الثقافة CULTURE 17 Issue 17421 - العدد Sunday - 2026/8/9 الأحد أحمد عبد المعطي حجازي الموشح... من المشرق إلى المغرب فـي مقالتي السابقة تحدثت عـن المـوشـح الأنـدلـسـي وضـربـتـه مـثـا للأعمال المرموقة التي أسهم بها الأشقاء المغاربة ومنهم الأندلسيون في الثقافة العربية، وأعطيت المقالة عنوانا عبَّرت فيه عن المصدر الـذي انطلق منه الموشح، والطريق الذي سلكه ليصل إلى حيث احتل مكانه إلى جانب الأعمال التي تبدأ طريقها من المشرق وتشكل مع أعمال المغاربة ثقافتنا العربية التي يشارك في إبداعها كل من ينتمي لها. نعم، كل من ينطق بالعربية ويفكر ويعبر بها يعطيها بقدر ما يأخذ منها. وهـــو يـرسـل ويستقبل فــي آن واحـــد كـمـا هــي الــحــال فــي كــل الـلـغـات وفـــي كل الــثــقــافــات. وهــــذا مـــا أردت أن أعـــبّـــر عـنـه فـــي عـــنـــوان المــقــالــة الــــذي وضـعـتـه هـكـذا: «الموشح... من المغرب إلى المشرق». وهو عنوان يشير بلفظه إلى طريق واحد، لكنه يعني الطريقين معاً، فما دام الإبـــداع يكتسب فـي كـل طريق يسلكه قيمة جديدة ويعود بها إلى حيث بدأ، وبهذا تنمو الثقافة القومية وتتوحد وتزدهر، فبوسعنا أن نتحدث عن الموشح في الطريق الآخر وأن نكتب تحت هذا العنوان: «الموشح... من المشرق إلى المغرب». *** وأول ما أبدأ به حديثي في مقالة اليوم أن أذكّر بما قدمته في المقالة السابقة عن الدور البنَّاء الذي أداه الشاعر المصري ابن سناء المُلك الذي عاش في النصف الثاني من القرن الثاني عشر الميلادي وفي العقد الأول من القرن الذي تلاه، وعاصر صلاح الدين الأيوبي، كما عاصر عددا من كبار الشعراء والوشاحين المغاربة والأندلسيين، ومنهم من سبقه ببضعة عقود كابن بقي، والأعمى التطيلي، ومنهم من ظهر بعده بأكثر من قرنين كلسان الدين بن الخطيب. لكننا نقرأ موشحات ابـن سناء الملك وننظر فـي تـواريـخ حياته فـا نـــدري كيف استطاع أن يطلع على هــذا الـفـن الـذي سبقوا به، وهو الموشح، دون أن يعرفهم معرفة مباشرة. لم يعش معهم، ولم يزر بلادهم، كما أنهم بالمثل لم يعرفوه، فكيف وصل إليه الموشح بالصورة التي مكّنته من أن يكون فيه ناظما مبدعا لا مجرد ناقل أو مقلد، بل مكّنته من أن يقدم للموشح ما لم يقدمه مبدعوه الأوائـل، وهو الكشف عن شكله وتركيبه وإظهار خصائصه وتحديـد قواعده. وهذا ما يشير إليه الدكتور جودت الركابي الذي حقَّق كتاب ابن سناء الملك «دار الطراز في عمل الموشحات»، فيقول في مقدمته التي كتبها: «ولعل ابن سناء الملك هو أول من قام بهذه المهمة فحاول في هذا الكتاب الذي ننشره أن يحدد قواعد هذا الفن الشعري ويبين خصائصه وطرق نظمه وأوزانه، فكان بذلك الشاعر الأول المنظم لقواعد الموشح في المشرق كما في المغرب». وعن طريق ابن سناء الملك تعرّف شعراء المشرق على الموشح، ومنهم في مصر ابن قلاقس الإسكندري، وابن مماتي، وابن وزير، وابن المنجم... ومن شعراء الشام السراج عمر بن مسعود الكناني الحلبي، وأحمد بن حسن الموصلي. *** بهذه الـحـفـاوة استقبل المـشـارقـة المـوشـح الأنـدلـسـي حـن قطع الطريق إليهم من المغرب قبل ثمانية قـرون، فكيف صار حالهم معه حين قطع الطريق إليهم من الماضي إلى الحاضر؟ والجواب في ديوان أمير الشعراء أحمد شوقي وفي مسرحه، وفي أغاني «كوكب الشرق» أم كلثوم، وفي مسرح الشيخ سلامة حجازي الغنائي، فلهذا المطرب الكبير رواية غنائية سماها «غانية الأندلس» وعُرضت لأول مرة عام في تونس على مسرح روسيني، وقدم فيها عددا من الموشحات. 1914 أما شوقي، فله موشحه الشهير الذي تغنى فيه ببطولة عبد الرحمن الداخل وسماه «صقر قريش»، وعارض فيه موشح لسان الدين بن الخطيب. ولـكـي نـقـرأ مـوشـح شـوقـي قــــراءة تفصح عــن مـوضـوعـه وتـكـشـف عــن جماله وتمكننا مـن تـذوقـه نحتاج إلــى معرفة صقر قـريـش، ولـسـان الـديـن بـن الخطيب، وشوقي طبعاً، فضلا عن الظروف التي نظم فيها أمير الشعراء موشحه. *** صقر قريش هو الأمير الأموي عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك، وهو الوحيد الذي استطاع أن ينجو من المذبحة التي قضى فيها العباسيون على كـل مـن وقـع فـي أيديهم مـن الأمـــراء الأمـويـن بعد أن نجح العباسيون فـي إسقاط الخلافة الأموية. وقـد فـر عبد الرحمن، وظـل متخفيا فـي الطريق الــذي سلكه مـن دمشق حتى استطاع بعد خمس سنوات أن يدخل الأندلس وينتزع قرطبة وينشئ الإمارة التي أصبحت في أيامه وأيام خلفائه الأمويين دولة عظمى. هذه البطولة الرائعة ألهمت شوقي موشحه الذي عارض فيه موشح لسان الدين بن الخطيب. *** ولسان الدين بن الخطيب هو الشاعر العالم المفكر الـذي وُلـد في غرناطة في القرن الثالث عشر الميلادي وتفوق على كل معاصريه من أدباء الأندلس، وأصبح وزيراً، ثم توالت عليه الخطوب حتى وقع في أيدي أعدائه فقتلوه. ومن نظمه الرائع موشحه الذي أصبح مما يحفظه الكثيرون ويرددونه: جادك الغيث إذا الغيث همى يـا زمان الوصل في الأندلس لم يكن وصلك إلا حلـمـا في الكرى أو خلسة المختلس وابـن الخطيب في هذا الموشح يعارض موشحا لشاعر أندلسي آخر هو ابن سهل. ثم يأتي أمير الشعر العربي في هذا العصر ليواجه المحتلين الإنجليز الذين فرضوا عليه أن يغادر مصر إلـى أي منفى يختاره فاختار إسبانيا التي ألهمته قصائد عــدة عـــارض فيها الـحـصـري، والـبـحـتـري، وابـــن زيـــدون، ولـسـان الـديـن بن الخطيب: من لنضو يتنزى ألما برح الشوق به في الغلس حن للبان، وناجى العلما أين شـرقـ الأرض من أندلسِ! بلبل علمه البين البيان بات في حبل الشجون ارتبكا في سماء الليل مخلوع العنان ضاقت الأرض عليه شبكا كلما استوحش في ظل الجنان جُن فاستضحك من حيث بكى! وشوقي يستطرد ليلم بقصة عبد الرحمن الداخل ويتغنى بأعماله فيجمع بين السرد والغناء. ولشوقي إلى جانب القصائد التي نظمها وعارض فيها الأندلسيين ًمسرحية نثرية سمّاها «أميرة الأندلس». غياب التمثيل اليوناني في الفيلم لم يحدث سهوا التفاحات التي ألقاها كريستوفر نولان في «الأوديسة» نبوءة جورج أورويل المخيفة لـــــــم يـــــعـــــد فــــيــــلــــم كــــريــــســــتــــوفــــر نـــــــولان ) blockbuster( «الأوديـــــــســـــــة» بْـــلَـــكْـــبـــسْـــتـــر فــحــســب، بـــل تـــحـــول وبـــســـرعـــة خــاطــفــة إلــى social - media/ «سوشيال ميديا بلكبستر » باجتياحه الفضاء السيبراني، blockbuster بهيمنته على وسائط التواصل الاجتماعي. أعــــــداد لا تـحـصـى يــتــزاحــمــون ويــتــدافــعــون بالأصوات والكتابات ومقاطع الفيديو، كل يسعى ليجد مساحة لرأيه أو نقده. كم كبير من الآراء والتعليقات، عبارات الإعــــجــــاب أو الاســـتـــيـــاء، أجــــــادل بــــأن نـــولان حــــمّــــل فــيــلــمــه بـــعـــض مــــا يـــثـــيـــرهـــا، ويــحــفــز عــــلــــى طــــرحــــهــــا، أو طـــــــرح بـــعـــضـــهـــا، وذلـــــك برميه مجازياً، بقصد أو دون، مـا أسميها «تفاحات جــدل» فـي فيلمه؛ فكرة اِستللتها من الأسطورة الإغريقية، من حكاية إيريس إلـهـة الــخــاف والـــنـــزاع وتفاحتها الذهبية، »، التي apple of discord/ «تـفـاحـة الــــخــــاف كانت، وفقا للأسطورة، السبب الجذري في اشتعال فتيل حرب طروادة. إيريس تقتحم العرس وتلقي التفاحة لـــــم تُــــــــــدْع إيـــــريـــــس إلــــــى عــــــرس بــلــيــوس وثــيــتِــس، فــجــاءت غـاضـبـة وألــقــت فــي وسـط الحفل تفاحة ذهبية كتب عليها «للأجمل». فـتـدافـعـت الآلـــهـــات حـولـهـا، كــل واحــــدة تــروم خـطـفـهـا لاعــتــقــادهــا أنـــهـــا الأجــــمــــل، وانـتـهـى الـــنـــزاع بتصفية شـمـلـت ثـــاث آلـــهـــات: هـيـرا، وأثـيـنـا، وأفـــروديـــت. ولمّـــا لـم يتطوع أحــد من الآلـــهـــة لــفــض الــــنــــزاع بــيــنــهــن، أرســـــل زيـــوس هـرمـز إلــى الأمـيـر الـــطـــروادي بـاريـس ليقنعه بأن يكون حكما بين المتنازعات. جاء باريس فـانـحـاز إلــى أفـــروديـــت، وحـكـم بأنها الأجمل لأنــهــا وعــدتــه بـحـب أجــمــل امــــرأة فــي الـعـالـم: هيلين زوجـــة مـيـنـاوس مـلـك إسـبـرطـة. ومـن إسبرطة كان الهروب العظيم إلى طروادة. تفاحة الغياب اليوناني تـحـول خـلـو قـائـمـة المـمـثـلـن (الـكـاسـت) فـــي «الأوديــــســــة» مـــن أي مـمـثـل يــونــانــي إلـى «تـــفـــاحـــة جـــــدل» أثــــــارت الانـــتـــقـــاد لـفـيـلـم هو ترجمة سينمائية لملحمة شعرية يونانية، لا وجود فيه ليوناني أو ليونانية بين ممثلين متعددي الأعراق والهويات. هل تعمد نولان أن يكون ذلك مثار جدل؟ أمر يصعب نفيه أو تأكيده. لكن الأكيد أن غياب التمثيل اليوناني في الفيلم لم يحدث سهواً. وما لا يحتاج إلى تأكيد أنـه كـان لـنـولان الحرية فـي إضـافـة أو عـــدم إضــافــة ممثل يـونـانـي. ولـيـس فــي عـدم مـشـاركـة يـونـانـي فـي «الأوديـــســـة» إســـاءة أو إهانة لليونان واليونانيين. فمشاركته قد لا تشكل إضافة مهمة إلى الفيلم، وقد لا يلفت وجـــوده انـتـبـاه المـشـاهـد، ناهيك عـن تـذكـره، كما حدث في حال بعض من ساهم وجودهم فــي تشكيل الـتـعـدديـة الـعـرقـيـة والـهـويـاتـيـة فــي الـفـيـلـم. انـتـقـاد «الأوديــــســــة» بـسـبـب هـذا الغياب قد لا يعدو كونه نقدا من أجل النقد لإحداث خدش في صورة الفيلم أو في صورة مخرجه. وليس ضروريا أن يشارك ممثل يوناني في «الأوديسة» ؛ مثلما أنه ليس مطلوبا من مـخـرج أمـيـركـي، مــثــاً، الاسـتـعـانـة بممثلين وممثلات من السعودية عندما يكيف/يترجم رواية سعودية للشاشة، أو يستعين بممثلين » فيلم remake« أجــانــب عـنـدمـا يعيد إنــتــاج أجنبي أنتج في بلدهم. تفاحة التحول المثيرة والممتعة إِلــــيــــوت بـــيـــج، المـــتـــحـــول جــنــســيــا، تـفـاحـة الــــــجــــــدل الــــثــــانــــيــــة الـــــتـــــي ألـــــقـــــاهـــــا نــــــــــولان فــي «الأدويـــســـة»، أو لـم يلقها قـاصـدا الإثــــارة. لكن إعــــــام الـــيـــمـــن المـــحـــافـــظ حــــــوّل مـــشـــاركـــتـــه إلـــى تـفـاحـة جـــدل أثــــارت زوبــعــة قـبـل إطـــاق الفيلم بسبب شائعات بأنه سيلعب دور أخيل البطل الأســــطــــوري. جــــاء الــنــقــد عـنـيـفـا عــبــر وســائــط الـتـواصـل الاجـتـمـاعـي. واسـتـمـرت الانـتـقـادات حتى بعد إطلاق الفيلم، بعدما تبين أنه يلعب دور الجندي سينون، بحجة هويته الجندرية » وصغر جسمه. transgender« في كلتا الحالتين، بيج تفاحة جدل تثير الشهية للكتابة عن علاقة التحول والتحويل بـــ«الأوديــســة»، وبـالمـخـرج وبـــآلاف المشاهدين. فدُون التحول/التحويل لم يصبح «الأوديسة» فيلما يـمـأ مــشــاهــدوه صـــالات الـسـيـنـمـا، ولـم يتدفق هذا الفيض من التعليقات. فصنعه قام »transformation« فـكـرة وتنفيذا على تحويل المــلــحــمــة الــشــعــريــة «الأوديــــــســــــة» إلـــــى مـلـحـمـة سينمائية. تحولات المخرج والمشاهدين التحويل، أو التحول، لم يطل نص الملحمة فـحـسـب، بـــل تــعــرض لـــه المـــخـــرج نــــولان نفسه. فخلال اشتغاله، تكييفا أو تحويلا أو ترجمةً، تحول نــولان إلـى إغريقي، أو لأقُـــل، إلـى شبيه بالمسرحيين الإغريق القدماء مثل سوفوكليس وأسخيلوس، ويوربيديس، الـرواد بتحويلهم حكايات من الموروث الأسطوري الإغريقي، إلى مــآس «تـراجـيـديـات». فالمأساة «أوديـــب ملكاً»، مـثـاً، لـم تنبت مـن خـيـال سوفوكليس. كانت أسطورة عالجها سوفوكليس دراميا ليحولها إلــى عــرض مـسـرحـي. وكـذلـك فعل أسخيلوس فـي مسرحية «أغـامـمـنـون»، وفـعـل نـــولان مثل فـعـلـهـم فـــي «أوديــــســــة» هـــومـــيـــروس، الــتــي هي نتيجة تحويل وتكييف أيضاً. ولــــم يــكــن نــــولان لـــوحـــده فـــي تــحــولــه إلــى إغريقي أو شبيه بالإغريقي، كان مثله كثيرون ممن شاهدوا الفيلم، الذين قــرأوا «الأوديـسـة» قـبـل تـفـكـيـره فــي صـنـع فـيـلـم مـبـنـي عـلـيـهـا، أو الذين درّسوها أو دَرَسوها، أو الذين تقاطروا إلـــى المـكـتـبـات لـشـرائـهـا وقــراءتــهــا قـبـل إطــاق الــفــيــلــم. فــتــحــولــوا إلــــى إغـــريـــق مـــجـــازيـــا. فقد كــــان الإغــريــقــيــون الـــقـــدمـــاء يــذهــبــون لمـشـاهـدة تـــــراجـــــيـــــديـــــات ســــوفــــوكــــلــــيــــس وأســــخــــيــــلــــوس ويوربيديس حافظي قصصها عن ظهر قلب؛ لأنها مستلهمة من موروثهم الأسطوري. فكان ذهابهم للمسرح ليس لمشاهدة ما يحدث، بل لمشاهدة كيف يحدث؛ كيف يُؤول ويمسرح كل واحـــد مـن أولـئـك المسرحيين «المـحـتـوى» الـذي اقتطعه من كتلة الأساطير، وكيف يضيف أو يغير بعض التفاصيل أو الشخصيات وترتيب الأحداث. هـــــذا الـــكـــم الـــهـــائـــل مــــن الــتــعــلــيــقــات الــتــي تزدحم بها وسائط التواصل الاجتماعي دليل عـلـى أن الـكـثـيـريـن مــن مــشــاهــدي «الأوديـــســـة» كـــــانـــــوا كـــالمـــشـــاهـــديـــن الـــيـــونـــانـــيـــن الــــقــــدمــــاء، استمتعوا بملاحظة «كـيـف» المعالجة السرد ســيــنــمــائــيــة قـــــدر اســتــمــتــاعــهــم أو ربـــمـــا أكــثــر بمتابعة الأحداث. بيج في الفيلم المناسب عــجــيــب انـــتـــقـــاد نـــــولان لاخـــتـــيـــاره مـمـثـا مــــتــــحــــولاً. فــــي رأيــــــــي، بـــيـــج اخــــتــــيــــار مــنــاســب للظهور في فيلم التحول/التحويل ثيمة مهمة فـيـه، فـضـا عــن كـــون الـتـحـول ثيمة تـتـكـرر في الأساطير الإغريقية مخزن التحولات، الدائمة والمـؤقـتـة. فـي الفيلم تتجسد ثيمة التحويل/ التحول فـي مشهد سيرسي وتحويلها رفـاق أوديـــســـيـــوس إلـــى خــنــازيــر. أمـــا فـــي الأوديـــســـة المــلــحــمــة فــيــظــهــر إلـــــه الــــتــــحــــولات، بـــروتـــيـــوس )، إلــه البحر الصغير الأقـــل شـأنـا من Proteus( بوسايدون وتحت سلطته. منحه بوسايدون القدرة على قول الحقيقة وتغيير شكله. يظهر فـــي الــكــتــاب الـــرابـــع «مــــن «الأدويــــســــة» - كـتـاب مـيـنـاوس وهـيـلـن. اُشْــتُــقَّــت مـن اسـمـه الصفة » وتعني متعدد Protean / الإنجليزية «بروتيان المهارات والبراعات، المتحول والمتقلب، القادر على اتخاذ أشكال متعددة ومختلفة، والمتمتع بـــالمـــرونـــة والـــــقـــــدرة عـــلـــى الـــتـــكـــيـــف. اسـتـهـلـلـت بالكتابة عنه مقالتي غازي القصيبي/ الغزاة الـقـصـيـبـيـون: الـــــذات الــبــروتــيــانــيــة وإشـكـالـيـة ، سبتمبر 21 كتابة السيرة الكاملة (الــراوي، ع .)2009 أخيل عذراء تتهرب من الحرب الطريف أن انتقاد الفيلم بناء على إشاعة قيام بيج بـدور أخيل، يشكل مفارقة؛ إذ يبدو أن المنتقدين لم يقرأوا أو يسمعوا كيف حاول أخــيــل، فــي الأســـطـــورة، الـتـهـرب مــن الانـضـمـام لائـــتـــاف الــجــيــوش الــيــونــانــيــة قــبــل إبــحــارهــا »transvestite« إلــــــى طـــــــــروادة بـــتـــحـــولـــه إلــــــى مـتـشـبـه بــالــنــســاء، واخـــتـــفـــاؤه فـــي قــصــر المـلـك لايـــكـــومـــيـــديـــس. وعـــــاش بـــن الــــعــــذارى إلــــى أن فضح أمره أوديسيوس عندما جاء إلى مخبئه متنكرا كبائع متجول يبيع زينة نساء وسيوفا وخناجر. فبينما أقبلت الـعـذارى على تقليب الزينة، راح أخيل يتفحص السيوف والخناجر، ،»Phallic Symbols« رموز الفحولة والذكورية ويـمـرر أصـابـعـه على أنـصـالـهـا. ففضح نفسه 181 ، بـنـفـسـه (إديـــــث هــامــلــتــون، مـيـثـولـوجـيـا ). الـتـحـول ثيمة مـتـكـررة فــي الميثولوجيا 2 - الإغريقية، فعندما يمثل شخص متحول في فيلم كـ«الأوديسة»، فإنه في المكان المناسب، لن يكون شاذا في سياق الميثولوجيا العام، بغض النظر عن دوره. التفاحة التي علّقت تعليق عدم التصديق هيلين ثـمـرة اغتصاب الإلــه زيــوس لليدا - نيميسس في روايـة أخـرى - بعد تحوله إلى بجعة كــي يـصـل إلـيـهـا ويـطـفـئ جـمـرة رغبته. » فـي حكاية fictional truth« حقيقة تخييلية تـخـيـيـلـيـة يـتـطـلـب الاســتــمــتــاع بــهــا والـتـفـاعـل suspension of« معها تعليق عـــدم الـتـصـديـق ». هــذا مـا يـحـدث عندما يـقـرأ الناس disbelief الحكايات والروايات والأساطير، أو يشاهدون المــــســــرحــــيــــات والأفـــــــــــام، حـــتـــى عـــنـــدمـــا تـــكـــون الـقـصـص فــي منتهى الـفـانـتـازيـة والـغـرائـبـيـة. مــمــارســة مـسـتـمـرة مــنــذ ظــهــرت عــنــد الإنــســان مـلـكـة الــخــلــق الـتـخـيـيـلـي. وعـــلـــى مــــدى تــاريــخ الأسطورة الإغريقية، صدَّق الناس قصة هيلين الـتـي فقست مــن بـيـضـة، وتـقـبـلـوهـا، وصـدقـوا أنها أجمل امرأة في العالم. لكن سواد هيلين/ لوبيتا نيونغو في «الأوديـسـة» عطَّل «تعليق عدم الصديق» عند من بهم مس من العنصرية. وراحـــوا يطالبون بالدقة التاريخية، في فيلم مبني على ملحمة هي تخييل في تخييل. هيلين الـسـوداء تفاحة جـدل تعمَّد نولان إلقاءها في فيلمه، ممارسا حريته في تأويل الحكاية وسـردهـا وترتيب أحـداثـهـا والـحـذف والإضـــافـــة إلـيـهـا وفــــق رؤيـــتـــه الإبـــداعـــيـــة. لكن يبدو أنه لم يتوقع أن تتشكل في أذهان بعض المـشـاهـديـن صـــورة، لهيلين وأخـتـهـا، لا تنجو مـن الـخـدش بالعنصرية. إيــحــاءات بالصورة النمطية القديمة لـلـمـرأة الــســوداء فـي الثقافة الــغــربــيــة تــتــولــد مـــن ســـيـــاق تــقــابــل ومـــجـــاورة » صـــــــورة هـــيـــلـــن الـــــســـــوداء، juxtaposition« la( الــخــائــنــة المـــعـــتـــذرة نـــدمـــا، الــفــاتــنــة الــقــاتــلــة )، الــتــي تسببت بــمــوت الآلاف، femme fatale وأختها الخائنة والقاتلة مع صورة بينيلوبي، البيضاء، رمز الوفاء ومثال «الملاك في البيت». (*) كاتب وناقد سعودي الــســيــطــرة عــلــى الــبــشــر وتــوجــيــهــهــم عن طريق التحكم في الخلايا العصبية والشرائح الذكية نبوءة رأيناها تتحقق في أفلام الخيال العلمي، بل قرأنا عنها في بعض أدب وأفـام «الـديـسـتـوبـيـا»، أو نهاية الـعـالـم، حيث تلجأ الفنون إلى الخيال الخصب لتصل بالفكرة إلى أقصى حدودها لكن الواقع قد يتجاوز الفنون أحياناً، فهل حانت لحظة الحقيقة الصادمة؟ تــــطــــرح هــــــذا الــــتــــســــاؤل هـــبـــة الـــشـــريـــف، أسـتـاذ الأدب المــقــارن، فـي كتابها الـصـادر عن دار «العربي» بالقاهرة «الـخـوف – أو ما بعد الإنسان»، حيث تستعيد نبوءة جورج أورويل الـــتـــي تـــوقـــع فــيــهــا مــــزيــــدا مـن 1949 فــــي عـــــام المراقبة والتحكم في حياة البشر عبر روايته » التي تستشرف شكل العالم 1984« الشهيرة بعد الحرب العالمية الثانية في ضوء الصراع الــذي كـان آنــذاك قائما بين المعسكر الشيوعي الاشتراكي والمعسكر الغربي الرأسمالي، وما قــد يـــؤدي إلـيـه مــن مـراقـبـة وسـيـطـرة وتـاعـب بالعقول، عبر مبدأ «الأخ الأكبر يراقبك». وتــــــرى المـــؤلـــفـــة أن «الأخ الأكـــــبـــــر» لـم يــعــد بــحــاجــة إلــــى الـــكـــامـــيـــرات الـــســـريـــة أو أجـهـزة الأمــن التقليدية، لأن التكنولوجيا الـــحـــديـــثـــة أنــــشــــأت نـــمـــوذجـــا أكـــثـــر نـعـومـة وفـــاعـــلـــيـــة لـــلـــرقـــابـــة، فـــفـــي عـــالـــم الـــهـــواتـــف الــذكــيــة، ومـنـصـات الــتــواصــل الاجـتـمـاعـي، والمــســاعــدات الـرقـمـيـة، والــســاعــات الـذكـيـة، وتطبيقات تحديد المواقع، أصبح الإنسان يشارك تفاصيل حياته اليومية بإرادته. وهـــكـــذا تــتــحــول الـــبـــيـــانـــات الـشـخـصـيـة إلـــــى مـــــــادة خـــــام هـــائـــلـــة تــســتــطــيــع الـــشـــركـــات والمـــنـــصـــات الــرقــمــيــة تـحـلـيـلـهـا لــرســم خــرائــط دقيقة لاهتمامات الأفراد وعاداتهم ومخاوفهم وحتى ميولهم السياسية والاستهلاكية. ويـــشـــيـــر الـــكـــتـــاب إلـــــى أن أخـــطـــر أشـــكـــال السيطرة اليوم لا تقوم على المنع أو العقاب، إنما على توجيه الاختيارات، فالخوارزميات تحدد ما يراه المستخدم من أخبار، وما يُخفى عنه، وتقترح عليه الكتب والأفلام والموسيقى، وتعيد تشكيل اهتماماته تدريجياً. ومع مرور الوقت يظن الإنسان أنه يتخذ قـــراراتـــه بـحـريـة كـامـلـة، بينما تـكـون خـيـاراتـه قد صيغت مسبقا داخـل ما يعرف بـ«فقاعات الترشيح»، حيث لا يرى إلا المحتوى المتوافق مع اهتماماته السابقة. فـي هــذا السياق يربط الكتاب بـن رؤيـة أورويل ورؤية ألدوس هكسلي في رواية «عالم جديد شجاع»، فإذا كان الأول تخيل مجتمعا يخضع بالقوة والخوف، فإن هكسلي تصور مجتمعا يخضع بالإغراء والترفيه والإشباع المـــســـتـــمـــر، ومـــــن الــــواضــــح أن الــــواقــــع الــرقــمــي الـراهـن يجمع بـن الـنـمـوذجـن، فالمراقبة تتم في هدوء، بينما تُمارس السيطرة عبر الراحة والمتعة وسهولة الخدمات، وليس عبر القهر المباشر. كريستوفر نولان مشهد من الفيلم د. مبارك الخالدي القاهرة: «الشرق الأوسط» كان الإغريقيون القدماء يذهبون للمسرح ليس لمشاهدة ما يحدث، بل لمشاهدة كيف يحدث النص الكامل على الموقع الإلكتروني
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky