issue17428

يصعب اليوم العثور على قضية أقل شعبية فــــي بــريــطــانــيــا مــــن الــــدفــــاع عــــن حــــق اثــــنــــن، مـمـن تــســبــبـــوا فــــي مــقــتــل شــــرطــــي، فــــي الاســــتــــفــــادة مـن لـقـي رجـــل الشرطة 2019 الإفــــراج المـبـكـر. فـفـي عـــام أندرو هاربر مصرعه بعدما سُحل، عندما تعلقت ساقه بحبل فـي سـيـارة يستقلها لـصـوص فــارّون من سرقة. وحُكم على كل من جيسي كول وألبرت عاما بتهمة القتل غير العمد. 13 باورز بالسجن وفي محاولة لمواجهة أزمـة اكتظاظ السجون ونـقـص الــزنــازيــن قــد يـسـتـفـيـدان مــن نـظـام يسمح بالإفراج عنهما قبل قضاء المدة كاملة. وتـــبـــع غـــضـــب عـــائـــلـــة هــــاربــــر احـــتـــجـــاج كــبــار ضـــبـــاط الــبــولــيــس ونــقــابــتــهــم، وجــمــعــت عـريـضـة تــطــالــب بـبـقـائـهـمـا خــلــف الــقــضــبــان قـــرابـــة مـلـيـون تـوقـيـع. وأعــلــن رئـيـس الـــــوزراء أنـــدي بـيـرنـهـام أنـه يبحث عن وسيلة لإبقائهما في الحبس. لكن كيف؟ هــنــا تــتــحــول قــضــيــة سـجـيـنـن إلــــى معضلة تـــواجـــه الــحــكــومــة بـــن ثــــاث مــســؤولــيــات: حـمـايـة الـــجـــمـــهـــور، والـــحـــفـــاظ عــلــى نـــظـــام ســـجـــون فــاعــل، والالتزام بالقوانين حتى غير الشعبية منها. وللديمقراطية بُعد رابــع: الــرأي الـعـام. فكيف تـتـجـاهـل مـلـيـون مــوقّــع عـلـى عـريـضـة تـدعـم أســرة فـــقـــدت ابــنــهــا، أو مـــخـــاوف الــضــحــايــا وتــحــذيــرات الـــبـــولـــيـــس؟ فــالــنــاخــب ســيــتــذكــر الــســيــاســي الـــذي يتجاهل الـــرأي الـعـام عند صناديق الاقــتــراع. لكن الديمقراطية لا تعني الحكم باستطلاعات الـرأي. فالعريضة يمكنها دفع البرلمان إلى تغيير القانون، لكنها لا تستطيع تغيير الحكم الصادر على سجين بعينه. وهــنــا المـعـضـلـة الـقـانـونـيـة. فـرئـيـس الـــــوزراء، بــرغـــم أغـلـبـيـتـه الــبــرلمــانــيــة، لا يـمـلـك سـلـطـة إبــقــاء ســجــيــنــن بــعــيــنــهــمــا خـــلـــف الـــقـــضـــبـــان إذا كــانــت قــواعــد الإفـــــراج الــتــي أقــرهــا الــقــانــون تـشـمـل الفئة الـتـي ينتميان إلـيـهـا. فالحكومة نفسها خاضعة للقانون، وأي قرار تتجاوزه يمكن الطعن فيه أمام القضاء. واســـتـــثـــنـــاء فــئــة مـــن الإفـــــــراج المــبــكــر يـسـتـلـزم تـحـديـدهـا بـقـانـون وفـــق معايير واضــحــة، تتعلق مـــثـــا بـــنـــوع الــجــريــمــة أو صـــفـــات المــجــنــي عـلـيـهـم، لا بـــأســـمـــاء ســـجـــنـــاء بــعــيــنــهــم. وهـــنـــا تـــبـــدأ حـلـقـة مفرغة؛ فكل فئة جديدة يستثنيها القانون تعني بـقـاء مـزيـد مـن السجناء فـي سـجـون تعاني أصـا مـن الاكـتـظـاظ الـــذي اسـتـدعـى الإفــــراج المـبـكـر. فحل المشكلة السياسية قد يزيد تفاقم المشكلة العملية التي أدت إليها. وتــــزداد المعضلة تعقيدا خـــارج الـسـجـن. فقد حذرت مفوضية بوليس العاصمة من تزايد ضغوط مراقبة المجرمين الخطرين بعد الإفراج عنهم؛ ففي لندن وحدها أكثر من عشرة آلاف مسجل في قوائم مـرتـكـبـي الــجــرائــم الـجـنـسـيـة، وتـــفـــرض مراقبتهم أعــبــاء مــتــزايــدة. وأظـــهـــرت قضية أحــدهــم بـصـورة مـأسـاويـة ثمن إخـفـاق النظام فـي متابعتهم؛ فقد انتهى به الأمر إلى قتل امرأتين واغتصاب أخرى. فالإفراج المبكر بالنسبة للضحايا ليس مجرد حل لأزمـــــة. فـــإخـــراج الـسـجـن مـــن بـــوابـــة الـسـجـن ينقل مـسـؤولـيـة مـراقـبـتـه وحـمـايـة المـجـتـمـع إلـــى أجـهـزة أخرى تعاني بدورها من نقص الإمكانات. والبعض يطالب بترحيل عشرة آلاف سجين أجــنــبــي إلــــى بــلــدانــهــم. لــكــن بــعــض الـــــدول لا تقبل عودتهم، بجانب عقبات قانونية، كما أن اتفاقيات نقل السجناء قد تكون متبادلة. وقد يكون ترحيل الأجــانــب جـــزءا مــن الــحــل، لكنه لـيـس حـــا سحريا لاكتظاظ السجون، ثم يدخل البرلمان في المعضلة. فــالــبــرلمــان فـــي عـطـلـتـه الـصـيـفـيـة، ويـــعـــود مجلس الــعــمــوم فـــي الأول مـــن سـبـتـمـبـر (أيــــلــــول). وتـمـلـك الحكومة أغلبية تستطيع بها تمرير تشريع بسرعة إذا قــررت تغيير فـئـات المستحقين لـإفـراج المبكر. لكن سـرعـة التشريع لا تعني بـالـضـرورة سلامته قانونياً. والتشريعات الجنائية التي تصاغ تحت ضغط الغضب الشعبي، أو بسبب قضية صادمة، غالبا ما تخلق مشكلات غير متوقعة. والمــفــارقــة أن مقتل أنــــدرو هــاربــر نفسه يقدم مثالا على الطريق الدستوري الصحيح؛ فقد قادت أرملته حملة انتهت بما عُـــرف بــ«قـانـون هـاربـر»، الـــذي شــدد العقوبة فـي حـــالات قتل أفـــراد خدمات الطوارئ أثناء أداء واجبهم. هـــكـــذا عــمــل الـــنـــظـــام: أثــــــارت الــجــريــمــة غضب الــرأي الـعـام، فتحول الغضب إلـى حملة سياسية، ثــم نــاقــش الــبــرلمــان الأمــــر وغــيّــر الــقــانــون. لـكـنـه لم يــعــد بــأثــر رجــعــي لـيـغـيـر الأحـــكـــام الــــصــــادرة على أشخاص بأسمائهم. وهذا هو الفارق الذي تواجهه الــحــكــومــة الــــيــــوم. فــقــد يــكــشــف الــغــضــب الـشـعـبـي خللا في القانون، لكنه لا يحدد بالضرورة كيفية إصلاحه. فـإذا استُثني من الإفــراج المبكر مَن أدين بـقـتـل شـــرطـــي، فـــمـــاذا عـــن بـقـيـة جـــرائـــم الـقـتـل غير العمد؟ وماذا عن المجرمين الخطرين الذين يخشى ضـحـايـاهـم عــودتــهــم؟ كــل حــد قـانـونـي يــرســم فئة جديدة، ويترك قضية أخرى خارجه. وكل استثناء يعني سريرا آخر مشغولا في سجن مكتظ. يــســتــطــيــع الــــبــــرلمــــان عـــنـــدمـــا يـــعـــود أن يــغــيّــر القانون، وقد يرى ضرورة لذلك. لكن قدرة الحكومة عــلــى تــمــريــر قـــانـــون بــســرعــة لا تـعـنـي أن الـحـكـمـة يمكن استعجالها بالسرعة نفسها. فالديمقراطية تلزم الحكومة بالاستماع إلى غضب الـرأي العام، وسـيـادة الـقـانـون تلزمها بــألا تجعل ذلــك الغضب نفسه قانوناً. Issue 17428 - العدد Sunday - 2026/8/16 الأحد ،2022 فــي ذلـــك الـنـهـار الـشـديـد الـــبـــرودة مــن شـتـاء شــــن فــاديــمــيــر بــوتــن هــجــومــه الــكــاســح المــفــاجــئ على أوكرانيا، آملا استسلامها خلال أيام، كان انطباعي شبه المـؤكّــد أنـه لو تناول الهجوم، بــدلا من أوكـرانـيـا، إحدى دول أوروبـا الغربية الكبرى، لكان مصيرها الاستسلام المحتوم. وطوال هذه الأعوام الأربعة والنصف عام التي انقضت على ذلك الهجوم، وما شهدته الحرب الروسية - الأوكـرانـيـة من خسائر بشرية مريعة، ودمــار عمراني واقـتـصـادي وتـراثـي هـائـل، وصعوبة الحسم فـي اتجاه أو آخـر، ما زال انطباعي هو نفسه، بل تأكّد لـدي أكثر. فإقامتي الطويلة في باريس، ومعرفتي المباشرة بالغرب الأوروبي، وعشرات المقالات التحليلية التي صغتها عن القارّة الأوروبية، تجعلني أدرك تمام الإدراك مدى غربة الشعوب الفرنسية والألمـانـيـة والبريطانية والإيطالية والإســبــانــيــة وغــيــرهــا عـــن فــكــرة الـــحـــرب، الــتــي أضـحـت فــي نـظـرهـم شبحا عبثيا مـرفـوضـا مــن أشـبــاح المـاضـي المـــأســـاوي الـطـويـل، الـــذي عــانــوا مـنـه الأمـــرّيـــن ونجحوا أخيرا في دفنه عميقاً، ولا يريدون العودة مطلقا إليه. ما جعل حلف شمال الأطلسي آنذاك، خصوصا بعد انهيار المعسكر الاشـتـراكـي، أشبه بهيكل عظمي لا يجدي ولا يخيف. لهذه الأسباب، كان للهجوم الروسي على أوكرانيا وقع الصاعقة على شعوب أوروبا الغربية ودولها، وقد أخرجها فجأة من سباتها العميق. لكن الانتقال من حلم الـسـام الـدائـم إلــى كـابـوس الـحـرب، لا يتحقّق بـن ليلة وضحاها. فما زالت شعوب أوروبا الغربية، على الرغم من المساعدات العسكرية والمـاديـة الضخمة المقدمة إلى كييف، تمنِّي النفس بــأن الحرب الروسية - الأوكرانية ليست سوى «سحابة صيف» عابرة يعود بعدها السلام الموعود، بينما الشعب الأوكراني يخوض معركة حياة أو موت، ستقرّر مستقبله في الأزمنة المقبلة. وبـــعـــد ســــنــــوات أربــــــع مــــن الـــهـــجـــوم الــــروســــي عـلـى أوكرانيا، وقع أواخر شهر فبراير (شباط) نفسه من عام الهجوم الأميركي - الإسرائيلي الكبير على إيران. 2026 كانت هنا أيضا ضربة عسكرية صاعقة بهدف إسقاط نظام ولايــة الفقيه، وإثـــارة انتفاضة شعبية تــودي به. لكن الحرب هنا أيضا لم تحقق غايتها، وما زال الصراع يتوالى فصولا إلى أجل غير معلوم، واضعا المنطقة كلّها أمام خيارات مصيرية. وكـمـا كــان وقــع الـحـرب الـروسـيـة - الأوكـرانـيـة على الداخل الأوكراني شديد الاختلاف عن وقعه على شعوب أوروبــــــا الــغــربــيــة، كــذلــك كــــان وقــــع الــهــجــوم عــلــى إيــــران ونتائجه مختلفا بشدة بين الداخل الإسرائيلي والداخل الأميركي والغربي عموماً. وبينما هناك أكثرية ساحقة فــي المــائــة تــريــد الآن 90 مــن يــهــود إســرائــيــل تــتــجــاوز الـــــ 30 استئناف الحرب مع إيـران، لا تتعدّى هذه النسبة الـ في المائة من الرأي العام الأميركي، ما يفسّر، إضافة إلى عوامل أخرى، مواقف ترمب. إلى ماذا يشير هذا الواقع؟ يشير أوّلا إلى أن هناك الــغــرب المـــحـــارب والــغـــرب غـيـر المـــحـــارب. وفـــي الحقيقة، الــغــرب فــي مجمله غـيـر مــحــارب، باستثناء نـوعـن من المــجــتــمــعــات: الأوّل هـــو أوكـــرانـــيـــا ومــــا يـحـيـط بــهــا من دول أوروبــيــة شرقية عـانـت مثلها طـويـا مـن الهيمنة الروسية، وهي مستعدّة للقتال حتى الرمق الأخير لعدم الـعـودة إلـى ما كانت عليه. والـنـوع الثاني هو المجتمع الإسرائيلي الــذي أقــدم على مغامرة استيطانية كبرى فـــي فــلــســطــن، وهــــو يـــخـــوض الآن مــعــركــة مـــن مـعـاركــه الوجودية. لكن إلــى جـانـب ذلـــك، تبقى صـــورة الـحـرب والسلم في الغرب أكثر تعقيدا بكثير مما تبدو عليه. فالغرب، الأميركي والأوروبــي على حد سـواء، منقسم بعمق بين تيارين كبيرين: من جهة، التيار الليبيرالي المنفتح على العولمة، وعلى أشكال الحياة والقيم غير الكلاسيكية، وعلى جموع القادمين إلـى الـغـرب مـن مجتمعات آسيا وأفريقيا، ومن الجهة الأخــرى، التيار القومي المتشدًد، المتمسّك بالهوية الوطنية وبالقيم المحافظة، والمناوئ لموجات الهجرة إلى الشمال. يبقى الرمز الأكثر شيوعا للتيار الأوّل هـو بـــاراك أوبـامـا، وللتيار الثاني دونالد ترمب. والصراع بين التيارين حاد ومصيري، لا هوادة فيه. أين تقع، وسط ذلك، الحرب على إيران؟ مما لا شك فيه أن التيار الليبيرالي الأمـمـي، إن فـي أوروبـــا أو في أميركا الشمالية، بأحزابه وقـادتـه وإعـامـه وجامعاته ومـراكـز أبحاثه وقــواه الاقتصادية، هـو، وراء شعاراته وأطروحاته المختلفة، متعاطف ضمنا مع إيران، ومراهن عـلـيـهـا لإطـــالـــة أمــــد الــــحــــرب، وتــحــمــيــل الـــتـــيـــار الـقـومـي خسائرها البشرية والاقتصادية، على أمل إسقاط جبهة تـرمـب فــي المــعــارك الانـتـخـابـيـة المـقـبـلـة، ومـنـع القوميين الأوروبـــــيـــــن مــــن الــــوصــــول إلـــــى حـــكـــم فـــرنـــســـا وألمـــانـــيـــا وبريطانيا وإسبانيا وسواها. فعدو هذا التيار الأخطر هـو المعسكر الـقـومـي المـحـافـظ الـــذي ينافسه على إدارة المجتمع، وليس إيران المتوارية خلف البحار والمحيطات. يـــمـــكـــن لــــلــــريــــاضــــيــــات أن تـــعـــنـــي أشــــيــــاء مختلفة لأشــخــاص مختلفين؛ فـهـي بالنسبة للأطفال مجرد عمليات جمع بسيطة، بينما تُعد نماذج معقدة بالنسبة لمديري صناديق الــتــحــوط. أمـــا بـالـنـسـبـة لـعـلـمـاء الـريـاضـيـات، فهي عملية اكتشاف؛ إذ يقضي كثيرون منهم ســنــوات فــي مـحـاولـة الـتـوصـل إلـــى حـقـائـق أو «بـــراهـــن» ريـاضـيـة جـــديـــدة، وهـــو عـمـل يمكن أن يُشكل الأساس والركيزة لكل شيء بدءا من علم التشفير والحوسبة، وصولا إلى التمويل والهندسة. واليوم، يستولي الذكاء الاصطناعي على جانب مـن ذلـك الاستكشاف، مساهما فـي حل مشكلات ومسائل مستعصية طال أمدها، مثل ما يُعرف بـ«فرضية جاكوبياني»؛ ليجد ألمع الـعـقـول فــي هـــذا المــجــال أنفسهم فــي حـالـة من الشك والحيرة الشديدين بشأن ما إذا كان ذلك أمـرا إيجابيا أم سلبيا في نهاية المطاف. وقد تتجه الإجـابـة إلـى أي من الاتجاهين، اعتمادا عــلــى مـــا إذا كــــان بــإمــكــان عــلــمــاء الــريــاضــيــات الإســـــراع فــي إرســــاء مـعـايـيـر جــديــدة للتعامل مـع الـذكـاء الاصـطـنـاعـي. ومــع وجـــود تـطـورات مبشرة وواعدة على هذا الصعيد قيد التحقق بـالـفـعـل، يمكن لـهـذا المــجــال أن يـقـدم مخططا ونـــمـــوذجـــا اســـتـــرشـــاديـــا ذا قــيــمــة لـــغـــيـــره مـن مجالات العمل المعرفي. وفــــي هــــذا الــــصــــدد، ذاع انـــتـــشـــار مـنـشـور عـــبـــر الإنــــتــــرنــــت فــــي الآونــــــــة الأخـــــيـــــرة عــنــدمــا اعـــــتـــــرف كــــاتــــبــــه، وهـــــــو طــــالــــب دكـــــــتـــــــوراه فــي الرياضيات البحتة يُدعى كيروين هامبشاير، بــأنــه يــمــر بـــــ«أزمــــة روحـــيـــة» مـــن جــــراء تـهـديـد الــــــذكــــــاء الاصــــطــــنــــاعــــي بـــســـلـــب الـــــجـــــزء الأهـــــم والأكـثـر مغزى من عمله؛ وحــذّر من أنـه بينما تــكــتــشــف الـــبـــرمـــجـــيـــات بــــراهــــن جــــديــــدة، فـــإن علماء الرياضيات باتوا يتحولون إلى مجرد متفرجين. ويــــقــــول كـــيـــث كــــــــارن، عـــالـــم الـــريـــاضـــيـــات المتقاعد من جامعة كامبريدج، إن مجاله أشد عـــرضـــة لــلــتــأثــر بـــالـــذكـــاء الاصـــطـــنـــاعـــي بشكل خـــاص، لأن هــذه التقنية تتمتع بـالـقـدرة على إقامة تقاطعات وإحـالات مرجعية بين العديد مــــن الــــــروابــــــط المـــحـــتـــمـــلـــة. ويـــــــرى أنــــــه «يــمــكــن للحاسوب أن ينظر إلــى الطريقة الـتـي تناول عــالــم ريـــاضـــيـــات مـخـتـلـفـا مــســألــة مــا، 20 بــهــا ليكون له بذلك قصب السبق والميزة التفضيلية عليهم جميعاً». ويــــــــرى تـــيـــريـــنـــس تــــــــاو، الــــحــــائــــز وســـــام «فـيـلـدز»، وأحـــد أشـهـر علماء الـريـاضـيـات في الـعـالـم، أن الــذكــاء الاصـطـنـاعـي قـد ينقل عالم الــريــاضــيــات مـــن حــالــة «نـــــدرة الـــبـــراهـــن» إلــى حـالـة مـن «وفـــرة الــبــراهــن»، مما يضع علماء الــريــاضــيــات فـــي المـــوقـــف المــحــفــوف بـالمـخـاطـر ذاتـه تقريباً، الـذي يواجهه الكُتاب والفنانون والمـــحـــلـــلـــون؛ إذ يـــجـــري إغــــــراق الـــعـــالـــم بنسخ صــــادرة عــن الــذكــاء الاصـطـنـاعـي لمــا ينتجونه عـــادة، مما يـهـدد بتجريد المنتج النهائي من قيمته وإبخاس قدره. ويــنــشــر عــلــمــاء الـــريـــاضـــيـــات المــحــتــرفــون عـددا هائلا من الأوراق البحثية سنوياً، التي غـالـبـا مــا تتضمن بــراهــن جــديــدة أو حججا ومجادلات متدرجة توضح مدى صحة قاعدة ريـاضـيـة مـــا. بـيـد أن الاخــتــراقــات والإنـــجـــازات الأكـثـر أهمية تُحقق مـا هـو أبـعـد مـن ذلـــك؛ إذ تفتح آفاقا وطـرق تفكير جديدة كلياً، وتمهد السبل لعلماء ريـاضـيـات آخـريـن ولتطبيقات عملية لاحقة. وبـــعـــد مــــــرور آلاف الـــســـنـــن عـــلـــى إثـــبـــات أقليدس لعدم نهاية الأعـــداد الأولـيـة ووفرتها الــانــهــائــيــة، أضــحــت نــظــريــة الأعــــــداد عـنـصـرا حـيـويـا حـاسـمـا لأنـظـمـة التشفير الـتـي تشكل الــركــيــزة والأســـــاس لـجـزء كبير مــن الاقـتـصـاد الرقمي اليوم. كما ساهمت الأعمال والبحوث الــــــرائــــــدة الــــتــــي قـــدمـــتـــهـــا عــــالمــــة الـــريـــاضـــيـــات البلجيكية إينغريد دوبوشي بشأن الذبذبات والمـــويـــجـــات الــصــغــيــرة فـــي أواخــــــر ثـمـانـيـنـات القرن المـاضـي، في وضـع المخططات والركائز لــتــقــنــيــات ضـــغـــط الــــصــــور الـــحـــديـــثـــة وكـيـفـيـة تخزين الهواتف الذكية للصور. ولا تهدف أغلب أبحاث الرياضيات إلى الوصول إلى حالة استخدام نهائية، بل هي رحلة سعي يحركها الفضول البشري لرسم معالم الأنـمـاط والمخططات الخفية للكون، كما هو الحال مع «مبرهنة فيرما الأخيرة»، وهــــــي مـــعـــضـــلـــة اســــتــــمــــرت لـــــقـــــرون وخـــــاض العلماء غمارها دافـعـا للتحدي الفكري في حـــد ذاتـــــه. إذ قـــد تـجـد الــريــاضــيــات البحتة تطبيقات في العالم الحقيقي بعد عقود من وفاة عالم الرياضيات، دون أن تكون ملزمة بذلك. ومع ذلـك، فقد طغى على هذا التخصص مــنــذ فـــتـــرة طــويــلــة ثــقــافــة «انـــشـــر أو انـــدثـــر»، حــــيــــث تـــعـــمـــل الأوراق الـــبـــحـــثـــيـــة كــــنــــوع مــن العملة المـقـبـولـة الـتـي تمنحك المـصـداقـيـة بين الأكـاديـمـيـن الآخــريــن، رغــم أن الـهـدف الأعمق يتمثل في تعزيز الفهم الجماعي، وهو مفهوم مجرد يبدو من المستحيل تقييم قيمته. ويرى بــنــجــامــن كــــــولاس، الـــبـــاحـــث فـــي الــريــاضــيــات بـجـامـعـة كــيــوتــو، أن هــــذه المــعــرفــة الـجـمـاعـيـة كـــانـــت دائـــمـــا هـــي المــنــتــج الــحــقــيــقــي، فـــي حين لـم تكن الـنـظـريـات والـبـراهـن المـنـشـورة سوى «بـــقـــايـــا»؛ مـضـيـفـا أن الـــذكـــاء الاصــطــنــاعــي قد كشف ببساطة «زيـف» هذا النظام وادعـاءاتـه، وأن الـخـطـر الـكـامـن الآن هــو أنـــه كلما أنتجت الـبـرمـجـيـات المــزيــد مــن المـعـرفـة الـريـاضـيـة، قل استيعاب البشر وفهمهم لها. وقد يستغرق إنتاج برهان ما باستخدام الــــذكــــاء الاصـــطـــنـــاعـــي بــضــع ســــاعــــات، بــيــد أن اســـتـــيـــعـــاب الـــنـــتـــائـــج الــــجــــديــــدة ودمـــجـــهـــا فـي المـعـرفـة البشرية قـد يستغرق سـنـوات طـــوالاً. ومـــــن هـــــذا المـــنـــطـــلـــق، لا يــكــمــن الـــخـــطـــر الأكـــبـــر فــي أن يـحـل الـــذكـــاء الاصـطـنـاعـي مـحـل علماء الـريـاضـيـات، وإنـمـا فـي أن تتوقف الجامعات عن دعم العمل البشري المتأني والبطيء الذي يساعدهم على إدراك تلك الحقائق وفهمها. وتـــخـــيـــم المــعــضــلــة ذاتــــهــــا عـــلـــى مــــجــــالات عـــدة مثل الكتابة، حيث يُــولّــد الـذكـاء الاصطناعي نصوصا لا حصر لها، بينما تتضاءل وتندر مـــهـــارة تـحـديـد مـــا يـسـتـحـق الـــقـــول والــتــدويــن فــي المــقــام الأول؛ إذ بـوسـع مكتب مـحـامـاة أن يُنتج أكداسا من المذكرات والعقود باستخدام الذكاء الاصطناعي، غير أن الحصافة والحكم الــــتــــقــــديــــري المـــتـــضـــمـــن فـــــي اخــــتــــيــــار الــحــجــج والمــجــادلات الـواجـب تبنيها تـــزداد أهميتهما بالنسبة للبشر، ويصعب تقييمهما. ومما يزيد الأمر سوءا أن المؤسسات دأبت تاريخيا على مكافأة الأفـراد وتقاضي الأجور بناء على الأمور التي بات الذكاء الاصطناعي يجعلها زهيدة الثمن وقليلة التكلفة؛ بدءا من إعداد المنشورات والأوراق البحثية في الأوساط الأكاديمية، وصولا إلى ساعات العمل القابلة للفوترة والعقود في مجال القانون. وقد تكمن الجوانب الإيجابية لأزمة الرياضيات الروحية فـي كونها تجبر البشر على الإدراك والـوعـي بأنهم كانوا يقيسون القيمة والجدوى بطريقة خاطئة طوال الوقت. فكيف يمكن إذن مكافأة الحصافة والحكم الـــتـــقـــديـــري وحـــســـن الـــــــذوق، أو الـــطـــرح الــذكــي لـأسـئـلـة الــتــي تـفـتـح آفــاقــا ومـــســـارات جـديـدة للبحث والاستقصاء؟ في عالم الرياضيات، قد يعني ذلـك تقديم المزيد من التقدير والتمويل لـعـمـلـيـات الـــتـــدريـــس، وشــــرح نـتـائـج الآخــريــن وتفسيرها، أو بناء أدوات مثل قواعد البيانات المـشـتـركـة والمـكـتـبـات الـريـاضـيـة الــتــي تساعد عـــلـــمـــاء الــــريــــاضــــيــــات الآخـــــريـــــن عـــلـــى الـــتـــقـــدم والــتــطــور، ولــيــس الاقــتــصــار عـلـى نـشـر أوراق بحثية لا تنتهي. وهذا من شأنه أيضا أن يكافئ الشيء ذاته الذي يبقي علماء الرياضيات في هذا المجال؛ إذ يقول لي كـولاس: «إن أكثر ما يعجبني ويثير شـغـفـي هــو (تــلــك الـعـمـلـيـة) ذاتـــهـــا، وتـجـددهـا المستمر بـا نهاية؛ ألا وهــو الانـتـقـال مـن عدم فهم شيء ما إلى فهمه وإدراكه. حيث تشير كل المعطيات والدلائل نحو أجزاء وجوانب لا تزال معتمة ومظلمة من المشهد، ثم تتجلى وتظهر بأبسط صورة من الوضوح والجلاء». وفــــــضــــــا عــــــن ذلــــــــــك، ومــــــــع جــــعــــل الآلات والمـعـدات المخرجات الذكية أكثر وفـرة وغـزارة مــن أي وقـــت مــضــى، فــإنــه ينبغي عـلـى البشر وضــع قيمة أرفـــع وأعـلـى لمعرفة الأسـئـلـة التي تستحق الطرح والبحث حقاً. * بالاتفاق مع «بلومبرغ» يساهم في حل مشكلات ومسائل مستعصية طال أمدها تبقى صورة الحرب والسلم في الغرب أكثر تعقيدا بكثير مما تبدو عليه أنطوان الدّويهي *بارمي أولسون عادل درويش OPINION الرأي 14 الذكاء الاصطناعي يحوّل علماء الرياضيات متفرجين من يحارب في الغرب؟ بين حكم القانون وضغط الرأي العام البريطاني حذرت مفوضية شرطة لندن من تزايد ضغوط مراقبة المجرمين الخطرين

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky