Issue 17415 - العدد Monday - 2026/8/3 الاثنين الإعلام 17 MEDIA د. ياسر عبد العزيز قانون الاتصالات يكلّف «لجنة الاتصالات الفيدرالية» التأكد من خدمة المحطّات المرخّصة «المصلحة العامة والملاءمة والضرورة» ترند جمهور الإعلام... حقيقة تفضحها النقرات من أغرب مفارقات البيئة الإعلامية المعاصرة أن الجمهور يظهر كشخصين مختلفين في آن واحد؛ شخص يتحدث إلى الـبـاحـثـن، وشـخـص آخـــر يجلس أمـــام الـشـاشـة. الأول يعلن بإخلاص أنه يريد صحافة دقيقة وموضوعية ومتوازنة، وأنه يفضل الأخبار القائمة على التحقق والوثائق، وأنه ينفر من الإثارة والانفعال. أما الثاني، فيمنح وقته وانتباهه للمحتوى الأسرع والأكثر استفزازا وإثارة. وبين الشخصين تتسع فجوة تكاد تفسر جانبا كبيرا من الاضطراب الذي يعيشه الإعلام في عصر المنصات. ولسنوات طويلة ظن كثيرون أن تراجع الصحافة المهنية يعني ببساطة أن الجمهور لـم يعد يُــقـدّر قيمها التقليدية، غير أن نتائج الـبـحـوث الــجــادة جـــاءت أكـثـر تعقيدا مـن هذا الاستنتاج، فهي تكشف أن أغلبية الناس لا تزال تعلن تمسكها بالدقة والحياد والشفافية، بوصفها المعايير التي ينبغي أن تحكم العمل الصحافي. لكن البيانات الرقمية التي تسجل الــســلــوك الـفـعـلـي تــرســم صــــورة مـخـتـلـفـة تــمــامــا؛ فـمـا يـجـذب الانتباه ليس دائما ما يحظى بالإعجاب، وما يستهلكه الناس ليس بالضرورة ما يقولون إنهم يفضلونه. هــــذه المـــفـــارقـــة لـيـسـت جـــديـــدة فـــي الــعــلــوم الاجـتـمـاعـيـة. فـقـد أثـبـتـت دراســـــات كـثـيـرة أن الإنـــســـان لا يجيب دائــمــا بما يعكس سلوكه الحقيقي، بـل بما يعتقد أنــه يـقـدم «صـورتـه المثالية» أمام الآخرين؛ ويسمي الباحثون ذلك «تحيّز الرغبة الاجتماعية». فالناس يميلون إلى تقديم أنفسهم باعتبارهم أكـثـر عقلانية وأكـثـر الـتـزامـا بالقيم المقبولة اجتماعيا على عكس ما تكشفه اختياراتهم اليومية. ولذلك، فإن الإجابة عن ســؤال مـن قبيل «مـا نـوع الصحافة التي تفضلها؟» تختلف كثيرا عن مراقبة ما يختاره الشخص عندما يتصفح هاتفه في لحظة فراغ أو انفعال. وتكشف نتائج أحـدث الـدراسـات أن الثقة لا تـزال ترتبط فــي أذهــــان الـجـمـهـور بـالـدقـة والاسـتـقـالـيـة والإنـــصـــاف. لكن الدراسات نفسها تظهر أن النمو الأكبر في استهلاك الأخبار يــتــجــه نـــحـــو الـــفـــيـــديـــوهـــات الـــقـــصـــيـــرة ومـــنـــصـــات المـــؤثـــريـــن والمحتوى الشخصي، الــذي يقوم فـي كثير مـن الأحـيـان على الـــــرأي والانـــفـــعـــال أكــثــر مـمـا يــقــوم عـلـى المـعـايـيـر الصحافية التقليدية. وهـكـذا يصبح الـخـطـاب الـــذي يـــراه الجمهور أقل مهنية هو نفسه الخطاب الـذي يحصل على النصيب الأكبر من الانتباه. ولا يعود ذلك إلى تغير مفاجئ في القيم بقدر ما يعود إلـــى اخـــتـــاف آلـــيـــات الاخـــتـــيـــار. فـالاسـتـبـيـان يـمـنـح الإنــســان وقتا للتفكير فيما ينبغي أن يكون عليه. أما المنصة الرقمية فـتـخـاطـب غـــرائـــزه الإدراكـــيـــة فــي لحظة خـاطـفـة. إنـهـا تكافئ الــفــضــول قـبـل الـحـكـمـة والانـــفـــعـــال قـبـل الــتــأمــل والـــجـــدة قبل العمق. ولذلك، فإن المنافسة لم تعد تدور بين الحقيقة والزيف بـقـدر مـا أصبحت تـــدور بـن مـا يـجـذب الانـتـبـاه ومــا يتطلّب جهدا ذهنيا أكبر. وقد كشفت دراسـات في علم النفس المعرفي أن المحتوى المــثــيــر لــلــمــشــاعــر الــســلــبــيــة أو الـــدهـــشـــة أو الــغــضــب يحظى باحتمالات أعلى للمشاركة والانتشار. وليس معنى ذلك أن الـجـمـهـور يـحـب التضليل أو يـرفـض الحقيقة، وإنــمــا يعني أن الـدمـاغ البشري يستجيب تلقائيا للمثيرات، الـتـي تبدو أكثر ارتباطا بالبقاء والانتباه. وعندما تتولى الخوارزميات تعظيم هـذا الميل الطبيعي تتحول الاستثناءات إلـى قاعدة، ويصبح المحتوى الأكثر إثارة هو الأكثر حضورا حتى وإن ظل الناس يؤكدون في الاستطلاعات أنهم يفضلون غيره. وهنا تظهر معضلة خطيرة أمام المؤسسات الصحافية؛ فإذا انحازت بالكامل إلى ما يطلبه الجمهور في الاستبيانات، فقد تخسر المنافسة على الانتباه. وإذا انزلقت إلى ما يكافئه اقـتـصـاد المـنـصـات فـقـد تخسر هويتها المـهـنـيـة. ولــذلــك، فـإن النجاح الحقيقي لا يكمن في التضحية بالقيم، ولا في تجاهل الواقع، بل في إنتاج صحافة مهنية تعرف كيف تقدم الحقيقة فــي قـالـب جـــذاب دون أن تتخلى عــن الـتـحـقـق أو الـــتـــوازن أو السياق. ومــن الخطأ أيضا أن ننظر إلــى الجمهور بوصفه كتلة واحدة متناقضة. فالفرد نفسه قد يكون مواطنا عقلانيا حين يجيب عن الاستبيان، ومستهلكا تلقائيا حين يفتح هاتفه. فـــي الــحــالــة الأولـــــى يـبـحـث عــمــا يـعـتـقـد أنــــه يــخــدم المصلحة العامة، وفي الثانية يستجيب لما يحقق له الإشباع الفوري. ولذلك، فإن التناقض ليس بين جمهورين مختلفين، وإنما بين وظيفتين نفسيتين تتعايشان داخل الإنسان الواحد. ولعل الدرس الأهم الذي تفرضه هذه النتائج أن مؤشرات الانتشار لا تصلح وحدها مقياسا لجودة الصحافة، كما أن الاستبيانات لا تكفي وحدها لفهم طبيعة الجمهور. فالحقيقة توجد في المسافة بين ما يقوله الناس وما يفعلونه. ومن يفهم هذه المسافة يستطيع أن يدرك لماذا تبقى قيم الدقة والموضوعية والحياد محل إجماع علني تقليدي، بينما تستمر المنصات الأكثر إثارة في حصد النصيب الأكبر من المشاهدة والانتباه. إن الجمهور لا يكذب بالضرورة حين يجيب عن سؤال الباحث، ولا يخون قناعاته حين ينقر على المحتوى المثير. لكنه يكشف، في كل مرة، وجها مختلفا من طبيعته. وبين الوجهين تتشكل ًالخريطة الحقيقية للإعلام المعاصر. حين تصبح التراخيص سلاحا معركة ترمب والإعلام... أين ينتهي التنظيم وتبدأ الرقابة؟ لـم تعد معركة الرئيس الأمـيـركـي دونالد تـرمـب، فـي ولايـتـه الـثـانـيـة، مـع الإعـــام سجالا يـومـيـا حـــول تغطية سـلـبـيـة، أو ســـؤال مـزعـج، بــل تـحـوّلـت إلـــى نـهـج تـتـقـاطـع فـيـه صلاحيات الوكالات الفيدرالية، وتجديد تراخيص البث، وإتـــاحـــة الـــوصـــول إلـــى المــعــلــومــات، والـــدعـــاوى القضائية. حـتـى ظــهــور تــرمــب الأول بصفته رئيسا 24 فـــي عـــشـــاء مـــراســـلـــي الــبــيــت الأبــــيــــض، يــــوم يـــولـــيـــو (تــــــمــــــوز)، جـــمـــع الــــرئــــيــــس بـــــن المــــــزاح وإعادة ترديد اتهاماته المعتادة للصحافة، في مفارقة عكستها مناسبة مخصّصة للاحتفاء بالحرّيات التي يكفلها التعديل الأول للدستور. إذ أكـــد أنـــه يتيح للصحافيين وصــــولا واسـعـا إلـــيـــه، لـكـنـه واصــــل فـــي الـــوقـــت نـفـسـه مهاجمة مــؤســســات إعــامــيــة بـعـيـنـهـا، واتــهــامــهــا بقلة النزاهة. كار يعيد تعريف الوكالة مقابلة رئيس لجنة الاتصالات الفيدرالية، بـريـنـدان كـــار، الـــذي عينه تـرمـب لـقـيـادتـهـا مع صحيفة «بوليتيكو»، تكشف أن ما يجري ليس سـلـسـلـة ردود فـعـل عـــابـــرة، بـــل إعـــــادة تعريف مـعـلـنـة لـــــدور وكـــالـــة ظــلــت بــعــيــدة نـسـبـيـا عن الصدامات السياسية. ويقدّم كار نهجه بوصفه مـــزيـــجـــا مــــن اتــــجــــاهــــن: إلــــغــــاء واســــــع لـلـقـيـود التنظيمية... يقول إنــه أزال بموجبه أكثر من ألفي قاعدة، وتدخّل أكثر حزما في قطاع البث الأرضي. كار، وهو محام متخصص في الاتصالات، وتــــــدرّج فـــي المــنــاصــب داخـــــل الـــوكـــالـــة عــلــى مــر الـسـنـن، بنى عـاقـة قـويـة مـع تـرمـب، وانـخـرط بـــحـــمـــاس فــــي مـــواجـــهـــة خـــصـــوم الـــرئـــيـــس فـي وســـائـــل الإعــــــام سـعـيـا لإخــضــاعــهــم. والـــيـــوم، حــجــة كــــار الأســـاســـيـــة أن مــحــطــات الـتـلـفـزيـون والإذاعـــة ليست كالصحف، أو شبكات الكابل، ومنصات البث الرقمي؛ فهي تستخدم ترددات عــــامــــة بـــمـــوجـــب تـــراخـــيـــص حـــكـــومـــيـــة، ولـــذلـــك يتوجّب عليها العمل وفق «المصلحة العامة». وهـو هنا يصر على أن اللجنة ليست «شرطة لــلــكــام»، لكنها مــســؤولــة عــن تطبيق «قــواعــد تكافؤ الفرص» بين المرشحين، و«منع التضليل المتعمد» في الأخبار، ومحاسبة المحطات عند تجديد تراخيصها. غير أن المقابلة أظهرت أيضا مدى التطابق الـــســـيـــاســـي بــيــنــه وبـــــن تــــرمــــب. إذ أشــــــاد كـــار بمواجهة الرئيس «الإعلام التقليدي». وقال إن على المؤسسات الإعلامية أن تجري «تصحيحا لـــلـــمـــســـار». كـــذلـــك امـــتـــنـــع عــــن اعـــتـــبـــار تــوجــيــه الرئيس اللجنة للتحقيق مع محطة ما أمرا غير ملائم، ورفــض الإفـصـاح عن اتصالاته بالبيت الأبــــيــــض. أمــــا الـــكـــوب المــــوضــــوع عــلــى مـكـتـبـه، ويصوره على هيئة «كلب حراسة» لترمب في مواجهة الإعلام، فإنه يختصر الصورة التي لا يبدو كار منزعجا منها. سلطة حقيقية وحدود دستورية يـمـتـلـك كـــــار، فـــي الــــواقــــع، جـــــزءا مـهـمـا من الـسـنـد الــقــانــونــي الــــذي يـسـتـنـد إلـــيـــه. فـقـانـون الاتــــصــــالات يــكــلّــف الــلــجــنــة الـــتـــأكـــد مـــن خـدمـة المحطّات المرخّصة «المصلحة العامة، والملاءمة، والـــضـــرورة»، والمـحـكـمـة العليا أقــــرّت تاريخيا تــنــظــيــمــا أوســــــع لــلــبــث الأرضـــــــي بــســبــب نــــدرة الــــتــــردّدات. وخــــال مــايــو (أيـــــار) ذكّــــرت اللجنة المـــحـــطـــات بــأنــهــا تــســتــخــدم مــــــوردا عـــامـــا، وأن تــراخــيــصــهــا لا تـضـعـهـا فـــي المـــوقـــع الـقـانـونـي نفسه للصحف، أو خدمات الإنترنت. بـــيـــد أن هــــــذه الـــســـلـــطـــة لـــيـــســـت تــفــويــضــا مـفـتـوحـا لـضـبـط الــتــوجّــهــات الـسـيـاسـيـة. ذلـك أن قــانــون الاتـــصـــالات نـفـسـه يـمـنـع الـلـجـنـة من الرقابة، أو من التدخل في حرية التعبير. وأيضا تؤكد إرشاداتها أن الحكومة لا تستطيع حظر بث وجهة نظر معينة. وحتى قاعدة «الفرص المـــتـــســـاويـــة» تـــتـــضـــمّـــن اســـتـــثـــنـــاءات لــلــبــرامــج الإخـــبـــاريـــة، والمـــقـــابـــات الإخـــبـــاريـــة الحقيقية، مـا يجعل تصنيف بـرامـج مثل «ذا فـيـو» الـذي تقدّمه مجموعة من المذيعات، من بينهن ووبي غــولــدبــرغ وجــــوي بــيــهــار، أو الــبــرامــج الليلية مـسـألـة قـانـونـيـة قـابـلـة لــلــنــزاع، ولـيـسـت حكما سياسيا يصدره رئيس اللجنة منفرداً. مـــن جــهــة ثـــانـــيـــة، لا يــكــفــي اتـــهـــام محطة بالانحياز لتطبيق سياسة «تحريف الأخبار»؛ إذ يتطلب ذلـــك عــــادة أدلــــة عـلـى تـعـمّــد تشويه تــقــريــر وقـــائـــعـــي بـــشـــأن حــــدث مـــهـــم. ومــــن هنا تنشأ المخاوف من أن يتحوّل مفهوم «المصلحة العامة»، إذا ما استُخدِم بانتقائية، من معيار لـحـمـايـة الــجــمــهــور إلــــى أداة لمـعـاقـبـة خــيــارات تحريرية محميّة دستورياً. العقوبة ليست الشرط الوحيد أوضـح تطبيق لهذا النهج هو الأمـر الذي أصدره كار بإخضاع تراخيص ثماني محطات تملكها «ديـزنـي–إيـه بي سـي» لمراجعة مبكّرة، مـــع أن مــواعــيــد الـتـجـديـد لا تــبــدأ قـبـل أكـتـوبـر . وجاء القرار بعد يوم من 2028 ) (تشرين الأول مطالبة ترمب الشبكة بطرد جيمي كيميل الذي يقدّم برنامجا ليليا سـاخـراً. لكن كـار يقول إن التوقيت مصادفة، وإن الإجراء نتج من تحقيق بشأن احتمال انطواء 2025 ) بدأ في مارس (آذار سياسات التنوّع والتوظيف في «ديزني» على تمييز غير قـانـونـي، ومــن عــدم تـعـاون الشركة بصورة كافية مع طلبات اللجنة. وكالة «رويترز» ذكرت أن المراجعة المُبكرة، وهـــي الأولـــــى مـــن نـوعـهـا مـنـذ أكــثــر مـــن نصف قــــــرن، دفـــعـــت مـــســـؤولـــن ســـابـــقـــن فــــي الـلـجـنـة مــن الإدارتــــــن الـجـمـهـوريـة والـديـمـقـراطـيـة إلـى وصـفـهـا بـأنـهـا تـهـديـد لـحـرّيـة التعبير يـرتـدي ثوبا تنظيمياً. وتقول شبكة «إيـه بي سـي» إن الـهـدف هـو جعل المـؤسـسـات الإعـامـيـة تخشى 150 العقاب الرسمي، مشيرة إلى تقديم أكثر من في المائة 95 ألف تعليق إلى اللجنة، أيّد أكثر من منها تجديد تراخيص محطاتها. الخطر، بالتالي، لا يقتصر على احتمال سـحـب تــرخــيــص، وهـــو إجــــراء نــــادر جــــداً، وقـد لا يــصــمــد قــضــائــيــا. فــمــجــرد فــتــح تـحـقـيـق أو التلويح بمراجعة الترخيص يمكن أن يؤثر في قـــرارات الشركات التي لديها صفقات انـدمـاج، أو مـصـالـح تنظيمية معلقة. وهـــذا هــو «الأثـــر الــــردعــــي» الـــــذي حــــذر مــنــه حــتــى جــمــهــوريــون، بينهم السيناتور تيد كروز، الذي شبّه تحذير كـــار لكيميل بـلـغـة أفــــام «المـــافـــيـــا»، مـــحـــذّرا من أن السلطة نفسها قـد تُستخدم مستقبلا ضد الإعلام المحافظ. مقاومة مفتوحة وصدارة متراجعة الـواقـع أن الـنـزاع يمتد إلــى مـا وراء لجنة الاتــــصــــالات. فــقــد فــــرض «الــبــنــتــاغــون» (وزارة الحرب) قيودا على حركة الصحافيين، وأغلق مساحة عملهم التقليدية، واشـتـرط مرافقتهم داخــــل المـبـنـى، بـعـدمـا أبـطـلـت محكمة سياسة سـابـقـة كــانــت تـسـمـح بـاعـتـبـار مــن يـسـعـى إلـى معلومات غير مصرح بها «خطرا أمنياً». ودافع «الـبـنـتـاغـون» عـن الإجـــــراءات بـاعـتـبـارات الأمـن القومي، بينما أعادتها المؤسسات الصحافية إلى القضاء. لـــذلـــك قــــد تــنــجــح الإدارة فــــي دفـــــع بـعـض الـشـركـات إلــى الــحــذر، أو الـتـسـويـة، أو الرقابة الـذاتـيـة، لكنها لا تملك حتى الآن قـــدرة كاملة على «تطويع» الإعـــام. فالمحاكم، والمؤسسات الــــصــــحــــافــــيــــة، والانــــــقــــــســــــام داخــــــــــل «الـــــحـــــزب الــــجــــمــــهــــوري»، فــــضــــا عـــــن خـــــــروج «الــــكــــابــــل» والمنصّات الرقمية من نطاق تراخيص اللجنة، كلها تشكل قيودا جدية على هذا المشروع. بالتوازي، قد تكون ريادة أميركا في حرية الصحافة قد تضرّرت بالفعل، إذ وضعها مؤشر فــي المرتبة 2026 «مــراســلــون بــا حــــدود» لـعـام الـرابـعـة والـسـتـن، بـتـراجـع سـبـع مــراتــب. لكنه مؤشر على تآكل المكانة أكثر مـن كونه إعلانا عـن زوال الحماية الـدسـتـوريـة. والـخـاصـة أنه لا دليل على «خطّة سرّية» أبعد مما هو معلن: استخدام أدوات الوصول والتنظيم والترخيص لــدفــع الإعــــام إلـــى تغيير ســلــوكــه. وسـتـتـحـدّد النتيجة بقدرة المؤسسات على مقاومة الضغط قبل أن يـتـحـوّل الاستثناء التنظيمي الخاص بالبث إلى سابقة سياسية دائمة. ترمب يلقي كلمته في حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض (رويترز) بريندان كار (رويترز) واشنطن: إيلي يوسف ما تأثير اتجاه عمالقة البث للتحالف مع «يوتيوب» على المحتوى؟ أعلنت شركتا «إن بي سي يونيفرسال» و«يـوتـيـوب» بنهاية يوليو (تــمــوز) الماضي عن شراكة استراتيجية متعددة، من شأنها تـوفـيـر خــدمــة «بــيــكــوك» (وهــــي خــدمــة الـبـث الــتــلــفــزيــونــي عــبــر الإنـــتـــرنـــت الــتــابــعــة لـــــ«إن بــي ســي يـونـيـفـرسـال») لمشتركي «يـوتـيـوب بريميوم»، كما تسعى الشراكة لاحقا لتوسيع النطاق الدولي لخدمتَي «يونيفرسال بلس» و«هايو». الـجـانـبـان ذكـــرا أن هــذه الـخـطـوة تجمع مــــزايــــا الـــنـــطـــاق الـــعـــالمـــي لمــنــصــة «يـــوتـــيـــوب» ومنظومة صُنّاع المحتوى والمحتوى المتنوّع الــــــذي تـــقـــدّمـــه، وبـــــن مـــحـــتـــوى «إن بــــي سـي يـــونـــيـــفـــرســـال» المــتــمــيــز وأفـــامـــهـــا الـضـخـمـة وبــــثّــــهــــا الــــريــــاضــــي المــــبــــاشــــر وامـــتـــيـــازاتـــهـــا الشهيرة. ووفــــق «إن بـــي ســـي يــونــيــفــرســال»، في إفادة رسمية، تُعد هذه الاتفاقية أكبر شراكة تــــوزيــــع لـــخـــدمـــة «بـــيـــكـــوك» حـــتـــى الآن، وقـــد وصـفـتـهـا بــأنــهــا «تــفــتــح آفـــاقـــا جـــديـــدة أمـــام الشركتين لتنمية جمهورهما وتعميق تفاعل المـعـجـبـن، وتـقـديـم قيمة أكـبـر للمستهلكين وصُـــــــنـــــــاع المـــــحـــــتـــــوى والمــــعــــلــــنــــن وشـــــركـــــاء التوزيع». مــن جـهـة ثـانـيـة، اعــتــبــارا مــن أوائــــل عـام ســـيـــجـــري تــضــمــن اشـــــتـــــراك «بــيــكــوك 2027 بريميوم» ضمن باقة مع «يوتيوب بريميوم»، مــا يتيحه فــــورا لمــايــن مـشـتـركـي «يـوتـيـوب بــريــمــيــوم» الــحــالــيــن، ويـــوسّـــع بـشـكـل كبير نطاق وصــول «بيكوك» ليصبح بذلك واحـدا من أكثر خدمات البث المدفوعة انتشاراً. وحول هذا التطور قال الرئيس التنفيذي لـ«يوتيوب»، نيل مـوهـان: «إننا متحمسون لـلـغـايـة لـتـوسـيـع شـراكـتـنـا مـــع (إن بـــي سي يـــونـــيـــفـــرســـال) لـــتـــعـــزيـــز خــــدمــــات الاشــــتــــراك الترفيهي الحديث بالنسبة للمستخدمين». في حين علّق مات شتراوس، رئيس مجموعة الإعـــام فـي «إن بـي سـي يـونـيـفـرسـال» قائلا إن «مـــــن شـــــأن هـــــذه الــــشــــراكــــة تـــســـريـــع نـمـو (بـــيـــكـــوك) مـــن خــــال إتـــاحـــة الـــخــدمــة لمـايـن مشتركي (يوتيوب بريميوم)، بما يدفع قيمة طويلة الأمـد لأعمالنا». وأردف: «تفتح هذه الشراكة طُرقا جديدة أمام الجمهور لاكتشاف محتوى (إن بي سي يونيفرسال)، والوصول إلــيــه وتـعـمـيـق تـفـاعـلـهـم مـعـه أيـنـمـا وكيفما اختاروا المشاهدة». وحـــــول هــــذه الـــخـــطـــوة، رأى أكـــــرم فـــرج، الــخــبــيــر والمــســتــشــار فـــي تـقـنـيـة الاتـــصـــالات والمعلومات والإعــام، خلال لقاء مع «الشرق الأوســــط»، أن هــذا الـتـحـوّل الـافـت فـي علاقة مـــنـــصّـــات الـــبـــث الـــكـــبـــرى وشــــركــــات الإنـــتـــاج بـــمـــنـــصـــات كـــــبـــــرى، مــــثــــل «يــــــوتــــــيــــــوب»، مــن التنافس إلى الشراكة، هو «اتجاه ليس وليد الـلـحـظـة؛ بــل لــه جـــذور مـعـروفـة عـالمـيـا تحت اسم التنافس التعاوني الذي يدمج التعاون مع المنافسة». وضرب مثالا بما حدث سابقا في صناعة الموسيقى العالمية، حين تعاونت شـــركـــات كــبــرى مـثـل «إي إم آي» مـــع «وارنــــر ميوزك غـروب»؛ إذ تتبادل الشركات الحقوق وفقا لقوة كل طرف في الأسواق المختلفة. وبحسب فــرج، فــإن قطاع خـدمـات البث «يـــواجـــه الـــيـــوم تـحـديـن رئـيـسـن كــانــا وراء هذه الشراكة؛ أولهما تحدي الاكتشاف. ومع الانـفـجـار الهائل فـي حجم المحتوى الرقمي وتـدفـق مـئـات وآلاف الأعــمــال يـومـيـا، أصبح العثور على محتوى جيد عقبة أمام المشاهد بغض النظر عن جودته؛ لأن الأعمال التي لا تظهر في الواجهة الأولى للمنصات يفقدها الجمهور تماماً، وهنا تلعب منصات بحجم (يوتيوب) دورا محوريا بفضل محرّك بحثها الضخم (غــوغــل)، الـــذي يساعد فـي الترويج واكتشاف المحتوى». القاهرة: إيمان مبروك النص الكامل على الموقع الإلكتروني
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky