الثقافة CULTURE 18 Issue 17416 - العدد Tuesday - 2026/8/4 الثلاثاء الأوساط الأدبية الفرنسية احتفت بـ«مون تايغر» وكأنها عمل جديد ترجمة ثانية تُعيد رواية إلى الحياة بعد ثلاثة عقود تحظى الترجمة الفرنسية الجديدة لرواية «مون تايغر» للبريطانية بنيلوبي لايفلي بعناية لافتة من الصحافة الأدبية هــــذه الأيــــــام؛ فــقــد اسـتـقـبـلـتـهـا المــراجــعــات الــنــقــديــة بـــحـــفـــاوة تـــكـــاد تــبــلــغ الإجــــمــــاع، وأفسحت لها من المساحة ما لا يُفسح عادة إلا لعمل جديدٍ. المفارقة أن الرواية نفسها، عــلــى مـــا لــهــا مـــن مــكــانــة بـوصـفـهـا فـــائـــزة بــجــائــزة «بـــوكـــر»، مــــرّت فــي فـرنـسـا مــرور الــغــريــب يـــوم نُــقـلـت إلـــى الـلـغـة الفرنسية تحت عـنـوان «ثعبان 1989 أول مــرة سنة القمر». فلم يتوقف عندها أحـد، ولـم تُثر ضجة تُذكر، ثم انزلقت إلى النسيان أكثر سنة كاملة. 30 من وقــــــد كـــتـــبـــت مـــجـــلـــة «لـــيـــفـــر إيــــبــــدو»، المتخصصة في شـؤون النشر، أن الرواية ظلّت منسية منذ ترجمتها الأولى، وأنها «تـسـتـعـيـد الـــيـــوم مــكــانــا مـــرمـــوقـــا بفضل هـــذه الـتـرجـمـة الــجــديــدة مــن إمــضــاء بـول غــــيــــفــــارش». الــــجــــديــــر بـــالـــتـــأمـــل فــــي هـــذا كــلــه لــيــس لأنــهــا روايـــــة جــيــدة عــــادت إلــى الواجهة، فذلك يحدث كثيراً، إنما الوسيط اللغوي نفسه، أي الترجمة، هو الذي صار الحدث الأدبي. فالنص لم يتغير فيه حرف ، وما تغير هو اللغة التي 1987 واحد منذ تصل بها إلينا. أين يكمن الفرق؟ مــاذا حـدث إذا حتى تمر الـروايـة أول سنة 39 مـرة كأنها لم تكن، ثم تعود بعد فـتُــقـرأ كأنها كُتبت الـبـارحـة؟ ليس هناك جواب واحد قاطع، بل جملة أسباب يشد بعضها أزر بعض. أوّلها أسلوب المترجم نفسه: فقد حملت الطبعة الأولـــى توقيع ريـمـون لاس فيرنيا، وهــو عَــلَــم مـن أعـام الأدب الإنجليزي في الجامعة الفرنسية، أسـتـاذ جليل ومـتـرجـم لثاكري وكـونـراد، غير أن ثقافته كانت ثقافة أستاذ من الطراز الكلاسيكي، أنيقة رصينة تميل بالجملة إلى الاستقامة والوقار. وهذه فضيلة في كثير من النصوص، لكنها قد تكون عبئا حين يكون الأصل صوت امرأة لاذعة تتكلم بلا استئذان كشخصية كلوديا هامبتون في «مون تايغر»، ولذا فقد جاءت ترجمته وقـــد خـفـتـت مـــا فـــي الإنـجـلـيـزيـة مـــن حِـــدّة وســــخــــريــــة وتـــــوتـــــر، وحـــــــل مــــحــــل الـــنـــبـــرة الجارحة نثر مصقول لا يجرح أحـــداً. ثم يـأتـي الـعـنـوان شـاهـدا ثانياً: إذ آثـــرت دار «ستوك» آنــذاك أن تُسمّي الـروايـة «ثعبان القمر»، فاختارت صــورة شعرية غامضة على حساب معنى العنوان الأصلي، وهو اسم تجاري بسيط للفافة طاردة للبعوض تـحـتـرق بــبــطء حـتـى تـصـيـر رمــــــاداً؛ بـهـذا الاسـتـبـدال ضـاعـت الاسـتـعـارة الـتـي يقوم عليها الكتاب كله، استعارة الحياة التي تتآكل في صمت. ويبقى سبب ثالث لا يقل عن سابقيه: وهـي الطريقة التي قــدّم بها ، حـن عُرضت 1989 الناشر الــروايــة سنة بوصفها تـأمـا أنيقا فـي «مسألة الزمن» و«لـــــوحـــــة مـــلـــوّنـــة» بـــقـــلـــم «مــــــرح ولاذع»، أي بـوصـفـهـا تـمـريـنـا أســلــوبــيــا بـــارعـــا لا شـهـادة امـــرأة عن قــرن كامل ومـحـرّمـات لا تُـــقـــال. كـــل هـــذه الــعــوامــل وغــيــرهــا جعلت روايــــة الـبـريـطـانـيـة بنيلوبي لايـفـلـي تمر فـي حقبة الثمانينات دون أن تـتـرك أثــراً. أمـــا الـــيـــوم فـالـنـبـرة مختلفة تــمــامــا، ففي «ليفر إيبدو»، وهي المرجع المهني لسوق الكتاب في فرنسا، وصفت الناقدة ماري فوكيه العمل بأنه «فخم»، وأسمت بناءه «حـكـايـة لـولـبـيـة»، لأن الــســرد يـــدور حـول نفسه ويعود إلى المشهد الواحد من أكثر من زاويـة. وفي مجلة «كولاترال» الأدبية، تـحـت عــنــوان «كــالــيــدوســكــوب وجــــودي»، نـقـرأ فـي مـايـو (أيــــار) المـاضـي أن لكلوديا بطلة الـــروايـــة «حــضــورا لا يُـــصـــدَّق»، وأن قـصـة الــحــب الــتــي تـــؤجّـــل الـــبـــوح بـهـا إلـى آخــــر الـــكـــتـــاب هـــي الـــتـــي «تــشــحــن الـــروايـــة بـالـكـهـربـاء» وتـفـتـح فيها شـقـوقـا تتسلل منها «شمس الـقـاهـرة». مع ذلـك فالكتاب هو نفسه لم يتبدّل، لكن الحكم عليه انقلب سنة. 40 رأسا على عقب بعد هل تشيخ الترجمات؟ المــــســــألــــة إذا لـــيـــســـت مــــفــــاضــــلــــة بــن تـرجـمـة رديــئــة وأخــــرى جــيــدة. فـفـي بحث فـــــي مـجـلـة 1990 تـــأســـيـــســـي نـــشـــر ســـنـــة ،)la revue Palimpsestes( » «باليمبسست وتـحـت عـنـوان «إعـــادة الترجمة بوصفها فضاء للترجمة»، توقّف المنظّر الفرنسي أنــــطــــوان بـــيـــرمـــان عـــنـــد مـــفـــارقـــة مــــا زالــــت أســــــاس الـــنـــقـــاش إلـــــى الــــيــــوم: الــنــصــوص الأصلية لا تشيخ، أما ترجماتها فتشيخ. ومــن هنا خلص إلــى أن الترجمة عـمـل لا يكتمل من المرة الأولى، وأن إعادة الترجمة وحدها قـادرة، بين حين وآخـر، على بلوغ ما فات الأولى. وفي العدد ذاته وضع الناقد والمترجم الــفــرنــســي بــــول بـنـسـيـمـون تــمــيــيــزا صــار كلاسيكيا في هذا الباب: الترجمة الأولى تعريف قبل كل شيء، تُدخل كاتبا مجهولا إلى ثقافة لا تعرفه، فتخفّف غرابته وتقرّبه من ذائقة قرائه الجدد. أما الترجمة الثانية فتأتي وقد صار الكاتب معروفاً، فتتحرر مــن عـــبء الـتـعـريـف وتـنـصـرف إلـــى مــا في النص من خشونة وخصوصية أسلوبية. ولــهــذا أســمّــت الـبـاحـثـة إيـزابـيـل كولومبا الـقـرن الـحـادي والعشرين بـ«عصر إعـادة الترجمة». روايات عادت من الظل الأمــثـلــة كــثــيــرة: أشــهــرهــا فــي فرنسا وإنــــجــــاز المـــتـــرجـــم أنــــدريــــه مــاركــوفــيــتــش الـــــذي أقـــنـــع هــوبــيــر نــيــســن، مـــؤســـس دار نشر «أكت سـود»، بإعادة ترجمة الأعمال 10 الـروائـيـة الكاملة لدوستويفسكي فـي ســـنـــوات. فـــأعـــاد تــرجــمــة «المـــقـــامـــر» سنة ،1996 ثم «الجريمة والعقاب» سنة 1991 لـتـنـقـلـب صــــــورة الـــــروائـــــي الــــروســــي عـنـد الفرنسيين رأسـا على عقب، بعد أن كانت المدرسة الفرنسية في الترجمة تميل إلى تـنـعـيـم الأصـــــل وتــجـمـيــل عـــبـــاراتـــه، حتى خرج دوستويفسكي من بين أيديها أنيقا مـــصـــقـــولاً، أعـــــاده مــاركــوفــيــتــش متلعثما خشنا مـتـوتـراً، أي كما هـو فـي لغته الأم. ولــــم تـكــن الـعـمـلـيـة تـصـحـيـحـا لــغــويــا، بل جـــاءت تعريفا جـديـدا بـكـاتـب ظــن الناس أنـــهـــم قـــــــرأوه. ويـــصـــح الـــكـــام نـفـسـه على «الجبل السحري» لتوماس مان، حيث ظل في ترجمة 1931 الفرنسيون يقرأونه منذ مــــوريــــس بـــيـــتـــز الــــتــــي أنـــجـــزهـــا فــــي سـنـة واحــــدة، إلـــى أن قــدّمــت كلير دو أوليفيرا تــــرجــــمــــة اســـتـــغـــرقـــت خـمـس 2016 ســـنـــة ســـنـــوات، أعـــــادت إلـــى الـــروايـــة سخريتها وجـــــرأة حـــواراتـــهـــا بــعــدمــا هــذّبــهــا الـنـص الأول، ونالت عليها جائزة «جول جانان» مــن الأكــاديــمــيــة الـفـرنـسـيـة. وحـــن دخلت أعمال سكوت فيتزجيرالد الملكية العامة ، ظـهـرت ترجمتان 2011 فــي فـرنـسـا سـنـة متنافستان لـ«غاتسبي العظيم»: واحـدة لـــلـــروائـــيـــة جــــولــــي فــولــكــنــشــتــايــن أثـــــارت جــــــدلا واســــعــــا بـــإفـــراطـــهـــا فــــي المـــعـــاصـــرة، وأخرى لفيليب ياوورسكي ضمن سلسلة «لابلياد»، اعتبرها الكثير أفضل ترجمة لـروايـة «غاتسبي العظيم» على الإطــاق. وقــــد لــخــص هــــذا الأخـــيـــر المــســألــة بـعـبـارة استعارها من بروست، مفادها أن الكتب الجميلة كلها مكتوبة بلغة أجنبية نوعا ما، وأن هذه اللغة، لا الإنجليزية، هي ما ينبغي نقله. الــتــرجــمــة الــثــانــيــة لـيـسـت أفــضــل من الأولـــــى لأنــهــا جــــاءت بـعـدهـا فـحـسـب، بل لأنـــهـــا تُــنــصــت إلــــى الـــنـــص بــعــد أن هـــدأت ضـــجّـــة اســـتـــقـــبـــالـــه الأول، فــــتــــرد إلـــيـــه مـا ابتلعته العجلة أو هذّبته الذائقة. وهذا ما حدث لـ«مون تايغر»: لم تُكتب من جديد، لكنها وجدت أخيرا اللغة التي تليق بها، والقارئ الذي يعرف كيف يُصغي لها. بنيلوبي لايفلي باريس: أنيسة مخالدي ترجمة الرواية صارت الحدث الأدبي... النص لم يتغير 1987 فيه حرف واحد منذ وما تغير هو اللغة التي تصل بها إلينا «مذكرات حمار» لكونتيسة روسية بالعربية فــــــي لــــغــــة ســــــاخــــــرة تــــســــتــــهــــدف الـــنـــقـــد الاجـتـمـاعـي الــــاذع، صـــدر عــن دار «المـعـجـم» بالقاهرة كتاب «مذكرات حمار» للكونتيسة الروسية دي سيجور، ترجمة حسين الجمل. صفحة تستعين بالحكي 141 يقع الكتاب في الطريف لتفتح بابا واسعا للتأمل في علاقة الإنـــــســـــان بـــالـــكـــائـــنـــات الأضــــعــــف مــــنــــه، وفـــي المــعــايــيــر الــقــاســيــة الـــتـــي يـصـنـع بــهــا الـبـشـر أحكامهم المسبقة. بطل المــذكــرات هـو «كـديـشـون»، الحمار الــــذي يــقــرر أن يــــروي سـيـرتـه بـنـفـسـه، حيث يتجاوز فكرة الحيوان الصامت الـذي يؤدي أعــمــالا شـاقـة، ليرسخ حـضـوره كائنا واعيا يمتلك ذاكــــرة وحـسـاسـيـة وقــــدرة عـلـى الفهم والمـــاحـــظـــة، كـمـا يـعـلـن مـنـذ الـلـحـظـة الأولـــى اعتراضه على الـصـورة الشائعة عن الحمار بوصفه رمـــزا للغباء والـكـسـل، ويـقـدم نفسه على نحو ساخر بوصفه أذكــى وأكـثـر حـذرا مــــن كــثــيــر مــــن الـــبـــشـــر الــــذيــــن تـــعـــاقـــبـــوا عـلـى امتلاكه أو استخدامه. تـعـتـمـد الـكـونـتـيـسـة دي ســيــجــور على حيلة سردية بسيطة وفعالة، مانحة الحيوان حــق الـــكـــام؛ لتجعل الـــقـــارئ يـــرى الـعـالـم من موقع مختلف، مـن أسفل السلم الاجتماعي والأخلاقي، حيث يقف حيوان ضعيف تحت رحــمــة أصــحــابــه لـــيـــروي مـــا يــتــعــرض لـــه من قـسـوة وخــــداع وإهـــمـــال، كـمـا يـتـذكـر لحظات الرفق والصداقة والإنصاف التي تمنحه أملا في البشر. تـنـتـقـل المــــذكــــرات بـــن مـــواقـــف مــتــعــددة يعيشها الـحـمـار مـع ســـادة متباينين: منهم من يعامله كـأداة بلا روح، ومنهم من يرهقه بــالــعــمــل أو يــعــاقــبــه بــــا ســـبـــب، ومــنــهــم مـن يكتشف فيه قـدرة على الـوفـاء والـذكـاء. وفي كـل محطة ينجو كـديـشـون، أحيانا بالحيلة وأحيانا بالصبر، وأحيانا بفضل أشخاص يدركون أن الرحمة معيار حقيقي للإنسانية. يـنـتـمـي الــكــتــاب إلـــى تـقـلـيـد أدبــــي قـديـم جعل من الحيوان وسيلة للحديث عن البشر، وهو تقليد يعرفه القارئ العربي منذ «كليلة ودمنة» وحكايات الحيوان ذات المغزى، غير أن دي ســيــجــور تـمـنـح هــــذا الـتـقـلـيـد مسحة وجـدانـيـة واضــحــة، فالحمار هنا ليس رمـزا مـــجـــرداً، إنــمــا شخصية لـهـا صـــوت وتـجـربـة ومـــشـــاعـــر. لــــذلــــك؛ يـــبـــدو الـــكـــتـــاب قـــريـــبـــا مـن أدب الأطـــفـــال فـــي لـغـتـه الـسـلـسـة ومـغـامـراتـه المتتابعة، لكنه لا يقتصر على الصغار، عبر أسئلته الأخـاقـيـة الـتـي تصلح لكل المـراحـل العمرية. الـافـت، أن كديشون لا يطلب من قارئه الـشـفـقـة وإنــمــا الاحـــتـــرام، وهـــذا بـالـضـبـط ما يـمـنـح «مـــذكـــرات حــمــار» أصـالـتـهـا، حـيـث لم تعد الرحمة بالحيوان قضية هامشية، بقدر ما هي اختبار يومي لقدرة الإنسان على رؤية الآخر، حتى لو كان هذا الآخر بلا صوت. تعد الكونتيسة دي سيجور، واسمها الأصلي صوفي فيودوروفنا روستوبتشينا مــــن أبــــــرز رائــــــــدات أدب الأطــــفــــال فــــي فـرنـسـا خــال الـقـرن الـتـاسـع عـشـر. وُلـــدت فـي سانت بطرسبرغ لأسرة أرستقراطية روسية، وكان والدها الكونت فيودور روستوبتشين حاكم مـوسـكـو أثــنــاء غـــزو نـابـلـيـون، وبــعــد انـتـقـال تـــزوجـــت من 1817 أســرتــهــا إلـــى فـرنـسـا عـــام الكونت أوجـــن دي سيجور، وحملت اللقب الذي اشتهرت به أدبياً. القاهرة: «الشرق الأوسط» كرّست للتمرد وتحدت الخرافة والتقاليد رهانات التنوير في الخطاب الشعري العربي هـــل يـسـتـطـيـع الــشــعــر تـغـيـيـر البنية الــفــكــريــة لـلـمـجـتـمـع؟ وهــــل تــمــكّــن الـشـعـر العربي القديم من فرض شروطه ورؤيته الـجـمـالـيـة والـفـنـيـة عـبـر سـيـاق اجتماعي مــلــتــبــس ومـــلـــبّـــد بـــالـــتـــحـــديـــات، لـتـصـنـع القصيدة عالما مثاليا متعاليا متفوقا على الواقع المرير الـذي يعيشه الفرد منسحقا تحت سلطة المجتمع الأبــــوي، مستسلما لــلــخــرافــة والــســحـــر والــتــقــالــيــد والــــعــــادات الموروثة المضللة في أغلبها؟ أسئلة كثيرة يطرحها كتاب «شعرية الأفـــــكـــــار وصــــــيــــــرورة الأنـــــــــــوار» لــلــدكــتــور عـبـد الــفــتــاح أحــمــد يــوســف أســـتـــاذ الأدب والدراسات النقدية الحديثة بكلية الآداب - جــامــعــة الــبــحــريــن، الــــذي وضــــع عـنـوانـا جانبيا للكتاب يطرح سـؤالا واسعا حول طبيعة الشعر والأفكار الأدبـــيـــة ووظـيـفـتـهـا في تـشـكـيـل بـنـيـة المـجـتـمـع «الأفــــــــــــكــــــــــــار الأدبـــــــــيـــــــــة: تـــــراكـــــمـــــات ثــــقــــافــــيــــة أم مــــــجــــــازات مــــعــــرفــــيــــة؟»، وهـــــو الـــكـــتـــاب الـــصـــادر أخـيـرا عـن «دار الـروافـد الثقافية» ببيروت. يــــقــــتــــفــــي الــــكــــتــــاب أثــــر الــشــعــريــة الـعـربـيـة مــنــذ بـــدايـــاتـــهـــا المــوثــقــة فــي الـــدراســـات الأدبــيــة، مـــنـــطـــلـــقـــا مـــــــن أشـــــعـــــار الفترة المتعارف عليها بـ«الجاهلية» أو ما قبل الإسلام، متتبعا نماذج شـــــهـــــيـــــرة مـــــــن شـــــعـــــراء المعلقات في أغلبهم مثل زهــــيــــر بـــــن أبــــــي سـلـمـى وامــــرؤ الـقـيـس وعـنـتـرة بـــن شـــــداد والمــهــلــهــل أو عـــدي بـــن ربـيـعـة الملقب بالزير سالم. يــــــأتــــــي ذلــــــــــك عـــبـــر رؤيـــة منهجية ومـدخـل مـــعـــرفـــي يــتــتــبــع مــســار المــــدرســــة الــبــنــيــويــة في الــــتــــعــــامــــل مـــــع الأفـــــكـــــار وتــــقــــديــــمــــهــــا فــــــي إطــــــار إبداعي، يتناول الكتاب ما قدمه هؤلاء الشعراء فـــــــي زمـــــنـــــهـــــم مـــــــن قـــيـــم إنسانية صافية ونقية تـتـخـلـص مـــن التعصب والتمييز والعنصرية، وتـــطـــمـــح لــتــقــديــم رؤيــــة مــــثــــالــــيــــة لــــلــــعــــالــــم عــبــر الـــشـــعـــر، كـــنـــافـــذة فـنـيـة قـــادرة على دمـج الواقع والخيال ونسجهما في ثـوب واحـد ينفذ بتؤدة إلــــى الـــوعـــي المـجـتـمـعـي العام، ليرسخ مع مرور الـــزمـــن الــقــيــم الــجــديــدة المثالية التي يطمح إليها الشعراء. مـــن هـــذه الـقـيـم المـثـالـيـة الــتــي قدمها عنترة مثلا في التمرد على وضعه كعبد أسود وتحقيق طموحه بالتحرر والزواج مــن حبيبته الــحــرة عـبـلـة، وتـتـبـع سيرته ومسيرته للوصول إلى مراده، تنبثق قيمة الإصرار والتمرد على السلطة الأبوية التي حكمت مجتمع مـا قبل الإســـام ورسخت ثنائية الأسياد والعبيد، لتفتح القصيدة أفــقــا آخـــر لـلـبـطـولـة والـعـزيـمـة والإصـــــرار، وتقدم قيمة تنويرية قوامها التمرد على الـــتـــراث الــبــالــي وعــــدم الــخــضــوع لــشــروط الواقع المجحفة. الأمــر نفسه يظهر فـي أشـعـار زهير بــن أبـــي سـلـمـى الــــذي كـــرس فــي أشــعــاره لـقـيـم إنــســانــيــة نـبـيـلـة تـــدعـــو لـلـتـسـامـح ورفـــض الـــحـــروب الـتـي كـانـت تـنـدلـع في تــلــك الأوقـــــــات لأتـــفـــه الأســــبــــاب وتـسـتـمـر عـشـرات الـسـنـوات، ودعــت قصائد زهير لـــلـــســـام والـــتـــســـامـــح لـــيـــس مــــن مـنـطـلـق القيمة الأخـاقـيـة لنبذ الـحـرب والـدعـوة للتسامح كقيمة دينية فقط، بل تجاوز الأمــر هذين المعنيين للتأكيد على قيمة إنسانية كبرى لها مكانها الجوهري في منظومة التنوير الإنسانية بشكل عام. وهـــو مــا كـــرس لــه شــعــراء صـــدر الإســـام والـعـصـريـن الأمــــوي والـعـبـاسـي. يـقـارب الكتاب في فصوله الخمسة بين طبيعة الـــــذات الـــشـــاعـــرة ورهــــانــــات الــتــنــويــر في الشعر العربي الكلاسيكي، ويشير إلى الـــــدور الــــذي لـعـبـتـه الـسـلـطـة المجتمعية الـــذكـــوريـــة فـــي الـتـكـريـس لـقـيـم بعينها، رســـخـــهـــا شـــــعـــــراء فـــــي قـــصـــائـــدهـــم عـبـر المـديـح والنسيب وغـيـرهـا مـن الأغـــراض الشعرية، فيما تمرد عليها آخـرون عبر تــقــديــم خــطــاب شــعــري يـطـمـح لترسيخ رؤى تنويرية مغايرة للمألوف ومتمردة عـلـى الـــواقـــع، خـصـوصـا فــي إعـــاء قيمة العلم في مقابل الخرافة التي شاعت على أيـدي المنجمين والكهنة، وكـان أبو تمام من أبرز من واجهوا تلك الظاهرة. يـــطـــرح الـــكـــتـــاب كـــيـــف طــفــقــت الـــــذات الـــعـــربـــيـــة فــــي الـــبـــحـــث عــــن وجــــــود مــتــعــال مـــثـــال يـقـفــز فــــوق شـــــروط الــــواقــــع ليخلق عـــالمـــا بـــديـــا رحـــبـــا، في مواجهة انسحاقها في الـــوعـــي الــجــمــعــي، نعم حــاولــت الــــذات العربية الـــبـــحـــث عـــــن فــــرادتــــهــــا، وكـان الخطاب الشعري الـــــكـــــاســـــيـــــكـــــي مـــــســـــارا مـعـرفـيـا مــمــيــزا لتأكيد هــــذه الــــفــــرادة وتـحـقـيـق الـــــــــوجـــــــــود المـــــتـــــعـــــالـــــي، وتـــجـــلـــت مـــفـــاتـــيـــح هـــذا الـــــخـــــطـــــاب فــــــي تــــنــــاول مــوضــوعــات شـتـى مثل الــحــيــاة والمــــوت والــكــرم والبخل، والمـرأة والحب والـــــجـــــمـــــال، والـــبـــطـــولـــة والـــــتـــــضـــــحـــــيـــــة، والألـــــــــم والـــســـعـــادة، والـتـعـايـش والـــتـــســـامـــح والإقــــصــــاء. وتـــبـــرز فـــي هــــذا الــصــدد أنــــــمــــــاط مـــــتـــــمـــــردة مــثــل الــشــعــراء الـصـعـالـيـك أو العرجان أو غيرهم ممن تـــبـــنـــوا خـــطـــابـــا شــعــريــا مــفــارقــا ومــحــرضــا على التمرد. قـــــــــــــــــــــــدم شــــــــــــعــــــــــــراء كـــــثـــــيـــــرون هـــــــــذه الـــقـــيـــم فــــي إطــــــار تـــنـــويـــري فـي مواجهة منظومة القيم والآيدلوجيات الراسخة والــعــصــبــيــات الـثـقـافـيـة القائمة فـي ذلـك الوقت، وكــــان عـلـى شــعــراء مثل أبـــــي نــــــواس وبــــشــــار بـن بـــــرد والمــــعــــري وغــيــرهــم أن يـــــــدفـــــــعـــــــوا أثـــــمـــــانـــــا باهظة لمواقفهم ورؤاهم الشعرية التي أصبحت فـيـمـا بـعـد جــــزءا أصـيـا فــي مـنـظـومـة الـحـضـارة الـــــعـــــربـــــيـــــة ومــــــــســــــــارات التنوير. وكـــــــــــــــــمـــــــــــــــــا وقــــــــــــــف المــــــجــــــتــــــمــــــع بــــســــلــــطــــتــــه الأبــــويــــة الـــجـــامـــدة وقـــيـــمـــه الـــراســـخـــة فـي مواجهة التغيير وتصدى لمحاولة خلخلة ثوابته، كـان للشعراء مسارهم التنويري الخاص النابع من الــذات الشاعرة وليس بـالـضـرورة مـن الـصـدام مـع المجتمع، كما لعبت قصور الحكم والخلافة في عصور معينة دورا فــي تشكيل ودعــــم وحـضـور الذات الشعرية المغايرة ورؤاها التنويرية ومسارها الإبداعي. وفـــي هـــذا الــصــدد يشير الـكـتـاب إلـى دور قــصــر ســيــف الــــدولــــة الـــحـــمـــدانـــي في تشكيل الــــذات الـشـعـريـة للمتنبي، ودور قصر أنطاكية في تشكيل ذات البحتري، ودور قصر الخليفة المعتصم في تشكيل ذات أبي تمام، مما يؤكد أن قصور الحكم كـانـت تحمي الـشـعــراء مــن بـطـش الأبـويـة الاجــتــمــاعــيــة، وكـــانـــت هـــذه الــقــصــور على وعي كامل بأهمية وضـرورة تحالفها مع الشعراء. حسب الكتاب، انطلقت الأفكار الأدبية والــــرهــــانــــات الـــتـــنـــويـــريـــة الـــتـــي تـــبـــدت فـي الشعرية العربية الكلاسيكية من طبيعة الأفكار كإنتاج مشترك بين العقل والخيال، مما يمنحها القدرة على ممارسة القطيعة المـعـرفـيـة مـــع الــســائــد والمـــعـــهــود، ويـكـرس استمراريتها عبر التاريخ. القاهرة: «الشرق الأوسط» يقتفي الكتاب أثر الشعرية العربية منذ بداياتها الموثقة في الدراسات الأدبية منطلقا من فترة ما قبل الإسلام
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky