issue17415

لــــم تـــنـــتـــه الأزمــــــــة داخـــــــل الاتــــحــــاد الــــدولــــي لـــكـــرة الـــقـــدم بــســحــب جـيـانـي إنـــفـــانـــتـــيـــنـــو مـــــشـــــروع بـــيـــع جــــــزء مـن الـحـقـوق الـتـجـاريـة لــكــأس الــعــالــم، بل بــــدأت مــنــذ تــلــك الـلـحـظـة مــعــركــة أكـثـر تـعـقـيـدا تتعلق بمستقبله عـلـى رأس «فــــيــــفــــا». فــبــعــد أيــــــام قــلــيــلــة فـــقـــط مـن اضــــطــــراره إلــــى الـــتـــراجـــع أمـــــام مـوجـة رفض غير مسبوقة، انتقلت المواجهة مـــن نــقــاش حــــول مـــشـــروع اسـتـثـمـاري إلـــــى صــــــراع مـــفـــتـــوح عـــلـــى قــــيــــادة كـــرة الــــقــــدم الـــعـــالمـــيـــة، حـــيـــث بـــــدأ كــــل طـــرف فـي إعـــادة ترتيب تحالفاته استعدادا لمرحلة قد تنتهي بانتخابات ساخنة، أو حتى بمحاولة الإطـاحـة بالرئيس السويسري قبل انتهاء ولايته. ولـــم يـعـد الـــســـؤال المـــطـــروح داخـــل أروقــــة «فـيـفـا» يــــدور حـــول مــا إذا كـان مــشــروع «فـيـفـا فــــــوروورد إنـتـربـرايـز» قد انتهى، بل حول ما إذا كان سقوط المشروع سيمثل بداية سقوط صاحبه أيــــــضــــــا. فــــمــــنــــذ إعــــــــــان الانـــــســـــحـــــاب، تـــصـــاعـــدت وتــــيــــرة المــــواقــــف المــطــالــبــة بإعادة النظر في طريقة إدارة الاتحاد الـــدولـــي، بـعـدمـا عــــدّت جــهــات عـــدة أن الـــقـــضـــيـــة لــــم تـــكـــن مـــرتـــبـــطـــة بــمــقــتــرح تـــــجـــــاري فــــحــــســــب، وإنـــــمـــــا بـــأســـلـــوب قيادة المؤسسة، وآليات اتخاذ القرار، وحدود صلاحيات رئيسها. وكان الاتحاد الأوروبي لكرة القدم أول مـــن رفـــع سـقـف المـــواجـــهـــة، بعدما أعلن فقدانه الثقة بقيادة إنفانتينو، مــــؤكــــدا أن إعــــــــادة بــــنــــاء الـــثـــقـــة داخــــل «فـــيـــفـــا» لا يــمــكــن أن تـتـحـقـق بـمـجـرد سحب المشروع. وانضم اتحاد أميركا الـــشـــمـــالـــيـــة والـــــوســـــطـــــى والــــكــــاريــــبــــي (كونكاكاف) إلى هذا التوجه، مطالبا بـــــإجـــــراء مـــراجـــعـــة شـــامـــلـــة لـلـحـوكـمـة والقيادة، فيما دعمت اتحادات وطنية، ورؤســاء دوريـــات، وشخصيات بـارزة في اللعبة، الـدعـوات المطالبة بإحداث تغيير داخل المؤسسة. وزاد مـــن حــــدة الـــضـــغـــوط ظـهـور مــــؤشــــرات عـــلـــى تـــمـــرد داخــــــل مـجـلـس «فـيـفـا» نـفـسـه، بـعـدمـا كـشـفـت تـقـاريـر عـــــن تــــحــــركــــات كــــانــــت قـــــد بــــــــدأت قـبـل أزمــــة المـــشـــروع، عـلـى خـلـفـيـة المـطـالـبـة بمراجعة مستقلة لقضية رفـع إيقاف الــاعــب الأمــيــركــي فـــولاريـــن بـالـوغـون خلال كأس العالم. ومع انضمام أزمة المشروع إلى هذا الملف، شعر معارضو إنفانتينو بأنهم يملكون للمرة الأولى فرصة حقيقية لتقليص نفوذه، وربما الدفع نحو إنهاء حقبته. غـــيـــر أن المـــشـــهـــد لا يــــبــــدو بـــهـــذه الــبــســاطــة، لأن المــعــركــة داخــــل «فـيـفـا» لا تُـــحـــســـم بـــالـــبـــيـــانـــات ولا بـــالمـــواقـــف الإعـــــــــامـــــــــيـــــــــة، وإنـــــــــمـــــــــا بـــــــــالأصـــــــــوات والتحالفات. ورغــم أن الاتـحـاد الأوروبـــي يضم اتحادا وطنياً، ويملك القدرة على 55 فــــرض عــقــد مــؤتــمــر اسـتـثـنـائـي داخـــل «فــــيــــفــــا»، فــــإنــــه لا يــســتــطــيــع بـــمـــفـــرده إســـقـــاط الــرئــيــس. فـالـنـظـام الأســاســي أصـــوات 106 يـشـتـرط الــحــصــول عـلـى لــتــمــريــر أي تــصــويــت بــحــجــب الــثــقــة، وهــو رقــم لا يمكن الــوصــول إلـيـه دون دعم واسع من آسيا وأفريقيا وأميركا الجنوبية. وتـكـمـن هـنـا نقطة الـتـحـول الأهــم في الأزمة. فــبــيــنــمــا كــــانــــت أوروبـــــــــا تــتــحــدث عن تغيير القيادة، بـدأ إنفانتينو في استعادة أدواته التقليدية القائمة على شـبـكـة الـتـحـالـفـات الــتــي بـنـاهـا طـــوال سنوات رئاسته. ولـم يمر وقـت طويل حتى بدأت بيانات التأييد تتوالى من عدد من الاتحادات الوطنية، في مشهد بــــدا أقـــــرب إلــــى رســــم خــريــطــة جــديــدة لموازين القوى داخل كرة القدم العالمية. وكـان الاتحاد القطري لكرة القدم أول مـــن جـــدد دعــمــه لإنـفـانـتـيـنـو بعد سحب المــشــروع، عـــادّا أن قـــراره عكس حرصه على وحدة أسرة كرة القدم. ثم جـــاءت مـواقـف المـغـرب ومـصـر ولبنان وســـريـــانـــكـــا، الـــتـــي ذهـــبـــت جـمـيـعـهـا فــــي الاتــــجــــاه نـــفـــســـه، مــــؤكــــدة دعــمــهــا للرئيس السويسري والإشـادة بقراره التراجع بعد الاستماع إلى ملاحظات الاتحادات الوطنية. وقـد تبدو هـذه البيانات، للوهلة الأولــــى، مـجـرد مــواقــف بـروتـوكـولـيـة، لـــكـــنـــهـــا تـــحـــمـــل فــــــي الـــــــواقـــــــع دلالات سياسية مهمة. فالمعركة داخل «فيفا» لا تُخاض فقط داخل مجلس الاتحاد، بـل أيضا عبر تشكيل كتل تصويتية مبكرة استعدادا لأي مؤتمر استثنائي أو انتخابات مقبلة. وتـــدرك أوروبـــا جيدا أن نجاحها فــــــــي إســــــــقــــــــاط المـــــــــشـــــــــروع لا يـــعـــنـــي بـــــالـــــضـــــرورة نـــجـــاحـــهـــا فـــــي إســـقـــاط الـــرئـــيـــس. كــمــا يـــــدرك إنـفـانـتـيـنـو أن الـحـفـاظ على شبكة داعـمـيـه أصبح أكثر أهمية من الـدفـاع عن مشروع لم يعد قائماً. ولـهـذا السبب، يــــــــتــــــــوقــــــــع كــــثــــيــــر مــــن المــــراقــــبــــن أن تــــشــــهــــد الأيــــــــام المـــقـــبـــلـــة مــوجــة جـــــــــــــديـــــــــــــدة مـــــن بـيـانـات الـدعـم أو المــــعــــارضــــة، فــــي إطــــــار ســـبـــاق واضــــح لإظهار حجم كل معسكر قبل الدخول في أي مواجهة رسمية. وتكتسب الـقـارة الآسيوية أهمية خـــاصـــة فــــي هـــــذه الـــحـــســـابـــات، لأنــهــا قــد تـتـحـول إلـــى بـيـضـة الـقـبـان فــي أي تصويت مستقبلي. فـالـشـيـخ ســلــمــان بـــن إبـــراهـــيـــم آل خليفة، رئيس الاتحاد الآسيوي لكرة القدم، كـان من أبـرز المنتقدين لطريقة إدارة إنفانتينو للملف الاستثماري، وقــــــــاد مــــوقــــفــــا آســــيــــويــــا حـــــازمـــــا ضــد المــــــشــــــروع. غـــيـــر أن إعـــــــان اتـــــحـــــادات آســـيـــويـــة بـــــــــارزة، مـــثـــل قـــطـــر ولـــبـــنـــان وسريلانكا، تأييدها الصريح للرئيس السويسري، كشف أن القارة نفسها لم تعد تتحدث بصوت واحد. وهـــــــذا الــــتــــطــــور لا يـــضـــعـــف فـقـط الـــجـــبـــهـــة المـــــعـــــارضـــــة، بـــــل يـــجـــعـــل أي حــــديــــث عـــــن تــــرشــــح الـــشـــيـــخ ســلــمــان لـــرئـــاســـة «فـــيـــفـــا» أكــــثــــر تـــعـــقـــيـــداً، لأن نجاحه يتطلب أولا توحيد الاتحادات الآســـيـــويـــة خـــلـــفـــه، وهـــــو أمـــــر لا تــبــدو مؤشراته متوافرة حتى الآن. وفـــي المــقــابــل، يــبــرز اســـم الـكـنـدي فـيـكـتـور مـونـتـالـيـانـي، رئــيــس اتـحـاد «كـــــونـــــكـــــاكـــــاف»، بـــوصـــفـــه أحــــــد أكـــثـــر الأســـــــمـــــــاء تـــــــــــــداولا داخــــــــــل الأوســــــــــاط الكروية. ويمنحه موقعه خارج أوروبا أفضلية نسبية، لأنـــه قــد يـكـون قـــادرا عـــلـــى اســـتـــقـــطـــاب أصـــــــــوات مـــــن آســـيـــا وأفــريــقــيــا لا تــرغــب فـــي عــــودة الـنـفـوذ الأوروبـــــــي المــبــاشــر إلــــى «فـــيـــفـــا». كما أن قيادته لـ«كونكاكاف»، الــذي تبنى مـــوقـــفـــا صــــارمــــا مــــن الأزمــــــــــة، تـجـعـلـه مرشحا مقبولا لـدى جـزء من معسكر الإصلاح. إلا أن تـــــرشـــــحـــــه يــــبــــقــــى رهــــنــــا بــــــاســــــتــــــعــــــداده الــــشــــخــــصــــي لــــخــــوض المعركة، وبقدرته على المحافظة على وحـدة اتحاده الـقـاري، خصوصا بعد ابـتـعـاد بعض الاتـــحـــادات عـن المـواقـف الجماعية التي صدرت خلال الأزمة. أمـــا رئـيـس بــاريــس ســـان جيرمان ورئيس رابطة الأندية الأوروبية ناصر الخليفي، فقد تراجع اسمه عمليا من قائمة المرشحين، بعدما أكد أنه لا يملك أي رغــبــة فــي خـــوض ســبــاق الـرئـاسـة، إضافة إلى الدعم العلني الـذي أعلنته قـطـر لإنفانتينو، وهــو مـا يجعل هـذا السيناريو مستبعدا في الوقت الراهن. ويــظــل رئــيــس الاتـــحـــاد الأوروبـــــي لـكـرة الــقــدم ألـكـسـنـدر تسيفرين لاعبا أسـاسـيـا فــي المـشـهـد، حـتـى لــو لــم يكن مـرشـحـا مــبــاشــراً. فـهـو يـقـود المعسكر الأكـــثـــر تـــشـــددا ضـــد إنــفــانــتــيــنــو، غير أن تـــحـــولـــه إلـــــى مـــرشـــح لـــلـــرئـــاســـة قـد يُفسر خــارج أوروبـــا على أنـه محاولة لاســـتـــعـــادة الــهــيــمــنــة الأوروبـــــيـــــة على القرار العالمي، وهو ما قد يدفع كثيرا من الاتحادات الصغيرة إلى الاصطفاف مجددا خلف الرئيس الحالي. كــمــا أن ســجــل «يـــويـــفـــا» نــفــســه لا يخلو من انتقادات تتعلق بالحوكمة والـــتـــنـــظـــيـــم، وهـــــو مــــا يــجــعــل تـقـديـمـه بوصفه نموذجا مثاليا للإصلاح أمرا محل نقاش داخل أوساط اللعبة. ولـــــــــهـــــــــذا، فـــــــــــإن مــــــعــــــركــــــة خــــافــــة إنفانتينو تبدو أكثر تعقيدا من مجرد البحث عن اسم جديد. فالمطلوب ليس شـخـصـيـة تـحـظـى بــقــبــول إعـــامـــي أو تاريخ ريـاضـي، وإنما بوجود مرشح قـادر على طمأنة الاتـحـادات الصغيرة إلـــــى اســــتــــمــــرار بــــرامــــج الــــدعــــم المـــالـــي، وإقـــنـــاع آســيــا وأفــريــقــيــا بـــأن التغيير لـــن يــأتــي عـلـى حــســاب نــفــوذهــا داخـــل المؤسسة. وفي النهاية، قد لا يكون التحدي الأكبر أمام خصوم إنفانتينو هو إثبات أن الوقت حان لرحيله، بل الاتفاق على البديل القادر على جمع العالم خلفه. وحـــتـــى يـتـحـقـق ذلـــــك، سـيـبـقـى رئـيـس «فيفا» مستفيدا من شبكة التحالفات التي بناها خلال عقد كامل، ومن واقع يــؤكــد أن إســـقـــاط مـــشـــروع اسـتـثـمـاري أسهل كثيرا من إسقاط رئيس نجح في تحويل الاتحادات الوطنية إلى قاعدة نفوذ سياسية تمتد عبر القارات. وبين معسكر يطالب بالتغيير وآخر يتمسك بالاستقرار، تبدو معركة رئاسة «فيفا» قــــد دخــــلــــت بـــالـــفـــعـــل مـــرحـــلـــة جــــديــــدة، عــنــوانــهــا الأصـــــــوات والـــتـــحـــالـــفـــات، لا البيانات والشعارات. عالم الرياضة SPORTS 20 Issue 17415 - العدد Monday - 2026/8/3 الاثنين لم يعد السؤال المطروح داخل أروقة «فيفا» يدور حول ما إذا كان مشروع «فيفا فوروورد إنتربرايز» قد انتهى، بل حول ما إذا ًكان سقوط المشروع سيمثل بداية سقوط صاحبه أيضا أوروبا و«كونكاكاف» يصعّدان الضغوط... وآسيا وأفريقيا تعيدان رسم موازين القوى «فيفا» على صفيح ساخن: إنفانتينو يجمع حلفاءه... وخصومه يبحثون عن البديل صورة إنفانتينو مع ترمب روجت بشكل سلبي عالميا (أ.ب) لندن: «الشرق الأوسط» مشجعان يحملان صورة لإنفانتينو مليئة بالدولارات في إشارة سيئة لرئيس «فيفا» (أ.ب) البطاقة الحمراء التي ألغاها ترمب أشعلت الجدل في العالم ضد إنفانتينو (أ.ب) تسيفرين قاد حربا كبيرة ضد إنفانتينو (أ.ب)

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky