلـى الـصـورة، من يطفئ حريق جـاره اليوم قد يقف متفرّجا على حريق آخر غداً، لأن العبرة باتجاه الريح لا بحق الجيرة. ويـبـقـى الـــســـؤال: هــل نـجـح الــتــدخّــل؟ فـالـتـاريـخ يـعـطـي جـوابـا ارتفع الين بقوة خلال يومين بعد تدخّل مشترك 1998 محبطاً، ففي مشابه، ثم عـاد إلـى نقطة البداية بعد ثمانية أيـام تــداول، وسجّل مستويات أضعف خلال ثلاثة أسابيع، ولم ينقلب مساره فعلا إلا حين تعثّرت روسيا في سـداد ديونها وانهار صندوق استثماري ضـخـم، فاضطر البنك المــركــزي الأمـيـركـي إلــى خفض الـفـائـدة، أي أن الــذي أنقذ الـن كـان أزمــة لا تـدخّــاً، وهـو ما يتكرّر أمامنا الآن: بعد أسبوعين فقط من العملية كان الين قد أعـاد نصف ما كسبه، ،1985 ومع ذلك يبقى للرأي المقابل وجاهته، فاتفاق «بـازا» سنة حـن اجتمعت خمس دول لخفض الــــدولار، مـا زال يُــذكـر بوصفه نجاحاً؛ لا لأنه حرّك سعرا في يوم، بل لأنه ألزم الدول بتغييرات في سياساتها دامت سنوات. وربـمـا كــان السبب الأعـمـق لضعف الــن ليس الـفـائـدة أصــاً، فأميركا الـيـوم هـي الـورشـة التي يُبنى فيها الـذكـاء الاصطناعي، والمـــال يتدفّق إليها لهذا السبب، بينما لـم تتحوّل خطط طوكيو الاستثمارية إلــى مصانع بعد، والــن ضعيف لأن المــال يفضّل أن يبني مركز بيانات في تكساس على أن يشتري سندا في طوكيو، وإلـى أن يتغيّر هـذا، سيظل ما جـرى في نهاية يوليو على ما هو عليه: أُخمد الحريق، ولم تتغيّر الريح. د. عبد الله الردادي ممر بحري عبر السواحل الروسية يفتح لبكين منفذا بديلا وسط اضطرابات الممرات من «هرمز» إلى القطب... الصين ترسم طريقا لأوروبا غــــادرت سفينة حـــاويـــات صينية ميناء نينغبو، في شـرق الـبـاد، متجهة إلـى أوروبــا عــبــر المــحــيــط المــتــجــمــد الـــشـــمـــالـــي، فـــي خـطـوة تــعــكــس صـــعـــود مـــســـار بـــحـــري جـــديـــد تـسـعـى بـكـن إلـــى تـطـويـره كـبـديـل لـلـمـمـرات التجارية الـــتـــقـــلـــيـــديـــة، وفـــــي مــقــدمــتــهــا قـــنـــاة الــســويــس ومضيق هرمز والبحر الأحمر. وتأتي الرحلة في وقت أدت فيه التوترات الجيوسياسية والحروب إلى اضطراب حركة المـاحـة عبر عـدد مـن أهـم المـمـرات البحرية في العالم، ما دفع شركات الشحن إلى البحث عن طرق أكثر أمنا وأقل عرضة للتعطّل. وتـــنـــدرج الــرحــلــة ضـمـن مــشــروع «طـريـق الـــحـــريـــر الـــقـــطـــبـــي» الـــصـــيـــنـــي، وتــعــتــمــد عـلـى «الــــطــــريــــق الــــبــــحــــري الــــشــــمــــالــــي» الـــــــذي يـمـتـد بمحاذاة الساحل الشمالي لروسيا عبر مياه الـقـطـب الــشــمــالــي، قـبـل أن يـصـل إلـــى أوروبـــــا. وبــــدأت شـركـة «ســـي ليجند» تشغيل الخدمة الــجــديــدة، الـتـي يُــفـتـرض أن تصبح أسبوعية خلال موسم الملاحة القطبية، في محاولة لفتح مسار تجاري منتظم بين الصين وأوروبا بعيدا عن الاختناقات الجيوسياسية في جنوب آسيا والشرق الأوسط. 20 يوما إلى نحو 40 من وتـــكـــمـــن جـــاذبـــيـــة الـــطـــريـــق الـــقـــطـــبـــي فـي المسافة والزمن. فبحسب التقديرات الصينية، يـمـكـن لـلـرحـلـة بـــن شـــرق آســيــا وأوروبــــــا عبر الـطـريـق الـبـحـري الـشـمـالـي أن تـسـتـغـرق نحو يوماً 50 إلى 40 يوماً، مقارنة بنحو 20 إلى 18 عبر المسارات التقليدية، بحسب ظروف الجليد ومسار الرحلة. وتقول «سي ليجند» إن الرحلة الجديدة تــســتــهــدف تــقــلــيــص زمـــــن الـــنـــقـــل إلـــــى أوروبــــــا يــومــا، أي مــا يــقــارب نـصـف المــدة 20 إلـــى نـحـو المعتادة عبر قناة السويس، وفق شبكة «سي إن إن». ويعني ذلك أن المسار، إذا أثبت قدرته عـلـى الـعـمـل بــصــورة منتظمة، يمكن أن يوفر مــيــزة مـهـمـة لـلـشـركـات الـصـيـنـيـة الــتــي تصدر إلى أوروبا منتجات مثل السيارات الكهربائية والـهـجـيـنـة والــبــطــاريــات والمـنـتـجـات المرتبطة بالطاقة الشمسية. لـكـن المــيــزة الـزمـنـيـة لا تـعـنـي أن الـطـريـق القطبي يمكنه في الوقت الحالي منافسة قناة الــســويــس عــلــى نـــطـــاق واســـــع؛ إذ تــظــل قــدرتــه الاستيعابية محدودة، كما أن التشغيل مرتبط بموسم قصير وبظروف مناخية قاسية. كيف يمر الطريق الجديد؟ تــغــادر الـسـفـن الـسـاحـل الـشـرقـي للصين، وتتجه شـمـالا عبر مضيق بيرينغ، ثـم تدخل الـطـريـق الـبـحـري الـشـمـالـي بـمـحـاذاة الساحل الـــــروســـــي، قـــبـــل مـــواصـــلـــة الـــرحـــلـــة غـــربـــا نـحـو أوروبا. وفي الرحلة الحالية، من المقرر أن تصل 7 السفينة إلى ميناء فيليكستو البريطاني في سبتمبر (أيـلـول)، قبل أن تتجه إلـى هامبورغ الألمانية ثم غدينيا البولندية. ويمتد الـطـريـق الـبـحـري الشمالي لنحو ميل على طول الساحل القطبي الروسي، 3500 ويـخـضـع الـــجـــزء الأكـــبـــر مـنـه لـسـيـطـرة وإدارة روســـــيـــــة، مــــا يــجـــعــل أي تــــوســــع تــــجــــاري فـيـه مرتبطا بصورة وثيقة بالعلاقات بين موسكو وبكين. لماذا الآن؟ لم تـأت عـودة الاهتمام بالطريق القطبي مـــن فــــــراغ. فــقــد أدت الاضـــطـــرابـــات فـــي الـبـحـر الأحمر ومضيق هرمز إلى تعطيل حركة ناقلات النفط والغاز وسفن البضائع، ورفعت مخاطر استخدام بعض المـمـرات التقليدية. ويكتسب مضيق هرمز أهمية خاصة، باعتباره أحد أهم الاختناقات البحرية في تجارة الطاقة العالمية، فـيـمـا تـــــؤدي أي اضـــطـــرابـــات طــويــلــة فــيــه إلــى زيـــادة تكاليف النقل والـتـأمـن، ورفـــع مخاطر الإمدادات. وفــــــي هــــــذا الــــســــيــــاق، لا تـــبـــحـــث الـــصـــن بــــالــــضــــرورة عــــن طـــريـــق يـــحـــل مـــحـــل هـــرمـــز أو السويس بالكامل، وإنما عن مسار احتياطي يـــمـــكـــن اســــتــــخــــدامــــه عــــنــــدمــــا تـــصـــبـــح الــــطــــرق الـجـنـوبـيـة أكــثــر تـكـلـفـة أو خـــطـــورة أو عـرضـة للإغلاق. وتــشــيــر تــجــربــة الـــســـنـــوات الأخــــيــــرة إلــى أن تـــنـــويـــع طـــــرق الــــتــــجــــارة أصــــبــــح جـــــــزءا مـن اســتــراتــيــجــيــة أوســـــع لــــدى الـــشـــركـــات والـــــدول لــتــقــلــيــل الاعــــتــــمــــاد عـــلـــى مـــمـــر بــــحــــري واحـــــد، خصوصا عندما تكون التجارة مرتبطة بسلع استراتيجية مثل الطاقة والرقائق والبطاريات ًوالسيارات. الصين وروسيا... شراكة تتجه شمالا يمنح الـطـريـق الـبـحـري الشمالي الصين وروسـيـا مصلحة مشتركة فـي تطوير منطقة القطب الشمالي. فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين لطالما سعى إلى تحويل الطريق الممتد على طــول الـسـاحـل الــروســي إلــى ممر تجاري رئـــيـــســـي، بـــمـــا يـــدعـــم الاســـتـــثـــمـــار فــــي المـــوانـــئ وحـــقـــول الـنـفـط والـــغـــاز والـبـنـيـة الـتـحـتـيـة في المنطقة. أمـا الرئيس الصيني شي جينبينغ، مفهوم «طريق الحرير 2018 فقد طرح في عام القطبي»، باعتباره امتدادا للمبادرة الصينية «الحزام والطريق» إلى المناطق الشمالية. ورغم أن الاستثمارات الصينية الضخمة المتوقعة في الموانئ والبنية التحتية القطبية لـــم تـتـحـقـق بـالـحـجـم الــــذي كــــان مــتــوقــعــا، فــإن التطورات الجيوسياسية الأخيرة أعـادت فتح نافذة أمام بكين لتعزيز حضورها في المنطقة. وتـــشـــيـــر بـــيـــانـــات حـــركـــة المــــاحــــة إلـــــى أن الــصــن أصـبـحـت الـــاعـــب الأجــنــبــي الأبـــــرز في اسـتـخـدام الـطـريـق منذ الـحـرب الـروسـيـة على أوكرانيا، بينما تتركز التجارة بصورة كبيرة بين الصين وروسيا. أكثر من طريق للبضائع ولا تقتصر أهمية الطريق الجديد على نقل الـحـاويـات. فقد أصبح مـسـارا مهما لنقل النفط والــغــاز الـروسـيـن إلــى الـصـن، بما في ذلك شحنات من الغاز الطبيعي المسال. وتظهر بيانات الملاحة أن شركات صينية عدة وسعت نـشـاطـهـا فـــي المــنــطــقــة، فـيـمـا يُــتــوقــع أن تنفذ ســـت شـــركـــات شــحــن صـيـنـيـة عــلــى الأقــــل أكـثـر ،2026 رحلة عبر الطريق خـال موسم 50 مـن باستخدام سفن للحاويات والبضائع وسفن متعددة الأغراض. كــمــا ارتـــفـــعـــت واردات الـــصـــن مـــن الــغــاز الطبيعي المسال الروسي عبر جميع المسارات فـــي المـــائـــة خــــال الــنــصــف الأول من 28 بـنـحـو الـــعـــام، فــي وقـــت أدت فـيـه الــحــرب الأمـيـركـيـة - الإيرانية إلى تجميد صـادرات الغاز الطبيعي المسال من الشرق الأوسط. وهكذا، يتحول القطب الشمالي تدريجيا مــن منطقة جـغـرافـيـة بـعـيـدة إلـــى مـمـر للطاقة والـتـجـارة يخدم المصالح الاقتصادية للصين وروسيا في آن واحد. الطريق الأسرع وليس الأسهل ورغم كل هذه المزايا، فإن الطريق القطبي لا يـــزال يـواجـه عقبات كـبـيـرة. فالممر لا يمكن استخدامه طوال العام بصورة مماثلة للممرات الــبــحــريــة الــتــقــلــيــديــة، إذ تــظــل نـــافـــذة المــاحــة مـحـدودة، كما يمكن أن تتغير ظــروف الجليد بسرعة، وقد تحتاج السفن في بعض الحالات إلى مساعدة كاسحات الجليد. كما أن خدمات الإنقاذ والموانئ والبنية التحتية اللوجستية في المنطقة أقل تطورا بكثير من تلك المتوافرة على طرق التجارة التقليدية. وهـــــذا يـجـعـل الـــقـــدرة عــلــى الـتـنـبـؤ بـمـدة الـرحـلـة تحديا رئيسيا أمـــام شـركـات الشحن. فـالـتـأخـيـر الــنــاتــج عـــن الـجـلـيـد أو الــطــقــس أو الحاجة إلى المساعدة يمكن أن يقلل من الميزة الزمنية التي يتمتع بها المسار. البيئة... فاتورة أخرى وتواجه الملاحة القطبية أيضا انتقادات بيئية متزايدة. فزيادة عدد السفن في منطقة هـشـة بيئيا تـثـيـر مــخــاوف مــن آثــــار الــحــوادث وتسرب النفط، فضلا عن تأثير حركة السفن عـلـى الـغـطـاء الـجـلـيـدي والأنــظــمــة البيئية في القطب الشمالي. وقد وقعت شركات لوجستية دولـــيـــة كـــبـــرى تــعــهــدا بـــالابـــتـــعـــاد عـــن الــطــريــق بسبب ما وصفته بالمخاطر البيئية المحتملة لزيادة حركة السفن في المنطقة. كــمــا أن انــتــشــار مـــا يـــعـــرف بــــ«الأســـطـــول الــــخــــفــــي»، ولا ســـيـــمـــا الـــســـفـــن الـــقـــديـــمـــة الــتــي تستخدم أسـالـيـب لـالـتـفـاف عـلـى الـعـقـوبـات، يــــزيــــد المـــخـــاطـــر الـــبـــيـــئـــيـــة والــتــشــغــيــلــيــة عـلـى الطريق. ذوبان الجليد يغير المعادلة لــكــن المـــفـــارقـــة أن الـــتـــغـــيـــرات المـنـاخـيـة وذوبـــــــان الــجــلــيــد فـــي الــقــطــب الــشــمــالــي قد تفتح الباب أمـام موسم ملاحة أطـول خلال العقود المقبلة. ومع استمرار تراجع مساحة الـجـلـيـد، قــد تصبح فــتــرات أطـــول مــن الـعـام قـابـلـة لـلـمـاحـة، كـمـا يـمـكـن أن تـظـهـر طـرق جــــديــــدة، مــــن بــيــنــهــا مـــســـار مــحــتــمــل يـعـبـر القطب مباشرة ويتجنب الساحل الروسي. وبالنسبة للصين، قد يعني ذلك مستقبلا إنشاء ممر سريع إلى شمال المحيط الأطلسي، وهـــــو مــــا ســيــغــيــر بــــصــــورة كـــبـــيـــرة حــســابــات التجارة بين آسيا وأوروبا. ساحة جيوسياسية جديدة وتـــتـــجـــاوز أهــمــيــة الــطــريــق الاقــتــصــاد والـــــتـــــجـــــارة إلــــــى الـــجـــغـــرافـــيـــا الـــســـيـــاســـيـــة. فــالــتــوســع الـصـيـنـي والــــروســــي فـــي الـقـطـب الــشــمــالــي يـثـيـر اهــتــمــام الــــولايــــات المـتـحـدة وأوروبــــــــا وحـــلـــف شـــمـــال الأطـــلـــســـي، وســط مخاوف من أن يتحول الطريق التجاري إلى منصة لنفوذ استراتيجي أوسع. وحــذرت مسؤولة السياسة الخارجية فــــي الاتـــــحـــــاد الأوروبـــــــــــي كــــايــــا كـــــــالاس مـن إمـكـانـيـة اســتــخــدام الــصــن طـــرق وسـاسـل الإمداد القطبية لأغراض استراتيجية، فيما قـــال الأمـــن الــعــام لــ«الـنـاتـو» مـــارك روتـــه إن التحالف يحتاج إلــى التعامل مـع المخاطر الناتجة عن تنامي وصول روسيا والصين إلى القطب الشمالي. كـــمـــا شـــهـــدت المــنــطــقــة مــــؤشــــرات عـلـى تنامي التعاون الأمني بين موسكو وبكين، بالتزامن مع توسع الصين في برامج البحث العلمي والأسطول القطبي. وترفض بكين هذه المخاوف، وتقول إن نشاطها في القطب الشمالي يهدف إلى دعم السلام والاستقرار والتنمية المستدامة وفق القانون الدولي. سباق قطبي يتجاوز الصين ولا تـــــبـــــدو الـــــصـــــن الــــــدولــــــة الآســــيــــويــــة الوحيدة التي بـدأت اختبار إمكانات الطريق. فقد تستعد شركة الشحن الكورية الجنوبية «بان ستار» لتنفيذ رحلة تجريبية من بوسان إلى أوروبــا عبر الطريق البحري الشمالي في أغسطس (آب)، في مؤشر على أن الاهتمام 22 بالممر بدأ يتجاوز الصين. وتـعـمـل شـــركـــات صـيـنـيـة أخــــرى بالفعل عـلـى تـوسـيـع نـشـاطـهـا. ومـــن المـتـوقـع أن تنفذ «ســـي لـيـجـنـد» خــدمــة مـوسـمـيـة مـنـتـظـمـة بين الــصــن وأوروبـــــــا، بـيـنـمـا أطـلـقـت شــركــة «نـيـو نـــيـــو شــيــبــيــنــغ» خـــطـــا بــــن تــيــانــجــن ومــيــنــاء مــورمــانــســك الــــروســــي، إلــــى جـــانـــب خـدمـاتـهـا القائمة لنقل السلع الصناعية الصينية والمواد الخام الروسية. منافس لقناة السويس؟ الإجابة في المدى القريب هي لا. فالطريق لا يــمــتــلــك بـــعـــد الـــبـــنـــيـــة الـــتـــحـــتـــيـــة أو الــــقــــدرة الاستيعابية أو انتظام التشغيل الـذي يسمح له بمنافسة قناة السويس على نطاق واسـع. لكن المـقـارنـة قـد تكون مضللة أصـــاً؛ فالقيمة الاستراتيجية للطريق القطبي لا تكمن في أن يحل محل السويس، وإنما في أن يمنح الصين خيارا إضافيا عندما تتعطل الطرق التقليدية. ومع تكرار الأزمات التي تضرب الممرات الـــبـــحـــريـــة الــرئــيــســيــة ــــــ مــــن الـــبـــحـــر الأحـــمـــر إلــــى مـضـيـق هــرمــز ـــــ يـصـبـح وجــــود طـريـق بديل أكثر أهمية، حتى لـو ظـل استخدامه موسميا ومحدوداً. الرياض: «الشرق الأوسط» الطريق القطبي لا يزال يواجه عقبات كبيرة رغم مزاياه الكثيرة

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky