الثقافة CULTURE 18 Issue 17415 - العدد Monday - 2026/8/3 ًالاثنين لم يترك قصائد فقط بل مشروعا شعريا سنة علىرحيله 27 عام على ميلاد البياتي... و 100 عـــام عـلـى مــيــاد عـبـد الــوهــاب 100 بـعـد )، ما زال اسمه حاضرا 1999 - 1926( البياتي في المشهد الشعري العربي بوصفه أحـد أبرز الأصـــــوات، الـتـي أسـهـمـت فــي تشكيل الـحـداثـة الشعرية. ولم تكن أهمية البياتي في أنه واحد من رواد قصيدة التفعيلة فحسب، بل في أنه شـاعـر صـاحـب مـــشـــروع، سـعـى إلـــى أن يجعل الـــقـــصـــيـــدة فــــضــــاء واســــعــــا لــأســئــلــة الـــكـــبـــرى: الحرية، والمنفى، والإنسان، والتاريخ، والحلم. كـــانـــت مــعــرفــتــي بــالــبــيــاتــي مـــبـــكـــرة؛ ففي مــدرســة طينية بــإحــدى قـــرى الــعــراق وقـــع بين يــدي أحـد دواويـنـه، وكــان ذلـك اللقاء الأول مع عالم الشعر الحديث. لم أكن أملك يومها أدوات الـقـراءة النقدية، لكنني أدركــت أنني أمــام لغة مختلفة، وأن القصيدة يمكن أن تكون أكثر من تعبير عن العاطفة أو وصف للحياة اليومية؛ بل يمكن أن تكون رؤية للعالم. ومع اتساع القراءة في سنوات الدراسة، ازداد حضور البياتي إلى جانب شعراء الحداثة العراقية الكبار: السياب، ونازك الملائكة، وبلند الحيدري. ثم تحولت القراءة من علاقة إعجاب أولـــى إلـــى مـحـاولـة لفهم تـجـربـة شـعـريـة ظلت تتغير عبر العقود، وتبحث عن أشكال جديدة للتعبير. لــقــد كــــان الــبــيــاتــي أحــــد الـــشـــعـــراء الــذيــن نـقـلـوا الـقـصـيـدة الـعـربـيـة مــن حــــدود التجربة الفردية الضيقة إلى فضاء أرحب، تتداخل فيه الـذات بالتاريخ، والحلم بالواقع، والأسطورة بـالـحـاضـر. ولــم يكن اسـتـدعـاؤه للشخصيات الـتـاريـخـيـة والـصـوفـيـة مـجـرد زخـــرف ثقافي، بل كان وسيلة فنية للتعبير عن قلق الإنسان وأسئلته الوجودية. ومــــــــن أهــــــــم ســـــمـــــات تــــجــــربــــتــــه تـــوظـــيـــف الــقــنــاع الـــشـــعـــري؛ إذ لـــم يــكــن الــشــاعــر يكتفي بالبوح المباشر، بل يستحضر أصواتا أخرى مـــن الـــتـــاريـــخ والــــتــــراث لـيـعـبّــر مـــن خــالــهــا عن صـــراعـــاتـــه الـــداخـــلـــيـــة ورؤيــــتــــه لــلــعــالــم. وهـنـا يتحول القناع من وسيلة للاختفاء إلى وسيلة أعـــمـــق لاكـــتـــشـــاف الــــــــذات، وقـــــد الـــتـــفـــت الــنــاقــد فاضل ثامر إلـى ذلـك منذ عقود طويلة، وعـدَّه رائد قصيدة القناع، مقدما إياه على كثير من شعراء جيله. ولـــــم تـــكـــن هـــــذه الـــــرؤيـــــة الـــشـــعـــريـــة ثــمــرة الموهبة وحدها، بل استندت إلى ثقافة واسعة تشكلت من قـراءات متعمقة في التراث العربي والإنساني. فقد وجد في المتنبي مثال الشاعر الـطـامـح إلـــى تــجــاوز عــصــره، وفـــي أبـــي الـعـاء المعري عمق السؤال الفلسفي، وفي الحلاج أفق التجربة الصوفية التي ستغدو أحد أهم منابع رموزه الشعرية، كما انفتح على الشعر العالمي الــحــديــث، ولا سـيـمـا لـــوركـــا، ومـايـاكـوفـسـكـي، ونيرودا. ولم تكن هذه القراءات مجرد مؤثرات خـــارجـــيـــة، بـــل انـــصـــهـــرت فـــي تــجــربــتــه لتنتج لــغــة شــعــريــة ذات هـــويـــة خـــاصـــة، تــجــمــع بين التراث والحداثة، وبين الهم العراقي والأسئلة الإنسانية الـكـبـرى، وهــو مـا انعكس بوضوح على الموضوعات التي شغلت شعره ومسارات تطوره الفني. كما ظل المنفى محورا أساسيا في شعر الــبــيــاتــي. فـلـم يـكـن الــرحــيــل عــنــده انــتــقــالا من مكان إلى آخر، بل أصبح حالة وجودية. فالمدن التي عاش فيها لم تكن مجرد جغرافيا، وإنما فـضـاءات للبحث عـن وطــن أوســـع، وعــن حرية تتجاوز حـدود السياسة والمكان. ولم تقتصر تـــجـــربـــة الـــبـــيـــاتـــي عـــلـــى الـــتـــجـــديـــد الـــفـــنـــي، بـل اتسعت موضوعاتها لتلامس قضايا الإنسان الكبرى. فقد انشغل بالحرية والعدالة والمنفى والاغــتــراب، وجعل مـن الشعر وسيلة لمساءلة الـــواقـــع واســتــشــراف المـسـتـقـبـل. وتـتـجـلـى هـذه الرؤية في دواوين مثل «أباريق مهشمة»، حيث يعلو صوت الاحتجاج على القهر والانكسار، و«المـجـد للأطفال والـزيـتـون» التي تنحاز إلى الإنــســان البسيط وقـيـم المـقـاومـة والـــســـام، ثم تبلغ ذروة نضجها في «بستان عائشة»، حيث تتراجع المباشرة الآيديولوجية لتحل محلها لغة أكثر صفاء ورمزية، يتوازن فيها الفكر مع الشعر، والرؤية مع الجمال. ولا يمكن الحديث عـن الحداثة الشعرية الــعــراقــيــة مـــن دون الـــوقـــوف عـنـد الــعــاقــة بين الـبـيـاتـي والــســيــاب. فـكـل منهما كـــان ركـنـا من أركـــــان الــتــحــول الــشــعــري، غـيـر أن لـكـل منهما خــصــوصــيــتــه. فــــــإذا مـــنـــح الـــســـيـــاب الــقــصــيــدة الحديثة بعدها الغنائي والدرامي، فإن البياتي مـنـحـهـا بـعـدهـا الـــرؤيـــوي والـــفـــكـــري، وربـطـهـا بتجارب الإنسان الكبرى وأسئلته الممتدة. ولم يقتصر حضور البياتي على النص الشعري، بـل امتد إلـى فضاء النقد، حيث ظـل مشروعه موضع مراجعة وحوار، الأمر الذي جعل اسمه حــاضــرا كلما أُثــيــر الـحـديـث عــن ريــــادة الشعر الحديث ومآلاته. ولـــعـــل مــــن الــــافــــت فــــي تـــجـــربـــة الــبــيــاتــي الشعرية أنها كلما خفت حضورها في التداول الثقافي، عـاد اسمه ليتصدر النقاش النقدي؛ فإما أن يبرز صوت يؤكد مكانته بوصفه أحد أبـــرز مؤسسي الـحـداثـة الشعرية الـعـربـيـة، أو يذهب إلى التقليل من شأن تجربته، فتتجدد السجالات حول منجزه، ويعود محبوه ونقاده إلى إعـادة قـراءة شعره والدفاع عن مواقفه أو مـسـاءلـتـهـا. ولــعــل هـــذه الـــقـــدرة عـلـى اسـتـثـارة الـــحـــوار، حـتـى بـعـد عـقـود مــن رحـيـلـه، هــي في ذاتها دليل على أن البياتي ما زال شاعرا حيا في الذاكرة النقدية، وأن تجربته لم تتحول إلى أثر تاريخي جامد. وقد أثـارت الندوة التي أقامتها مؤسسة المـــــدى لـــإعـــام والـــثـــقـــافـــة والـــفـــنـــون بـمـنـاسـبـة مـئـويـة الـبـيـاتـي نـقـاشـا مـهـمـا حـــول تـجـربـتـه. وبينما انصرف بعض الحديث إلى شخصيته الإنسانية وعـاقـاتـه بــالأدبــاء، تناولت بعض المـداخـات منجزه الشعري وموقعه في حركة الشعر العربي الحديث. وكــــان الـــســـؤال الأكـــثـــر إثـــــارة لـلـجـدل هـو: مـــاذا بـقـي مــن الـبـيـاتـي بـعـد أكـثـر مــن ربـــع قـرن على رحيله؟ وهـو ســؤال مـشـروع نقدياً، لكنه يحتاج إلى النظر في طبيعة حضور الشاعر لا في حجم تداوله فقط. فالشعراء الكبار لا تُقاس قيمتهم بانتشار قصائدهم في لحظة معينة، بل بما أحدثوه من تغيير في مسار الشعر. ومـن هـذه الـزاويـة يصعب تجاوز تجربة البياتي؛ فقد كان حاضرا في الدراسات النقدية العربية، واشتغل على شعره عدد من النقاد، كما بقيت تجربته موضوعا للبحث والقراءة. وقــد يـكـون تـراجـع الاهـتـمـام الأكـاديـمـي بـه في الــســنــوات الأخــيــرة مرتبطا بـتـحـولات الـذائـقـة والـــبـــحـــث، لا بــانــتــهــاء أثــــره الـــشـــعـــري. غــيــر أن الإقرار بهذه المكانة لا يعني النظر إلى تجربته بـوصـفـهـا تــجــربــة مـكـتـمـلـة لا يـطـولـهـا الـنـقـد، فـالمـشـروعـات الـشـعـريـة الـكـبـرى تـظـل مفتوحة عـلـى المــراجــعــة، وتـسـتـمـد حيويتها مــن تعدد القراءات واختلافها. ومــع ذلـــك، فــإن الــقــراءة المنصفة لا تعني إنــــكــــار جــــوانــــب الـــضـــعـــف فــــي تـــجـــربـــتـــه. فـقـد تأثرت بعض مراحله بالخطاب الآيديولوجي المباشر، وأثقل الموقف السياسي أحيانا البناء الشعري. لكن ذلـك لا يحجب اللحظات الفنية الكبرى في شعره، ولا يقلل من قيمة دواوينه التي أسهمت في تأسيس الحساسية الشعرية الحديثة. ويبقى ديـــوان «بستان عائشة» من أبرز محطات تجربته؛ إذ استطاع فيه أن يحقق قـــــدرا كــبــيــرا مـــن الــــتــــوازن بـــن الــفــكــر والــشــعــر، والرؤية والجمال، فابتعد النص عن المباشرة واقترب من جوهر الشعر، حيث تصبح الفكرة صورة، والموقف إحساساً، والتجربة الإنسانية لغة نابضة. إن البياتي لا يحتاج الـيـوم إلى دفاع متحمس، فالشعراء الحقيقيون تحميهم أعمالهم لا المقالات التي تُكتب عنهم. وما زال شـعـره قـــادرا على إثـــارة الــحــوار، وهـــذه الـقـدرة على اسـتـدعـاء الــقــراءة بعد عـقـود مـن الرحيل هي إحدى علامات الشاعر الكبير. لــقــد تــغــيــرت الأزمــــنــــة، وتــبــدلــت الأذواق، لكن عبد الوهاب البياتي بقي جزءا من الذاكرة الشعرية العربية؛ لأنه لم يترك قصائد فقط، بل تـرك مشروعا شعريا أسهم فـي إعـــادة تشكيل صــــورة الـقـصـيـدة الـحـديـثـة، وسـيـظـل حـاضـرا كلما عاد القراء إلى الأسئلة التي حملها شعره. عبد الوهاب البياتي د. جاسم حسين الخالدي إذا كان السياب قد منح القصيدة الحديثة بعدها الغنائي والدرامي، فإن البياتي منحها بعدها الرؤيوي والفكري «أبو حالوب»... مرسال المثقفين العراقيّين المنفيين «أبــــو حـــالـــوب»، صــاحــب الـكُــنـيـة الـتـي ارتــــبــــط وجــــودهــــا فــــي دمـــشـــق بـــالمـــئـــات مـن المثقفين والفنّانين العراقيّين، غـادر الحياة في عمّان أواخــر الأسبوع الماضي، ليكشف خــبــر وفـــاتـــه عـــن المـــكـــانـــة الـــتـــي احــتــلــهــا في قاموس المنفى العراقي بالنسبة المقيمين في دمشق والمارين بها صوب مدن ومغتربات العالم. منذ ثمانينات الـقـرن المـاضـي، وحتّى أعــــوام قليلة، و«أبــــو حــالــوب» (لـبـيـد رشيد بكتاش)، على طاولته بمقهى الـروضـة في دمـشـق (شـــارع الـعـابـد)، بوصفه عـامـة من عــامــات المـــأســـاة الـعـراقـيّــة فــي تيهها نحو الاغتراب والنأي بعيدا عن البلاد. هـذا الاســم الــذي أطلقه أحـد العراقيّين عليه؛ ارتباطا بشخصيّة قديمة من الدراما الـــعـــراقـــيّـــة، ارتـــبـــطـــت مـــحـــطّـــات بــــأعــــام فـي الثقافة العراقيّة، فمع ولادتــه كتب الشاعر محمد مهدي الجواهري عنه بعض الأبيات ِ(لعلاقته بأسرته وبعمه تحديداً): ِأَلَبيد عِشْت الدَّهْر عُمْر لَبيد ٍغض الصبا ألقا طري العود ِأهديك من شعري أعز وليدة زُفّت إليك وأنت خير وليد ِألبيد نحن الأسبقون معابرا لممر جيل من ذويك جديد ومــــا إن اســـتـــقـــر عــلــى الإقــــامــــة فـــي الــشــام واقـــتـــنـــص الـــطـــاولـــة الأشــــهــــر لـــــدى الـــعـــراقـــيّـــن فــي مقهى الـــروضـــة، حـتّــى صـــار مـحـطّــة ثابتة يقصدها العديد من الأسماء الأدبيّة والفنيّة، لتتسع صداقاته مع عشرات المثقفين من أجيال مختلفة. جمعت طاولته أصـدقـاء متناقضين ومتباعدين، ومنها تشكّلت صـداقـات جديدة بين جموع عراقيّة، كـان أبـو حالوب مقصدها الأوّل والأخــيــر، لتتخطّى الـطـاولـة بكراسيها الأربــــعــــة كـــونـــهـــا مـــكـــانـــا أو زاويـــــــة فــــي مـقـهـى، لتصبح ملتقى عراقيّا ومحطّة لتوزيع أخبار وتـــــداول مــعــلــومــات. وكــــان روادهـــــا الـعـراقـيّــن القادمين من بغداد وأوروبـــا وأميركا وجميع المــــدن الــتــي وصــلــهــا أبـــنـــاء بــــاد الـــرافـــديـــن في أرض الشتات. كانت بديلا صنعه أبو حالوب لنفسه ولمن يقصده عن المكان الأوّل الـذي بات مستحيلا على كثيرين، إذ صــار فـي جلوسه بين جانبي المقهى الصيفي والشتوي في نهار الـيـوم الـواحـد ومسائه، قطبا ينتظر الرسائل والأمانات والعناوين والمواعيد. بث «أبو حالوب» في تلك الطاولة نبضا من روح البلاد التي فرّقت أبناءها في المنافي. كنت أعجب من ذاكرة هذا الرجل، كيف لا ينسى أدق التفاصيل! يذهب إلى تحليل الشخصيات الأدبـــيّـــة مــن وجـهـة نـظـره بمنحى لا عـاقـة له بالتقييمات الإبــداعــيّــة والـفـنـيّــة الـتـي لــم تكن تشغله أصـــاً، بـل سـرعـان مـا يعطيك انطباعا عن تلك الشخصيّة وعاداتها وكيف تتصرّف. أضـــحـــى هــــذا الاســــــم، عــلــى مـــــدار الـعـقـود المـــاضـــيـــة، جـــــزءا مـــن ذاكــــــرة الــثــقــافــة الــعــراقــيّــة فـــي المــنــفــى، حــفــظ سِـــيَـــر الــعــديــد مـــن الـفـاعـلـن فيها، مثلما استوطن اسـم «أبــي حـالـوب» في ذاكرتهم. ، ضـمـن مـوجـة 2006 وتـــعـــرّفـــت إلــيــه عـــام جــــديــــدة مــــن هــــجــــرات الـــعـــراقـــيّـــن فــــي وقــتــهــا، كنت يومها عـائـدا مـن تجربة سفر خائبة في أوكـــرانـــيـــا، لـــم تـكـتـمـل بــالــوصــول إلـــى أوروبـــــا. دخــلــت هـــذه الـقـصّــة فــي «سـيـسـتـم» معلومات الراحل، عندما التقينا وتعارفنا، وهنا فهمت شــيــئــا فــشــيــئــا تـــركـــيـــبـــة شــخــصــيّــتــه ومـــســـاره اليومي وسر نجاحه في إدارة علاقات متشعّبة ومتقاطعة. مـــــا زلــــــت حــــتّــــى هــــــذه الـــلـــحـــظـــة، أحــتــفــظ بـــمـــســـوّدات طــويــلــة عـــن الـــيـــومـــيّـــات الـــســـوريّـــة، عنوانها ومنطلقها أبـو حـالـوب، يـوم طلب أن أجــد لـه سكنا قريبا مـنـي، ليكون الـجـار الـذي أسمع همهماته مع نهاية كل يوم يعود فيه من «الروضة»؛ لأسجّل من خلاله عوالم وانطباعات عن الثقافة العراقيّة بين الداخل والخارج، كان هو مرتكزها ومنصّتها الشفاهيّة. ، اتّــخــذ أبـــو حــالــوب قـــراره 2018 فــي عـــام بمغادرة سوريا نهائيّاً، فقد أجهضت الحرب هــــنــــاك مــــواســــم ارتـــــيـــــاد الــــعــــراقــــيّــــن المـــعـــتـــادة لـــدمـــشـــق، ونـــزولـــهـــم فــيــهــا، ومــــرورهــــم الأكــيــد بطاولته الأثيرة، ليتوجّه إلى بغداد، كمحطّة مؤقّتة لتصفية ما تملكه العائلة فيها، ومن ثم الانتقال الأخير إلى عمان؛ من أجل الإقامة مع عائلته. في شتاء ذلك العام ببغداد، مر اللقاء سريعاً، كان لبيد هو نفسه الضاحك الساخر الــذي لا يترك فرصة ليطلق نكتة يخلط فيها ما بين الفكاهة ومرارة الواقع باستمرار تدفّق موجات الهجرة العراقيّة؛ حينما يقول: لماذا لا نهاجر هذه المرّة إلى الكونغو أو أوغندا! * شاعر عراقي *حسام السراي أبو حالوب (لبيد) إبراهيم داود يهدي ديوانه لكوكبة من المبدعين الراحلين «على مقام الصبا»... مرثية للأيام الرحبة يــفــتــتــح الــــشــــاعــــر المــــصــــري إبـــراهـــيـــم داود ديـوانـه الأحـــدث «على مقام الصبا» بـــإهـــداء لافـــــت، يـــقـــول فـــيـــه: «إلـــــى أصـــدقـــاء الأيــام الرحبة»، ثم يذكر أسماء مجموعة من المثقفين والأدبـــاء والشعراء الراحلين. وجـــزء مــن جـاذبـيـة الإهــــداء هـنـا أنـــه ليس مــــجــــرد شـــــــيء شــــخــــصــــي، بـــــل أقــــــــرب إلــــى عـامـة نـصـيـة؛ فـهـو جـــزء رئـيـس مــن بنية الــــديــــوان ورؤيـــــة الـــــذات الـــشـــاعـــرة لـلـعـالـم، نــاقــا الــرحــابــة مــن صـفـة لصيقة بـالمـكـان إلى صفة للأيام والزمن؛ إذ يبدو الديوان كـــلـــه أقـــــــرب إلــــــى مـــرثـــيـــة لـــلـــعـــالـــم الـــقـــديـــم، للمدينة الـتـي فـقـدت سـحـرهـا، لتاريخها وحـــــكـــــايـــــاتـــــهـــــا، لـــــشـــــوارعـــــهـــــا وأزقـــــتـــــهـــــا، لأساطيرها وموسيقاها، ومرثية للأيام الــتــي فــقــدت رحــابــتــهــا... ومـــن ثــم يحضر هـــــؤلاء الأشــــخــــاص لــيــس فــقــط بـوصـفـهـم كانوا مقربين من الشاعر بشخصه، ولكن في الأساس بوصفهم علامة على زمن أفل وانقضى، بكل رحابته وحنانه ودهشته، وبـمـديـنـة فـــي طريقها لاندثار ملامحها. مــــــــنــــــــذ عـــــــنـــــــوانـــــــه الـــــذي يــتــخــذ مـــن مـقـام «الـــــــصـــــــبـــــــا» تـــــحـــــديـــــدا مـركـزا دلالـيـا لــه، يبدو الـــــــــــديـــــــــــوان، الــــــصــــــادر فـــي الـــقـــاهـــرة عـــن «دار العين للنشر»، نشيجا مكتوما وموجعاً، فهذا المــــقــــام أكــــثــــر المـــقـــامـــات الموسيقية تعبيرا عن الـحـزن والألـــم العميق، كـــمـــا يـــعـــبـــر عـــــن حـــالـــة روحـــــانـــــيـــــة مــــتــــجــــذرة. ومــن ثـم يـبـدو الـديـوان كله تعبيرا عن هذا الأسـى المكتوم، وكأنه أغنية حزينة ممتدة وطويلة، تنعى فيها الــــــذات وجــــودهــــا وعـــالمـــهـــا وزمـــانـــهـــا؛ لــذا فــإنــه قـصـيـدة واحــــدة طــويــلــة، تـتـكـون من مقطعا شـعـريـا، تعبر كلها عــن حالة 26 الرثاء هذه، بتنويعات متباينة، ومعاناة الذات الشاعرة من التيه في الأيام الضيقة الخانقة، والاغتراب في الأماكن التي كانت دافئة وحنونة، لكنها تحولت وتشوّهت، فــــاقــــدة حــمــيــمــيــتــهــا الـــقـــديـــمـــة، ولــــــم تـعـد الذكريات التي تحتفظ بها الذاكرة كافية لإضفاء الحميمية على ما هو راهن، يقول: «حقيبة الزمن مهترئة... تسع بالكاد: بضع خطوات... وذكريات باهتة وخرائط لبلاد بعيدة تحتفظ بها لأسباب غامضة ًبعد أن فقدت الحماس لمواصلة الركض وصرت غاضبا وخائفا وحزينا وتبحث عن باب للخروج». إنـــــنـــــا هــــنــــا أمـــــــــام حـــــالـــــة مــــــن فــــقــــدان الطمأنينة التي كانت قديماً، نستطيع أن نتعرف إليها مـن خـال نقيضها الـراهـن، فــقــد صـــــارت هــــذه الــــــذات تــعــانــي مـشـاعـر ســـلـــبـــيـــة ومــــضــــطــــربــــة، ويـــســـيـــطـــر عـلـيـهـا الـــغـــضـــب والـــــخـــــوف والـــــحـــــزن، والـــشـــعـــور بـالانـحـبـاس فــي الــزمــان والمـــكـــان؛ فالزمن مهترئ، والأماكن بعيدة نفسيا رغم قربها الـــجـــغـــرافـــي، حــتــى صــــار الــــزمــــان والمـــكـــان كـاهـمـا سجنا يحيط بـــالـــذات... ومـــن ثم تبحث عــن مـفـر إلـــى عـالـم آخـــر، يعيد لها الـطـمـأنـيـنـة الــتــي كـــانـــت، وتـــرســـم تـصــورا وخريطة لمستقبلها في ذلك العالم الآخر، والأغـــلـــب أنـــه عـالـم المــــوت، بـوصـفـه مهربا وملاذاً، وبابا للخروج من العالم الواقعي الذي اهترأ، يقول: «في العالم الآخر سأقوم بترتيب أوراقي وأبتني البيت الذي حلمت به على الأرض البيت الذي ستحرسه الموسيقى والأساطير وكرامات الأولياء والقديسين». هـــكـــذا، يـصـبـح الــرحــيــل إلــــى «الــعــالــم الآخــــــــر» لـــيـــس مــــوتــــا، بــــل تــشــيــيــد لـــواقـــع بديل، تتحقق فيه الأحـام المجهضة على الأرض، وتبني فيه الـــذات بيت أحلامها، ليكون مفعما بكل العلامات السيميائية الـــتـــي تـمـثـل حـــضـــورا دافــــئــــا، فـالمـوسـيـقـى والأسـاطـيـر والأولـــيـــاء والـقـديـسـون؛ كلها دوال تكتسب دلالات جديدة من حضورها فـــــي وعـــــــي الــــــــــذات الـــــشـــــاعـــــرة، بـــوصـــفـــهـــا تمثل بالنسبة لـه مـاكـه الــحــارس مـن كل موبقات الواقع، الذي فقد حتى موسيقاه وألوانه، وفقد بفقدانهما البهجة السمعية والـــبـــصـــريـــة، وإذا انــتــفــى الاثـــنـــان تضمر حاستا السمع والبصر. ومن ثم فإن تآكل الجمال فـي العالم ليس موضوعا خـارج الذات، بل داخل في صميم وجودها: «الـحـزن هـذه المــرة جــارح/ والـذيـن تركتهم وخـــرجـــت/ تــوقــفــوا عـــن تـشـغـيـل المـوسـيـقـى في الــشــرفــة/ حـتـى قـمـصـانـهـم لــم تـعـد مـلـونـة/ كما تظهر في الصورة». هــنــا تــتــمــدد المـــســـاحـــة الــفــاصــلــة بين الــواقــع وصــورتــه الـقـديـمـة، الـتـي تتخذها الـذات مرجعا ومعيارا تقيس عليه حالها الـراهـن. ومـن ثـم يتعملق الأســـى، ويصير الـــحـــزن جـــارحـــا، بـحـجـم مـــا فـقـدتـه الــــذات، فــحــتــى الــــعــــادات الــقــديــمــة الـــتـــي مـــا زالـــت حاضرة فقدت امتلاءها ومعناها، بل إنها استحالت إلى النقيض من معناها الأول، مــثــل عــــادة المـــشـــي، أبــســط الــطــقــوس الـتـي يمكن أن يستمتع بها إنسان ما: «وأنــــــــت حــــزيــــن/ لا تــــعــــرف: أيـــــن تــمــشــي/ ولا كـــيـــف تـــمـــشـــي/ لـكـنـك تمشي». فـــــــــالمـــــــــشـــــــــي هـــــنـــــا أصــــــبــــــح عــــــامــــــة عـــلـــى الــــــتــــــيــــــه الــــــــــوجــــــــــودي، والضياع الذي يسيطر عــلــى الــــــذات الــشــاعــرة، وعـــلـــى إنـــســـان الـعـصـر الراهن بشكل عام. عـــــــــــــلـــــــــــــى مــــــــــــــــــــدار الــديــوان، تظل المـوازنـة والمـقـارنـة بـن الـ«هنا» المهترئ المتآكل، حيث «لـــن تـنـجـح المـوسـيـقـى في ترميم الحكايات»، و«لـــــــــــــــــــم تــــــــعــــــــد لــــلــــغــــة الخضراء أجنحة»، وبـن الـ«هناك» الملاذ والمفر، حيث: «سـتـشـرق شـمـس لـكـل واحـــد عـلـى حــدة/ وسيرث الفقراء حدائق» مقارنة دومـا تكون في صالح العالم الآخــــر؛ إذ تــنــزاح دالــــة المــــوت عــن دلالاتــهــا المعتادة، بوصفه مرادفا للفناء، ويكتسب دلالات جــديــدة داخــــل الــنــصــوص، تتصل بـــكـــونـــه «مــــديــــنــــة فــــاضــــلــــة»، أو فــــردوســــا منشوداً، وليس مفقودا كالمعتاد؛ فردوس تتحقق فـيـه المـــســـاواة والــعــدالــة والـحـريـة والـــتـــآخـــي، كــمــا يـمـكـن أن تـعـتـنـقـه الــــذات الشاعرة من أنساق قيمية تتآكل مع المكان والزمان. إلى جوار الحالة السردية الواضحة، والطابع الدرامي والميل الحكائي الشائع فــــي شـــعـــريـــة داود، تــــبــــرز فــــي الــــديــــوان مــجــمــوعــة أخـــــرى مـــن الــتــقــنــيــات المـهـمـة، منها تعدد الضمائر بين التحدث أحيانا بــضــمــيــر الــــغــــائــــب، وأحــــيــــانــــا بــــــ«الأنـــــا»، وأحـيـانـا بضمير المـخـاطـب أنـــت، ومنها الــــتــــرابــــط الـــنـــصـــي بــــن نــــهــــايــــات بـعـض المقاطع وبدايات المقاطع التي تليها، كأن يختتم المقطع الحادي عشر قائلاً: «تستطيع أن تبتكر نهرا جنب عزلتك/ نهرا عريضاً/ لتسبح على راحتك/ أنت تتفقد الآفاق كأن الأمـر لا يعنيك/ كأنك في بــادك»، في حين يبدأ المقطع الثاني عشر قائلاً: «أنت تخليت عن نهرك الذي سورته بالأساطير والأغاني/ تركت التاريخ في أيدي رجال العقارات». مـــــا يـــجـــعـــل المـــقـــطـــعـــن مـــتـــرابـــطـــن، والـــتـــالـــي يــنــبــنــي عـــلـــى أطــــــال الـــســـابـــق، ويكمل فجواته وتحولاته. كما تكثر على مدار الديوان البنى الاستفهامية الأقرب أحيانا إلى اللوم والاستنكار: «أين كنت حين سُرقت قوارب النجاة؟». كــــمــــا أن ثــــمــــة تــــنــــاصــــات مـــــع آيـــــات قرآنية، وتناصات بالمخالفة مع نصوص شعرية راسخة، ففي هذا الديوان «الناس تــائــهــون»، ولـيـسـوا جــارحــن كالصقور، كما كانوا في بلاد صلاح عبد الصبور، فـالـنـاس لـم يــعــودوا هـم الــنــاس، وليست البلاد هي البلاد، حتى المدينة لم تحتفظ بكونها «بـا قلب» كما كانت لـدى أحمد عبد المعطي حجازي: «لــيــل المـديـنـة يتنفس بـصـعـوبـة/ يـشـم هو الآخر رائحة حرائق لا أحد يعرف مكانها»... لقد أصبحت بلا قلب وعقل وجسد، وتحولت إلـى مسخ يدعو للرثاء وليس للهجوم عليها. عمر شهريار النص الكامل على الموقع الإلكتروني
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky