الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel OPINION الرأي 15 Issue 17413 - العدد Saturday - 2026/8/1 السبت جيش الحبيب بورقيبة... عدس وحليب ... ذاكرة لا يجوز أن تشيخ 1990 أغسطس ،1961 في الخامس من شهر مايو (أيـــار) عـام قــــام الــرئــيــس الـتـونـسـي الـــراحـــل الـحـبـيـب بورقيبة بزيارة دولة إلى الولايات المتحدة الأميركية بدعوة مـــن الــرئــيــس الأمــيــركــي جـــون كـيـنـيـدي. كــانــت تلك الـزيـارة الأولــى لرئيس دولــة إلـى الـولايـات المتحدة بعد تولي كينيدي رئاستها. كان الاستقبال متميزا حـيـث كـــان الـرئـيـس كينيدي وزوجــتــه جـاكـلـن في مقدمة مستقبليه بمطار واشنطن، وركب الرئيسان مــعــا ســـيـــارة مــكــشــوفــة، وقـــامـــا بـتـحـيـة الـجـمـاهـيـر المصطفة على الطريق. الرئيس الأميركي الشاب يحتفي بأول استقبال له لرئيس دولة، والرئيس بورقيبة، يتدفق حيوية وسعادة بالترحيب الباذخ الرسمي والشعبي له، في واشنطن عاصمة الدولة الأميركية. زار بورقيبة عــــددا مـــن المــــدن الأمــيــركــيــة، وكــــان اهـتـمـامـه الأكـبـر الاطـــاع على المـشـاريـع العمرانية والــزراعــيــة. عقد الرئيسان جلسات ثنائية طويلة. كــــــان بـــورقـــيـــبـــة هــــو المـــتـــحـــدث الأســـــاســـــي فـي القضايا الثنائية والإقليمية والدولية. كانت الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي الرأسمالي والشرقي الشيوعي ترسم خطوط السياسة الدولية. تونس دولة عربية أفريقية متوسطية، أي أنها دولة على حافة المواجهة بين المعسكرين المتحاربين. بورقيبة كـائـن سياسي ومـنـاضـل وطـنـي، تشكل فـي معمل تونسي عربي إسـامـي، وعــاش فـي فرنسا الدولة الـــتـــي كـــانـــت تــســتــعــمــر بـــــــاده، عـــــاش فــيــهــا طـالـبـا ومناضلا وسجيناً، وخاض حربا سياسية تسلح فـيـهـا بـــالمـــنـــاورات المــتــحــركــة، مـــع رفـــاقـــه الـوطـنـيـن الـتـونـسـيـن، ومـــع المستعمر الـفـرنـسـي، وحـتـى مع الباي الجالس على عرش البلاد التونسية. في واشنطن وهو يتحدَّث مع الرئيس كينيدي، قائد الدولة الأقوى في العالم، ويخوض حربا عالمية لا دمـاء فيها، لا شك في أن مساعديه ومستشاريه قد وضعوا أمام رئيسهم خريطة البلاد الجغرافية وأوضاعها الاقتصادية والاجتماعية، التي يجلس مع رئيسها. ولا شك أن تونس سمكة استراتيجية، تحتاجها صـنـارة الـصـيـاد الأمـيـركـي الـعـمـاق في حربها العالمية الباردة، مع المعسكر الشيوعي غير البعيد عن البحر الأبيض المتوسط. بــورقــيــبــة المــــحــــاور المــــنــــاور هـــو أيـــضـــا صـيـاد خـــبـــيـــر، واعـــــتـــــاد عـــلـــى إلــــقــــاء شـــبـــاكـــه فــــي الـــبـــحـــار السياسية المتحركة. تـحـدث مـع الـرئـيـس كينيدي طـويـا وبالتفصيل، عـن القضية الـجـزائـريـة، وعن معاناة الجزائر مـن الاستعمار الفرنسي الطويل، وقال لكينيدي مباشرة: «أطلب من الولايات المتحدة الأمـيـركـيـة أن تُــلـقـي بثقلها الـسـيـاسـي مــع الشعب الجزائري، الـذي دفـع مليونا من أبنائه في معركة الحرية». تحدث بورقيبة عن القضية الفلسطينية، وشــــرح رؤيــتــه الــتــي لــم يـغـيـرهـا، أو حـتـى يعدلها طـوال رئاسته للدولة التونسية، وهـي تنفيذ قرار الـــقـــاضـــي بـــإقـــامـــة دولـــة 181 الأمـــــم المـــتـــحـــدة الـــرقـــم فلسطينية، إلى جانب دولة إسرائيل. تـــحـــدث بـــورقـــيـــبـــة عــــن الــــوضــــع الـــــدولـــــي، ومـــا يعيشه من صـراع بين قـوى كبرى، فأطال الحديث عــــن الــــتــــزام تـــونـــس بــســيــاســة الـــحـــيـــاد، وهـــــي غـيـر منحازة لأي طرف أو كتلة، في الصراعات الدولية، بعيدة كانت أو قريبة، فتونس منحازة إلى قضية واحـــــدة فـــقــط، وهــــي تـنـمـيـة نـفـسـهـا، والــعــمــل على الـنـهـوض، والـــخـــروج مــن ربـقـة الـتـخـلـف، إلـــى دنيا التقدم والرفاهية. الرئيس كينيدي، وهو يستهل ولايته وجلوسه في البيت الأبيض، كان حريصاً، بل متلهفا لمعرفة نمط التفكير السياسي لـقـادة دول العالم الثالث، بـخـاصـة الـــعـــرب مـنـهـم. الـــصـــورة الـنـمـطـيـة للعرب إجــمــالا آنـــذاك فـي أمـيـركـا كـانـت سلبية، ولــو قرأنا مـا كتبه الـرئـيـس الأمـيـركـي الأسـبـق دوايـــت ديفيد أيزنهاور، في مذكراته عندما كان قائدا عسكريا في ، قد وصف العرب بالبؤس 1942 شمال أفريقيا عام والكسل، وفي موضع آخر وصفهم بسرعة الانفعال والأحـكـام المسبقة. لا أستبعد أن الرئيس كينيدي قــد قـــرأ شـيـئـا عــن الـشـخـصـيـة الـعـربـيـة، قـبـل لقائه الرئيس التونسي، فقادة الـدول الكبرى يحرصون على الاطلاع على ما تكتبه لهم أجهزتهم السياسية والأمـنـيـة عـن شخصية الزعيم الــزائــر، وليس لدي ما أجزم به على أن كينيدي قد قرأ ما كتبه سابقه أيزنهاور عن العرب. كـــــان الــســفــيــر الـــتـــونـــســـي فــــي إيـــطـــالـــيـــا أحــمــد بالنور جـارا لي، عندما كنت سفيرا لليبيا بروما، وكـــنـــا نـلـتـقـي فـــي جــلــســات طـــويــلـــة. أحـــمـــد بـالـنـور عمل سنوات طويلة مديرا للأمن العام بتونس في عهد الرئيس بورقيبة، وكان مسكونا بشخصيته، ومــؤمــنــا بـسـيـاسـتـه وفـــكـــره، ومـــبـــررا حــتــى بعض هــــفــــواتــــه. تــــحــــدث مــــطــــولا عــــن عــــاقــــات بــورقــيــبــة الـــخـــارجـــيـــة، وعـــنـــدمـــا يـــحـــط عـــنـــد زيـــــــارة الــرئــيــس بورقيبة إلى الولايات المتحدة لا يكاد يغادرها إلا ليعود إلـيـهـا، فالسفير أحـمـد بـالـنـور كــان يــرى أن ما قاله بورقيبة للرئيس كينيدي يعبر عن جوهر شخصيته وفكره ووطنيته. في ختام اللقاء بينهما سأل الرئيس الأميركي بورقيبة: ماذا تطلب من أميركا يا سيادة الرئيس الــعــزيــز، هــل تــريــد مــــالا وســـاحـــا؟ قـــال لــه الـرئـيـس بـورقـيـبـة: شــكــرا لــك فـخـامـة الــرئــيــس، لا أريــــد مــالا ولا سـاحـا، أريــد فقط الـعـدس والحليب، مساعدة مـن شعبكم الصديق للشعب التونسي. كـان وزيـر الخارجية التونسي الصادق المقدم، يرافق بورقيبة فـــي تــلــك الــــزيــــارة، وعــنــدمــا ســــأل الــرئــيــس عـــن ســر طلبه العدس والحليب، قـال لـه: أريـد أن أمـأ بهما المـــدارس، فالآباء يرسلون أولادهــم إليها ليتغذوا، وأنـا أقـوم بتعليمهم. قـرأت كتاب الدكتور المولدي لحمر، الذي تضمن حوارا طويلا مع محمد الصياح مدير الحزب الدستوري في عهد الرئيس بورقيبة، فصدَّقت كل ما سمعته من صديقي السفير أحمد بالنور. بورقيبة كان يؤمن بأن التعليم هو الجيش الأقـــــــوى الـــحـــامـــي لــــأوطــــان ورافـــعـــتـــهـــا لـلـنـهـوض والتقدم. بورقيبة كان يكرر دائما «أنا أشتغل على بناء الأدمغة». 1990 فـي فجر الثاني مـن أغسطس (آب) عــام حـدث أمـر جلل شهده جيلنا، استيقظ الكويتيون على غـزو غــادر، ست وثـاثـون سنة مـرت على ذلك الحدث الجلل. مَن عاش تلك الأيام يتذكر تفاصيل كثيرة مفزعة، ربما لا توجد في الكتب، أما الجيل الـذي ولـد بعد الكارثة فهو يسمع القصة من أهله لأنــهــم عـــاشــوهــا... أنـــا أعــــود إلـيـهـا الــيــوم للتذكير بـــأن المـنـطـقـة، كـمـا نـعـيـش أحــداثــهــا، مــا زالــــت تعج بطموحات التوسع، ومخاطر المغامرات العسكرية، وحـتـى شــن الـــحـــروب! وأسـتـحـضـرهـا لأن الطموح للهيمنة خارج الحدود ما زال يمثل تحديا وجوديا لدول الخليج. قـبـل الــغــزو كـــان هـنـاك شـــيء مــن الـتـفـاؤل يسود المنطقة، فقد انتهت الحرب العراقية ـ الإيرانية الشرسة بعد ثماني سنوات من الصراع، أصابت دول الخليج منها جروح كثيرة، وأصابت الكويت مباشرة في أكثر من مناسبة إصابات اقتصادية وسياسية: وكنا نأمل أن يعقب العاصفة شيء من الهدوء، ولكن كان هناك أيضا سؤال يقلق الكثيرين، كيف ستتعامل الدولتان المتحاربتان بكل ما خلفته الحرب من سلاح وجيوش وطموحات مع طموحات التوسع؟ قبل ذلك بسنوات كانت الكويت من الدول التي دفعت باتجاه لحمة خليجية، تجمع دول المنطقة. ، ولد مجلس التعاون لدول 1981 وفي أبوظبي عام الخليج العربية. يومها رحبت الدول الست بالفكرة، واتــخــذ الـــقـــادة وقـتـهـا، رحـمـهـم الـلـه جـمـيـعـا، قـــرارا تاريخياً. ربـمـا لـم يتصور أحــد وقتها أن المجلس سوف يواجه بعد أقل من عشر سنوات امتحانا من .1990 النوع الذي واجهه في أغسطس القيادة العراقية في ذلك الوقت أخذها الصلف والــــغــــرور إلــــى حـــســابــات ثــبــت ســريــعــا أنـــهـــا كـانـت كـــارثـــيـــة. لـــم يــكــن أحــــد مـــن أهــــل الــحــكــم فـــي الـــعـــراق وقتها، كما قـرأنـا لاحقا فـي مذكراتهم، قـــادرا على أن يناقش ما يتخذه صدام من قرارات، تلك صفات الديكتاتورية، فقام بغزو بلد جار ومسالم، وشعب لـم يتأخر عـن نصرة القضايا العربية، واعتقد أن الأمـــر يمكن أن يصبح حقيقة سياسية يقبل بها الآخـــــرون مـــع مــــرور الـــوقـــت. ورافـــــق هـــذا شـــن حـرب إعلامية شـعـواء ضـد الكويت ودول الخليج كانت شرسة وظالمة. كـانـت سبعة أشـهـر مـن الاحــتــال كما شهدها أهلنا سوداء بكل معنى الكلمة. وفي تلك المحنة ظهر أيضا ما يعنيه التلاحم الوطني الكويتي، واعتبرت دول الخليج أن العدوان عليها أيضاً. فقد استقبلت أهـلـنـا الـكـويـتـيـن الــذيــن خــرجــوا قــســرا مــن بـلـدهـم، وتحركت تلك الدول لإنهاء الاحتلال. كانت الرياض في المقدمة، ومعها كل دول الخليج. ربما الحقيقة الأســـاســـيـــة الــتــي لا خــــاف عـلـيـهـا أن دول الخليج اعتبرت العدوان قضية أمن خليجي مشترك. فــــــي وســــــــط تــــلــــك الأحــــــــــــــداث كـــــانـــــت الــــقــــيــــادة الكويتية تدير شؤون الداخل والخارج، في ظروف حضر 1990 ) سبتمبر (أيلول 27 استثنائية. وفي الأمــيــر الــراحــل الـشـيـخ جـابـر الأحــمــد الـصـبـاح إلـى نيويورك وخاطب الجمعية العامة للأمم المتحدة. أتــذكــر ذلـــك المـشـهـد. أعــضــاء الجمعية الـعـامـة بعد الخطاب وقفوا وصفقوا له دقائق. قــــال الــشــيــخ جـــابـــر: «لـــقـــد جــئــت الـــيـــوم إلـيـكـم حاملا رسالة شعب أحـب السلام، وعمل من أجله، ومد يد العون لكل من استحقها، وسعى إلى الخير والصلح بين من تنازعوا، وتعرض أمنه واستقراره ليد العبث». الأهــــم بالنسبة لــي فــي تـلـك الـكـلـمـة أن الـرجـل تحدث عن المستقبل فقال: «إن خروج الغزاة لا ريب فيه بـإذن الله العلي القدير، وسنعود إلـى كويتنا كما عهدناها دار أمن وأمان»... وقد عدنا. ولكن المحتل، مـع هزيمته فعل شيئا يصعب نسيانه. أحرق وفجر آبار النفط. وكان علي أن أعود إلى الكويت سريعا بعد التحرير. مع فريق دولي، ولا تــــزال صــــورة تــلــك الـــعـــودة فـــي ذهـــنـــي. اقـتـربـت الطائرة من الكويت في وسـط النهار، ونظرت من النافذة، فـإذا النهار أقـرب إلى الليل. الدخان غطى السماء، ورائحة الحريق كانت إعلانا آخر عن حجم الخراب الذي تركه الغزاة وراءهم. هـرب الـغـازي وبقيت الكويت. لـم يتحقق ذلك إلا بالتضحيات. كان هناك شعب رفض الاحتلال، وقيادة تمسكت بشرعية الدولة، وكان هناك موقف خـلـيـجـي مــنــاصــر وداعــــــم، ومـــوقـــف عـــربـــي ودولــــي مؤيد، رأى أن السماح بابتلاع دولة مستقلة سوف تكون له نتائج كارثية. بعد ست وثلاثين سنة لا أعتقد أن المطلوب هو استدعاء الكراهية... المطلوب شيء آخر، ألا ننسى الدرس. هو ترسيخ السيادة والتضامن الخليجي، ذلــــك يــحــتــاج إلــــى جـــهـــد، لأن المـــخـــاطـــر تــغــيــرت في الظاهر، ولكنها مستمرة في الجوهر. فالمنطقة لم تصبح أكثر أمناً. تغيرت الوجوه، أمـا فكرة التوسع فما زالـت حـاضـرة. ومـا نشاهده حـولـنـا يـقـول إن الــدولــة الـوطـنـيـة مــا زالـــت مـهـددة، عندما يعتقد طـرف ما أن القوة تعطيه حق تقرير مصير الآخرين. اليوم يرسل الحوثيون مسيَّراتهم إلى السعودية، مهددين بإغلاق مضيق باب المندب، وعصابات الشر ترسل مسيراتها. إننا نعيش في جــيــرة عـظـيـمـة المــخــاطــر. إذ يـسـتـمـر لـــدى بعضهم الصلف المذهبي! آخر الكلام: بعد ست وثلاثين سنة ما زلت أرى صورة الكويت من نافذة تلك الطائرة: نهارا غطاه دخــان الآبـــار المحترقة، ومــا زال البعض يرغب في إحلال الظلام من جديد! عبد الرحمن شلقم محمد الرميحي
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky