issue17416

على بُعد نحو ساعة شمال وسط بكين، يُفسح أفـق المدينة وأبـراجـهـا المـجـال لسلاسل الـتـال عند أقــدام جبال يانشان. وفـي أحضان هـذه المساحات الـــخـــضـــراء، تـبـنـي الــصــن مـجـمـعـا عـلـمـيّــا ضخماً، فــي إطــــار سعيها لــلــريــادة فــي الـحـقـبـة المـقـبـلـة من الاستكشافات والتطوير العلمي. تُـــعـــد مــديــنــة هــــوايــــرو لــلــعــلــوم فـــي جــوهــرهــا مــتــنــزهــا مــتــألــقــا لــلــفــيــزيــائــيــن، ومـــقـــرا لـــ«مــنــشــأة مستخدمي الشروط القصوى التآزرية: سيكاف». وبأسلوب بسيط يفهمه حتى غير المتخصصين، يضع الباحثون المواد - بما فيها الموصلات الفائقة التي تنقل الكهرباء دون أي مقاومة - تحت ظروف واخـتـبـارات قاسية، مثل الضغوط فائقة الارتفاع ودرجـــــــات الــــحــــرارة شـــديـــدة الانـــخـــفـــاض، ولا يقل هدفهم عن اكتشاف حالات جديدة للمادة. وبـــــجـــــوار هــــــذه المــــنــــشــــأة، يـــقـــبـــع أول مــصــدر لإشــعــاع الـسـنـكـروتـرون عـالـي الـطـاقـة فــي الـصـن، 1.36 حيث تتسارع الإلكترونات حول حلقة طولها كيلومتر (أقل بقليل من ميل واحد) بسرعة تقارب سـرعـة الــضــوء، مـمـا ينتج أحـــد أكـثـر حـــزم الأشـعـة الـسـيـنـيـة ســطــوعــا فـــي الـــعـــالـــم. والــنــتــيــجــة مجهر عملاق يتيح للعلماء التطلع والتدقيق داخل المواد على المستوى الذري. وتــــشــــكــــل هـــــــذه المــــــرافــــــق مـــجـــتـــمـــعـــة فــــردوســــا بملايين الــــدولارات للعلماء وعـشَّــاق الـعـلـوم. وفي وقــــت ســـابـــق مـــن الــشــهــر المــــاضــــي، انــضــمــمــت إلــى مـجـمـوعـة صـغـيـرة مــن الـصـحـافـيـن الأجـــانـــب، في جولة نظمتها وزارة الخارجية الصينية. وتحدث العلماء بحماس بالغ عـن عـدم حاجتهم بعد الآن للسفر إلــى الــخــارج لاسـتـخـدام مثل هــذه المـعـدات، وعن المتعة البسيطة المتمثلة في القدرة على تتبع حرَكات البروتونات. وتتميز المباني الجديدة كليا بنظافتها الـفـائـقـة، وتـتـزيــن مـمـراتـهـا بملصقات للحاصلين على «جائزة نوبل» لشحذ الهمم. وكان التفاؤل بالبحوث العلمية الأساسية، التي تحركها الأسئلة الجوهرية، بــدلا مـن التطبيقات الفورية، أمرا مُعديا وملهماً. ومـــــع ذلـــــــك، واصـــــلـــــت الـــبـــحـــث لـــلـــتـــعـــرف عـلـى الـتـطـبـيـقـات الـعـمـلـيـة، غــيــر أن الــبــاحــثــن لـــم يـــروا أي داع لـلـعـجـلـة؛ إذ شـــــددوا عــلــى أن هــدفــهــم هو السعي في استكشاف أسئلة جوهرية قد تستغرق ســـنـــوات، بــل وعـــقـــوداً، لـحـلـهـا. أمـــا الاسـتـخـدامـات التجارية، فتأتي في مرحلة متأخرة كثيراً، وكما أوضح لي لو، كبير العلماء في المنشأة الأستاذ في معهد الفيزياء التابع للأكاديمية الصينية للعلوم، فــإن البحوث فـي مـجـالات، مثل المغناطيس الدائم عاما ً، 40 والعناصر الترابية النادرة التي بدأت قبل لا تُطبق في صناعة البطاريات إلا الآن. ويُذكر أن المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «تـكـنـولـوجـيـا أمـبـيـريـكـس المــعــاصــرة»، وهـــي أكبر صــانــع لــبــطــاريــات الـلـيـثـيـوم أيــــون فـــي الــعــالــم، قد .2006 تخرج في هذا المعهد عام وتُــــعــــد مـــديـــنـــة هــــوايــــرو واحـــــــدة مــــن عـــشـــرات المجمعات العلمية التي ترتفع وتزدهر في جميع أنـــحـــاء الـــصـــن، وهــــي الـتـجـسـيـد المــــــادي لـلـتـحـول العالمي الحالي. وأثـــــنـــــاء الـــســـيـــر فــــي هــــــذه المــــعــــامــــل، كــــــان مـن المستحيل عدم التفكير في كيفية تضييق واشنطن الخناق على تمويل البحوث ودعمها، فـي الوقت نـــفـــســـه الـــــــذي تــســتــثــمــر فـــيـــه بـــكـــن فــــي الــــكــــفــــاءات والـــكـــوادر، والأدوات، والأهــــم مــن ذلـــك كـلـه الصبر الذي يتطلبه الاستكشاف. وفــي الــولايــات المـتـحـدة، تُشكل قـيـود الهجرة جــــــزءا مــــن المـــشـــكـــلـــة، ولـــكـــن الــتــخــفــيــض والــتــفــريــغ المنهجي لتمويل البحوث الأساسية يمثل مشكلة فـي المـائـة مـن الباحثين 75 أيـضـا؛ إذ أفــاد أكثر مـن الأمــــيــــركــــيــــن الـــــذيـــــن اســـتـــطـــلـــعـــت آراءهـــــــــــم مــجــلــة «نيتشر»، العام الماضي، بأنهم يفكرون في مغادرة البلاد. وفـــي الـــوقـــت نـفـسـه، تُــظـهـر بــيــانــات منفصلة مــن المـنـفـذ الـعـلـمـي نفسه أن الـجـامـعـات الصينية مؤسسات الأكثر إنتاجا 10 من بين 9 تستحوذ على للبحوث الأكاديمية على مستوى العالم. ومـــــا زالــــــت أمـــيـــركـــا تــحــتــفــظ بــبــعــض المـــزايـــا والتسهيلات التي لا يمكن لإدارة واحدة أن تلغيها بسهولة؛ فحرية التعبير، والصحافة، والاعتقاد، فـضـا عــن صـورتـهـا الـتـاريـخـيـة كبوتقة متكاملة لامتزاج الثقافات، طالما جذبت العلماء الطموحين. كــمــا تــظــل الــلــغــة الإنــجــلــيــزيــة لــغــة الــنــشــر الـعـلـمـي الأســـاســـيـــة، ولـــيـــس مـــن الــــواضــــح مــــدى ســـرعـــة أو قـدرة العلماء الأجانب على إتقان لغة «الماندرين» الــصــيــنــيــة. نــاهــيــكــم بــالــصــلــة والـــــروابـــــط الـوثـيـقـة بـــن المــعــامــل الأمــيــركــيــة، والــقــطــاعــات الـصـنـاعـيـة، والمستثمرين هناك. غـيـر أن هـــذه المـــزايـــا بــــدأت تــتــراجــع وتـنـفـلـت، وقـــد لمـسـت ذلـــك فــي عـــدد لا يُــحـصـى مــن الباحثين الـذيـن يتحدثون الإنجليزية بطلاقة فائقة لأنهم درسوا في الخارج، لكنهم اتخذوا قرار العودة إلى الصين؛ فقد حصل جينغوانغ تشنغ، نائب مدير مـعـهـد الــفــيــزيــاء بــالأكــاديــمــيــة الـصـيـنـيـة لـلـعـلـوم، عــلــى الـــدكـــتـــوراه مـــن جــامــعــة تــكــســاس فـــي أوســـن تحت إشــراف عالم حائز جائزة نوبل. وكـان يفكر فـي شغل وظـائـف لمـا بعد الـدكـتـوراه فـي الـولايـات المتحدة، لكن عندما علم أن الصين ستبني منشأة «ســيــكــاف»، كـــان هـــذا المــشــروع بمثابة الــقــوة التي جذبت خطواته للعودة إلى وطنه. وأوضـــــح لـــو وي، نــائــب مــديــر مـعـهـد فـيـزيـاء الطاقة العالية بالأكاديمية الصينية للعلوم، أن الــصــن بـــات بـمـقـدورهـا الآن تـحـمُّــل تـكـالـيـف هـذه الأجهزة الضخمة للأشعة السينية، لأن الاقتصاد تغيَّر وتطور بسرعة كبيرة خلال السنوات العشر الماضية. ولا تقتصر الجاذبية المتولدة عن الاستثمار فـي العلم على الباحثين العائدين بعد الدكتوراه فحسب؛ إذ انضم عمر ياغي، الحاصل على جائزة نـــوبـــل فـــي الــكــيــمــيــاء فـــي الـــعـــام المــــاضــــي، مـــؤخـــراً، إلـــى جـامـعـة تسينغوا، تــاركــا منصبه فــي جامعة كــالــيــفــورنــيــا فـــي بــيــركــلــي. وهــــو جــــزء مـــن قـائـمـة مـتـزايـدة مـن كبار الباحثين المقيمين فـي الـولايـات المتحدة الذين تجذبهم الفرص المتاحة في الصين. كــمــا أن الـــكـــفـــاءات والـــــكـــــوادر الــعــلــيــا تـــعـــود أيـضـا لتأسيس مـنـشـآت وشــركــات جــديــدة، حـيـث قضت الـــولايـــات المـتـحـدة الأسـابـيـع الأخــيــرة فــي مناقشة كـيـفـيـة فــقــدانــهــا لــيــانــغ تــشــيــلــن، مـــؤســـس شـركـة «مـــونـــشـــوت» والــعــقــل المـــدبـــر وراء نـــمـــوذج الــذكــاء »، الذي عاد بعد حصوله 3 الاصطناعي «كيمي كي على الدكتوراه من جامعة كارنيجي ميلون. ومـــــــع تـــــراجـــــع جــــاذبــــيــــة الـــــــولايـــــــات المـــتـــحـــدة وتضاؤلها كمركز للبحوث العلمية، تسعى الصين بشغف لملء هذا الفراغ. * بالاتفاق مع «بلومبرغ» Issue 17416 - العدد Tuesday - 2026/8/4 الثلاثاء أغـــســـطـــس (آب)، انــقــضــت 4 الــــيــــوم ســــنــــوات عـــلـــى الــتــفــجــيــر المــــــــروع الــــذي 6 دمّـــــر مـــرفـــأ بـــيـــروت ورمّــــــد قـلـبـهـا وخــلّــف دمــارا هائلا وقتلى كثيرين. أبــرز الحدث الــعــدالــة كمطلب للعاصمة وأهــلــهــا. لكن رغـم قــرارات الادعـــاء، ما من مسؤول طلب سماح الناس، ولتاريخه لم يصدر القرار الاتهامي ولم يحاسَب أحد. استمروا على كراسيهم، سابقا اطمأنوا إلى تغول دويلة «حـــزب الـلـه» الـتـي هـــددت بــ«قـبـع» قاضي الــتــحــقــيــق الـــعـــدلـــي طـــــارق الـــبـــيـــطـــار(...)، وحتى اليوم بقيت الأسئلة من دون أجوبة عن تأخر إعلان القرار الاتهامي. لكن ما حُفِر في ذاكرة المواطنين أنَّهم تـــركـــوا لمـصـيـرهـم ذلـــك المـــســـاء المـــشـــؤوم... الــــضــــحــــايــــا فــــــي المــــــرفــــــأ وفــــــــي الــــطــــرقــــات والــبــيــوت، الـجـرحـى يــنــزفــون، الـــدمـــار في كــل مــكــان، وبـــيـــروت لــم تـعـد بـــيـــروت. لكن مـــن تــحــت الـــرمـــاد خــــرج شــبــان وشـــابـــات، اندفعوا من كل جهات لبنان، للملمة جراح العاصمة وأهلها. كل المسار الـذي سبق التفجير، الذي صُـــنِّـــف كـأكـبـر تـفـجـيـر غـيـر نـــــووي، يـؤكـد أنــه كــان ممكنا حماية بـيـروت مـن تجرع 2020 ) مــايــو (أيــــــار 28 هـــذا الـــكـــأس. فـفـي خـتـم الـــرائـــد جــوزيــف الـــنـــداف تـقـريـره عن «نـيـتـرات الأمــونــيــوم» المـخـزنـة فـي العنبر . رفع سماعة الهاتف وخابر 12 ذي الرقم المـدعـي الـعـام، وأبلغه حصيلة مـا توصل إلـــيـــه، مـــحـــذرا مـــن أنــــه إذا اشــتــعــلــت هــذه المـــواد فستتسبب فـي تفجير يدمر المرفأ! ،2020 ) وفـــي الأول مـــن يـونـيـو (حــــزيــــران أحال نسخة خطية من تقريره إلى قيادته فـي جهاز أمـن الـدولـة، وإلــى المـدعـي العام غــســان عـــويـــدات، وتـسـلـم الـتـقـريـر رئـيـس الحكومة حسان دياب ورئيس الجمهورية ميشال عون وغيرهما من كبار المسؤولين! من تفجير المرفأ وقبله الانهيار المالي المـــبـــرمـــج إلــــى نــكــبــة الــهــزيــمــة واســــتــــدراج الاحــتــال المـتـأتـي عـن الـسـاح الـاشـرعـي، تكمن الكارثة في غياب العدالة مع تسلط منظومة الفساد. لذا؛ الخوف حقيقي بأن تبقى الـعـدالـة ممنوعة مـا دام هناك خلل وطني بموازين القوى الداخلية، فيتكرر تخيير اللبنانيين بين اللاعدالة والحرب ســــنــــوات عـــلـــى تـفـجـيـر 6 الأهـــلـــيـــة. وبـــعـــد المرفأ مسؤولية السلطة التنفيذية كبيرة فـــي الــحــض عـلـى إعــــان الـــقـــرار الاتـهـامـي وحـمـايـتـه؛ لأن ذلـــك يفتح بـــاب المحاسبة وبـــدء طــي صفحة السلطة العميقة التي غطت الكبائر. فــي أحـــد مــســارات التحقيق المعلنة، ارتـــــأى الــقــاضــي بــيــطــار الادعــــــاء بـجـنـايـة «القصد الاحتمالي بالقتل» ضد من تسلم تقريراً، أو تمت مخابرته وإحاطته علماً، بـــاحـــتـــمـــال حــــــدوث كــــارثــــة كـــبـــرى نـتـيـجـة طنا من «النيترات» في المرفأ 2750 تخزين ولم يتحمل المسؤولية الملقاة عليه. ميشال عون الذي في عهده تم إرسال الــلــبــنــانــيــن إلــــى الــجــحــيــم أعـــلـــن أنــــه كــان يعلم، ولكن لا يمكن مساءلته دستورياً، فـــي حـــن قــــال وزراء مـــدعـــى عـلـيـهـم كيف لهم أن يعلموا أن كـارثـة ستقع مـن خلال «ورقـة تسلموها»! لكن المعطيات المعلنة، الــتــي سـبـقـت جـريـمـة الــعــصــر، تـشـيـر إلـى أن عـــويـــدات كـــان أكــثــر مــن ســــواه فــي قلب الصورة نظرا لمركزه القضائي الحساس! لطالما كان الغموض جزءا من الحروب، سواء استُخدم لــخــداع الـخـصـوم، أو لإخــفــاء الـنـيـات، أو لتوسيع هامش المــــنــــاورة أمــــام صــنــاع الـــحـــرب. غـيـر أن الـــحـــرب الإيـــرانـــيـــة ـ الأميركية الراهنة تبدو وكأنها مصنوعة من الغموض، لا أن الغموض مجرد أحد أعراضها. فمنذ اللحظات الأولى، غابت الإجابات الواضحة عن أبسط الأسئلة: لماذا اندلعت الــحــرب الآن؟ ومـــا الــهــدف الـنـهـائـي مـنـهـا؟ هــل كـــان الـهـدف إسقاط النظام الإيراني، أم إضعاف قدراته، أم تقليم أذرعه الإقليمية، أم إجباره على اتفاق نووي جديد؟ وهل تشمل المـواجـهـة مجمل الـسـلـوك الإيـــرانـــي، أم تظل مـحـصـورة في الملف النووي وبنتائج تفوق اتفاق أوباما؟ هــــذه الأســئــلــة لـــم تــكــن تـفـاصـيـل هــامــشــيــة، بـــل كـانـت ضرورية لفهم حدود الحرب ومسارها ومآلاتها، وبالتالي عـنـدمـا تفتقر الــحــرب إلـــى هـــدف سـيـاسـي واضـــح ومعلن، يـــصـــبـــح مــــن الـــصـــعـــب الــتــمــيــيــز بــــن الـــهـــدنـــة والــتــصــعــيــد والتفاوض، وبين الضغط من أجل اتفاق كما هو الحال بين الردع العسكري والانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. وقـــــد عـــمّـــق الـــرئـــيـــس الأمــــيــــركــــي دونــــالــــد تـــرمـــب هـــذا الالـــتـــبـــاس مـــن خــــال إدارة الأزمــــــة بـمـنـطـق بــــدا شخصيا ومـتـقـلـبـا عــنــد الــعــديــد مـــن أنـــصـــاره والمــحــلــلــن فـــي مــراكــز الأبــحــاث وخــزانــات التفكير الأمـيـركـيـة والأوروبـــيـــة، وكـان العالم معلقا برسم تغريدة على منصة «تــروث سوشال» أكثر من انتظاره بيانات رسمية واضحة تحدد وجهة نظر أقوى قوة عظمى في العالم. تنقل الخطاب الأميركي بين التهديد بمحو «الحضارة الإيـــرانـــيـــة»، والـــحـــديـــث عـــن وقــــف قــريــب لإطــــاق الـــنـــار، ثم الـتـهـديـد بــالاســتــيــاء عـلـى جـــزيـــرة خـــــارك، قـلـب الـصـنـاعـة النفطية الإيرانية، وإلـى غير ذلـك. كما طُرحت فكرة فرض رســــوم عـلـى المـــاحـــة فـــي مـضـيـق هـــرمـــز، ثـــم قـيـل لاحــقــا إن المضيق يجب أن يكون مفتوحا ومجانيا أمـام جميع دول العالم. والحال أن هذه التحولات لم تعكس مرونة تكتيكية، بقدر ما كشفت عن غياب تصور متماسك لما بعد الضربات العسكرية. كل هذا الشد والجذب لا يزيد الأمور إلا اضطرابا وإرباكا على المستوى العالمي بأسره... إرباكا في الأسواق وإرباكا في الحياة اليومية لدى المواطن في الشرق والغرب. فــــي فــــن الــــحــــرب ثـــمـــة فــــــارق جــــوهــــري بــــن الــغــمــوض الاستراتيجي والـغـمـوض الناتج عـن الارتــبــاك. الأول أداة محسوبة يستخدمها القادة لإبقاء الخصم تحت الضغط، ومــنــع انـكـشـاف الــنــيــات، وتــــرك بـــاب الــتــراجــع أو التسوية مفتوحاً، بحيث يستطيع كل طرف الانتقال إلى المفاوضات مــن دون أن يـبـدو مـهـزومـا. أمـــا الارتـــبـــاك فينشأ عـنـدمـا لا تـــكـــون الأهــــــداف مـــحـــددة، ولا أدوات الـــقـــوة مـنـسـجـمـة مع الغايات السياسية، ولا يعرف الحلفاء والخصوم ما الذي يمكن أن يوقف الحرب أو يوسعها. إيــــــران أيـــضـــا تــعــامــلــت مـــع غـــمـــوض الـــحـــرب بمنطق عدمي، وكأنها تخوض معركة وجودية تبيح نقل التكلفة إلــى الآخــريــن. ولـذلـك لـم تحصر ردهــا فـي مواجهة الطرف الــذي يقاتلها، بـل حـاولـت تحويل الـحـرب إلـى صــراع على الاقـتـصـاد والـطـاقـة والمــاحــة، واســتــهــداف الـبـنـى التحتية ومقدرات الدول المجاورة، حتى بعد أن اتضح أن العمليات العسكرية لا تتجه إلى إسقاط النظام. وهـنـا تكمن خــطــورة نــمــوذج الأذرع المـسـلـحـة. فـبـدلا من أن تتحمل الدولة الإيرانية بصورة مباشرة مسؤولية قــراراتــهــا، تلجأ إلـــى جـمـاعـات مسلحة تعمل خـــارج إطــار الــــــــدول، وتـــنـــفـــذ عــمــلــيــات يــمــكــن لـــطـــهـــران الــتــنــصــل مـنـهـا سياسياً، مع الاستفادة من نتائجها عسكريا وتفاوضياً. وبــذلــك يـتـحـوَّل الـغـمـوض مــن سـمـة فــي إدارة الــحــرب إلـى وسيلة للتهرب مـن المـسـؤولـيـة، وتصبح الميليشيات أداة لشن الــحــروب مـن دون إعـانـهـا، وفـــرض التكلفة مـن دون تحمل تبعاتها القانونية والسياسية. ولم يكن مضيق هرمز في بداية المواجهة هو المحور الرئيس للحرب، لكنَّه تحول سريعا إلـى مركزها الأخطر. فقد زادت مـذكـرة التفاهم المتعلقة بالمضيق مـن الالتباس بـــــدلا مـــن تـقـلـيـصـه، بـسـبـب غـــمـــوض بـــنـــودهـــا وقـابـلـيـتـهـا لـتـفـسـيـرات سـيـاسـيـة وقـانـونـيـة مـتـعـارضـة. فـمـن الصعب تصور أن أزمة تمتد جذورها إلى نحو خمسة عقود يمكن احـتـواؤهـا خــال أيـــام بـعـبـارات فضفاضة، مـن قبيل «بـذل قصارى الجهد لتأمين مرور السفن التجارية». فـواشـنـطـن قــــرأت هـــذه الـصـيـاغـة بـاعـتـبـارهـا الـتـزامـا بفتح المضيق أمــام المـاحـة الـدولـيـة، بينما تعاملت معها طهران وكأنَّها اعتراف ضمني بحقّها السيادي في التحكم في الممر. وبين التفسيرين بقيت الحقيقة الأهم معلقة: هل المضيق ممر دولــي تحكمه قواعد القانون الـدولـي وحرية الملاحة، أم ورقة ضغط تحتفظ بها دولة لتستخدمها كلما دخلت في مواجهة سياسية أو عسكرية؟ من هذا المنظور يمكن فهم الإلحاح السعودي المستمر على عدم التصعيد، لا باعتباره موقفا دفاعيا أو استنادا إلـــى الـحـكـمـة الـسـيـاسـيـة فـحـسـب، بــل كـحـالـة تصحيح ما بعدي للمناخ الذي أنتج الحرب، ومحاولة إخـراج المنطقة مــن دائــــرة الـغـمـوض والانـــدفـــاع والــــــردود غـيـر المـحـسـوبـة. فالمقاربة السعودية تبدأ أولا بتبريد الأزمة ومنع توسعها، لأن وقـــف الـتـصـعـيـد لـيـس نـهـايـة الــســيــاســة، وإنَّـــمـــا شـرط لعودة السياسة نفسها. القيمة الأعمق للمقاربة السعودية التي يسيء فهمها كثيرون هي إعــادة المنطقة من منطق المغامرات والعدمية وتـوظـيـف الأذرع والـــحـــروب الــرمــاديــة، إلـــى منطق الـدولـة والــقــانــون الــدولــي أي مــن الـايـقـن إلـــى فضيلة الاسـتـقـرار «جوهر الاستراتيجية السعودية». تكمن الكارثة في غياب العدالة مع تسلط منظومة الفساد حنا صالح يوسف الديني *كاثرين ثوربيك OPINION الرأي 14 حرب الغموض واللَّيقين لبنان... المرفأ في انتظار العدالة الصين... تحت سفوح جبال يانشان يجري شيء مذهل

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky