issue17412

بــدت تصريحات نـائـب الـرئـيـس األمـيـركـي جيه دي فانس، خــال حـــواره املـطـول مـع جـو روغـــان، أشهر مقدم بـودكـاسـت في أميركا، وكأنها زلزال بقوة عشر درجات على مقياس ريختر، وقد أحدثت فالقًا سياسيًا امتد من واشنطن إلى تل أبيب. املــقــابــلــة، الــتــي تـــجـــاوزت ثـــاث ســـاعـــات، وصـفـهـا كـثـيـر من املحللني بأنها وثيقة سياسية جديدة، تكشف جانبًا من التحوالت العميقة داخــل اإلدارة األميركية، وتعيد طـرح الـسـؤال الــذي ظل مؤجل لعقود: هل بدأت املصالح األميركية واإلسرائيلية تتباعد؟ منذ اللحظات األولى، حرص فانس على تقديم نفسه ممثل ملــدرســة «أمـيـركـا أوالً»، وهـــي املــدرســة الـتـي تـــرى أن أي تحالف خارجي، مهما بلغت أهميته، يخضع في النهاية ملعيار واحد، هو املصلحة القومية األميركية. وحمل حديثه رسائل واضحة إلى الداخل األميركي، كما بدا موجهًا إلى انتخابات الرئاسة عام .2028 ويــســتــحــضــر فـــانـــس تـــجـــربـــة الـــرئـــيـــس األســــبــــق ريـــتـــشـــارد نيكسون فـي أكثر مـن مناسبة، ويــرى أنــه األقـــرب إليه مـن حيث الـــرؤيـــة الـسـيـاسـيـة وإدارة الــصــراعــات الــدولــيــة، فــي إشــــارة إلـى أن الـواليـات املتحدة تقترب مـن مرحلة تعيد ترتيب أولوياتها الخارجية على أسس مختلفة، عن تلك التي سادت خلل العقود املاضية. وجاء الجزء األكثر إثارة عندما انتقل إلى الحديث عن الشرق األوســـط، فقال إن بعض املسؤولني داخــل الحكومة اإلسرائيلية سعوا إلى التأثير في الرأي العام األميركي، من أجل إفشال مسار وقــف الـحـرب فـي الـشـرق األوســــط، وإن واجـــب اإلدارة األميركية يتمثل فـي اتـخـاذ الـقـرار الــذي يخدم مصالح الــواليــات املتحدة، حتى إذا تـعـارض مـع رغـبـات أقــرب الحلفاء، مـؤكـدًا أن السياسة األميركية تصنع في واشنطن، وأن الرئيس األميركي يقسم على حماية مصالح بلده قبل أي اعتبار آخر. وقـال فانس بوضوح إن الواليات املتحدة ترتبط بمصالح اسـتـراتـيـجـيـة واقــتــصــاديــة واســـعـــة مـــع دول الـخـلـيـج، وإن هـذه املصالح تمثل ركنًا رئيسيًا فـي سياستها الخارجية، وإن أمن الطاقة، واستقرار أسواق النفط، وحماية خطوط امللحة الدولية، وتــعــزيــز الـــشـــراكـــات االقــتــصــاديــة واالســتــثــمــاريــة، تـمـثـل أهــدافــ أميركية ثابتة؛ في إشارة واضحة إلى أن رؤية واشنطن للمنطقة أصــبــحــت أكــثــر اتــســاعــ مـــن حــصــرهــا فـــي الــعــاقــة مـــع إســرائــيــل وحدها، وأن العلقات مع الدول العربية الخليجية أصبحت جزءًا أساسيًا من معادلة األمن العاملي. ومــن وجـهـة نظر فـانـس، فــإن الــواليــات املتحدة غير معنية بخوض حــروب مفتوحة تستنزف قدراتها، مع تجنب االنــزالق إلى صراع طويل يفرض على األميركيني أعباء بشرية واقتصادية جديدة، معتبرًا أن استخدام القوة يظل الخيار األخير، وأن نجاح الـدبـلـومـاسـيـة، مـتـى حـقـقـت املـصـالـح األمــيــركــيــة، يـحـقـق نتائج أفضل من الحروب املمتدة. وفــي الـشـأن الـداخـلـي، اعـتـرف فـانـس بــأن اإلدارة األميركية أخطأت في إدارة ملف وثائق جيفري إبستني، وأن طريقة التعامل مع القضية أضرت بثقة الرأي العام، مؤكدًا أن الشفافية تمثل أحد أهـم عناصر النظام الديمقراطي األمـيـركـي، وأن اإلدارة مطالبة بعرض الحقائق كاملة متى سمح القانون بذلك، ألن استعادة ثقة املواطنني تبدأ باملصارحة الكاملة. كما أثـــارت ملحظاته بشأن إبستني اهتمامًا واسـعـ، بعد أن تـــحـــدث عـــن اعـــتـــقـــاده بـــوجـــود عـــاقـــات مـــع مــؤســســات أمـنـيـة واستخباراتية، مقدمًا ذلك بوصفه رأيًا شخصيًا يحتاج إلى ما يثبته، وهو ما فتح بابًا واسعًا للنقاش داخل الواليات املتحدة، وأعــاد إلـى الواجهة أسئلة قديمة حـول طبيعة العلقة بني املال والسياسة واألجهزة األمنية. وتـــكـــتـــســـب هـــــذه الـــتـــصـــريـــحـــات أهــمــيــتــهــا مــــن مـضـمـونـهـا وتوقيتها فـي آن واحـــد، فالرجل يشغل منصب نـائـب الرئيس، ويعد أحد أبرز الوجوه الجمهورية املرشحة لقيادة الحزب خلل الـسـنـوات املقبلة، وهــو مـا يمنح كلماته وزنــ سياسيًا يتجاوز حدود مقابلة إعلمية، وقد أحدثت املقابلة ارتدادات واسعة داخل األوســــاط السياسية واإلعــامــيــة، ألن كـثـيـرًا مــن املـسـلـمـات التي حكمت الخطاب األميركي تجاه الشرق األوسط أصبحت موضع مراجعة علنية، وألن الحديث صدر عن املسؤول الثاني في الدولة، وليس عن محلل سياسي، أو أكاديمي، أو عضو في الكونغرس. وامتدت ارتـــدادات هـذه التصريحات إلـى عواصم العالم، ألنها أعــادت فتح النقاش حـول مستقبل التحالفات الدولية، وحدود املونة اإلسرائيلية في القرار األميركي، وإمكان تشكل تــــوازنــــات جـــديـــدة فـــي الـــشـــرق األوســـــــط، إذا اســتــمــر االتـــجـــاه األميركي نحو تقديم املصلحة القومية على اعتبارات التحالف التقليدية. الحقيقة أن العالم العربي مدعو إلى قراءة هذه التحوالت بعني املـصـالـح. فتصريحات جيه دي فـانـس ال تعني انقلبًا على إسرائيل، وال تعني تغيرًا فوريًا في السياسة األميركية، وإنما تعكس اتجاهًا متناميًا يدعو إلى إعـادة تعريف مفهوم التحالفات التقليدية، وربطها باملصلحة األميركية املباشرة. وإذا استمر هذا االتجاه، فإن املنطقة قد تكون أمام فرصة إلعادة صياغة علقاتها مع واشنطن على أسـاس املصالح املتبادلة، ورؤية أكثر توازنًا، وقدرة أكبر على توظيف التحوالت الدولية فـــي خــدمــة الـقـضـايـا الــعــربــيــة، بــــدال مـــن االكــتــفــاء بـمـتـابـعـة ما يصنعه اآلخرون. لــم يـبـق مــن مــذكــرة الـتـفـاهـم اإليــرانــيــة – األمـيـركـيـة، الـتـي تنتهي أغسطس (آب) املقبل، سـوى شعرة معاوية، إذا جازت 18 مهلتها في استعارة هـذه املعادلة من دبلوماسية الخلفة األمـويـة. وتتمثل هذه الشعرة اليوم في املفاوضات غير املباشرة بني واشنطن وطهران، التي يحرص الوسطاء على إبقائها قائمة، رغـم تضاؤل فـرص إحيائها أو نجاحها. وقبل انتهاء مهلة الستني يومًا التي مُنحت للمذكرة للوصول إلى اتفاق شامل، كان الطرفان قد أعلنا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فشلها، لكنهما تجنبا إعـانـ مشتركًا عـن تخليهما عنها. فخطورة هــذه املـذكـرة املثيرة للجدل ليست فـي صعوبة تفسيرها أو استحالة تطبيقها، بـل فـي العجز عـن إعـــان وفـاتـهـا، ألن الـبـديـل بــات واضـحـ : الــعــودة إلــى املـواجـهـة املـفـتـوحـة. وهــو خـيـار يثير قلق الجميع، حتى الواليات املتحدة التي تمتلك القدرة على فرضه، لكنها ال تبدو مستعدة لتحمل كلفته االستراتيجية وتداعياته اإلقليمية. دخلت واشنطن، ومعها حليفتها الوحيدة في املنطقة، إسرائيل، الحرب على طهران وهي تراهن على اليوم التالي أكثر مما راهنت على الـحـرب نفسها. لكنها سـرعـان مـا تراجعت عـن كثير مـن املـواقـف التي أعلنتها مـع انـطـاق العمليات العسكرية، لتجد نفسها أسـيـرة عامل الـوقـت، بـ استعجال تحقيق النتائج وحـصـد املـكـاسـب. فـي املقابل، راهـــنـــت إيـــــران عـلـى اســتــهــاك الـــوقـــت وتــأخــيــر ظــهــور الــنــتــائــج، ريثما تستوعب الصدمة وتعيد ترتيب أوراقــهــا، وهـو مـا وفّــرتـه لها مذكرة التفاهم، ولو بصورة مؤقتة. مـأزق طهران أنها بالغت في تقدير ما حققته من نتائج، وسعت إلـــى تـحـويـل بـنـود املـــذكـــرة إلـــى مـكـاسـب، واألخـــطـــر أنـهـا أعــــادت قـــراءة واشنطن بعقلية تقليدية، تمامًا كما قرأت تل أبيب بالطريقة نفسها، 8 فجاءت حساباتها سلبية. فإسرائيل تخوض حربًا متواصلة منذ ، فيما تبدو إدارة البيت األبيض اليوم أكثر 2023 ) أكتوبر (تشرين األول تحررًا من الضغوط الداخلية والخارجية في إدارتها للمواجهة معها. وعـــنـــدمـــا أعـــلـــن الـــرئـــيـــس األمــــيــــركــــي دونـــــالـــــد تـــرمـــب أن االتـــفـــاق املرحلي أصبح منتهيًا، وردّت طهران بأنها لم تطلب أصـا استئناف املـفـاوضـات، بـدا واضـحـ أن الـعـودة إلـى املـسـار السلمي أصبحت أكثر تعقيدًا. ولم يعد باإلمكان إحياء مذكرة التفاهم إال عبر تعديل جذري فـي بـنـودهـا، ووضـــع تفسير واضـــح ومـلـزم لـهـا، وهــو أمــر يـبـدو بعيد املنال في الظروف الراهنة. لذلك، تبدو املنطقة مقبلة على مرحلة تحمل مخاطر استراتيجية كبرى قد تعيد رسم توازناتها من جديد. وبني حذر الوسطاء، ال سيما الباكستانيني الذين لم يتخلوا عن مهمتهم، ودعم دول الجوار ملساعيهم، يقف طرفا النزاع عند أبعد نقطة ممكنة على طاولة التفاوض، فيما تبدو ساحات املواجهة هي امليدان الحقيقي إلدارة الصراع. فمن مضيق هرمز إلـى بـاب املـنـدب، تلوّح طهران بحرب املمرات، وبإمكانية تعطيل االقتصاد العاملي عبر الحوثيني، واستخدام األراضي الــعــراقــيــة لـلـضـغـط عــلــى دول الــــجــــوار، وإعــــــادة ربــــط املـــســـار الـلـبـنـانـي بمسارها عبر املواجهة. وهي تتمسك بكل أوراقها ألنها تعتبر أن هذه املعركة سترسم مستقبل النظام اإليراني نفسه. في املقابل، تبدو الواليات املتحدة مقتنعة بأن حسم املواجهة لم يعد خيارًا مؤجلً، بل ضرورة تفرضها موازين القوة التي تمتلكها، كما تفرضها املصالح اإلقليمية الجديدة التي أصبحت تتحكم بمعادالت السلم والحرب في الشرق األوسط. لقد أثبت فشل مذكرة التفاهم أن الحروب الكبرى ال تتوقف قبل أن تصل إلى لحظة الحسم. كما أثبت أن معادلة «رابح – رابح» لم تعد قابلة للحياة في هـذا الـصـراع، وأن املنطقة تتجه، على األرجــح، إلـى معادلة أكـثـر قــســوة، تـقـوم عـلـى رابـــح واضـــح وخــاســر أوضــــح. وفـــي ظــل سـوء التقدير األميركي مـن جهة، واملبالغة اإليـرانـيـة فـي الثقة بالنفس من جهة أخرى، يصبح خطر االنزالق إلى مواجهة أوسع احتماال حقيقيًا. OPINION الرأي 12 Issue 17412 - العدد Friday - 2026/7/31 اجلمعة وكيل التوزيع وكيل االشتراكات الوكيل اإلعالني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] املركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 املركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى اإلمارات: شركة االمارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 املدينة املنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب األولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية املوجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها املسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة ملحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي باملعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com مصطفى فحص هل يؤثر حديث السفينة في األطراف المشاركة في الهجمات على السفن المدنية؟ المنطقة قد تكون أمام فرصة إلعادة صياغة عالقاتها مع واشنطن على أساس المصالح المتبادلة جمال الكشكي واشنطن ــ طهران وصعوبة التفاهم الحرب... وحسابات الرجل الثاني مـــن جـــديـــد تـــزايـــد االســـتـــشـــهـــاد بــحــديــث الـــنـــبـــي، صــلــى الـلـه عليه وسلم، عن العالم باعتباره سفينة تتهددها أخطار البحر وعواصفه. والحديث في األصـل مَثَل ضربه النبي (ص) لسفينة ذات طبقتني، كان الذين في الطبقة السفلى إذا أرادوا الحصول على املاء يصعدون إلى الطبقة الثانية أو العليا ورموا بدالئهم إلى املاء فلما طال عليهم األمـر قالوا: لو أنّــا خرقنا في نصيبنا خَرقًا ولم نؤذ مَن فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا وهلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا. واستشهد النبي (ص) في نهاية مَثَله املضروب بالقرآن: {واتقوا فتنة ال تصينب الذين ظلموا منكم خاصة، واعلموا أن الله شديد العقاب}. مــنــذ نــحــو الــعــقــديــن يــســتــخــدم عــلــمــاء املـــؤســـســـات الـديـنـيـة اإلسـامـيـة هــذا املَــثَــل لـضـرورة تحمل عـقـاء املسلمني وأقويائهم للمسؤولية فـا يَــدَعــون األقلية املتطرفة العنيفة تتهدد عيشهم وأمنهم وحياة العالم وأمنه. لكن التأويلت التفصيلية لهذا املَثَل تعددت. فالذين يذهبون إلى أن السفينة هي تعبير عن مجتمعات املـسـلـمـ ، يـعـتـبـرون الـتـهـديـد داخـلـيـ مــن جـانـب الـفـئـة الصغيرة املتطرفة التي تريد تحطيم سـام املجتمع اإلسلمي وإغـراقـه في بــحــار الـفـوضـى والــعــنــف. أمـــا الــذيــن يـعـتـبـرون تـأويـلـيـ السفينة الواحدة تعبيرًا عن وحدة العالم وبالتالي وحدة مصائره، فيرون ضــرورة التعاون والتضامن العاملي في مكافحة تمرد املتطرفني واملـنـشـقـ وعـنـفـهـم لـكـي ال يـتـهـدد االســـتـــقـــرار الــعــاملــي والـعـيـش اإلنساني. نحن نقرأ هذا الحديث منذ الصِغَر لكني ال أذكر أنه استُعمل مــن جـانـب دُعــــاة املـسـؤولـيـة مــن املـسـلـمـ فــي حقبة الـــصـــراع بني الـــجَـــبّـــاريـــن، وال فـــي الـتـسـعـيـنـات مـــن الـــقـــرن املـــاضـــي عـنـدمـا أُثـيـر موضوع صِدام الحضارات واعتبار املسلمني هم الذين يقلقون من انتصار الحضارة اليهودية-املسيحية على االتحاد السوفياتي، بإصرارهم على عدم االنضواء تحت راية الحضارة املنتصرة، بل وممارسة العنف ضدّها. وقد كان من سوء الحظ أن جاء تصديق شكوك وهواجس صمويل هنتنغتون تجاه املسلمني، في هجوم ، ونـشـر مــوجــات من 2001 «الــقــاعــدة» على الــواليــات املـتـحـدة عــام العنف في سائر أنحاء العالم بما في ذلك في ديار املسلمني. وألن أحـداث «القاعدة» تلتها بعد عقد أحـداث «داعــش»، فقد كان من الطبيعي أن يكثر استعمال الحديث أو املَثَل النبوي ضد «القاعدة» و«داعش» وسائر املتطرفني حتى الذين لم يمارسوا ذاك العنف املهول، لكنهم حاولوا تبرير تصرفات العنيفني بأنهم إنما يـردون بهذه الطرائق على عدوانية الغرب وهجماته مثل احتلل األميركيني ألفغانستان والعراق! في حني اتجه باحثون غربيون إلــى اعـتـبـار تلك الـوقـائـع «حــروبــ فـي ديـــار املسلمني» ناجمة عن االنقسام بني رُكّاب السفينة؛ ولذلك ال بد أن يتدخل العالم ملكافحة هذا العنف، بل ولنصرة املعتدلني على املتطرفني الذين استولوا على روح اإلسلم، وحسب هذه الرؤية، نشبت الحرب العاملية على اإلرهـاب (اإلسلمي) ألن املعتدلني ما استطاعوا كبح جماح دُعاة العنف ومنفذيه أو القائمني به. أما علماء املؤسسات الدينية في األردن ومصر والسعودية واملغرب وباكستان فقد استخدموا مَثَل السفينة بمعناه األصلي أو كما فهموه باعتباره دعوة لتحمل املسؤولية في مواجهة التطرف والعنف حتى لو أدّعــى صُنّاعه حسن النية أو مقاومة الـغُــزاة أو إقـامـة الــدولــة اإلسـامـيـة! وعـنـدمـا تـطـوَّر تـأهُّــل علماء املؤسسات هــؤالء فقد اتجهوا إلـى مخاطبة العالم وليس املسلمني فقط من خلل حديث السفينة بدعوة املؤسسات الدينية والثقافية األُخرى للشراكة في تحمل املسؤولية وعدم الدخول في اإلسلموفوبيا. من الذي يتهدد أمن وسلم السفينة وسلمتها هذه األيام؟ لقد ارتفع صوت عدد من العلماء مؤخرًا في وجه إيران التي تـهـدد هـي وأذرعــهــا أمــن السفن واملــاحــة الـبـحـريـة. وأشــــاروا إلى أنها تستخدم السلح ضد سفن الطاقة والغذاء واألسمدة فتضر باملسلمني اآلخرين، وتضر بأمن العالم، وتحرض وتدعم أذرُعها في القيام بذلك أيضًا ولو بحجة الدفاع املزعوم! هــل يــؤثــر حــديــث الـسـفـيـنـة فــي ســائــر األطـــــراف املــشــاركــة في العنف والـهـجـمـات على السفن املـدنـيـة؟ قـد ال يـبـدو تـأثـيـره اآلن؛ لكن الوعي الديني واإلنساني القائم على أنه ال ضرر وال ضِــرار، والقائم على أن «الفتنة» ال تصيب خصوم إيران فقط؛ بل تصيبها هي أيضًا- يبقى في أخـاد كل الذين يـريـدون االستقرار والسلم واملشاركة في تقدم العالم وأمنه. العالم سفينة معرَّضة للتهديد! رضوان السيد

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==